معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                  العولمة و انعكاساتها على الهوية الثقافية

                                         سليمان  بوفاسة*      

الملخص  

     وفقا للمواثيق الدولية الحق للإنسان في التمتع بثقافته الخاصة و استخدام لغته و المجاهرة بدينه على اعتبار أن ثقافة الأمم و الشعوب و الجماعات هي قيمة راسخة الجذور في ضمير الأفراد و على أساسها تتشكل هويتها و رؤيتها للعالم.

     لذلك حق لنا أن نتساءل و نقول : ما المقصود بالعولمة ؟ و كيف تكونت و تطورت ؟ و ما هي أسبابها ؟ و ماهي تأثيراتها على الخصوصيات الثقافية و المعرفية للشعوب و لا سيما المتخلفة و الضعيفة منها ؟

Globalization and its implications for cultural identity ABSTRACT
  In accordance with international charters for the right person to enjoy their culture and use their own language and profess religion on the grounds that the culture of the United peoples and groups, is the value of deep-rooted in the conscience of individuals and on the basis of their identity and shape its vision of the world.
  The right to ask us and say: What is globalization? How formed and evolved? And what are the causes? And what are their effects on cognitive and cultural specificities of peoples and particularly backward and vulnerable ones?

مقدمة

    لقد حظي موضوع العولمة اهتمام غالبية المفكرين في كافة دول العالم على مختلف تخصصاتهم و ذلك في ضوء الانعكاسات الكبيرة لهذه الظاهرة على مختلف التغيرات الاقتصادية و السياسية و الثقافية لهذه الدول ، و تزايد الاهتمام بالعولمة في ضوء الدور المتنامي للعلاقات الدولية التي أعادت ترتيب الأولويات الإيديولوجية و الاقتصادية و الثقافية للدول .

    ذلك أن الحدود غير المرئية التي ترسمها الشبكة المعلوماتية العالمية لا تقتصر على الاقتصاد بل تتعداه لتشمل الأذواق و السلوكيات و الأفكار ، و تمس الزمن و المكان و ما يمكن أن يتبع ذلك من تجنيس لثقافات العالم و طمس لخصوصياتها.

    و إذا كانت العولمة قد ارتبطت عندما بدأت ظهورها بعالم الاقتصاد و المال ، إلا انه مع مرور الأيام شملت مجالات أخرى كالمعلوماتية و التجارية و بخاصة الثقافية.

    فما هي هذه الظاهرة المتمثلة في العولمة ؟ و ما انعكاساتها على الهوية الثقافية للشعوب ؟ 

و الإجابة على هذه الأسئلة تكون من خلال التطرق إلى العناصر التالية:

1 ـ ماهية العولمة

 2 ـ انعكاسات العولمة على الهوية الثقافية   

1ـ ماهية العولمة:

       العولمة هي اتجاه متعاظم نحو تخطي الحدود السياسية أو الجغرافية و دون الانتماء إلى وطن معين أو الخضوع إلى إجراءات حكومية، و يظهر ذلك بشكل واضح في الشركات متعددة الجنسيات و انتقال رؤوس الأموال عن طريق بطاقات الائتمان و شبكات الانترنت، و لذلك فللعولمة شقين: شق واقعي (أو مادي) جاء نتيجة للتطور العلمي و التكنولوجي الهائل و ما أعقبتها من ثورة في الاتصال و الإعلام و ثورة في المعلومات عبر المحطات الفضائية و شبكات الانترنت و هو شق لا يمكن رفضه بل يجب أن نقبله و نتعلم كيف نتعامل معه، و شق قيمي جاء نتيجة الطابع التوسعي التنافسي لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي فرض اقتصاد السوق على العالم و عزز باتفاقية التجارة العالمية (الكات) و هذا الجانب هو الذي يثير كثيرًا من التخوف و الشكوك حيث فرضت الدول الكبرى شروطها على الدول الضعيفة فحررت التجارة و فرضت حماية صارمة على الملكية الفكرية مما يجعل نقل المعرفة و التكنولوجيا أمر باهظ التكلفة.

1ـ1 ـ تعريف العولمة:

       العولمة في اللغة مأخوذة من التعولم و العالمية، و في الاصطلاح تعني اصطباغ عالم الأرض بصيغة واحدة شاملة لجميع الناس الذين يعيشون فيها و توحيد كل أنشطتها الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية دون اعتبار لاختلاف الأديان و الثقافات و الجنسيات و الأعراق، و إن كان في حقيقة الأمر لا يوجد تعريف جامع مانع و السبب راجع إلى أن كلمة العولمة ليست مصطلحًا لغويًا قاموسيًا جامدًا يسهل تفسيرها بشرح المدلولات اللغوية المتصلة بها، بل هي مفهوم شمولي يذهب عميقًا في جميع الاتجاهات لتوصيف حركة التغيير المتواصلة، و لكن التعريفات التي أوردها الباحثون تركز على الجانب الاقتصادي أكثر من الجوانب الأخرى.[1]

       يعتبر مفهوم العولمة من أبرز الأفكار التي استقطبت الاهتمام على المستوى العالمي في الأعوام الأخيرة، و هو يختلف عن المفاهيم الأخرى لأنه يمس حياة الناس جميعًا و لا سيما من خلال تعميم وسائل الاتصال الحديثة، فمنهم من اعتبرها تلك الثورة المعلوماتية الكونية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، و منهم من مثلها في سيادة الشركات المتعددة الجنسيات، و منهم من وصفها بأنها ظاهرة تشمل مجال المال و الأسواق و الاتصال و تعني أهمية رأس المال، أو بعبارة وجيزة هي إيديولوجية ليبرالية جديدة.[2]

       و العولمة هي الترجمة لكلمة  «Globalization» المشتقة من كلمة "Globe"  أي الكرة (الكرة الأرضية)، و هي مصطلح لاتيني يدل على مشروع لمركزة العالم في حضارة واحدة، فالعولمة لغة مصدر اشتقاقي لفعل مستحدث عولم يعولم عولمة فيقال أن الحياة تعولمت بعد أن تعولم الاقتصاد و أن السيولة المالية قد تعولمت و كذلك المواصلات و المعلومات، لذلك فتعريفات العولمة كثيرة و مختلفة بين المفكرين معظمها تنحصر في التعريفات التالية:[3]

إنها حرية حركة السلع و الخدمات و الأيدي العاملة و رأس المال و المعلومات عبر الحدود الإقليمية و الوطنية.

