shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

 

 الديموقراطية والأخلاق                      

                              القناع الديموقراطي وازدواج المعايير                                             

                                                  أبو يعرب المرزوقي

                                                                                    

تمهيد:

ليست معركة المعايير الخلقية والقانونية الضرورية للحياة الفردية والجماعية في المستويين الوطني والدولي أمرا ينتسب إلى التحليل المعرفي والوجودي بين العقد والعلم فحسب. إنما هي خاصة معركة من مستوى آخر يبدو لي أن وقت تحديده قد حان: لذلك أقدم على هذا العلاج.  فمن الواجب أن نميز بين التأسيس المنطقي للبعد المعياري من المعرفة العملية والمسألة الوجودية التي تتعلق بالعلية التي تنتج هذا النوع من المعايير وتحدد فاعليتها التعييرية في لحظة تاريخية محددة: ما أحاوله هنا لا ينتسب إلى مناقشة فرضيات مدرسية بل هو تحليل للوضعية الراهنة وضعية الأزمة التي يعيشها العرب والمسلمون الأزمة التي التحمت بها أزمة عالمية لا أحد يجهل منها البدايات حتى وإن خفيت الغايات[1].

وسنحاول في هذا التحليل أن نفهم الوضعيات ونمتحن النظريات في آن: أزمة تحقيق الديموقراطية تحقيقها الذي يبدو قد بات ممتنعا علاجه وبالذات بسبب هذا الالتحام الذي يسميه البعض صدام الحضارات والبعض الأخر حرب الأديان إلى غير ذلك من التسميات المتعددة. ففي حين تتقاتل المعارضة العلمانية التي تدعي الكلام باسم حقوق الإنسان والمعارضة الدينية التي تدعي الكلام باسم حقوق الله تستفيد الأنظمة التي تحكم دار الإسلام عامة والوطن العربي خاصة –لتحقيق الاستتباع التام للالغارشية العالمية- باسم ما لا يدري المرء ماذا من تأييد ديموقراطيات المستبدين بالعالم لكي تحط من كرامة الإنسان التي تدعي هذه الديموقراطيات أنها تستمد منها شرعيتها وشرعية تبشيرها بها.

ونقطة الانطلاق النظرية لتساؤلي هي المفارقة التالية حول منزلة الديموقراطية في تاريخ الفكر الفلسفي دون أن يعني ذلك أني أملك حلا بديلا أفضل عدا السعي للتحرر من ظنها الحل الوحيد الحائل دون فتح  الباب لمحاولات طلب الحل الأفضل. وعلى كل حال فأبعد شيء عن ذهني أن يكون منطلقي معارضة الديموقراطية باسم حل إسلامي يزعم الدجالون أنهم واجدوه في تأويلات فكر المسلمين السابقة حلا أفضل سواء بصورة نظرية مجردة أو في ممارسات التاريخ السياسي الإسلامي.

فلست أدري بعد الحل السياسي النظري المجرد في القرآن ما هو وليس في التاريخ السياسي الإسلامي ما يمكن أن يعد حقا سياسة إسلامية لأن المسلمين حكموا بما كان موجودا من المؤسسات حتى وإن أطلقوا عليها أسماء إسلامية ولا يختلف حالهم السابقة عن حالهم الحالية: يأخذون الموجود ثم يضفي عليه فقهاء السلطان بالحيل الفقهية أسماء شرعية لا غير[2]. كل ما يعنيني إذن هو فتح باب البحث في الحل الذي يمكن أن يكون مطابقا لما يقتضيه السياسي من حيث هو سياسي واعتبار أشكال الأنظمة مجرد رداء خارجي لبنية واحدة يمكن عند العلم بقوانينها تحديد شروط تحسين الأشكال الموجودة لتقترب مما تقتضيه نظرية الحكم بمقتضى العلم السياسي دون حصره في الشكل الديموقراطي[3]. كما أن ما يعنيني هو طلب الجواب عن هذا السؤال من مصدرين لا ثالث لهما هما: 1-الظاهرة السياسية نفسها أولا وقبل كل شيء 2-ثم الاستئناس بتصور مثالها الأعلى القرآني لامتحان الدعوى الإسلامية حول الحكم واستناده إلى القول بالأخوة البشرية والمساواة وحرية المعتقد.

فالمصدر الأول هو المصدر العلمي وهو أول عقلا وحتى نقلا أي إن القرآن يوجه الفكر إلى الآيات الوجودية أعني الآفاق والأنفس قبل توجيهها إلى آياته النصية. وكونه كذلك عقلا غني عن التعليل. وكونه كذلك نقلا هو مدلول ما قصدناه بامتحان دعوى الدين الخاتم بأنه يستند إلى الأخوة الآدمية والمساواة المطلقة بين البشر وحرية المعتقد.

والمصدر الثاني هو إذن المصدر الإيماني للاستئناس والامتحان تأييدا لصورة مثالية ينتهي إليها كل من قرأ القرآن الكريم بأعين متحررة من الأحكام المسبقة التي تؤيدها حال المسلمين المزرية لنكوصهم إلى قيم الجاهلية نكوصا لم يعد مقصورا على الممارسة فحسب بل صيره فقهاء السلطان منظور القرآن بتأويلات تحكمية ما أتى الله بها من سلطان.

ونحن لا نكتفي في الجمع بين المدخلين الفلسفي والديني باتباع سنة سنها ابن خلدون عند تأسيسه علم العمران بل نستند فيه إلى طبيعة الظاهرة السياسية. فهي عندنا –وقل أن تجد من يخالف ذلك في باطن علاجه حتى وإن خالفه في ظاهره- أمر لا يفهم إلا بوصفه ملتقى الفكرين الفلسفي (الغالب على النخب) والديني (الغالب على الشعوب) بالجوهر فضلا عن كونه كذلك من حيث مصلحة الساعين إلى الوصول إلى الحكم من المعارضين والساعين إلى الحفاظ عليه من الحاكمين: فما في السياسي من تاريخ الإنسان الطبيعي لا يفهم إلا فلسفيا لخضوعه إلى قانون الضرورة الطبيعية وما فيه من تاريخه الخلقي أو الروحي لا يفهم إلا دينيا لوجوب تحرره من القانون الطبيعي وخضوعه إلى قانون الحرية الروحية.

ومن مزايا العلاج القرآني للمسألة السياسية أنه جمع الوجهين لكأنه يتضمن الفكرين الديني والفلسفي: ما في السياسي من مؤثرات مصدرها تاريخ الإنسان الطبيعي وما فيه من مؤثرات مصدرها تاريخ الإنسان الخلقي جمعهما القرآن لما نظر إلى الأمر من وجهيه الخُلقي والخِلقي المتواصلين في مفهوم الفطرة. وعلامة ذلك جمعه بين القوة (ضرورة الجهاد) والشرعية (ضرورة الاجتهاد) في كل سياسية إنسانية جمعا جعلها ثمرة المجاهدة التي هي اجتهاد (خُلق ومعرفة) وجهاد (قوة وعمل) لا تتحقق القيم شرعية كانت أو وضعية من دونهما فضلا عن قيام الدول. ومن شروط مطابقة الوجه الديني من الحل القرآني الوجه الفلسفي أن يكون الوجهان كونيين حتى يتطابقا فلا يكون أي منهما خاصا بجماعة دون أخرى بل يعم الإنسانية وإلا فالقول إن الإسلام رسالة للعالمين يفقد معناه. أما الكلية في المصدر الموضوعي أعني في الظاهرة السياسية نفسها من حيث هي من مقومات الوجود الإنساني فهي أمر مفروغ منه في مستوى النظرية على الأقل وإلا لكان البحث غير متصف بأولى صفات العلم تليها الضرورة.

والمعلوم أن تعريف الديموقراطية القديم وتعريفها الحديث يشتركان في وصفها سلبا (التعريف الأول) أو إيجابا (التعريف الثاني) بالخاصية العقلية والخلقية التي ينفيها عليها الأول (أفلاطون مثلا) ويثبتها لها الثاني (كنط مثلا). وعلة النفي والإثبات تعود في غاية التحليل كما سنرى إلى أساس ديني منفي أو مثبت حتى وإن كان الفكر القديم والحديث يضفيان على النفي والإثبات صياغة التدليل الفلسفي كما يبين هيجل ذلك جلي البيان في كلامه على الصلة الجوهرية بين الديني والسياسي. لكن تقابل النظرتين النافية والمثبتة تقابلهما هذا لا يبدو لنا ناتجا عن التوالي التاريخي بين العصرين القديم والوسيط من جهة والحديث وما بعده من جهة ثانية بل إن التعريفين يعملان عملهما الفعلي في أزمة العلاقات الدولية الحالية ذات التأثير الغالب على أزمة تحقيق الديموقراطية في المجتمعات العربية الإسلامية تحقيقها الذي بات مستحيل الحصول السلمي. ونحن ندعي أنهما قد كانا دائما ولا يزالان فاعلين في البنية العميقة لكل نظام سياسي أيا كانت بنيته السطحية وفي أي لحظة من لحظات الزمان التاريخي المعلوم لأنه من دون ذلك يصبح السياسي تابعا للقانون الطبيعي فيخرج مما يصله بالقانون الخلقي: لأن ما تتميز به الوضعية العربية الإسلامية وما جعلها تمثل بأزمتها أزمة الإنسانية قاطبة هو أنها العين الحقيقية من الاندماج الفعلي لكل مقومات الوجود الإنساني منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة أعني مقومات التعبير مجتمعة:

 1-التعبير الأسطوري (كل المخيال العربي ممثلا خاصة بإعادة تأويل تاريخ الشرق الأوسط لتحقيق الانتساب إلى الشجرة الإبراهيمية مع تعميم ظاهرة النبوة والرسل وتحريرها من حصرها في شعب واحد)

 2-والتعبير الأدبي (كل أسطورة الأدب العربي ما صح منها وما اصطنع نحلا من بعد الإسلام)

 3-والتلازم بين التعبير والتحقيق التاريخي في التجربة الإسلامية التي تأسست على نص يتنزل بالتوازي مع أحداث تاريخية تتحقق

 4-والتعبير الفلسفي الذي تعين بالموقف النقدي من الشكل الفلسفي التقليدي في التجربة الأولى (اليونانية)

 5-والتعبير الجامع أو التعبير الديني في شكله القرآني لأن مقومات التعابير السابقة جميعا تلاحمت في نص القرآن الجامع بينها رمزيا وفي تاريخ الأمة الجامع بينها فعلا والمراوح بين حدودها التعبيرية هذه الأمة التي تعي ذاتها بوصفها مكلفة بجعله نظام التاريخ الفعلي بشرطي الاستثناء من الخسر أعني التواصي بالحق أو الاجتهاد الإجماعي والتواصي بالصبر أو الجهاد الإجماعي[4].

ويناظر وجها جانوس هذان أعني الديموقراطية الموجودة في الممارسة الفعلية الحالية والتي ينطبق عليها وصف القدامى والديموقراطية الموجودة في العرض الإيديولوجي الحالي والتي ينطبق عليها وصف المحدثين للنظام الديموقراطي ما نراه سائدا في سياسة عصر العولمة الدولية بمعاييرها المزدوجة وهما يسودان دائما الحكم اللاأخلاقي في الباطن والمتدرع بالأخلاق في الظاهر فيسيران حياة البشر الجماعية في كل وطن على حياله والسياسة الدولية بين الأوطان. ووجود هذه الوجوه المتناظرة بين هاتين الرؤيتين الوسيطة وما قبلها ثم الحديثة وما بعدها ليس هو ناتجا عن كوننا نفضل في تحليلنا ظاهرة الديموقراطية مستوى الواقع منها على مستوى الواجب بل هو يبدو من جوهر الواجب الديموقراطي ذاته كما تحدده النظرية الديموقراطية. فمن البين بنفسه كما يبدو امتناع تحقيق الشرط العقلي والخلقي إذا اعتمدنا التحديد الفلسفي لشرعية القيم. فكونية المعايير الديموقراطية تبدو مستحيلة التحقيق من دون ازدواج المعايير في الصفتين الذاتيتين لتصور الديموقراطية نفسه:

فالسيادة الشعبية ليست قطعا كونية بل هي لا يمكن أن تكون كونية لامتناع شروطها كما سنرى. ويكفي ليسلم الجميع بذلك أن ينظروا إلى ما يحصل في العلاقات بين دول الشمال ودول الجنوب. فلكأن ما يجري على مستوى المعمورة هو عينه مفهوم الديموقراطية اليوناني حيث ينحصر الحكم في السادة (المستحوذين على الحكم من بين سكان العالم الغني) ويستثنى منه العبيد (بقية سكان العالم مع فقراء العالم الغني وهم بالطبع كثر): التدخل الدبلوماسي والاستعلامي السري وحتى العسكري الصريح.

وتطبيق القانون الوطني والدولي حتى بما فيهما من نقائص لا يجهلها أحد يعد نفيا لكل عدل مهما اعتدل الإنسان في تقويم الممارسة القضائية. فلكأن العدل ليس هو غير استعمال إرادة الأقوياء لحماية امتيازاتهم ضد أي حقوق للضعفاء في العالم لأن المشرع الوحيد والقادر على تنفيذ ما يسمى بالقانون الدولي: فالقانون الدولي مع ما فيه من ظلم ظاهر لا ينطبق إلا في حدود ما يرضى عنه الأقوياء.