إنها القوى التي لا يمكن السيطرة عليها للأسواق و الشركات المتعددة الجنسيات التي ليس لها ولاء لأي دولة معينة.

هي تبادل شامل بين مختلف أطراف الكون يتحول العالم بموجبه إلى محطة تفاعلية للإنسانية بأكملها.

هي نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني و الثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات و الإبداع التقني غير المحدود دون أدنى اعتبار للحضارات و القيم و الثقافات و الحدود الجغرافية و السياسية للدول.

هي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز لدول المحيط و في ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ.

هي الاستعمار بثوب جديد تشكله المصالح الاقتصادية.

هي نفي الآخر و إحلال الاختراق الثقافي و الهيمنة و فرض نمط واحد للاستهلاك.

       و آخر ينبه إلى مخاطرها التي تشكلها الولايات المتحدة لجميع جوانبها و الرامية إلى تشكيل العالم وفق مصالحها سائرة نحو ثلاثة مسارات متوازية، الأول اقتصادي و غايته جعل العالم في سوق رأسمالية واحدة يحكمها نظام اقتصادي واحد و توجهها القوة الرأسمالية العالمية (الدول الصناعية السبع و الشركات المتعددة الجنسيات و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي للإنشاء و التعمير و منظمة التجارة العالمية)، و الثاني سياسي يهدف إلى إعادة بناء هيكليات دول العالم السياسية بجعلها كيانات صغيرة ضعيفة متنازعة قائمة على العرقية و الطائفية و اللغوية ليسهل سلبها و سيطرتها، و الثالث المسار الثقافي و الذي يهدف إلى تفويض البنى الثقافية و الحضارية لأمم العالم من أجل اكتساح العالم بثقافة السوق و الاستهلاك.[4]

1ـ2ـ نشأة العولمة و تطورها:

       استعمل مصطلح العولمة في الأدبيات السياسية و الفكرية و الاقتصادية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي،  أي في الثمانينيات من القرن الماضي.

       إنها الظاهرة التاريخية لنهاية القرن العشرين أو لبداية القرن الواحد و العشرين، مثلما كانت القومية في الاقتصاد و السياسية و الثقافة هي الظاهرة لنهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين.[5]

       و هي ظاهرة ظهرت كتطور طبيعي للحضارة الإنسانية منذ غابر الزمان، حيث انتقلت من العصر الحجري إلى العصر الحديدي، ثم إلى العصر الزراعي و الذي بدأ قبل الميلاد بعدة آلاف السنين، و هكذا إلى أن وصلت إلى العصر الحديث و الذي  يتميز بـ:[6]

- كثافة المبادلات بين الدول و المناطق و سرعة انتشارها.

- تطور قطاع التمويل و المعلوماتية و الثقافية و اتساع الأسواق.

       و بسقوط القطب الثاني (الاتحاد السوفيتي و ما تبعه من اضمحلال لإمبراطوريته في أوروبا الشرقية) ظهرت صورة جديدة بدأت تعرف بأحادية القطبية و أسفرت عنه تحولات جذرية في ميزان القوة العالمي أذانًا بمولد ظاهرة العولمة، و قد واكب ذلك تحول العديد من دول العالم عن الأخذ بملامح التنظيم السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الليبرالي و الأخذ بآليات السوق في العديد من دول العالم، و تكللت هذه التطورات بالانتصار الساحق الذي أحرزته دول الائتلاف الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية و بمباركة الأمم المتحدة على العراق، و هذا ما جعلها تفرض رؤيتها الخاصة من خلال إعادة صياغة أنماط التفاعل الدولي و وضع أطر جديدة للتعامل الدولي يخدم مصالحها.[7]

       إلا أن البعض يرى أن نشأة العولمة يرجع إلى القرون الوسطى (القرن 15م) الذي شهد بداية الاكتشافات الجغرافية حيث وصل الأوروبيون إلى سواحل غرب إفريقيا سنة 1434م و إلى رأس الرجاء الصالح سنة 1488م و إلى القارة الأمريكية الشمالية سنة 1492م إلى غيرها من الكشوفات حتى وصل الأمر إلى الدوران حول الأرض سنة 1522، و في خضم ذلك بدأ التصارع على الأسواق العالمية و خاصة الآسيوية و الإفريقية، و حدث حينئذ أن نشأ القانون الدولي و قواعد التعامل السياسي الدولي، و ما زاد في ظهور ظاهرة العولمة اندلاع الثورة الصناعية في القرن 18م الذي عرفت بالإنتاج الكبير مما تطلب فتح أسواق جديدة لتصريف المنتجات الفائضة و الحاجة إلى مواد خام جديدة لتوسيع الإنتاج أكثر، و كل ذلك مكن من زيادة قوة و سيطرة الرأسمالية الصناعية، و في نهاية القرن 19م و على امتداد القرن العشرين حدثت تطورات هائلة في مجال التكنولوجيا و الاتصالات و المواصلات الدولية، فظهر مفهوم الكونية بشكل يبدو قابلاً للتحقيق لأول مرة في تاريخ البشرية، و منذ ذلك التاريخ و الأحداث العالمية تتوالى و تظهر بشكل ملفت للانتباه[8] .

   و منذ ذلك التاريخ و الأحداث العالمية تتوالى و تظهر بشكل ملفت للانتباه نذكر أهمها:[1]

سنة 1866م تشغيل أول خط للاتصالات التلغرافية عبر المحيط الأطلنطي.

سنة 1884م بدأ العمل بتوقيت جرينتش.

سنة 1896م أعيد إحياء الألعاب الأولمبية القديمة.

سنة 1914م نشبت أول حرب عالمية (1914-1919).

سنة 1918م بدأت خدمة البريد الجوي لأول مرة.

سنة 1919م نجحت أول رحلة طيران عبر الأطلنطي بدون توقف.

سنة 1920م تم إنشاء منظمة عصبة الأمم كأول منظمة عالمية للسلام.

سنة 1920م نجح أول بث إذاعي عالمي.

سنة 1939 نشبت الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

سنة 1945م أنشئت منظمة الأمم المتحدة.

سنة 1947م وقعت الاتفاقية العامة للتجارة و التعريفة الجمركية (CATT).

سنة 1948م حدد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

سنة 1957م أطلق أول صاروخ عابر القارات من طرف الاتحاد السوفيتي.

سنة 1960م استخدم "مارشال ماكلوهان" مصطلح القرية العالمية.

سنة 1972م عقد أول مؤتمر عالمي للأمم المتحدة عن البيئة.

سنة 1987م ظهرت مشكلة ثقب الأزون كمشكلة بيئية عالمية.

سنة 1991م بدأ تشغيل أول شبكة للاتصالات الدولية (word wide web).

سنة 1992م عقدت أول قمة عالمية لمناقشة مشكلة البيئة.

سنة 1995م أنشأت أول منظمة للتجارة العالمية (OMC).

       نلاحظ من هذه الأحداث بأن هناك تحولات كبيرة عالمية ظهرت بالخصوص خلال القرن الماضي أسهمت بشكل كبير في تقريب المسافات بين الدول و الأشخاص إلى الحد تشبيه العالم بالقرية الصغيرة.

و حاول "رولند روبرنسون" تقسيم ظهور العولمة إلى 5 مراحل هي:[9]  

 مرحلة الجنينية: استمرت في أوربا منذ القرن 15م وحتى منتصف القرن 18م، وتميزت بنمو المجتمعات القومية وتعمقت الأفكار الخاصة بالفرد والإنسانية .

مرحلة النشوء: بدأت في أوربا منذ منتصف القرن 18م وحتى عام 1870م ، وتميزت بتحول حاد في الدولة المتجانسة الموحدة، وتبلور في المفاهيم الخاصة بالعلاقات الدولية.

مرحلة المنافسة: مثل الألعاب الأولمبية وجوائز نوبل، وتطبيق الزمن العالمي، ووقوع الحرب العالمية الأولى ونشوء عصبة الأمم.

مرحلة الصراع من أجل الهيمنة: من العشرينات وحتى الستينيات، تميزت بالحروب الفكرية حول المصطلحات الناشئة لظاهرة العولمة وبروز دور الأمم المتحدة والصراعات الكونية، وإلقاء القنبلة الذرية على اليابان.

مرحلة عدم اليقين: من الستينيات إلى اليوم، وتميزت بنهاية الحرب الباردة وشيوع الأسلحة الذرية وازدادت المؤسسات الكونية العالمية والاهتمام بالمجتمع المدني العالمي والموضة العالمية والإعلام الكوني.

1ـ3ـ مظاهر العولمة:

إن الانتماء إلى المجتمع حسب "P.Bouvelieu" ما هو إلا إنتاج فئة محددة من

الثوابت الموضوعية لتوليد مسالك معقولة ومنسجمة مع الحس السليم والذوق الرفيع.[10]

       أما الشعارات المنمقة التي جاءت بها العولمة كالحياة الكريمة، و الحياة الأفضل و العيش الرغيد، ما هو إلاّ حبر على ورق، لأن ذلك يتطلب جهدًا أخلاقيًا دوليًا من قوى العولمة لتطبيقها على أرض الواقع، و المتتبع لتطورات العولمة بتجلياتها المختلفة يجد أن كثيرًا من أدبياتها تتناقض مع مبادئ الأخلاق و القيم السياسية، فالجشع و الطمع و اختزال الآخر و استغلال مقدرات الأمم و الشعوب و الهيمنة الفكرية و العقلية و غيرها من أدبيات العولمة التي قد لا تتلاقى مع أدبيات الأخلاق، فهي تشمل الحياة السياسية و الثقافية و الاقتصادية.

1-3-1. العولمة السياسية:

       و أهم مظاهر العولمة السياسية ما حدث من تغير ملحوظ في قوة الدولة، إذ بدأ دورها يتضاءل و صار الخضوع لرؤوس الأموال أمرًا تقتضيه الحكمة السياسية، و صار رأس المال يتحكم في الخيارات السياسية، و أصبحت الشركات العملاقة متعددة الجنسيات تحل تدريجيًا محل الدولة، كما برز سقوط الشمولية و السلطوية و الميول إلى الديموقراطية و التعددية السياسية و احترام حقوق الإنسان برغم ازدواجية تطبيقها على الدول بسبب مشكلة هيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن و الأمم المتحدة.[11]

      و يروج دعاة العولمة أن على الدولة أن تتخلى عن الرعاية الاجتماعية لأفرادها من خلال رفعهم شعار أن دولة الرفاهية قد باتت تهدد مستقبلها، و يجب أن تسود شيئًا من اللامساواة الاجتماعية بين الأفراد.[12]   

       فمنذ سقوط الاتحاد السوفيتي و هيمنة الغرب و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي بدأ العالم يشتغل بالحروب، أولها حرب الخليج عام 1991 الذي تولد عنها ظاهرة الإرهاب فازداد القتل باسم الحرية و الديموقراطية و الدفاع عن مبادئ القانون الدولي و بحجة الحفاظ على الأمن و السلم الدوليين و تطهير العالم من أسلحة الدمار الشامل و القضاء على التطرف و الأصولية و بحجة تطهير الدول من الأنظمة المستبدة الديكتاتورية الشمولية، و ازداد فتيل الحروب عندما ضربت أمريكا في عقر دارها (11 ديسمبر 2001) فاجتيحت أفغانستان و انقسم العالم إلى مؤيد لها و معارض، و من هنا بدأت تتحقق المهمة التي بدأتها أمريكا و هي إدماج بلدان و منظمات في الترتيبات التي ستدعم عالمًا مع المصالح و القيم الأمريكية و لو بالقوة، لذلك اشتعلت الحرب من جديد (حرب الخليج) سنة 2003 و كان نتيجتها احتلال العراق، و حرب لبنان سنة 2006، و القائمة كما تبدو ستطول الكثير من الدول، و كلها نابعة من المحافظة على المصالح و هو وجه جديد تفرضها ظاهرة العولمة يمكن  إيجازها في النقاط التالية:[13]

      ـ الرغبة الاستعمارية التي تهدف إلى استغلال خيرات الشعوب هي التي أشعلت فتيل حرب الخليج، بسبب أن العراق يسبح فوق بحر من النفط لا ينضب إلا بعد 100 أو 150 عام.