وبذلك فبعد الوقائع من المعايير الديموقراطية صلته هي بالأولى صلة بعلاقة الإرادة بالقدرة بدلا من أن تكون صلة بعلاقة المعرفة بالاعتقاد كما جاء في عنوان الندوة التي ربطت المعايير بالمعرفة والاعتقاد ربطا ضمنيا غير صريح لما وصلت فيه بين الكلمات الثلاث[5]: معرفة وعقد وقيمة. أما البعد المعياري أو الواجب من صفات الظاهرة الديموقراطية فإن له صلة بشروط الإمكان التي تحقق كونيتها. فالعلاقة بين فاعلية المعايير وعلاقات القوى في المستويين الوطني والدولي تبدو معبرة عن حال الوضع في ما يجري في بعديها بعد الوقائع الفعلية وبعد الواجبات المعيارية كما يتعينان في الوضعية الدولية الحالية وضعية العلاقة السياسية الإنسانية سواء كانت وطنية أو دولية.

ولكي أعالج هذه المسألة علاجا فلسفيا يجمع بين جنس إثارة السؤال اليونانية وإثارته العربية إثارتهما الأبرزين (أولهما لوضع التصور ونقده والثانية لبيان طبيعة إيديولوجيته ونقدها) سأستعمل بقصد مفكرين تقليديين يبدون بفكرهما منتسبين إلى عصر غير العصر الحالي: سأستعمل مفكرين يعدان منظرين كبيرين في مجال الفلسفة العملية عند اليونان وعند العربان قصدت أفلاطون (العاشر قبل الهجرة) وابن خلدون (الثامن بعد الهجرة). لكني سأردفهما عرضيا بمفكرين أحدهما يتوسط بين الإثارتين والثاني بين الثانية منهما والوضع الراهن. فبرقلس (مخضرم بين القرنين الخامس والسادس قبل الهجرة) يعلل فلسفيا تقديم الأكثر عمومية على الأقل في التأثير وكلاوزفتس (في القرن الثالث عشر للهجرة) يعلل استراتيجيا أهمية التمكن من الحصانة الروحية للعدو في الحرب وعدم كفاية التمكن من الحصانة المادية. والمفكرون الأربعة هم بالترتيب:

أفلاطون ومنه سنستمد نموذجا نظريا قابل للمساعدة على تحليل سوق الدساتير الذي يسود عالمنا الحالي مع بعض التغييرات الطفيفة.

وابن خلدون الذي يمكن أن يساعدنا على فهم دور الديني في السياسي إذا تزاوج مع العقلي لعلاج الأزمة الوطنية والدولية في عصر العولمة.

وبرقلس وبه نعلل تقديم ابن خلدون لفاعلية الأعم على الأخص وهو تقديم نتبناه في علاجنا للوضعيات السياسية الوطنية بالوضعيات السياسية الدولية في عصر العولمة.

أما كلاوزفيتس فسيساعدنا على فهم الاستعمال الاستراتيجي لازدواج المعايير الديموقراطية في المرحلة الأخيرة من المراحل الثلاث في الحروب مطبقة على الحرب العالمية الرابعة التي نراها تجري أمام ناظرنا.

ولذلك فسأقدم المسألة الوصفية والتحليلية بقضيتيها على هذه المسألة التأويلية والتفسيرية تقدم الوصف الفينومينولوجي لاستنباط البنى العميقة للظاهرة والتحليل التاريخي والتصوري لهاته البنى على التفسير الفلسفي الذي يبين التطابق التام بين النظرة الفلسفية والنظرة الاستراتيجية التي يعبر عنها الفيلسوفان اللذان اخترنا تصوراتهما نماذج تحليلية وتأويلية للترابط بين الأزمة العالمية والأزمة الوطنية التي تمر بها بلاد العرب والمسلمين. وحتى أتحرر قدر المستطاع من فصام النخب العربية الحالية فأحلل الأزمة المضاعفة في علاقتها بالديموقراطية ممارسة فعلية وخطابا إيديولوجيا سأزيد هذا التطابق وضوحا بتحليله في مرحلتين أولاهما أفلاطونية والثانية خلدونية وكلتاهما تثبان قابلية الوضعية الدولية للوصف الذي أقترحه للدلالة على الوحدة العميقة لعمل المؤسسة السياسية وطنية كانت أو دولية وبصرف النظر عن التنوع السطحي لما تصفه الأشكال الدستورية التقليدية.

وسأقدم على ذلك تعليلا لموقفي هذا من الفكر العملي في الحضارة العربية الإسلامية مسألة تمهيدية تعالج قضيتين أولاهما تحدد المنظور والثانية تعلل الربط بين الديموقراطية والأخلاق وأؤخر بعد ذلك محاولة شخصية في تعليل ما أزعمه من بنية عميقة واحدة لكل الأنظمة السياسية بنية لا يتغير منها إلا أسلوب العمل ذهابا من الخشونة إلى الليونة لتحقيق نفس الأهداف. فتكون الخطة مؤلفة من أربع مسائل كل منها مؤلفة من قضيتين:

المسألة الأولى ممهدات وتتعلق بتحديد منظور الدراسة وطبيعة الإشكالية التي تتصل بعلاقة الديموقراطية بالأخلاق أو بما تقتضيه ممارسة ونظرية من ازدواج حتمي للمعايير:

1-             منظور الدراسة

2-             إشكالية العلاقة بين الديموقراطية والأخلاق.

المسألة الثانية وهي وصفية تشخيصية وفيها قضيتان كلتاهما تبحث دور الخداع في الممارسة والعقيدة الديموقراطية في المستويين الوطني والدولي:

 1- واقعات الديموقراطية L’état de fait سعيا إلى تحديد نسبها التاريخي: ونحلل فيها سلوك الديموقراطية الحالية التي تستعمل نفس الفنيات التبشيرية التي تستعملها الأديان وخاصة ما يمكن أن يوصف بعقيدة الجهاد الديموقراطي-ممثلة باليمين المحدث- أي إن الإيديولوجيا الديموقراطية فضلا عن كونها صارت تسلك مسلك الأديان الجهادية تصرح باستنادها إلى رسالة دينية كما يعبر عن ذلك مثالا هذه الديموقراطية الصارخين: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل سعيا إلى تحديد نسب الديموقراطية التاريخي  Généalogie  historique

2- واجبات الديموقراطية L’état de droit سعيا إلى تحديد نسبها التصوري Généalogie conceptuelle ونحلل فيها إيديولوجية الديموقراطية الحالية وتأسيساتها النظرية كيف تمت وكيف يمكن تفكيكها بصورة تبين الطابع الجوهري لتقنعها المؤدي ضرورة إلى ازدواج المعايير بمقتضى تصورها ذاته.

المسألة الثالثة وهي تأويلية تفسيريه وفيها قضيتان كلتاهما تبحث دور التحريف الديني والخلقي في الديموقراطية تأسيسا وسلوكا:

1- أولاهما نحلل فيها بنية السياسة الوطنية والدولية الواحدة من خلال نموذج أفلاطون.

2- والثانية نحلل فيها بينة السياسة الوطنية والدولية الواحدة من خلال المقابلة بين نموذجي ابن خلدون ونموذجي أفلاطون.

المسألة الأخيرة وفيها قضيتان وهي فرضية العمل التي سنتمدها من ابن خلدون لنفسر بها ما نزعمه بنية عميقة يتألف منها الحكم من حيث هو نظام حكم لا يتغير منه إلا أسلوب العمل من حيث الخشونة والليونة في تحقيق نفس الوظائف:

1- الأولى تعين منطق العملية السياسية عامة ومحدداتها ما كان منها من ذاتها وما كان منها من خارج ذاتها كما يحاول صوغها ابن خلدون.

2- والثانية تعين نسيج العمران وقواعد العمل السياسي الباطنة في كل عمران بمستوييه الوطني والدولي وتشبه  علم تشريح الكيان السياسي وعلم وظائفه.

الخاتمة: ملاحظات سريعة حول العلاج الخلدوني لمسألة الحكم في العمران  Traitement khaldunien

 

 

 

 

                     المسألة الأولى: ممهدات

                                                 القضية الأولى

                                       المنظور العملي وطريقة العلاج

لما نُقلت أعمال الفلاسفة اليونان العملية إلى اللسان العربي في نهضتنا الأولى ظل فلاسفتنا يناقشون النظريات السياسية وكأنها نصوص مقدسة بل هي كانت عندهم علما تاما لا مزيد عليه كما قال المعلم الثاني في الباب الثاني من كتاب الحروف ليس بخصوص علوم العمل فحسب بل عمم كلامه على العلوم الفلسفية كلها. لم يدركوا[6] أنها محاولات لصوغ مواد بنماذج نظرية تعالج أحداث تاريخية فعلية كان من المفروض أن ينظروا في ما يناظرها من مواد في الأحداث التاريخية التي يشاهدونها تجري أمامهم في الحضارة العربية الإسلامية بمنظار الصوغ الرمزي على المجرى اليوناني أو على المجرى القرآني أو على أي مجرى آخر يبدعونه. فذلك هو الشرط الذي كان يمكن أن يجعلهم يقومون بما يناظر القصد الفلسفي اليوناني وقد يتجاوزونه للاستفادة منه من خلال إدراك المسافة التي حصلت في المواد بحكم تغير التاريخ والثقافة فأظهرت ما يكون قد كان خفي على من سبقهم من المنظرين: أعني محددات الظاهرة العملية والسياسية كما هي في التاريخ الفعلي الذي يعايشون.

لكن كلامهم ظل كما قال ابن خلدون كلاما في تمجيد المدينة الفاضلة التي لو صح وصفها وتحقق وجودها لاستغنى الناس عن السياسة أصلا وكلاما في ذم المدن غير الفاضلة ومن ثم إلغاء العلاج النظري للتاريخ الفعلي الذي من دونه يكون علم السياسة فاقدا لكل معنى. فبقيت الفلسفة العملية عديمة الصلة بموضوعها عدا صلة الترغيب في ما ينبغي إيجابا وعما لا ينبغي سلبا. ولذلك لم نر أثرا لهذه الفلسفة في التاريخ الخلقي أو السياسي للمجتمعات العربية والإسلامية حتى وإن كنا لا ننكر وجوده في الكلام العام على الأخلاق والسياسة[7].

فهل نقبل الآن في نهضتنا الثانية أن يظل موقفنا الحالي من الفلسفة العملية الغربية مجانسا لكلام أسلافنا من الفلسفة اليونانية العملية خاصة والأمر لم يعد مقتصرا على العلاقة بنصوص ثقافة صرنا البديل منها في التأثير المباشر بل هي نصوص يعد أصحابها حاليا أكثر شعوب الأرض فاعلية في التاريخ الكوني؟ أم نريد أن نفهم الظاهرة العملية عامة من منطلق ما يبدو قد شذ منها عندنا شذوذا دالا على أمر ما قد يكون منطلقا لنقلة نوعية في فهم الظاهرة السياسية عامة إذ ليس من علة وجيهة تجعل فهم الظاهرة السياسية فهمها الحالي نهائيا. علينا أن نسعى إلى فهم هذا الشذوذ فنسأل عن علل تمنع الظاهرة السياسية عندنا عما يعتبر طبيعيا عندهم وعلل موقف شعوبنا السلبي من التبشير الديموقراطي حتى كاد هذا الرفض الذي نشهده يكون من جنس ما يحصل في عملية تركيب الأعضاء بدليل فشل كل محاولات العملنة التي لم تتجاوز الشكلانية الديموقراطية التي نجدها في دساتيرنا ونعيش نقيضها في التاريخ الفعلي ؟

وهل يعقل أن نتصور الغالبية الكبرى من شعوبنا مخطئة لوقوفها هذا الموقف السلبي مما يوصف بكونه خيرا ثم يبقى وصفهم بكونهم بشرا أسوياء وصفا مقبولا إذا لم نضع فهم الظاهرة السياسية الحالي موضع سؤال وخاصة إذا لم نطلب علل سياسة التبشير الديموقراطي فنضعها موضع سؤال ونراجع نظرية الديموقراطية نفسها على الأقل في الشكل الذي يقدمه التبشير؟ ذلك أنه إذا كان العيب في شعوبنا وليس في ما يبشرون به فإن الرئيس بوش يكون عندئذ محقا في وصفه شعوبنا بكونهم برابرة[8] وقداسة البابا رحيما بهم  لما سعى في محاضرته الشهيرة[9] إلى تفسير هذا السلوك بلاعقلانية عقائدهم طلبا للعلاج الشافي ورأفة بمن يعتبرهم أصحاب ثقافات دنيا. ألا يقتضي ذلك التسليم بأننا لن نكون قابلين لهذا النوع من الديموقراطية إلا بعد أن نصبح بشرا بهذين المعيارين ومن ثم فإلى ذلك الحين يحق لغيرنا أن يختار بدلا منا مباشرة أو بمن ينتدبه منا لهذه المهمة لأن اختيارنا لمن يدبر أمرنا إذا حصل بإرادتنا سيكون أكبر خطر على الديموقراطية التي تراد لنا (وهذا هو في الحقيقة رأي كل علمانييا والمزعوم من عقلانيينا الذين يرون أن شعوبنا لا تستحق أن يكون لها رأي وأنه علينا أن نسوقها سوق الأنعام إلى جنة العلمانيين والبوشيين بالسلاسل!)؟

 هل يعقل أن يكون ما يحدث في تاريخنا الحديث الذي لا ينكر أحد حدوثه الفعلي إذ هو بات بؤرة التاريخ الكوني أن يكون عديم الكثافة الوجودية فيكون أمرا ينبغي نفيه وعدم البحث عن كونه ما هو طلبا لمحاكاة ما يعتبر حدوثا ذا قيام جوهري يستأهل أن ننفي الموجود عندنا من أجله باعتباره ممثلا للمنشود الإنساني عامة سواء كان ذلك من حاضر الغرب المشؤوم[10] أو حتى في الموقف المقابل من ماضينا الموهوم [11] الذي له من عدم المبالاة بالسعي إلى فهم الحاضر نفس السلبية ؟