     ـ الخوف من العملاق الاقتصادي السياسي الصيني، مما جعلت USA وضعه بين فكي كماشة، و ذلك من خلال الهيمنة على طرفه الغربي باحتلال العراق و طرفه الشرقي باحتلال أفغانستان.

     ـ الخوف من الاتحاد السوفيتي السابق المتمثل في روسيا، من خلال امتلاكه على الإرث النووي، فكان الاقتراب منه و مراقبته من الجهة الجنوبية و الغربية بإقامة القواعد العسكرية في أفغانستان و العراق.

    ـ الخوف من السلاح النووي الإيراني و الصناعة الحربية المتطورة.

     و يبدو أن من آثار العولمة هي زعزعة الاستقرار الاجتماعي من خلال تقويض أركان النظم الاجتماعية التي ترتكز على دراسة أساسية تعتبر بمثابة قواعد النظام الاجتماعي هي:[14]  

 - الاقتناع أو العقيدة (La Croyance): الانتقام من شرعية المؤسسات الحاكمة في الدول، مما تترتب عنه انتزاع الثقة من أفراد المجتمع اتجاه حكامهم و زوال قيم الالتزام و الاجتهاد و إتقان العمل و التسامح و العدالة، و حل محلها قيم الانتهازية و التحايل و التعصب و المحاباة و التفاني...الخ.

- الإكراه (La Contrainte): باتت الحكومات في عصر العولمة مكبلة الأيدي غير قادرة فض النظام بشكل حازم و صارم بالاعتماد على الأساليب التقليدية، المتمثلة في الإكراه، بسبب ظهور مبادئ العولمة كحقوق الإنسان و الإصلاح السياسي ... الخ.

- المصلحة (L'Intérêt): عدم قدرة الدولة على تقديم الحافز للانصياع لأوامرها و قراراتها بسبب ضعف قوة المكافأة لديها، و من ثم يعد الالتزام بالنظام الاجتماعي التي تسهر عليه الدولة يحقق أي مصلحة للمواطن .

1-3-2. العولمة الاقتصادية:

       برز مفهوم العولمة الاقتصادية حديثًا نتيجة للتطور التكنولوجي الذي شهده العالم في فترة التسعينيات من القرن العشرين، فكانت نقطة التحول في النظام الاقتصادي العالمي و العلاقات الاقتصادية الدولية حيث سادت النظرية الاقتصادية الغربية التي تعتمد على اقتصاد السوق و المنافسة و تعظيم دور القطاع الخاص و تقليص دور قطاع الاتصالات في العالم و اتساع نشاط التجارة بين الدول، و تظهر هذه التجليات بوجه خاص من خلال عمل الشركات الاقتصادية العالمية و إنشاء منظمة التجارة العالمية و نشاط الشركات الدولية و المؤسسات الدولية الاقتصادية كالبنك الدولي و صندوق النقد الدولي و غيرها.[15]

       و نلاحظ جوهر العولمة الاقتصادية تكمن في التخلي عن السياسة الجمركية الوطنية (فرض التعريفات الجمركية) و في التخلي عن السياسة الوطنية في مجال النقد (تحديد سعر الصرف بالنسبة للعملات)، و نتيجة لذلك تحرم الدولة من أدوات التدخل بإمكانية المحافظة على استقرار الوضع الاقتصادي داخل البلد لصالح مختلف المنظمات الدولية و بصورة خاصة منظمة التجارة العالمية التي تصبح  غير خاضعة للمراقبة من قبل الدولة الوطنية.[16]

    و من تأثيرات العولمة تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدولة مما تزايدت إمكانية التدخل في الشؤون الداخلية لها.[17]  

       و كنتيجة لذلك بدأ يتشكل النظام الاقتصادي الدولي وفق الأسس التالية:

إحلال اقتصاد السوق الحر محل الاقتصاد الموجه.

تحرير أسعار السلع و الخدمات و تركها لآليات السوق الحر.

إلغاء الدعم السلعي و الخدمي.

تحرير التجارة الخارجية من القيود الجمركية و الكمية و الإدارية لتحقيق انسياب السلع بحرية تامة.

تحرير و تعويم أسعار صرف العملات المحلية و تركها لقوى العرض و الطلب في سوق النقد.

تحرير أسعار الفائدة في سوق النقد.

خوصصة المشاريع و المؤسسات العامة و تناقص دور الدول في الحياة الاقتصادية.

اندماج و توسيع أسواق رأس المال العالمية.

سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على التجارة العالمية (40% حاليًا) و على الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم (80% حاليًا).

1-3-3. العولمة الثقافية:

       إن أكثر ما يخيف و يرعب قوى مناهضة العولمة هو الجانب الأخلاقي و المعرفي للعولمة، لأن العولمة الثقافية هدفها إشاعة متعة زائفة على الحياة و هو مفهوم شمولي يشمل اللباس و الترفيه و أسلوب الطعام و التأثر بالرسومات لتغيير نمط التفكير و الذوق، لإزالة خصوصيات الدول و حضاراتهم من خلال الثقافة الاستهلاكية التي تبثها الأقمار الصناعية عبر المئات من القنوات الفضائية التي باتت تعمم الثقافة الفردية القائمة على الفلسفة البراغماتية البعيدة عن القيم و الأخلاق.[18]

       و تشير الإحصائيات التابعة لمنظمة اليونسكو أن شبكات التلفزيون العربية مثلاً تستورد ما بين 1/3 إجمالي البث (سوريا و مصر) و نصف الإجمالي (تونس، الجزائر) و 58% (لبنان) من البرامج الثقافية، و الحال أكثر خطورة عندما نلاحظ الإدمان على شبكة الانترنت و الذي أغلبه باللغة الإنجليزية حيث يبلغ 88% مقابل 9% بالألمانية و 2% بالفرنسية و 1% بباقي لغات العالم و هذا ما يهدد الهوية الثقافية اللغوية لأن غالبية البث على هذه الشبكة يروج لقيم و مبادئ بعيدة عن قيم الأمم و الشعوب.[19]

       و الوجه المخيف للعولمة الثقافية هو الهيمنة على الجانب الفكري من خلال احتكار مواقع صياغة و إنتاج الأفكار و صنع الأخبار، إضافة إلى تجاوز هيئة الأمم المتحدة و مؤسساتها في اتخاذ القرارات المصيرية الدولية التي هي منحازة إلى أمريكا، فمثلاً مشروع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية صادقت عليه 91 دولة لكن تعارضه أمريكا و إسرائيل لذلك فلم يؤخذ بهذا المشروع و بقي حبرًا على ورق، بل وقعت اتفاقيات ثنائية مع 40 دولة من الدول التي لم توقع على مشروع المحكمة تنص على عدم تسليم الرعايا الأمريكيين لهذه المحكمة إذا طلبت مثولهم أمامها.[20]

2ـ انعكاسات العولمة على الهوية الثقافية:

2-1. مفهوم الهوية الثقافية:

       الهوية مأخوذة من "هُوَ" بمعنى جوهر الشيء و حقيقته، أو كما يعرفها أحد الكتاب هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب.[21]

       و نجد في كل شيء إنسانًا أو ثقافة أو حضارة سواء من الثوابت أو من المتغيرات، لذلك فإن هوية الشيء هي ثوابته التي تتحدد لا تتغير و تفصح عن ذاتها دون أن تترك مكانها لنقيضها طالما بقيت الذات على قيد الحياة.[22]

       و بالهوية يمكن التمييز بين الأمم لتعبير عن شخصياتها الحضارية، لذلك فقد أدرك منذ زمان الصليبيون و الصهاينة أن استعادة المسلمين لهويتهم الحضارية خطر عليهم و من ثم يجب غزوهم فكريًا و لغويًا حتى تطمس مميزات شخصيتهم.[23]

       و إن كان للهوية عند المسلمين أهمية كبيرة في قلوبهم لما يشكله الإسلام من عقيدة راسخة و وحي من السماء و حق لا يأتيه الباطل مطلقًا، و لما تُشكله اللغة من قداسة لأنها هي الذات و الفكر و العنوان و لما تشكله التقاليد و التراث الثقافي من حصن متين توارثته الأجيال عبر القرون فإن الغرب أحرص ما يكون على هوياتهم لدرجة أنهم خصصوا مؤسسات و وزارات تعمل على تدريب هوية المهاجرين المسلمين الوافدين عليهم و ثقافاتهم.

       و تعريف الثقافة قد لاقى اختلافًا كبيرًا بين المفكرين و العلماء حيث عدد الباحثين (A.L.Kroebers et Clyde HBR) أكثر من 160 تعريفًا للثقافة، و وجدوا أنها تساعد على تمييز الأفراد و المجتمعات عن بعضها البعض و هي الخصيصة التي تؤكد على الصفة الإنسانية للبشر و هي الأسلوب الذي يسير عليه الناس في حياتهم و هي السلوك الحياتي إلى غير ذلك من التعريفات، و أقدم التعريفات و أكثرها شيوعًا هو تعريف "إدوارد تايلور" حيث عرفها بأنها "كل مركب يشتمل على المعرفة و المعتقدات و الفنون و الأخلاق و القانون و العرف و غير ذلك من الامكانات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوًا في المجتمع"، و هذا التعريف ظهر في القرن 9 1 الميلادي، و من التعريفات الحديثة نجد تعريف "روبرت بيرستو" في أوائل التسعينات حيث يعرف الثقافة بأنها هي: " ذلك المركب الذي يتألف من كل ما نفكر به أو نقوم بعمله أو نمتلكه كأعضاء في مجتمع ما".[24]

2-2. الآثار السلبية للعولمة على الهوية الثقافية:

       نلاحظ أن الهوية الثقافية تتكون من عناصر أساسية هي: الدين، اللغة، القيم و العادات، نحاول تسليط الضوء عن مخاطر العولمة على هذه العناصر الثلاثة.

2-2-1. الآثار السلبية للعولمة على الدين:

       تعتبر العقيدة هي أهم العناصر المشكلة للهوية في أي مجتمع، حيث في الحروب تذوب الهويات متعددة العناصر و تبقى الهوية الأكثر أهمية في الصراع هي السائدة و غالبًا ما تتحدد هذه الهوية بالدين.[25]

       و الأمثلة كثيرة على ذلك، فتركيا ترفض من طرف الاتحاد الأوروبي بسبب العقيدة الإسلامية لدى شعوبها، برغم علمنتها منذ زمان من طرف " كمال أتاترك" و هذا ما عبر عنه صراحة الرئيس "أوزال" سنة 1992م حيث قال "سجل تركيا بالنسبة لحقوق الإنسان سبب ملفق لعدم قبول طلب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، السبب الرئيسي هو أننا مسلمون و هم مسيحيون"، و لا يرضيهم الأوروبيون أن تكون دولة إسلامية أخرى مثل البوسنة بينهم، و روسيا تساند الصرب الارثوذوكسية و ألمانيا تساعد كرواتيا الكاثوليكية و الدول الإسلامية تساعد الحكومة البوسنية و الصرب يحاربون الكروات و مسلمي البوسنة و مسلمي ألبانيا.[26]

       و بتأثير العولمة بقيادة أمريكا لم يعد خافيًا على أحد في مجال العقيدة فقد باتت تشكل خطرًا محتمًا دائمًا على عقيدة الشعوب و لا سيما الإسلامية منها.