وهل يعقل أن يكون أصحاب النظام العالمي المتوحش أحرص على مصالح الشعوب التي يضطهدونها منها فلا تكون هذه الشعوب في تصديها لما يعدونها به من خير إلا بسبب غبائها وبسبب كونها بربرية وغير عقلانية إلى الحد الذي يصبح فيه اختيارها حتى عندما يكون بمعايير ما يبشرونها به من ديموقراطية خطرا على الديموقراطية فلا تكون الديموقراطية ديموقراطية إلا إذا أفرزت اختيار من يرضى عنه الديموقراطيون الحقيقيون المتحكمون في العالم والنخب المتأثرة بفكرهم حتى ولو أوجب ذلك تحالفها مع رموز الاستبداد التي ينصبها المبشرون بالديموقراطية لتحقيقها قسرا وإن بالغزو العسكري ؟

فرضيتنا أن في الأمر سرا ينبغي طلبه لفهم هذا السلوك الموسوم ب"اللاعقلاني" عند شعوبنا إزاء "السلوك العقلاني" و"فضائل" الديموقراطية التي هي أداة الخير والكرامة كما يقدمها علم الكلام الحداثي في شكله الأول وفي رد فعله على ما بعد الحداثة وخاصة في المجتمعات الأوروبية القديمة التي جردت دولها من مقومات الإرادة الحرة خلال خمسين سنة من الاستعمار الأمريكي المباشر ماديا وعسكريا[12] والاستعمار الإسرائيلي المباشر رمزيا وفكريا[13]. أتوقع أن ما ينتظره القارئ مني عند النظر في هذا العنوان "الديموقراطية والأخلاق" من دون شبه العنوان المصاحب هو أحد أمرين:

فإما أن يكون كلامي مدرسيا خالصا فيكون مقصورا على الكلام الفلسفي أو الدستوري المعتاد في المسألة الديموقراطية كما تعرض في المدارس لكأن الكلام في المسائل العملية مجرد درس جامعي أو عرض أكاديمي وليس هو مع ذلك جوهر الالتزام الوجودي والخلقي في العمران البشري. وهو بذلك لن يختلف عن كلام فلاسفتنا القدامى في المسألة العملية الذين ظلوا شراحا لنماذج نظرية لم يتساءلوا عن شروط أدائها وظيفتها النموذجية ومن ثم لم يجربوا نمذجة الظاهرة السياسية الحاصلة في ثقافتهم.

أو أن يكون نفس الكلام مصحوبا بالكلام الاحتجاجي المعبر عن العجز النظري فضلا عن العجز العملي المعهودين في فهم الأنظمة الدكتاتورية أو الإيديولوجيات الظلامية وعلاجها مقصورا عليهما ظنا أن ما يحول دون مجتمعاتها وتحقيق الديموقراطية مجرد إرادات المستبدين الفاسدين فيمكن بالوعظ أو بالضغط الخارجي تغييرها لصالح أهلها كما يسعى إلى ذلك نخب العالم الثالث التي تتكلم باسم المثل معبرة عن ذلك بالكلام المثالي أو باللجوء إلى من نصب هذه الدكتاتوريات ليصبحوا ورقة في لعبته المفضوحة.

لكن مطلبي في هذه المحاولة لن يكون من هذا الجنس ولا من ذاك بل هو سيكون تجاوزا لكلا الموقفين بإضافة ما يقتضيه النظر العملي لعلاج موضوعه علاجا يسلم مبدئيا بأن ما يحصل فيه ليس رهن الإرادة الحرة بإطلاق بل هو مثله مثل أي ظاهرة توضع مادة للمعرفة يخضع لانتظام ذاتي ينبع من مقوماته التي ينبغي استخلاصها من حصوله التاريخي التجربي. والفرضية الأساسية التي نعتمدها في هذه المحاولة تنفي الإحاطة النهائية بأي ظاهرة موضوع للمعرفة وخاصة الظاهرة الإنسانية. فهي لا تتعين بكل مقوماتها في حضارة واحدة أو هي لا تظهر كل مقوماتها في المجريات التاريخية لحضارة واحدة بل الحضارات اللامتناهية التنوع تبرز المقومات لامتناهية التكامل في سعي لا متناه إلى تماس ممكن في غاية لانهائية هي إدراك الإنسان مقومات كيانه التاريخي إدراكا يسعى إلى جعله محيطا.

لذلك فلن أقتصر على التعليق على نصوص علم الكلام الجديد حول مزايا الديموقراطية عند المعارضات العلمانية أو التعليق على نصوص علم الكلام القديم حول مزايا الحل الديني عند المعارضات الدينية في تصدي هاتين المعارضتين للأنظمة الدكتاتورية المستبدة بشعوبنا ظنا منهما أنها أمر ناتج عن فساد في الحكام وليست بنية كونية هي عينها البنية المتحكمة في النظام السياسي الحالي وطنيا ودوليا تحكما ليس هو قضاء وقدر بل هو قابل للتغيير بعد العلم بقوانينه كما هو شأن كل عمل على علم. إنما مطلبي سيكون لما سنرى من العلل البحث في الدواعي التي تجعل الكلام الفلسفي والدستوري في فضائل الديموقراطية والكلام الاحتجاجي على عوائقها الذاتية في البلاد النامية يصبحان مجرد إيديولوجيا عاجزة عن الفعل بل وحائلة دونه.

ذلك إني أذهب إلى أكثر من ذلك فأزعم أنها تلهينا عن فهم ما يجري في بلداننا فهما قد يساعد على فهم ما يجري في العالم والعكس بالعكس من أجل تحديد شروط التحرر مما يعوقنا فعلا دون تحقيق ما نحلم به للتحرر من تزيين الأنظمة التي ترضى عنها هذه الإيديولوجيا والتي تجعلها تبدو ملائكية بالقول رغم كونها مافيوية بالفعل وتشيين الأنظمة التي تحاول تشريك شعوبها فتصبح ممثلة للشر سواء كان ذلك في أمريكا اللاتينية أو في افريقيا أو في آسيا أو حتى في أوروبا القديمة كما قال وزير الدفاع الأمريكي السابق: فيحصل لخطابنا الفلسفي الحالي في المسألة السياسية ما حصل لكلام فلاسفتنا في القرون الوسطى عند تلقيهم الفلسفة السياسية اليونانية التي تناسوا صلتها بموضوعها التاريخي فأهملوا موضوع فكرهم التاريخي واقتصروا على ما يتعالى على التاريخ وهو كلا شيء في المسألة العملية إذا لم يكن سعيا متدرجا للتقريب بين النموذج النظري ومقومات الوقائع الفعلية التي تكتشف بالتدريج خلال تاريخ هذه الوقائع ذاتها. وإذن فمطلبي:

هو أولا محاولة فهم الكيفية التي انقلبت بها إيديولوجية الديموقراطية إلى سلاح حاسم في الحرب النفسية الهادفة إلى الحيلولة دون السعي الحقيقي للتمكن من شروط النهوض الحر ومن ثم إلى ضرب مقومات الصمود الخلقية في الأمم المغلوبة عملا بالمرحلة الثالثة من استراتيجية الحروب حسب نظرية كلاوزفيتس[14]. وبذلك فقد يصبح الرفض القاطع لما يزعم للديموقراطية من فضائل في الخطاب بعد أن تبين أنها أصل الاستراتيجية التنكرية التي تدمر شروط استقلال الأمم الخلقي والروحي فضلا عن الاستقلال السياسي والاقتصادي في الفعل يصبح هو بدوره أولى مراحل التحرر مراحله الساعية إلى تحقيق شروط النهوض المستقل فضلا عن كونه شرط وضع المشكل الحقيقي لتحديد النظام السياسي الممكن من ذلك بدلا من أن يصبح الحائل دون مقومات الفاعلية الذاتية للأمة.

وهو ثانيا السعي إلى فهم الكيفية التي يستعمل بها هذا السلاح المطعم بلغة حقوق الإنسان في حالتي السلب والإيجاب بصورة صريحة عندنا وبصورة ضمنية في بلاد الغزاة ضد شعوبهم أيضا لأن سلوك الكواسر هذا ليس موجها إلى الخارج فحسب بل هو السنة العامة لنظام الحكم في شكله الأليغارشي المتنكر:

ففي حالة الإيجاب يحارب بهذا السلاح كل نظام وطني حقيقي أي كل نظام يشارك شعبه في الدفاع عن مصالحه المادية والخلقية فينتخب من يمثله. لكنهم يضطروا هذا النظام إلى أن يصبح مخابراتي ليحمي نفسه. وقد حصل ذلك في كل قارات العالم في إفريقيا وفي آسيا وفي أمريكا الجنوبية. فما يحيطون به النظام الوطني من مؤامرات تصل إلى حد تكوين عصابات إجرام ذات أسماء مشهورة بما في ذلك لحكم أوروبا خلال الحرب الباردة كما في إيطاليا مثلا تصبح هذه الأنظمة مهوسة بالأمن والاستعلامات فتتحول إلى استبدادية هي بدورها.

في حالة السلب هم ينصبون ديموقراطيات "بانانية" تطبق ما يريدون كما فعلوا مع كل المستعمرات التي يسمونها ديموقراطية سواء في أوروبا أو في آسيا أو في أمريكا اللاتينية أو في إفريقيا. وهذه الديموقراطية التي يرضون عنها هي في الحقيقة النوع الثاني من العبودية: كانوا يستوردون العبيد للعمل الرخيص فصاروا يذهبون إليهم في بلادهم لنفس الغرض بسياسة ما يسمى بالآوت سورسينج أو نقل المؤسسات الصناعية إلى بلدان العبيد. ثم هم يخلقون رموزا خلقية كاذبة من جنس غاندي ومانديلا والأم تيريزا يستعملونها كلما عن لهم ثم يطفئون عنها نور الإعلام كما حصل مع مانديلا لما صدق اللعبة وحاول أن يقول كلمة حق في غزو العراق. ولعل أهم العلامات كلام المسؤولين الغربيين عندما يفقدون المسؤولية: يصبحون قوالين للحق بعد أن يصبح قولهم لا حول له ولا قوة.

لذلك فسننطلق في هذه المحاولة من سؤال جذري مضاعف ينطلق من الأزمة في دار الإسلام عامة والوطن العربي خاصة ويسعى إلى فهم الأزمة الكونية الملتحمة بها بل والمحددة في المقام الأول لمجرياتها تحديدا جعل مصير العالم بكامله رهن مصير العالم الإسلامي كما سيتحدد على أرض العرب فيكون السؤال عن طبيعة النظام السياسي الملائم للعمران البشري من حيث هو بشري بصرف النظر عن الإيديولوجيات والثقافات أمرا لا يقبل العلاج إلا في مثل هذه الوضعية التي هي شبه تجربة حاسمة في التاريخ البشري من حيث هو حدث ومن حيث هو علم بالحدث:

1- لماذا لا يزال الحزبان الديني والعلماني عندنا يؤمنان بفضائل المرجعيتين اللتين  يدعوان إليهما أعني المرجعية العلمانية والمرجعية الدينية ويتفقان على الآلية الديموقراطية التي أصبحت مشتركة بينهما حلا لمعضلات الحكم رغم ما في ذلك من الويلات على الإنسانية خلال تاريخها القديم والوسيط بالنسبة إلى الأول والحديث والمعاصر بالنسبة إلى الثاني: أليس في الإمكان الخروج من هذا المأزق والعمل على تحرير إرادتنا من التشبث بالأوهام لنؤسس الحلول التي تستوجبها المرحلة التاريخية حيث صارت الأمة نهبة لعملاقين حاليين هما أمريكا وإسرائيل اللذين يريدان الاستبداد بإرادتها بعد أن استحوذوا على أرضها استباقا لقدوم العماليق الأربعة المحيطين بأرضها أعني الصين والهند شرقا وروسيا وأوروبا غربا ؟

2- لماذا يجمع كلا الحزبين صاحب الإيديولوجيا العلمانية وصاحب الإيديولوجيا الدينية على أن آليات النظام الديموقراطي بشكلها الحالي تعد المثال الأعلى (بإطلاق عند الأول لأنها عنده فلسفة وجود ونسبيا عند الثاني لأنها عنده آلية حكم) أو على الأقل أقل الأنظمة السياسية سوءا عند الكثير من علماء الكلام الجديد في الحزبين دفاعا عن إيديولوجية الحكم باسم الإنسان أو إيديولوجية الحكم باسم الله؟ لماذا لا يطلب الحزبان شروط الحكم الرشيد المناسب للمرحلة التاريخية فيخرجان من الحاجة إلى الاحتماء إما بعنف المحتل والأنظمة المتحالفة معه (الأول) أو بعنف العامة (الثاني) في دفاعهما عما يسميانه نظاما ديموقراطيا وهو في الحقيقة لن يكون إلا نظاما أليغارشيا تابعا فيكون أقرب إلى ما يصفه به الفكر القديم الذي كان وصفه له أكثر مطابقة لطبيعته الفاسدة وللمساوي الخلقية المترتبة عليه؟ ويجتمع السؤالان في مسألة واحدة هي الدافع الحقيقي لكتابتي فيها:

أليست هذه الآليات التي تطبق شبها من الديموقراطية كما يصورها المثال عند أهلها فضلا عنها عندنا أليست في حقيقتها إلا ما أنكشف منها عندما أصبحت أداة الحرب النفسية التي يستعملها أصحاب الأليغارشية العالمية وأصحاب الاستبداد الوطني التابع لها لتحديد مصير الإنسانية بمعايير مزدوجة تنفي كل معنى لكلية القيمة الخلقية للإنسان من حيث هو إنسان وللعالم الطبيعي من حيث هو شرط وجوده السوي فلا تكون من ثم إلا مجرد قناع يسمى ديموقراطية تحررية في الرأسمالية وديموقرطية شعبية في ما كان يزعم اشتراكية ؟  

ألا يكون هذا الحل منافيا لشروط البحث في النظام الملائم للحال التي أصبحت عليها البشرية في المعمورة أعني وحدة الإنسانية التي لا يمكن أن تحكم إلا بقيم الأخوة والمساواة كما حددها القرآن الكريم. فبعد تحقق وحدة المعمورة لم يعد بوسع النظام الديموقراطي (الذي لا يقوم إلى على ازدواجية نظام الفضائين الداخلي والخارجي) أن يجد مجالا لإشباع نزوات الداخل بحرمان الخارج. لذلك فهو مضطر إلى مضاعفة بشاعته في خارج اصطناعي وعدم إخفاء بشاعته في الداخل. وبذلك فقد فضحت الوضعية العربية الإسلامية طبيعته الفعلية أعني المافيا الإجرامية التي تحكم بواسطة السلطان الرمزي (شركات الإعلام والإبداع الرمزي الصهيونية الذي يلوث عالم الإنسان الثقافي) ومافية السلطان المادي (شركات الاستعلام والإبداع المادي الأمريكية الذي يلوث عالم الإنسان الطبيعي).