       حتى بعض الكتابات الغربية و الأمريكية لم تسلم من الهجوم على الإسلام، حيث تصفه "بالخطر الأخضر" الجديد الذي يهدد العالم الحر و أسلوب معيشته بعد زوال "الخطر الأحمر" (الشيوعية السوفيتية)، و هو ذريعة تتخذها أمريكا للإبقاء على زعامتها للمعسكر الغربي و مبررًا لتوسيع دائرة نفوذها في شرق أوروبا و آسيا و إفريقيا بدعوة تطويق المد الإسلامي بعدما فقدت ذريعة احتواء المد الشيوعي.[27]

       فقد حُرم الشيشان من الانفصال عن روسيا و يجبر أهل تيمور على الانفصال من اندونيسيا بتدخل من استراليا و دعم من الغرب و تنفصل تمامًا دول البلطيق و جورجيا من روسيا، و أن تهاجم العراق بذريعة امتلاكها أسلحة الدّمار الشامل، و تترك دولة جارة لها (إسرائيل) تمتلك ما شاءت من الأسلحة المحرمة دوليًا بل و تحتل أرض غيرها مخالفة قرارات الأمم المتحدة و مدعومة من طرف أمريكا، و هذه الأخيرة تحارب الجمعيات الإسلامية و ترهبها و تجمد أموالها بحجج الإرهاب و ما شبه ذلك، و هي نفسها كانت مدعومة قبل سقوط المعسكر الشرقي مما يعني حدوث اختلال في موازين قوى العالم تحت لواء الحضارة العربية، و قد قالها أحد المفكرين (فريدمان بتوم) يومًا إننا أمام معارك سياسية و حضارية في غاية الفضاعة، و الولايات المتحدة قوة مجنونة، نحن قوة ثورية خطرة و الذين يخشوننا هم على حق.[28]

       و الخطر الأكبر على الدين الإسلامي هو الدعوة إلى وحدة الأديان، و هي دعوة تقضي عقيدة الإسلام من أساسها و تهدمها من أصلها، لأن الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى للبشرية الناسخة لكل الأديان السابقة له و التي أصابها التحريف و دخل على أتباعها الانحراف العقائدي، و كذا السعي لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون و الإنسان و الحياة عند المسلمين و استبدالها بمفاهيم هدامة مثل أن الكون لم يخلق لعبادة الله تعالى وحده[29]، و إنما هدف الإنسان من الكون هو عملية التحكم فيه للسيطرة على الأرض و هزيمة الطبيعة، و أن تصبح كل المخلوقات خاضعة للقانون المادي الصارم و أن يسود منطق الأشياء على الأشياء و على الإنسان، أي أن هناك ثقافة واحدة و إنسانية واحدة تكتسب وحدتها من كونها جزءً من النظام الطبيعي، و من ثم نموذجًا واحدّا للتطور.[30] وأما و أن الحياة ليست إلا صراعا ابتدأ منذ خلق الإنسان بين الحق الذي يمثله الرسل والأنبياء وأتباعهم وبين الباطل الذي يدعو إلى الشيطان فكل ذلك خرافة.[31]  

2-2-2. الآثار السلبية للعولمة على اللغة:

       اللغة هي: "قدرة ذهنية مكتسبة يمثلها نسق يتكون من رموز اعتباطية يتواصل بها أفراد مجتمع ما"، و هي أساس و وسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته و رغباته و أحاسيسه و مواقفه، و هي وسيلة كذلك لتنمية أفكاره و مهاراته و تجاربه، و هي مستودع لحضارات الشعوب و ثقافاتهم و تراثهم، و هي آلية التخاطب و الاتصال.[32]

       و نجد أن هناك طغيان للثقافة الغربية على العالم، فمثلاً هناك 88% من معطيات الانترنت باللغة الإنجليزية و 9% بالألمانية و 2% بالفرنسية و 1% بباقي لغات العالم[33]، و ها هي فرنسا نجدها تشكو من هيمنة اللغة الإنجليزية بفعل العولمة على هويتهم الفرنسية مما جعل الفرنسيون إلى وضع الثقافة في خانة الاستثناء، لأن قوة الإنتاج الثقافي الأمريكي بدأ يؤدي إلى التغيير التدريجي في سلوك و أنماط حياتهم.[34]

       و التحولات في توزع القوة تؤدي إلى تحولات في استخدام اللغات، حيث نجد حوالي قرنين من القوة البريطانية و الأمريكية الاستعمارية في مجالات الصناعة و التجارة و العلوم تركا ميزانًا ضخمًا من التعليم العالي و التجارة و التقنيات الحديثة في أرجاء العالم.

       و تماشيًا مع العولمة فلا بد من الانفتاح على لغات الآخرين للتعامل معهم، و عدم اكتساب اللغات (سواء كتابة أو نطقًا) يؤدي إلى التضييق من نطاق التوسع و الانتشار في الأسواق الخارجية و يقلل من مدى الاختيار للوسطاء و الوكلاء و بناء علاقات اجتماعية مع العملاء، لهذه الأسباب تحاول الولايات المتحدة جاهدة فرض لغتها على بقية شعوب العالم لكي يسهل عليها فرض سيطرتها على أسواق هذه الشعوب و التوغل فيها أكثر.

       و كما هو معلوم أن معظم بث شبكة الانترنت هو باللغة الإنجليزية (88%)، يشكل خطرًا محدقًا على الخصوصية الثقافية و لاسيما على اللغة العربية، لأن غالبية هذا البث يروج إلى قيم و مبادئ بعيدة عن قيم و شعوب غير الناطقة بذات اللغة، فهي تمجد العنف و القتل و تروج للجنس و تدعو إلى تفسخ الروابط الأسرية من خلال مواضيع الأفلام المعروضة و الإباحية في التصوير، و تباين مواقع القمار و الربا.[35] 

2-2-3  الآثار السلبية للعولمة على العادات و التقاليد:

       أما إذا انتقلنا إلى العادات و التقاليد فنجدها هي الأخرى قد اندثر بعضها و تغير بعضها الآخر إلا ما ندر منها، لأن سيادة المصالح و المنفعة  المالية و تعظيم اللذة و الإنتاج قد أثر كثيرًا على سلوكيات الأفراد و عاداتهم و تقاليدهم عند الشعوب غير الغربية بفعل العولمة.