                                 

 

    

                             المسألة الأولى

                              القضية الثانية

         تعليل الجمع بين الديموقراطية والأخلاق في إشكالية واحدة.

وبذلك نفهم علة الجمع بين الديموقراطية والأخلاق في العنوان. ونفهم شبه العنوان كذلك. فتأسيس الديموقراطية الأتم في الفكر الغربي الحديث يدعي أصحابه أنه تأسيس عقلي خلقي في منطلقة وروحي ديني في غايته كما تعين ذلك أفضل تعين عند كنط: دور المسلمات العملية الثلاث في تأسيس الأخلاق ودور الأخلاق العقلية في تأسيس القانون ودور القانون في تأسيس الديموقراطية. وشرط عقلانية القوانين النظرية (لعلم الظاهرة السياسية) وخلقية القوانين العملية مستحيل التطبيق في ما يترتب على النظام الديموقراطي من علاقات بين المواطنين داخل نفس الدولة فضلا عنه من علاقات بين الدول: ففي العلاقة الداخلية نجد مفارقة المقابلة بين ما تطلبه الديموقراطية الشعبية وما تطلبه الديموقراطية البرجوازية وفي الخارج نجد مفارقة المقابلة بين ما تطلبه ديموقراطية الغالبين وديموقراطية المغلوبين.

ولا تعني إثارة هذه القضية أننا نفضل علم الكلام القديم الذي يزين الثيوقراطية (=الحكم باسم شرع الرب) أو يدافع عنها على علم الكلام الجديد الذي يزين الأنثربوقراطية (=الحكم باسم شرع الإنسان) أو يدافع عنها. كما لا يعني أننا نقف موقفا نيتشويا ضد القيم الديموقراطية عند افتراضها موجودة على ما يدعيها عليه القائلون بها في النظريات الفلسفية والحقوقية. فكلا الكلامين العلماني أو الانثربوقراطي و الأصلاني أو الثيوقراطي كلاهما عندنا يزيف حقيقة الحكم السياسي بحجاب إيديولوجي أصبح باسم الإنسان بعد أن كان باسم الرب: وكلاهما في الحقيقة ديني التأسيس بل حتى النظام المثالي القديم والوسيط كان دينيا من حيث التأسيس.

ما نسعى إليه هو التحرر من الحلول التي تبدو مفروغا منها حتى نبرز الحاجة إلى طلب الفهم الأقرب إلى ما يجري في الممارسة التي تحدد مقومات الحكم السياسي في العمران البشري أيا كان شكل هذا الحكم فنتخلص من السند الانتروبوقراطي في نظام الحكم الذي يسود عصر الحداثة وما بعده بعد التخلص من السند الثيوقراطي في نظام الحكم الذي كان سائدا في العصر الوسيط وما قبله تخلصا دعا إليه القرآن الكريم حتى وإن ظل غير مفهوم رغم محاولات ابن تيمية[15] وابن خلدون[16] لتفسيره وتعليله:

هل يمكن أن نقبل حجة المتكلمين باسم إيديولوجية الإنسان التي تجعله المشرع المطلق[17] فصلا بين الواجب والواقع وإرجاعا لفساد النظام إلى التطبيق لا إلى النظرية قياسا على حجة المتكلمين باسم إيديولوجية الرب ؟

 أم هل يمكن أن نحدد طبيعة هذا النظام تحديدا يبين أن واقعه يترتب عن واجبه الذي هو مجرد غطاء إيديولوجي يخفي حقيقته الفعلية التي هي واقعه ؟

المعلوم أن لواقع النظام الانثروبوقراطي ظهورين يبدوان متناقضين في ساحتين مختلفتين. وغالبا ما يمثل أحد الظهورين سلوكه في البلاد المتقدمة حيث تبرز مساحيق تنكره أو وجهه الذي يجعله مغريا عند نخب البلدان المتخلفة سواء خلال عيشهم هناك في الهجرة للدرس أو للعمل أو للجوء السياسي أو خلال ما تمتع به آباؤهم المتعاونون مع الاستعمار عندما كان جاثما على بلادهم. أما وجهه القبيح الذي ينفر منه كل إنسان صادق فيظهر في التعامل مع شعوب المستعمرات حيث ينسب ما عليه من فساد إلى الاستعمار لا إلى طبيعته التي ترد إلى الوجه الأول المظنون ناصعا. فلا يتصوره الدعاة إليه مقتضيا ما نعلم من حروب على اقتسام العالم فضلا عن إفساد العالم نفسه بل يعتبرون ذلك أمرا عرضيا يمكن تخليص الديموقراطية منه ونسبته إلى مرحلة استعمارية تمثل مرضا أصابها تماما كمرض الفاشية والنازية والشيوعية التي مثلت جميعا مآلا حتميا في تاريخ الفكر الديموقراطي الغربي رغم ما يحاول البعض الزعم بأنها مجرد أعراض اتفاقية علتها جنون زعماء هذه التيارات وليست من جوهر النظام الديموقراطي المزعوم عقلانيا وخلقيا بالذات[18].

فيكون ما توصل إليه الفكر القديم في توصيف الديموقراطية هو أقرب وصف إلى حقيقتها الفعلية لأن شروط صورتها إذا طابق واقعَها تصورُها تؤدي إلى ما توقعه هذا الفكر حتى عند اقتصارها على القليل من المجتمعات البشرية فضلا عن كونها مستحيلة التطبيق العام لكونها غير قابلة للتعميم إلا بشكلين متناقضين هما علة التلاحم بينها وبين ممارسة المعايير المزدوجة الذاتية لها بالجوهر:

فهي تكون "ديموقراطية نخبوية" للبعض الذي يمثلون الأسياد المسيطرين على مقدرات العالم في أوطانهم وفي كل الأوطان وتتمتع بمقومات السيادة أعني الأمر والنهي في التشريعات المحددة لمصير العالم وسكانه من البشر المغلوبين: وذلك هو جوهر الألغارشية وليس هو ديموقراطية بأي حال من الأحوال.

و"ديموقرطية شعبوية" في بقية العالم الذين يمثلون العبيد التابعين الذين لا حول لهم ولا قوة وهي عندئذ ديموقراطية اسمية ويمكن أن نعتبرها ديموقراطية طلحية وإنها في جوهرها كذلك حتى في الغرب بالنسبة إلى عامة الشعب كما هي في بقية العالم كله بالنسبة إلى الجميع: وذلك هو جوهر الاستبداد وليس هو ديموقراطية بأي حال من الأحوال.

وبذلك يتبين أن الديموقراطية هي في الحقيقة وحدة وجهيها الأبشعين: الألغارشية بين الأسياد والاستبداد بين العبيد وذلكما هما وجها المافياوية المقومين لنظام الحيلة للإفساد والعنف للاستعباد. ولما كانت الأليغارشية هي استبداد المال والاستبداد هو اليغارشية العنف باتت الديموقراطية في الحقيقة هي ما نراها عليه في نظام العولمة: استبداد المال والعنف والفساد في الأرض واستضعاف الأقلية للأغلبية. ولما كان المال فعلا رمزيا كان رمزه لينا أعني حكم المحامين والخطابة. ولما كان العنف فعلا ماديا كان رمزه حكم البوليس والعصابة. وكلاهما يتحقق فيه كلا الوجهين. فالاليغارشية يبرز عنفها الصريح في الخارج ولطفها الفصيح في الداخل (وذلك هو الوجه الغالب على البلاد الغنية). والاستبداد يبرز عنفه الصريح في الداخل ولطفه الفصيح في الخارج (وذلك هو الوجه الغالب على البلاد الفقيرة). فيكون كلاهما عنيف ولطيف في نفس الوقت وإن في مكانين مختلفين: ولذلك فهما نفس الشيء ولا تتغير صفاته إلا بمقتضى النسبة إلى الداخل أو الخارج. ولما كان التقابل بين الداخل والخارج قد زال بسبب سريان فعل القطبين في كامل المعمورة وبسبب العولمة التي كانت دائما موجودة وإن كان وجودها قد أصبح أكثر وضوحا الآن (تلاصق الجماعات الناتج عن التكاثر وسرعة المواصلات اللذين ضيقا والزمان المكان) بات الوجهان متطابقين لأن ما كان يطبقه القوي في الخارج أصبح ذا وجهين: فهو يطبقه الآن على المهاجرين إليه وعلى العاملين عنده في هجرة رأسماله إليهم. أما الضعيف أو الأنظمة التابعة فإنها تمثل أخلاق العبيد الذين يسودون على من دونهم ويسادون ممن فوقهم. ولما كان المعبود غير الله فهمنا أن كلا الشكلين يمثلان بشاعة العبودية للهوى[19].

لذلك فنحن نزعم في هذه المحاولة زعم الفكر القديم وأكثر منه أن الديموقراطية إذا عملت بآلياتها الذاتية ودون براقع فإنها تؤول بالضرورة وبمقتضى طبيعتها إلى الاستبداد والدكتاتورية الداخلية والخارجية حتى وإن كان الكشف عن حقيقتها القبيحة لا يكتمل إلا في البلاد المستعمرة لأن العمل الرمزي يصبح عملا ماديا فينتقل من سلطة الخطابة والمحاماة إلى سلطة العصابة والهراوات. فهي فيها تؤول دائما إلى ما لا يحتاج إلى وصف سواء كان الاستعمار مباشرا أو غير مباشر وسواء كان من الأوربيين أنفسهم قبل حركات التحرير أو من مستعمرات أوروبا بعدها أو من نوابهما الذين يقومون بأبشع مما كان يقوم به المستعمرون فيحققون ما لم يحققه أسيادهم قضاء مبرما على مقومات وجود الأمة الحر والمستقل ماديا وروحيا.

وليس من مقاصدي أن أقتصر على عمل أكاديمي حول الديموقراطية أناقش فيه نظريات الحكم ومنزلة النظرية الديموقراطية بينها: فما يعنيني هو التاريخ الحي وليس الكلام المدرسي. فلا فلسفة السياسة ولا النظرية الدستورية هي الهم الذي أركز عليه في هذه الورقة رغم أنهما بمقتضى طبيعة الفعل النظري مقوما التحليل الضروريان. إنما قصدي الأساسي هو محاولة تقويم التاريخ الفعلي لما يسمى بالنظام الديموقراطي في علاقته بنا منذ قرنين التاريخ بوجهيه ممارسة وتنظيرا: ما يعنيني هو ما جره علينا الكلام باسم إيديولوجية الإنسان بعد ما عانيناه من إيديولوجية رب الإنسان خاصة منذ أن اجتمع الخطابان المتقابلان فصارا فكي الرحى التي تقتل فينا كل أمل لحياة كريمة. لذلك فستتصف المحاولة بمفارقتين:

المفارقة الأولى تتعلق بطبيعة المنظور. إنها مفارقة الانطلاق من منظور مستقل يجعلنا في موقع الذات التي تعالج لا في موقع الموضوع الذي يُعالج. سننظر إلى المسألة من منظور الظرف الذي  عادت فيه الحضارة العربية الإسلامية إلى قلب الحدث الكوني منظور متحرر من علاج القضية الذي كان مقصورا إلى حد الآن على منظور غيبنا فيه من التاريخ الكوني ولم يبق مؤثرا في النظر إليه إلا المنظور الأوروبي اليهودي المسيحي وأؤكد على صفة اليهودي المسيحي لأن كل من يرى في الفكر الغربي فكرا متحررا  من المرجعية اليهودية المسيحية موقفه يعاني من السذاجة أو من سوء النية: أعني منظور الشعب المختار وأبناء الله في مقابل الجوهيم الذي لا حق لهم أو في أفضل الحالات البرابرة الذي ينبغي تحضيرهم بالقوة إن لزم الأمر ليكون جوهيم أكثر خضوعا.

والمفارقة الثانية تتعلق بنظرية الحكم السياسي ذاتها. فنحن نرفض جملة وتفصيلا الوقوف عند التعدد الشكلي في البنية السطحية ونطلب البنية العميقة التي هي عندنا بنية واحدة تشترك فيها كل المجتمعات وكل العصور ولا تتغير إلا في السطح إذا ما استثنينا تحولاتها البنيوية من حيث تلطيف الآليات أو تجويد عملها تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى ما يحدث في تطور الأعضاء عند الكائنات الحية تطورها المؤدي لنفس الوظائف أداء أجود أو كما يحصل في تطور أي مجال تقني حيث تبقى الوظائف وتتغير أدوات تحقيقها: ما نطلبه هو هذه الوظائف المقومة وقوانين تطور أدوات تحقيقها.

فأنظمة الحكم لا تختلف عندنا إلا بأشكال تطورها التي لا تغير مبادئ فعلها وقوانين علاجها لمعضلات العمران البشري تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى نظام الانتظام الذاتي في الظاهرات الحية بسبب ما لوظائفها من منطق موحد مهما اختلفت البينة الخارجية لأعضائها المحققة لتلك الوظائف ودرجات الجودة في أدائها: وطبعا فإن ذلك لا يعني أننا نرجع الحضاري إلى العضوي بل نعتبره مثله ذا قوانين بنيوية كلية تحكم التاريخ الحضاري رغم كونها غير البنية العضوية في التاريخ الطبيعي[20].

وهذه المفارقة الثانية تعيدنا إلى فكر ابن خلدون في تفسير آليات الحكم الكلية فكره الذي تخلى نهائيا عن التصنيف اليوناني لأنظمة الحكم بحثا عن البنية المقومة لكل حكم ينتظم به العمران الإنساني من حيث هو عمران إنساني. فيكون السابق في درس العمران قابلا للتفوق على التالي في درسه وإن بتأويل جديد تماما كما يفعل من يحاول أن يتجاوز أزمة الفلسفة الحديثة عامة بالعودة إلى الفلسفة القديمة في مرحلتها المتقدمة على سقراط أو من يريد أن يصلح علوم الملة بالعودة إلى الأصول التي استنبطت منها مراجعة للمستنبط وللاستنباط وليس للمستنبط منه. فهذا الحل يحررنا من الشكل الجديد لنظريات المدينة الفاضلة التي يزعمها الكلام الجديد متعينة في الديموقراطية حسب الفلسفة السياسية الحديثة كما أغنى ابن خلدون عن الكلام في المدن الفاضلة الكلام الذي كان سائدا في الفلسفة السياسية العربية المتقدمة عليه. فقد أدرك ابن خلدون وهاء التصنيف اليوناني لأنظمة الحكم والدساتير واعتبر العمران البشري من حيث هو بشري خاضعا في العمق لآليات مقومة واحدة مهما تغيرت الأشكال السطحية حتى وإن كانت متطورة بنسق وظيفة علمه اكتشاف منطقه أو على الأقل نموذجه.

فالنسبة بين أشكال الحكم المختلفة وآلياته الفعلية الكلية هي عندنا-كما هي عنده- من جنس النسبة بين الوظائف والأعضاء في عالم التاريخ الطبيعي في الوجود الفعلي ومن جنس النسبة بين بنى اللغات السطحية المختلفة والبنى المنطقية الكلية لأنظمة الترميز والتواصل في الوجود الرمزي. ومن ثم فالفكر الذي يغوص إلى هذه البني العميقة هو الذي يفهم الظاهرة الحكمية وليست الفلسفة السياسية التي تتكلم في الديموقراطية سواء كانت قديمة أو حديثة علما وأن القديمة أقرب إلى الصواب في فهم ما يترتب على النظام الديموقراطي عندما يعمل بمقتضى آلياته الحقيقية من الحديثة تماما كما يمكن اعتبار الفلسفة السياسية الحديثة أقرب إلى فهم الحكم الديني من الفلسفة السياسية القديمة: فطالب الحكم إذ يحتكم إلى صوت الشعب أعني إلى الانفعالات والرغبات لا يمكن أن يصل إلى الحكم أو أن يبقى فيه إلا إذا كان أقدر على مغازلة هذه الانفعالات والرغبات بالإيهام أو بالفعل.  ويكون بالفعل في حالة نجاح بعض من لهم القدرة على الزعامة الديماغوجية فيثور شكله الإيهامي الذي يخفي الحكم الأليغارشي وتلك هي اللحظة التي ينتقل فيها النظام الديموقراطي إلى غايته التامة أعني من الاليغارشية الخفية إلى الاستبداد الفردي باسم الشعب.

لكن ذلك لا يعني أني ألغي البعد المعياري في مسألة الديموقراطية قاصرا همي على البعد التجربي منها بل القصد أني اعتبر الكلام في البعد المعياري من منظور الفلسفة السياسية والنظرية الدستورية مجرد كلام ما لم يبحث فيه من خلال صلته بالبعد التجربي في التاريخ الفعلي لتعين الشكل الديموقراطي بمقوماته الفعلية وبشكله الكاريكاتوري الذي نراه يطبق سواء في بلاد أوروبا وأمريكا أو في العالم الثالث التابع لهما عندما يؤخذ منزوعا عنه مقوماته التي يمتنع من دون كونيتها المستحيلة تحقق معيار الخاصية العقلية والشرعية الخلقية للنظام الديموقراطي: قصدت السيادة الشعبية في الداخل والخارج. فلا يمكن أن يتجاوز التنوير الشكل التقليدي للحكم بمعيار التعارض بين المستوى المعياري والمستوى التجربي ويرفض أن يطبق عليه نفس المعيار. إذا رفضنا نظريات الحكم المستندة إلى الحق الإلهي بسبب تعارض النظرية مع الممارسة فينبغي أن نرفض نظريات الحكم المستندة إلى الحق الإنساني بنفس السبب بل الرفض يكون هنا من باب أولى إذ لا وجود لأمل الجزاء في عالم آخر.

 

 

                              المسألة الثانية

                                 القضية الأولى

               واقعات الظاهرة الديموقراطية ونسبها التاريخي

 

فينومينولوجيا الظاهرة الديموقراطية في العين أي كيف تتعين في منظور المنتسبين إلى العالم النامي. ولعل مجرد ذكر العناوين يكفي لتأطير هذه الفينومينولوجيا لأن الوصف التفصيلي ليس هذا محله. والعناوين المؤطرة نقصد بها جملة الوضعيات التي تبدت فيها ممارسات النظام الديموقراطي بمنطق الازدواج بين الداخل والخارج:

1-وصف الديموقراطية التي مارسها نوعا الاستعمار المضاعفين:

فالاستعمار الأوروبي نوعان وكلاهما مضاعف: موجة أولى من الاستعمار أوروبية خالصة انتهت مع الحرب العالمية الثانية تلتها موجة ثانية بعدها ينسب الاستعمار فيها إلى مستعمراتها الأربعة الأساسية أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وجنوب إفريقيا وإسرائيل. ولم يبق من الأربعة إلا اثنتان هما الولايات المتحدة وإسرائيل وهما تستعمران الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة[21]. فأما النوع الأول أو الاستعمار الأوروبي ففرعه الأول هو الاستعمار المباشر (بإدارة الاحتلال) وفرعه الثاني هو الاستعمار غير المباشر (بالإدارة التي نصبها قبل الخروج). وأما النوع الثاني أو استعمار المستعمرات الأوروبية ففرعه غير المباشر (استعمار أمريكا وإسرائيل: وهو المتقدم خلال حروب التحرير التي وظفها لصالحه) وفرعه المباشر (بداية من نهاية الحرب الباردة). والملاحظ أن استعمار المستعمرات الأوروبية التي ورثت مستعمرات أوروبا قد حصل بترتيب معكوس: فهو قد بدأ غير مباشر وانتهى مباشرا بخلاف الاستعمار الأوروبي. والعلة بينة. فالاستعمار الأوروبي غير المباشر كانت واسطته النخب التي ولاها أمر مستعمراته للتحيل على حركات التحرر. فكانت طريقة المستعمرات الأوروبية التي صارت قوى استعمارية أن تفتك ولاء هذه النخب لتحوله إلى صالحها. فباتت النخب العربية الإسلامية في خدمة أمريكا وإسرائيل بدل فرنسا وانجلترا. لكن هذه النخب تآكل تأثيرها ولم تجد أمريكا وإسرائيل من ينوبها فاضطرت للتدخل المباشر: وهذا حدث في أمريكا اللاتينية ثم تلاها العالم العربي الإسلامي.

2-وصف نوعي الديموقراطية التي عانى منها المهاجرون بصنفيهم المضاعفين:

وقد ناظر فعلَ المستعمر انفعالُ المستعمَرين حدا بحد في بلادهم وفي بلاد مستعمرهم. وانفعال المستعمرين في بلادهم المستعمرة غني عن التوصيف. فذلك هو مفهوم المجال الخارجي الذي يسدد فاتورة المجال الداخلي شرطا لتزييت آليات الحكم الديموقراطي.  ذلك أنه لا يمكن للحاكم أن يرضي نزوات الداخل إلا بحرمان حاجيات الخارج. وهو ما لا يكون من دون استعمار المجال الخارجي معينا لسد حاجيات المجال الداخلي. لكن انفعال المستعمرين في بلاد مستعمرهم خلال استيراد العبيد الذين يحتاج إليهم المستعمر في بلده هو الأكثر دلالة على هذه الظاهرة. فخلال الاستعمار الأوروبي المباشر وغير المباشر حدثت هجرتان من المجال الخارجي إلى المجال الداخلي أولاهما يمكن وصفها بتوريد العبيد واليد العاملة والثانية يمكن وصفها بهروب الخونة والعملاء مع أسيادهم[22]. ونفس الأمر يكرره أمام ناظرينا الاستعمار الغربي الثاني. وفي كل هذه التجارب يعيش العبيد المستوردون أو الفارون أكثر مما كانوا يعيشونه في بلدهم إذ تضاف إليه حياة المعازل التي من جنس معازل الهنود الحمر ومعازل الحركيين والفياتناميين الموالين للمستعمر.

    وفي مقابل هذه الوضعيات التي ترينا في الممارسة الفعلية طبيعة النظام الديموقراطي واقتضائها فضائين متناقضين ينفصل فيهما وجها المعيار المزدوج في كل شيء يحصلان في الداخل (بلد السيد المستعمر) والخارج (بلد العبد المستعمر) نجد عروض المسألة الديموقراطية في الذهن كما تصورها النظريات والخطاب الدعائي الذي وصفناه بكونه علم كلام انتروبوقراطي:

1-وصف نوعي المخيال الضاعفين:

فالديموقراطية الخيالية نجدها أولا في أدبيات الأحزات الغربية أو الأحزاب الوطنية التي تحاكي الأحزاب الغربية خلال الانتخابات (لما ننظر إلى الحملات الانتخابية الفرنسية مثلا). لكننا نلاحظها في وضعية أهم من هذه بكثير إنها وضعية الديموقراطية الخيالية التي تقاد باسمها الحرب النفسيه الموجهة إلى المسلمين والعالم الثالث (ما يقوده الإعلام الأمريكي من دعاية حول حقوق الإنسان والأقليات). ففي هذه الوضعية الثانية يكون المقصود بالديموقراطية إيصال عملاء أمريكا وإسرائيل للحكم بكل الوسائل لأن الديموقراطية لو كانت حقيقتها هي ما توصف به في الدعايتين لأوصلت أعداء أمريكا أعني في الحقيقة كل من يريد أن يكون مستقلا عن إرادة المستعمرين لبلده. وهذا أيضا من ثمرات الازدواج المعياري الذي نريد الخروج منه بجعل المسميات تطابق الأسماء: الديموقراطية تقتضي بطبعها ازدواج المعايير والتقابل بين المجالين الداخلي والخارجي ومن ثم فهي تقتضي استعمار المجال الخارجي حتما لسد حاجيات المجال الداخلي بحرمان أهل المجال الأول من كل الحقوق وأولها حق السيادة على ثرواتهم وتراثهم أي قيمهم ووجودهم الحر.

2-وصف نوعي النظرية المضاعفين:

لكن التدليس يتجاوز مجرد الدعايتين في الانتخابات والحرب النفسية إلى تأسيس الديموقراطية في علم الكلام الحديث أي ما يزعم تأسيسا خلقيا للديموقراطية كما في فلسفة التنوير وفي الجيلين الأولين من حقوق الإنسان (الحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية) وفي علم الكلام ما بعد الحديث أي ما يزعم تأسيسا ثقافيا كما في الجيل الثالث من حقوق الإنسان (الحقوق الثقافية).

إذا ثبت أن إيديولوجية الديموقراطية أو الانتروبوقراطية ليست في العلاقات الدولية وفي العلاقات الداخلية إلا فنا من فنون الخداع للحكم الأليغارشي العالمي أفلا يكون تأسيسها النظري مثله مثل عرضها الإيديولوجي مقتضيا هو بدوره هذا الازدواج الفضائي (المجالين) والمعياري (المكيالين) ؟  فتكون حقيقة الديموقراطية الدولية والوطنية هي ما عرفناه منها أعني جوهر تصورها وليس هو عائدا إلى سوء التطبيق. وإذا كانت تلك هي حقيقتها في الداخل والخارج فلم لا نعاملها معاملة العصور الحديثة للثيوقراطية فنبين أنها متناقضة بالجوهر وأنها فاسدة بالطبع ؟ كيف يمكن أن نثور على الشكل الثيوقراطي باسم التناقض بين الواجب والواقع ولا نفعل مع الشكل الانتروبوقراطي ؟ أليس من باب أولى أن نقف من الحكم باسم الإنسان نفس الموقف الذي وقفناه من الحكم باسم الله دون أن يكون في ذلك حنين للعودة إلى الحكم الثيوقراطي: فالهدف هو بيان فساد الحل البديل وطلب البديل الذي قد يخلصنا من النظامين الفاسدين  فنخرج من كماشة علمي الكلام الديني والحداثي ؟

فينومينولوجيا الديموقراطية من منظورنا ومن منظور تصور غيرنا لتصدينا إليها يجعلها ليست شيئا آخر غير فن من فنون التحيل لتأسيس ديموقراطيات طلحية Démocraties bananières في عالمنا يختلف تمام الاختلاف عنه في البلاد السائدة على العالم. ويكفي أن نحلل نسبها التاريخي لنبين طبيعتها التحيلية كما هي خاصية أي نظام سياسي لا يعترف بحقيقة الحكم الذي لا يمكن أن يكون إلا أليغارشيا متنكرا بدرجات مختلفة. وفضح درجات التنكر متناسب مع درجات التحرر من الاليغارشية ومن ثم فهي سعي إلى النظام الذي يمكن أن يكون ظاهرة مطابقا لباطنه.