       و نشر قيم العولمة الاجتماعية هذه لم يعد عن طريق الاقتناع بل فرضت عن طريق المؤثرات الدولية و الضغط على الدول التي لا تستجيب، فقد توالت مؤتمرات المنظمات الدولية مثل مؤتمر نيروبي سنة 1985 م و مؤتمر القاهرة سنة 1994 م و مؤتمر بكين سنة 1995 م و مؤتمر اسطنبول سنة 1996 م و مؤتمري نيويورك سنة 1999 م و سنة 2000 م، و محور هذه المؤتمرات يدور حول الأسرة و المرأة و الطفل، مرتكزة على الحقوق الجنسية و الحق في الإنجاب و الإجهاض و الشذوذ و المساواة بين الرجل و المرأة و المساواة في الميراث... الخ [36]، و هي كلها من الثقافة الغربية العالمية لا تمت بصلة بالثقافة الإسلامية، بل تطرح مفاهيم جديدة للكثير من السلوكيات.

       فعلى سبيل المثال نجد في مؤتمر القاهرة الدولي للسكان و التنمية (الفصل الثامن) لسنة 1994 قد تم تعريف الإباحة الجنسية بأنها حالة الرفاهية البدنية و العقلية و الاجتماعية العاملة، المنطوية على أن يكون الأفراد من جميع الأعمار أزواجًا و أفرادًا فتيانًا و فتيات مراهقين و مراهقات قادرين على التمتع بحياة جنسية مرضية و مأمونة كالغذاء حق للجميع، ينبغي أن تسعى جميع البلدان توفيره في أسرع وقت ممكن في موعد لا يتجاوز عام 2015 م.[37] 

       و التأثير على الجانب الجنسي هو أسرع الطرق للوصول إلى نشر مفاهيم العولمة مثل الترويج للإباحية و الاختلاط و إغراء النساء بتقليد الأزياء الغربية و أدوات الزينة و التأثير على الروابط الأسرية.[38]  

       و بصفة عامة يعتمد النظام العالمي الجديد لعولمة الهويات الثقافية على عدة وسائل جذابة تغري الكثير من الأفراد و الشعوب نذكر. [39]  )

- ثقافة الديمقراطية: هي أفضل طريقة للحكم و المشاركة في صنع القرارات.

- ثقافة عدم الفصل و التفريق بين الجنسين الرجل و المرأة في كل شيء حتى في المظهر.

- ثقافة فن الرقص و الغناء و إبراز مفاتن الجسد باعتبارها عناصر جمالية.

- ثقافة عولمة التجارة و الاقتصاد القائمين على الفائدة و القمار.

- ثقافة الإبهار العلمي و التقني و اتخاذهما معيار للتطور و التحضر.

- ثقافة تغييب أحكام الشريعة الإسلامية و نشر ثقافة الغرب.

- ثقافة مناهج الدراسة و التربية و التعليم.

- ثقافة التشكيك  في قدرة العلوم الإسلامية على حل مشكلات العصر.

       و تأثير العولمة على العادات و التقاليد بصورة إجمالية تتمثل في:[40]  

- الهجوم على الزي المحلي و استبداله بالزي الأجنبي الغربي.

- الانتقال من العائلة المتماسكة إلى العائلة المنفصلة.

- الانتقال من نمط البيت التقليدي إلى نمط البيت العصري: مثل منع الغرباء إلى الدخول إلى البيت.

- سيادة اللغات الأجنبية على اللغة المحلية.

الخاتمة:

      إن الأخطار التي باتت تهدد بها العولمة ثقافات الشعوب اليوم  ليس خافيا على احد ، و الحل الوحيد  غير المتاح هو إيقاف العولمة التجارية و الاقتصادية في عالم متنافس يزخر بالتطور التقني الشامل و العابر للقارات ، و الاستجابة الصحيحة لا بد أن تتضمن جهودا متضافرة لجعل شكل العولمة أقل تدميرا للعمالة و للحياة التقليدية و تحقيق انتقال تدريجي من خلال توفير فرص لإعادة التدريب و اكتساب مهارات جديدة بالإضافة إلى توفير الأمن الاجتماعي و تطوير سياسات نقل التكنولوجيا و توظيفها  ، كل ذلك سيعود بالأثر الايجابي على أولائك المتضررين من العولمة .

الاقتراحات و التوصيات

  من خلال ما تم عرضه حول مفهوم العولمة و انعكاساتها على الهوية الثقافية يمكن الخروج ببعض الاقتراحات و التوصيات نراها كفيلة للتخفيف من أثارها و مواجهتها هي كالتالي:

ـ إصلاح نظام التعليم و التدريب لخلق قوة مؤهلة قادرة على استيعاب التطورات المرتبطة بالعولمة .

ـ إعداد و تأهيل الموارد الإعلامية المتخصصة في معرفة الثورة الإعلامية التي تقودها قوى العولمة و معرفة الأساليب التي تستخدمها في  فرض الهوية الخاصة بها من أجل تجنبها، و وضع البديل القادر على المجابهة و القادر على حماية قيمنا و تراثنا و لغتنا   .

ـ الالتفات إلى التراث العربي الإسلامي لإعادة قراءته و تكييفه ثم توظيفه  بالشكل الذي يجعلنا نستفيد منه في ظل التطورات العالمية الحاصلة، بجعله نقاط قوة و ليس نقاط ضعف و وهن . 

 

الهوامش


[1] . ممدوح محمود منصور: العولمة، مرجع سابق، ص 22-23. 

[1] . منتديات الأنهار: مأخوذ من الانترنت يوم 17/03/2008 على الموقع:

 http:alnhr.com/fowms/showthread.php?s = c61 a2396b4f4d33fb126a9F59fea

[2] . الحبيب الجنحاني: العولمة و الفكر العربي المعاصر، من الانترنت يوم 17/03/2008 على الموقع:

http://www.azzaman.com/azz/articles/2002/01/01-18/a99473.htm

[3] . أنظر إلى المراجع التالية:

-         سمير أمين: موقع الوطن العربي في النظام العالمي، مجلة المستقبل العربي، العدد 201/ سنة 1995.