           نسب الديموقراطية التاريخي:Généalogie historique

ليست الديموقراطية إلا نظام الاستعمار الذكي في الداخل لتحقيق الفاعلية الاستعمارية في الخارج ومن ثم فهو نظام من الحكم خاضع لقانون التاريخ الطبيعي: الصراع الدائم الذي يلطف في الداخل في شكل التداول ويتوحش في الخارج لتزييت التلطيف الداخلي. فهي في الداخل ألغارشية متخفية وهي بين الدول ألغارشية عالمية علنية لا يحكمها إلى سلطان القوة والعنف والخداع. وبمقتضى طبيعتها هذه حصل للدول التي كانت تلعب هذه اللعبة أن طُبقت عليها من مستعمرتيها: الاتحاد السوفياتي الذي كان مستعمرة أوروبية على الأقل فكريا طبق هذه السياسة في أوروبا الشرقية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة التي كانت مستعمرة فكرية وفعلية طبقتها في أوروبا الغربية من نفس البداية. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي صارت أوروبا كلها من جنس الجمهوريات البانانية لا تستطيع الوقوف ليس أمام أمريكا (ممثلة لفرعون صاحب السلطان المادي) فحسب وكذلك أمام إسرائيل (ممثلة لهامان صاحب السلطان الروحي). فالحكم العالمي هو في المستوى المادي أمريكي وفي المستوى الرمزي إسرائيلي أعني بعض المنبوذين من أوروبا لأسباب دينية (سكان الولايات المتحدة الأمريكية) ودينية عرقية (سكان إسرائيل).

والمعلوم أن أوروبا هي التي يمكن أن مصدر كل الصراعات الحالية في العالم الثالث لأنها صراعات نتجت عما فرضته من خارطة سياسية منافية للأرضية الثقافية والسياسية التي تقدمت على الاستعمار (انظر مثلا قضايا الهند مع باكستان وقضايا قبائل أفريقيا مع بعضها البعض وكل ما يجري في الوطن العربي من مآس). وهي بالنسبة إلينا قد ورطت نفسها في قضية تجعلها مضطرة إلى محاولة المستحيل: نزع سلاح مليار ونصف من البشرية وبالحرب إن لزم الأمر من أجل تثبيت ظلم صنعوه تكفيرا عن ذنب اقترفوه سابقا. ينبغي أن يبقى كل المسلمين منزوعي السلاح بكل معاني الكلمة لكي يبقى الظلم الناتج عن فرض الوجود الإسرائيلي في فلسطين قائما. ولما كان ذلك يقتضي تكرار مأساة الهنود الحمر على شعب ليس ببدائيتهم التي يسرت القضاء عليهم فإنه غير ممكن خاصة والتطور الذاتي نحو الديموقراطية بمقتضياتها الحالية وبمنطقها عندهم آت لا ريب فيه بات من الواجب تقديم البديل الزائف أعني خلق الديموقراطيات البانانية في العالم الإسلامي. وتلك هي العلة في محاولة خلق الوسيط بين الاستعمار الفج والاستعمار المتحضر: أمريكا وإسرائيل يريدان استعمار الوطن العربي والعالم الإسلامي بآلية الديموقراطية البابانية تماما كما هم فاعلون في أوروبا بشقيها وأمريكا اللاتينية.

فالكل يعلم أنه لو حدثت ديموقراطية حقيقية (=ديموقراطية جنيسة لما في أمريكا وإسرائيل تسعى إلى تكوين فضاء خارجي لإرضاء حاجيات الفضاء الداخلي) فإن من سينجح هم الإسلاميون. والكل يعلم أنهم لو نجحوا لطبقوا آليات الديموقراطية الفعلية أي آليات الألغارشية التي تدخل التنافس الدولي معهم فتكون خطرا على مصالحهم. لذلك فلا بد من استثنائهم من اللعبة حتى تتحقق الصفة البانانية للديموقراطية عندنا كما هو الشأن في أوروبا وأمريكا اللاتينية. وليس من حل غير اتهامهم بتهمتين يعلم الجميع كذلك أنهما ليستا كاذبتين فقط بل ممتنعتين عقلا:

التهمة الأولى: أنهم من أصحاب الانتخاب مرة واحدة فيزول التدوال. وهذا مجرد حكم على النوايا فضلا عن امتناعه عقلا. ذلك أنه بمجرد أن تحكم أي جماعة فإن التنافس على الحكم سيحصل بين أعضائها ومن ثم سيوجد تداول بين أحزاب مختلفة حتى وإن كانت من نفس المرجعية العليا هي قيم الحضارة الإسلامية كما يحصل في الديموقراطيات الغربية حيث يكون التداول بين أحزاب مختلفة من نفس المرجعية العليا هي قيم الحضارة الغربية.

التهمة الثانية: وهي تهمة للمرجعية وليس للأحزاب. فهي مرجعية متناقضة مع حقوق الإنسان لاستنادها إلى الشريعة. وهو حكم مسبق مضاعف. فالشريعة ليست خالية من حقوق الإنسان حتى بمعناها في المرجعية الغربية فضلا عن كون حقوق الإنسان ليست بالضرورة على النحو الذي يتصورها عليه الغرب. وليكن مثالنا حد الإعدام: فهو في الشريعة الإسلامية أكثر تحررية منه في القانون الجنائي لجل الولايات الأمريكية. إذ هو لا يوجد إلا في حالة واحدة هي قتل النفس العمد أو الخيانة المؤدية إلى قتل النفوس العمد. والحكم ليس حتما إذ يمكن لصاحب الحق سواء كان ولي القتيل أو الدولة أن يعفو فلا يطبق الإعدام. 

 

                     المسألة الثانية

                    القضية الثانية

 واجبات الظاهرة الديموقراطية ونسبها التصوري

 

وينتج عما وصفنا من واقعات الظاهرة الديموقراطية مفارقات واجباتها التالية:

المفارقة الأولى: لماذا كان النظام المثالي يزعمه أصحابه ذا تأسيس ديني بمعنى الدين العقلي الطبيعي سواء لما كان هذا النظام ارستوقراطيا أو لما أصبح ديموقراطيا كما في حالتي أفلاطون وكنط ؟

المفارقة الثانية: لماذا كان الرد على التأسيس الديني في نظرية المجتمعات المفتوحة داروينيا ومن ثم كما توقعه أفلاطون وكنط تابعا لما يمكن أن يعد من قانون التاريخ الطبيعي أي من الضرورة لا من قانون التاريخ الخلقي أي من الحرية ؟

المفارقة الثالثة: لماذا لا تعدو محاولة التأسيس على نظرية الفاعلية التواصلية أو نظرية التعالي التداولي عائدة إلى ما يمكن أن يوصف بعلم الكلام الأنتروبوقراطي الجامع بين النظرة السوفسطائية والنظرة المحررة منها خلطا بين شروط الخطاب المنطقية وشروط الفعل المتعلق به الخطاب الخلقية ؟

المفارقة الرابعة: ما دلالة السلوك التبشيري بالغزو الثقافي والغزو العسكري إذا لم تكن عقلية جهادية بالمعنى الديني للكلمة ما يعني أن الإيديولوجيا الديموقراطية ليست دينية من حيث الأساس المعياري فحسب بل وكذلك من حيث السلوك الامبريقي. وقد يكون أصدق تعبير عن ذلك فضلا عن الاستعمار الفرنسي عندنا في المغرب سابقا الاستعمار الأمريكي الحالي الذي يعلن فيه رئيس الولايات المتحدة نفسه عن نزعته الدينية ليس كموقف شخصي بل كأساس لمفهوم الحرية عنده: وهذا ليس خاصا ببوش يعم كل الرؤساء حتى وإن كان بوش وريغن بل وحتى كارتر أكثر الرؤساء صراحة في التعبير عن هذه النزعة .

المفارقة الأخيرة: المشكل الذي يعنينا في القرن الحادي والعشرين على الأقل من حيث بتنا رمز الشعوب المقاومة هو:

 أولا الشروط التي ينبغي للمسلمين تحقيقها لتحرير البشرية من الأخطبوط الاستراتيجي مخمس المخالب أو أدوات القوة التي تتحول إلى هيمنة: 1- الإعلام 2- والاستعلام 3-والعلم 4-والاقتصاد 5-والقوة العسكرية

وثانيا الشروط التي ينبغي للمسلمين تحقيقها لتحريرها من حجابي التنكر: 1- أي السلطان على أدوات التلاعب بالمخيال الكوني أو السيطرة الرمزية على النخب القائدة في مجالات القيم 2-وأدوات التلاعب بالسياسة الدولية أو السيطرة على مؤسسات القانون الدولي التي صارت أدوات تركيع للضعفاء مثل مؤسسات القانون الوطني التي هي في خدمة الأقوياء النسبيين الخاضعين للأقوياء المطلقين.

لكن ألا تكون هذه المفارقات العائدة إلى الاختلاف بين واقع النظام الديموقراطي وواجبه ناتجة عن سوء تطبيق قيم الديموقراطية وليس من جوهر قيمها ؟ كيف نفهم انقلاب الموقف الفلسفي من الديموقراطية بين حدها اليوناني القديم وحدها الغربي الحديث ؟ أم إن الموقف القديم يصح اليوم في العالم النامي والموقف الحديث يصح في العالم المتقدم؟  لكن أليس العالم  قد صار واحدا وهل يمكن الزعم بأن ديموقراطية البلاد المتقدمة ليست المسؤولة على سلوك الديموقراطية في البلاد النامية وهي التي تنصبها وتدعهما لخدمة مصالحها إلى حد لم يكن الاستعمار المباشر قادرا عليه ؟

الجواب الأول ويتقدم عليه سؤال أول: كيف يفسر أفلاطون آليات الانحدار الآيل إلى الديموقراطية مرحلة قبل أخيرة من الفساد التام للدورة السياسية التي تبلغ الغاية في الاستبداد أعني في ما ركزته عندنا الديموقراطيات الغربية لحكمنا عن بعد مباشرة أو بما تفرضه على الأنظمة التي تبدأ صالحة فتضطر تحت وطأة محاربتهم لها لحماية نفسها جماية تجعلها أنظمة بوليسية واستخباراتية يسهل اختراقها من قبل العدو فتدجن بنفس الآلية التي تتصورها أداة حمايتها[23] ؟ 

يقدم أفلاطون لمجريات الدورة السياسية الموصلة إلى الديموقراطية غاية عنده في الخلقي والسياسي عنده تفسيرين: أولهما نفسي خلقي والثاني نفسي منطقي. وكلاهما يمثل أحد مقومي التربية السوفسطائية التي تشجع النزوات والهوى آلية نفسيه خلقية والسفسطة الخطابة آلية نفسية منطقية. وهو يعالج هذا الانحراف التربوي بالتربية الفلسفية التي تنمي الفضائل الخلقية والفضائل العقلية. ويناظرها بالعكس في إيديولوجية الشكل الحديث لتأسيس الديموقراطية المقابلة بين التربية الدينية والتربية التنويرية. فالتربية الدينية عند المحدثين تناظر التربية السوفسطائية عند القدامى والفرق الوحيد هو أن الأولى تقف من القانون الطبيعي الموقف. أما الموقف الحداثي فهو موقف منافق لأنه يريد أن يمرر القانون الطبيعي برداء القانون الخلقي. لكنهما يشتركان في حكم النزوات والخطابة بدل الأخلاق والعقل. ولعل فضل الموقف ما بعد الحداثي الاعتراف الصريح بضرورة القول بما قالت به السفسطة الأولى ولذلك اعتبرناها سفسطة محدثة[24].

كيف حصل هذا الانقلاب فصارت الديموقراطية الحديثة بديلا من الجمهورية بالمعنى الأفلاطوني في منظور مسوقيها ؟ فلنختم الجواب الأول بالقول إن الحل الأفلاطوني للمسألة السياسية بأبعادها الخمسة[25] قد تبنته كل المجتمعات الإنسانية صراحة أو ضمنا وخاصة منها المجتمعات المنتظمة بآليات النظام الديموقراطي تبنته من حيث الآليات التنظيمية الإدارية وليس من حيث الغايات الخلقية والسياسية. فالنظام التربوي والنظام الاقتصادي وتنظيم النسل والتنسيق العقلي للسياسات والقيم كل ذلك أصبح من مهام الدولة بالإضافة إلى نظام السلط الثلاث فضلا عن كون ذلك كله يعتبر دولة أساسها النسق العقلي الذي ينظم السلطات والإجراءات.

الجواب الثاني ويتقدم عليه سؤال ثان: ماذا يترتب على الديموقراطية إذا كانت قابلة للكلية أعني لمعيار كنط معياره المحدد لخاصية القانون عامة والمنطبق على القانون الخلقي في مستويات فاعليتها الأربعة: 1-ديموقراطية الأرزاق (الاقتصاد) 2-وديموقراطية الأذواق (الثقافة) 3-وديموقراطية الحكم في مستوى التصرف في الأرزاق والتصرف في الناس بها (السياسة) 4-وفي مستوى التصرف في الأذواق والتصرف في الناس بها (التربية)  5-والديموقراطية الشاملة أعني الوجود المستقل والقائم بذاته في مستوى الوجدان (الدين) والفرقان (الفلسفة)؟

1- أولا مشاركة جميع المواطنين الفعلية في الداخل: فهل هذا حاصل ؟ والجواب طبعا هو بالسلب لأن الحكم يبقى أليغارشيا. لكن بمجرد أن يحصل فإنه لا يكون ديموقراطية بل يتحول إلى ما توقعه أفلاطون أعني سلطان الغرائز والشهوات والانفعالات فتؤول الديموقراطية إلى الدولة الفاشية أو الدولة النازية أو الدولة الشيوعية أو الدولة الدينية أي إلى الاستبداد في أشكاله الحديثة التي جربها القرن العشرين ؟

2- ثانيا السيادة الكاملة بين الأمم: هل هذا حاصل ؟ والجواب هنا من باب أولى بالسلب مع عسر حصوله إلا إذا صار العالم دولة واحدة من أصناف  الاستبداد الأربعة التي ذكرنا . لذلك فسنتهي العالم إلى حقيقة ما كان يجري فيه دائما أعني الحرب الدائمة بين الأمم على ثروات العالم ومن ثم إلى قانون التاريخ الطبيعي الذي تحاول الفلسفات السياسية اخراجه من الداخل قدر المستطاع بإجلائه إلى الخارج قدر المستطاع. لكن في هذه الحالة يزول الفارق بين الداخل والخارج لأن المعمورة كلها صارت مجالا سياسيا واحدا بمقتضى التكاثر وتناقص الثروات الطبيعية فضلا عن استحواذ الأقوياء إلى أكبر جزء منها.

لكن النظام الديموقراطي العالمي يحاول منع هذه المترتبات في العلاقات الدولية بنزع سلاح الدول الضعيفة واحتلال أرضها ومحاربة حصانتها الروحية عندما لا ينجح في فرض الديموقراطيات البانانية. وهو عين ما حصل في كل بلد من البلاد النامية حيث أصبح الجميع عبيد حكم السوق الاقتصادية وحكم السوق الرمزية. وبذلك صارت الديموقراطية كذبة كبرى تخفي الهيمنة اللطيفة للاليغارشية في العالم المتقدم وللاستبداد في العالم النامي: وليس من الاتفاق أن وضعها أفلاطون بين هذين المرضين سلطان الآلي وسلطان الهوى الأعمى.

نسب الديموقراطية التصوريGénéalogie conceptuelle

لماذا كان الفكر الفلسفي في العصرين القديم والوسيط يرفض الديموقراطية باسم الأخلاق الفلسفية وصار يؤسسها عليها في العصرين الحديث والمعاصر ؟ ما الذي تغير في الديموقراطية أو في الأخلاق الفلسفية فيعلل هذا الانقلاب ؟ أم إن في الأمر سرا ينبغي كشفه لفهمه ؟

لما كانت الأخلاق الفلسفية التي تؤسس نظرية الحكم مبنية على نظرية في علم الحقيقة ونظرية في علم القيمة بات دور التربية العقلية والخلقية أصل هذا التصور وأصبح المشكل مخمس الأبعاد: 1- نظرية الحقيقة 2-نظرية القيمة 3- نظرية التربية العقلية 4- نظرية التربية الخلقية 5- نظرية الحكم الفلسفي بوصفه الساهر على التربيتين والحائل دون عائقي تكوين الإنسان العقلي والخلقي أي أداتي القوة الشوقية اللتين تمثلهما  الثقافة الرمزية السوفسطائية والاقتصاد الطبيعي أو غير المنظم عقليا .

وحتى نفهم هذه النقلة لا بد من أن نلاحظ دور ازدواج المدخل إلى الحقيقة والقيمة مع وسيطين بين المرحلة الأولى والمرحلة الأخيرة لتسليمنا بأن نظام الرموز عديم المعنى إذا لم يكن شبكة نعكس عليها ما نتصوره نظام العلاقات بين الموضوعات المرموزة (ما نتصوره قوانين الطبيعة والتحليل) أو نظام العلاقات بين الذاوات الرامزة (ما نتصوره قوانين الثقافة والتأويل) وذلك بالصورة التالية:

 فلسفة الحقيقة: المدخل المنطقي الدلالي المتوجه من نظام الرموز إلى نظام العلاقات بين الموضوعات المرموزة (في العصرين القديم والوسيط) والمدخل المنطقي التداولي المتوجه من نظام الرموز إلى نظام العلاقات بين الذوات الرامزة (في العصرين الحديث والمعاصر). أما مرحلتا النقلة بين المنطقين فهما: انقلاب كنط الكوبرنيكي حيث يصبح موضوع العلم يعير بالذات العالمة. وانقلاب القضية التأملية الهيجلية حيث يصبح الموضوع كيانا متحركا يسيل جوهره في المحمول لينحصر الباطن في الظاهر وينتفي الغيب فلا تبقى إلا الشهادة فنعود من ثم إلى نظرية المعرفة السوفسطائية. والمعلوم أن نظرية الحقيقة  ذات دور في الحكم. لذلك فما يطرأ عليها من تغيير يؤثر في فلسفة السياسة: فقد انتقلت نظرية الحقيقة من الاستناد إلى علاقة النحو المنطقي والدلالة (حيث تعكس قوانين القول  قوانين العلاقات بين الموضوعات المقولة) ويترتب عليها القول بنظرية الحكم بمقتضى الحق الطبيعي بدل الحق الإلهي إلى الاستناد إلى علاقة النحو المنطقي والمعنى (حيث تعكس قوانين القول قوانين العلاقات بين الذوات القائلة) ويترتب عليها  القول بنظرية الحكم بمقتضى التعاقد بدل الحق الطبيعي.

                         فلسفة القيمة: المدخل الذي يفسر الاجتماعي بالنفسي والمدخل التي يفسر النفسي بالاجتماعي. أما مرحلتا النقلة بين المدخلين فهما: من منظور معنوي في المثالية الألمانية ومن منظور مادي في الفلسفة الماركسية أو عامل التربية الخلقية وعامل العمل الاقتصادي. من هنا العودة إلى نظرية القيمة السوفسطائة. وبذلك يتبين دور هذين الأمرين في الحكم. فدور نظرية التربية القيمة في الحكم: مبنية على نقل القيمة من الغيب إلى الشاهد ومن الله إلى الإنسان.

أثر التغير الذي نقل نظرية المعرفة من فرضية فلسفية إلى عقيدة دينية

لن نطيل الكلام في هذا الوجه لئلا نخرج عن المطلوب.فالمهم أن نحدد أهم مراحل الانتقال من التنوير إلى ما بعده في المستوى المعرفي من حيث أثره في الفلسفة العملية ببعديها أعني فلسفة الحق الكلية (السياسة) وفلسفته الجزئية (القانون):

1- الفصل الكنطي بين طبيعة المعرفة النظرية والقيمة: مكن من استبدال التعالي الموضوعي بالتعالي الذاتي وذلك هو جوهر الموقف النقدي الذي يقتضي الفصل بين العلم والعمل حيث يتقابل استعمالا العقل النظري والعملي. ولذلك فأساس المسألة العملية بوجهها الخلقي مباشرة والسياسي بصورة غير مباشرة أصبح دينيا وليس فلسفيا حتى وإن صيغ صوغا فلسفيا بنظرية المسلمات (مسلمات كنط الثلاثة المشهورة).

2- وجوب التخلي عن العقلانية الكلاسيكية: فبعد أن كانت الفلسفة في غنى عن المسلمات لتأسيس الفلسفة العملية إذا ما استثنينا الضمانة الإلهية الديكارتية التي تشمل المجالين النظري والعملي أصبحت بعد هذا الاستبدال بحاجة إلى التميز بين استعمالي العقل من حيث القدرات..

3-الريبية النظرية بديل الميتافيزيقا: وبذلك فقد عوضت الريبية الموقف الميتافيزيقي الوثوقي في الفلسفة الكلاسيكية على الأقل في المجال العلمي فاضطرت إلى الوثوقية العملية. ذلك أن محدودية العلم النظري عطلت قدرات العقل الميتافيزيقية ومن ثم فالعمل لن يكون أساسه العلم بل العقد أو بلغة محتشمة التسليم بالمسلمات.

4- نهاية التنوير:  ومعنى ذلك أن الفيلسوف الذي يتصوره الكثير مؤسس التنوير كان في الحقيقة أول من حفر قبره: كنط. ذلك أن الفكر الفلسفي قد اكتشف وهاء التمييز الكنطي بين استعمالي العقل. وقد بدأ ذلك بمحاولات التوحيد في مستوى ملكات العقل النظرية (راينهولد) وختم بمحاولات التوحيد في مستوى القدرات عامة النظرية والعملية (بداية من فشت ولكن خاصة عند ثالوث المثالية الألمانية المعلوم): المثالية الألمانية وما نتج عنها من إيديولوجيات منغلقة.

5- وبذلك تحققت أزمة الإيديولوجيات الشمولية: وهي تعود كلها إلى المثالية الألمانية بالإيجاب أو بالسلب (الوضعية). وقد أتضحت طبيعة الأمر بين الحربين العالميتين وما بيهما من شموليات لم تتوقف في العمل إلى نهاية الحرب الباردة حتى وإن بدأ التشكيك فيها في النظر قبل ذلك بقرن: فعادت السوفسطائية النظرية وتوطدت الوثوقية العملية الخفية وذلك هو جوهر ما بعد الحداثة الذي هو سوفسطائية عقدية خرافية لعل أفضل تعيناتها هو المسيحية الصهيونية. وذلك هو حل السوفسطائية الجديدة أعني استبدال  الكمال النسقي للفلسفة الكلاسيكية بالاكتمال الذريعي للفلسفة الداروينية في المعرفة وفي العمل: ولعل أفضل ممثل لذلك هو بوبر الذي عمم الداروينية على الابتسمولوجيا وعلى السياسة.

وقد اكتمل ذلك في ما انتهى إليه علم الكلام الجديد من حلول يائسة وبائسة: محاولات التحرر من تياري نقد العقلانية من منطلق أزمة الفكر الماركسي وأزمة الفكر المثالي. فليس فكر  هابرماس وأبل إلا فكر متكلمين في الانثربوقراطية (نظام الوجود من تصور متعال للإنسان) تماما كما كان علماء الكلام في العصر الوسيط متكلمين في الثيوقراطية (نظام الوجود من تصور متعال للإنسان). ولما كنا في فلسفة عقيدة أصحابها الخفية هي القول بنوة الأول للثاني فإننا في الحقيقة عدنا إلى مقولة تمسيح العالم. لكنها عودة تفترض حربا عالمية على المسلمين يكون شعارها تعميم الديموقراطية وحقوق الإنسان كما كانت الأولى في العصور الوسطى حربا عالمية على المسلمين يكون شعارها تعميم الكاثوليكية وحقوق الله. وكلتا الدعويين يزعم لها أصحابها الكلية كما تفيد كلمة كاثوليكية في اليونانية وفي الشعار الكنسي.

فالحلول يائسة لأنها تتشبث بما تبين لها أنه آلية عمياء أساسها الوحيد ليس هو الأخلاق ولا الدين بل هو دينامية الشوق والغرائز من حيث التحريك الأدنى ودينامية الخيال والرموز من حيث التحريك الأعلى: أعني آليتي الحكم بفلسفة النظرة السوفسطائية. فالحاكم ينبغي أن يكون قادرا بآليات الخيال والتعبير الرمزي على التلاعب بالشوق والغرائز ليحكم. والمحكوم ينبغي أن يحكم آليات الشوق والغرائز لينتخب من بين المترشحين للحكم من يشبعها أكثر من غيره. وهذا يتقضي لعبتين: داخلية تخادع بإخفاء هذه الآليات وخارجية تسرحها لتذهب بها إلى الغاية. ذلك أن الحاكم لا يمكن أن يبقى حيث هو إلا بشرطين: أن يرضي في الداخل آلية الإيهام أعني الآلية الإيديولوجية لتبريد الحرب الأهلية الداخلية وأن يرضي آلية الشوق والغرائز بغزو مجال يمكن أن يستمد منه ما يحقق بعض ما يعد به الإيهام.

لذلك فلا يمكن تصور الديموقراطية من غير آلية الإيهام للتغلب على منطق الحظ في آلية التصويت الأعمى  وذلك بالسطان على خزين من الإمكانات تؤخذ من الخارج لإشباع الغرائز والشوق عند الناخبين. لو اعترف حاكم أمريكي بأنه لا يقبل بأن يمكن الأمريكيين من الطاقة الرخيصة باستعباد غيرهم لما بقى في الحكم يوما واحدا: المطلوب منه أن يفعل أي شيء خارج أمريكا لكي يمكن الأمريكي من إشباع حاجته التي يهدئ منها ويوجهها بآليته الإيديولوجية نحو حاجات يمكن اشباعها على حساب غيره في خارج أمريكا. النظام الديموقراطي يقتضي ضرورة حكما الغارشيا للعالم. وعند التحليل فهو كذلك ألغارشيا في الداخل: لكن الأليغارشية في الداخل تصبح مقبولة لأنها تشبع الحاجات التي كان يمكن لو لم تشبع أن تثور عليها. يمكن للأمريكي إذا احتاج ولم يجد حاكمه بما يسد حاجته أن يسدها بنفسه من الأمريكي الذي فوقه.

وهي حلول بائسة لأنها من ثم تنكر أنها مستحيلة التحقيق لو صدقت. إذا كان العالم ليس فيه ما يسد كل الحاجات في مستوى سدها عند الأغنياء وكان الأغنياء لا يقبلون القسمة مع الفقراء فإن الساكت من الفقراء على الفقر ينبغي أن يكون دونه من هو أفقر منه لكي يأخذ منه ما يسكته عمن هو أغنى منه: إذن قانون التاريخ الخلقي ممتنع والقانون الوحيد الممكن هو قانون التاريخ الطبيعي.

 

 

                                المسألة الثالثة

                                                     القضية الأولى

          صياغة أفلاطونية للتحريف الديني والخلقي المحدد لبنية السياسي الدولي والوطني الواحدة

 

كيف يمكن لوصف أفلاطون الوضعية الخلقية للأنظمة السياسية ولخصائص الطباع التي تناسبها بالاستناد إلى التجربة التاريخية اليونانية أن يفهمنا وضعية المعايير الوطنية والدولية في العولمة التي تشبه في الكثير من الوجوه سوق الدساتير التي يصفها أفلاطون في كلامه على الديموقراطية القديمة؟  تمثل مجموعة الدساتير السياسية التي عرضها أفلاطون في الجمهورية[26] سلسلة ذات حلقات متوالية من الدساتير (نظام الدولة) والطباع (أخلاق الشخص الحاكم خاصة والإنسان الذي يعيش في ظل هذا النظام عامة) مع تأثير الأسرة والمحيط الثقافي ليس منها إلا الثلاث الأخيرة تصف بصورة متفاوتة المطابقة أنظمة ذات وجود تاريخي فعلي أعني الأنظمة الممثلة لأدنى ملكات النفس أو الشهوة المتعينة في مستويات العبودية الثلاثة أي مستوى أداتها (المال) ومستوى هدفها (تسيب الغرائز) ومستوى حقيقتها كما تتبين من مآلها (العبودية). فالدستور الأول (نظام القوة العقلية المثالي: الأرستوقراطية أو الملكية بمعنى الدولة التي يكون فيها الملك فليسوفا أو الفيسلوف ملكا) مجرد أصل فرضي لصيرورة الدساتير والأنظمة. والدستور الثاني (نظام القوة الغضبية أو الشرف) مجرد وسط نظري بين الأصل وأول نظام تاريخي فعلي تمثله الأليغارشية أو نظام الأغنياء (عبدة المال) حتى وإن كان أفلاطون يعتبر نظام سبرطة ممثلا لهذا النظام[27].

وما نفترضه بالاستناد إلى فلسفة ابن خلدون السياسية حيث يحدد السياسي الدولي (الصراع بين الدول) السياسي الوطني (الصراع في الدول) بصورة بنيوية[28] وليس ظرفية فحسب (حرب القوى المتجاورة والمتوالية على ثروات العالم الطبيعية والحضارية)[29] يضع أن الأنظمة الثلاثة الأخيرة متصاحبة دائما وتؤلف البنية الأساسية لمجريات العلاقات الجغرافية السياسية التي ازدادت بيانا في عصر العولمة والتي كانت ولا تزال قانون المجريات السياسية الدولية والوطنية على الأقل في مستوى القوى السياسية المتجاورة في المكان والمتوالية في الزمان.

وتظهر وضعية العالم الحالية بنية لمجريات القوى السياسية خاضعة لنفس قواعد العمل التي تصفها الدساتير الأفلاطونية الثلاثة إذا اعتبرناها دستورا واحدا مؤلفا منها بوصفها دستورا واحدا يشمل كل المعمورة وتعد هذه الدساتير الثلاثة مقوماته الأساسية بالصورة التي سنرى: ويمكن اعتبار هذه المقومات عين المقومات التي يتألف منها مفهوم الطاغوت الذي يصفه القرآن الكريم ويعتبر الكفر به شرطا في الإيمان الصادق لأنهما معا يمثلان تبين الرشد من الغي. فوصف ما يجري في عصر العولمة بهذا الشرط وصف منقطع النظير كما نبين حيننا هذا. ذلك أننا نجد أنفسنا أمام أنظمة أليغارشية تسيطر على أنظمة العالم المتطور الأنظمة التي هي بدرجات متفاوتة ذات قوة وسلطان لا يقفان عند حدودها وعند مواطنيها بل يمتد مفعولهما إلى مجال تأثيرهما في العالم كله. لذلك فسلطان هذه الأنظمة ليس وطنيا فحسب بل هو دولي. فهو سلطان يمتد امتداد قوة الأنظمة التي تسود العالم إلى الكثير من بلدان العالم غير المتطور. ويعمل هذا التأثير بمجريات العمل السياسي المتدرج من التدخل الدبلوماسي اللطيف إلى التدخل العسكري العنيف.

وإذا اعتبرنا هذه العلاقة من الوجه الثاني فإنها تقدم لنا أنظمة استبدادية لا تستمد سلطانها من شعوبها بل هي تستمده من القوى المسيطرة على العالم المتطور ذات النفوذ الممتد إلى كل أنحائه التي لها فيها مصلحة. وإذن فحتى أنظمة البلاد الضعيفة يمكن أن تعتبر أنظمة سياسية عالمية رغم أن عالميتها عالمية انفعالية لا فعلية إذ هي في حقيقتها الوجه المنفعل من السلطان الدولي للأليغارشيات المسيطرة على العالم. وبذلك تتبين وحدة الحدين أول الثلاثة وآخرها أعني قطبي النظام العالمي: الأليغارشية في العالم القوي لا تقف عنده فعلا والاستبدادية في العالم الضعيف لا تقف عنده انفعالا.كلتاهما تمتد إلى العالم كله واحدة بفعلها المطلق في العالم إلا على البعض من شعبها الثائر عليها بالفكر ثورة رمزية والثانية بانفعالها المطلق فيه إلا على البعض من شعبها الثائر عليها بالسلاح كما سنرى ثورة مادية. وهو ما يعطينا ما يصفه أفلاطون بالطبعين المناظرين للنظامين الافتراضيين أعني الطبع الأرستقراطي (أو الثائر العقلي ولنسمه بالمعتزلي) والطبع التيموقراطي (أو الثائر الغضبي ولنسمه بالخارجي).

وليست هذه العلاقة بين القطب الأليغارشي والقطب الاستبدادي جارية في المستوى الدولي فحسب بل هي كذلك فاعلة في المستوى الوطني من القطبين بتوسط تنكر القطب الأول في صورة الديموقراطية التحررية وتنكر القطب الثاني في صورة الديموقراطية الشعبية. وبذلك يتبين دور الدستور الأوسط بين القطبين الذي هو مثلهما دستور عالمي دون أن يكون مطابقا لنظام سياسي فعلي بل هو يؤدي دور البرقع الذي يخفي حقيقة السلطانين اللذين وصفنا بالدستورين الحدين الأليغارشي والاستبدادي: إنه مزود المبررات الإيديولوجية للقطبين اللذين يتقاسمان حكم العالم بين حلف الأسياد وحلف العبيد فيه. ولما كان هذا المزود مثل القطبين شاملا العالم كله صارت الدساتير الثلاثة منسحبة على العالم كله كل بصفته ووظيفته. ويتم هذا الانسحاب على النحو التالي: فالألغارشي يسود العالم فعلا والطاغوتي يسوده انفعالا والديموقراطي يخفي عيوب السوادين عند المسودين من العبيد وعبيد العبيد.

وهكذا فازدواج المعايير أمر ذاتي للديموقراطية بمقتضى طبيعتها وليس أمرا عارضا ينتج عن ممارستها الخاطئة: فالتنكر ببرقع الديموقراطية التحررية والشعبية هو الذي ينتج عنه ضرورة اللجوء إلى المعايير المزدوجة. الديموقراطية ليست نظاما ذا وجود فعلي بل هي حجاب يخفي طبيعة النظامين اللذين يسودان فعلا وهما في حقيقتهما من طبيعة واحدة. والفرق بينهما مقصور على الأسلوب: أحدهما طاغوت  لين لأن أصحابه أذكياء يقدمون فيه ممارسته أدوات الفعل الرمزي على أدواته المادية والثاني طاغوت خشن لأن أصحابه أغبياء يقدمون فيه أدوات الفعل المادي على أدواته الرمزية[30]. ولذلك فمنزلة الطاغوت الاستبدادي هي منزلة الأدوات عند أصحاب الطاغوت الأليغارشي بسبب تبعية سلطان المادي المباشر للرمزي الذي هو سلطان مادي غير مباشر في التاريخ الإنساني[31].

ولنعد الآن إلى الدستورين الآخرين اللذين لا يناظرهما نظامان في التاريخ الفعلي بل هما يمثلان الأصل النظري للدساتير والأنظمة والواسطة بينه وبينها. فدروهما يبقى جوهريا رغم كونهما فرضيين. ذلك أن الطبعين المناظرين لهما أساسيان لفهم تاريخ السلطان في كل زمان. فكلا القطبين اللذين ذكرنا ينتج طبعا ما يصدر عنه ونقيضه:

 فالقطب الأليغارشي ينتج الطبع الأليغارشي ونقيض الطبع الإليغارشي أعني الطبع الأرستوقراطي أو المعتزلي الذي يتقزز من الطبع الأول هروبا إلى عالم المثال والرمز وهو عالم مثالي ذو مثالية نظرية تتحقق في الثورة النظرية المسلحة بأدوات الجدال: لذلك أطلقنا عليها اسم الاعتزال الذي يصل به هذا الميل العقلاني بمنظوره القاصر إلى تقديم صفة العدل على صفة التوحيد في تعريف الذات الإلهية من منطلق التحسين والتقبيح العقليين.

أما نقيض الطبع الاستبدادي فليس هو شيئا آخر غير الطبع الغضبي أو الخارجي الذي يمثل الثائر الدائم الذي يتقزز من الطبع الثاني هروبا إلى عالم مثالي ذو مثالية عملية تتحقق في الثورة العملية المسلحة بأدوات القتال: لذلك أطلقنا عليها اسم الخروج الذي يصل به الغضب للحق بمنظوره القاصر إلى تقديم نفس التقديم وإن من منطلق عملي لا نظري.

فيكون الحاصل دستورا واحدا ذا قطبين (الاليغارشي والاستبدادي) وقناعين (الطبع الأليغارشي والطبع الاستبدادي) وقناعين مناقضين لهما (الطبع الاعتزالي والطبع الخارجي) مضادين. تلك هي بنية الدستور الذي عمل ويعمل دائما في المجتمعات البشرية سواء كان ذلك في مستواها الوطني (داخل الدولة الواحدة) أو الدولي (بين الدول) في التاريخ الذي يصبح سعيا لتحرير الإنسان من تحريف الفطرة بالمعنى القرآني للكلمة بمجرد أن يدرك أثر هذه المقومات ويحاول علاجها. فهذه البنية ليست مشاركة سلمية في الوجود بين البشر المؤمنين بنظام ذي أسس خلقية بل هي حرب دائمة يتمثل التاريخ الإنساني الإيجابي في تصور طرق الاجتهاد والجهاد اللذين يحرران البشر من حصر التاريخ الإنساني في قانون التاريخ الطبيعي لئلا تكون الحياة المشتركة من جنس حياة الحيوانات المتنافسة على أسباب الحياة والارتفاع بهم إلى التاريخ الخلقي: كيف يخرج الإنسان من حرب الكل على الكل إلى الأخوة البشرية.

لذلك فإن ما يطابق هذا النموذج هو التصور الحربي وليس التصور السلمي للحياة المشتركة. ومن ثم فنحن بحاجة إلى ترجمة هذه البنية ذات القطبين والقناعين ونقيضيهما إلى منطق الحرب لنؤول دلالة القناعين والنقيضين فنفهم طبيعة التحريف الحاصل علنا نصلح العمران البشري فنساعد على تحقيق الشروط التي تجعله يتم الخروج من منطق التاريخ الطبيعي إلى منطق التاريخ الخلقي كما دعانا إلى ذلك القرآن الكريم.

والترجمة الملائمة هي التي تعتمد نموذج كلاوزفيتس في تحديد أهداف الحرب أو مراحلها الثلاث التي تناسب مستويات العبودية الثلاثة فهي تبدأ بما يناسب الأداة والهدف والمآل: 1-نزع السلاح ويناظر العبودية للمال 2- والاستحواذ على مصدر القوة ويناظر العبودية للغرائز 3-وتهديم الحصانة النفسية ويناظر العبودية أو الاستبداد. ففي معركة المعايير التي تخفي الحرب الدائمة بمنطق النكوص إلى قانون التاريخ الطبيعي يكون القناعان منبع أدوات الخداع وحيل الحرب خلال السلم سواء كان ذلك في المستوى الوطني أو الدولي. فالقناعان وظيفتهما خداع العدو وغزوه نفسيا لتسهيل الغزو المادي الذي يتمكن من نزع سلاحه والاستحواذ على مصادر قوته المادية بعد التحكم في مصادر حصانته الروحية. وقد فهم الاستعمار أن الغزو إذا كان ماديا فحسب لا يمكن أن يدوم. وهو يفسر بهذا الخطأ الاستراتيجي خسرانه الجولة التي انتهت بعيد الحرب العالمية الثانية لأنه نزع سلاح المستعمرين واحتل أرضهم دون أن يتمكن من حصانتهم الروحية. لذلك فهو يسعى في الجولة الحالية إلى عكس الترتيب مستأنفا حركة الاستعمار الجديد بما لم يتحقق في الجولة الأولى حتى يصلح الخطأ وبادئا به  الجولة الثان