-         بشير الزعبي و أمين خليفان: العولمة و الخصوصية الثقافية العربية، ورقة عمل مقدمة، 1994م.

-          صادق جلال العظم: (ماهية العولمة) ورقة بحثية، تونس، المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم.

[4] . سلسلة كتاب المعرفة (7) نحن و العولمة من يربي الآخر، الطبعة الأولى، رجب 1470هـ.

[5] . جورج طرابيش: عن مجلة المستقبل العربي، العدد 219، ماي 1997م.

[6] . برهان غليون: العربي و تحديات العولمة الثقافية، محاضرة ألقيت في المجتمع الثقافي بأبو ظبي يوم 10/04/1997م.

[7] . ممدوح محمود منصور: العولمة، دراسة في المفهوم و الظاهرة و الأبعاد، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الاسكندرية ، 2003 ، ص 24ـ26 .

[8] . ممدوح محمود منصور: العولمة، مرجع سابق، ص 22-23.

[9]  . غالب أحمد عطايا: العولمة وانعكاساتها على العالم العربي، ورقة عمل مقدمة إلى الملتقى التربوي الأول لمواد الجغرافيا والاقتصاد، الفجيوة 29-30/04/2002م.

PIERRE Bouvelieu: Le sens pratique: Le sens pratique, ed de minuit, paris 1980, P 93[10]  

[11] . غالب أحمد عطايا: العولمة و انعكاساتها على الوطن العربي، ورقة عمل مقدمة إلى الملتقى التربوي لمواد الجغرافيا و الاقتصاد و الدراسات الاجتماعية و علم النفس، الفجيوة 29-30/04/2002م.

[12] ) RODRIK, D : Le débat sur la Mondialisation, le cons du passé en politique étrangère     (IFRI), Paris 3 / 1998, P 567 – 585

[13] . هايل عبد المولي طشطوش: حقوق الإنسان في ظل أخلاق العولمة، العربية، مجلة إلكترونية، يوليو 2007.

[14] 27 BOUDOUIN, J:  Introduction à la science politique (Mémentos Dalloz, Paris, 1989) P

[15] . غالب أحمد عطايا: العولمة و انعكاساتها على الوطن العربي، مرجع سابق.

[16] . إبراهيم إسطنبولي: العولمة أعلى مراحل الاستعمار، زي نت العربية، 22 ماي 2004.

[17] De Montbrial, T:  Interventions internationales, souveraineté des Etats et démocratie, en politique étrangère (IFRI) Paris 3/1998, P 549-566

[18] . غالب أحمد عطايا: العولمة و انعكاساتها على الوطن العربي، مرجع سابق.

[19] . هايل عبد المولى طشطوش: حقوق الإنسان في ظل أخلاق العولمة، مرجع سابق.

[20] . طلال عبد المعطي مصطفى: العولمة و حقوق الإنسان، جريدة النور بتاريخ 13/12/2004.

[21] . الشريف الجرجاني: التعريفات، دار عالم الكتب، بيروت، ط1، 1407هـ/1987م، ص 314.

[22] .محمد عمارة: مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، دار النهضة للطباعة و النشر، ط2، فبراير، مصر 1999، ص 6.

[23] . أنور الجندي: حتى لا تضيع الهوية الإسلامية و الانتماء القرآني، دار الاعتصام، سلسلة الرسائل الجامعة، (د.ط.ت)، ص 07.

[24] . كامل أبو صقر: العولمة التجارية و الإدارية و القانونية (رواية إسلامية)، منشورات دار الوسام و دار مكتبة الهلال: بيروت، ط1، 2000م، ص 380-381.

[25] . صامويل هنتنجتون (ترجمة طلعت الشايب و تقديم صلاح قنصوة): صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي، ط2، 1999، ص 103.

[26] . صامويل هنتنجتون: مرجع سابق، ص 433، 204، 205.

[27] .ممدوح محمود منصور: العولمة (دراسة في المفهوم و الظاهرة و الأبعاد)، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2003، ص 88-89.

[28] . خالد بن عبد الله القاسم: العولمة و أثرها على الهوية، بحث مقدم إلى مجلة الإسلام اليوم بتاريخ 29/05/2006.

[29] . محمد بن سعد التميمي: العولمة و قضية الهوية الثقافية في ظل الثقافة العربية المعاصرة، ط1، 2001م، ص 274-275.

[30] . عبد الوهاب المسيري: العالم من منظور غربي، منشورات دار الهلال، 2001، ص 129، 127.

[31]  . أسامة أمين الخولي: العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت  2000م ص 135.

 

[32] . كامل أبو صقر: العولمة، مرجع سابق، ص 395.

[33] . محمد بن سعد التميمي: مرجع سابق، ص 111.

[34] . عمار طالبي: العولمة و أثرها على السلوكيات و الأخلاق، عن مجلة الرائد تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، العدد 236، ماي 2002، ص 12.

[35]  عبد المولى طشطوش: محقوق الإنسان في ظل أخلاق العولمة، مرجع سابق.

[36]  . إسماعيل علي محمد: العولمة الثقافية و موقف الإسلام منها، دار الكلمة للنشر و التوزيع، ط1، 2001 م، ص 27.

[37] . محمد عمارة: مخاطر العولمة، دار النهضة للطباعة و النشر، ط1، فبراير 1999 ، ص 27.

[38]  . عمار طالبي: العولمة و أثرها  على السلوكيات و الأخلاق، مجلة الرائد العدد 236، ماي 2002 م ، تصدر عن الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا.

[39]  . ريتشارد هيجون: العولمة و اللملمة، اتجاهات جديدة في السياسة العالمية، مركز الإمارات للدراسات و البحوث الإستراتيجية، 1998، ص 8.

[40]  . شبكة و منتديات الشامل: من الإنترنت يوم 01 أفريل 2008 على الموقع :mhtml:file://c:/documents and settings /cl

  * أستاذ محاضر المركز الجامعي "يحيى فارس" بالمدية- معهد العلوم الاقتصادية و التجارية و علوم التسيير- الجزائرslimane_fassa@yahoo.fr    

 

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي