|
الدروس الإيرانية للثورة العربية
أو القول الفصل فيما بين العرب وإيران من انفصال
محمد سراج
خرجت علينا إيران بدروسها للعرب في لحظتهم التاريخية هذه عبر
برنامج "الكلمة الطيبة" الذي قال ضيفه كلاما طيبا عموما، إلا
أني رأيت أن أضع بعض النقاط على حروف أعتبرها هي فرصة كذلك
لعلاج الفوارق الفارقة بين الثورة الإيرانية ونظيرتها العربية
اليوم.
قال الشيخ ميرزائي بصراحة غريبة أن "ولاية الفقيه" ليست أمرا
خاصا بالفقه الشيعي وإنما عام بالأمة الإسلامية، وأن أهم ما
يجب أن يرافق الثورة هو الانقياد التام وراء القائد، ثم ربط
الثورة كلها بما يجب أن يكون عليه الأتباع أيضا من اعتبار
الثورة مسألة عبادية دينية تنتهي أخيرا للعمل على "الإنتظار"
غاية للثورة والشعب الثائر. فكيف نفهم هذا الكلام؟
نستطيع تحليل هذا الكلام إلى نقاط أربع نختمها بخامسة تكون
جماع هذه المحاولة النقدية:
1-
اعتبار ولاية الفقيه مسألة عامة لجميع المسلمين هو قفز
على تراث تاريخي كبير من الاجتهادات الفقهية التي هي محاولات
علمية قبل أن تكون مذهبية، نعم لها اجتهاداتها السياسية، لكن
القول الضمني بأنها تنتهي جميعها إلى مسألة "ولاية الفقيه" فهو
قول فيه تجن كبير إن علميا أو مذهبيا، كما أن قضية ولاية
الفقيه ناتجة عن اجتهاد للخميني لذاته، برر بها ربما سعيه
للحكم، فكيف بالسيد الميرزائي يحاول قصر الإسلام كله على نظرية
واحدة لم يتعد عمرها نصف قرن؟! وبناء على ذلك فإن الدرس
الإيراني الأول للعرب عنوانه هو أن الثورة ولكي تكون ثورة
حقيقية هي مجبرة وبالضرورة تقف تحت سقف "ولاية الفقيه"
الخمينية الشيعية الإيرانية بالضرورة كونها مبدعة النظرية
ومالكتها.
2-
يتحمس السيد الميرزائي بشدة لصالح ضرورة وجود قائد يقود
الثورة، وذلك ما تفتقد إليه الثورة العربية الحالية تبعا
لطبيعتها الخاصة والتي يمكن التفصيل فيها في موضع آخر، وأنه
لابد من قائد ينساق الشعب وراءه، وهذا كلام يمكن تأويله من شتى
النواحي، لكن ما نفهم من الميرزائي وهو الذي بصدد تقديم الدروس
الثورية للعرب من إيران شيئين لا ثالث لهما، الأول: عليكم يا
عرب أن تخلقوا أو تُنزلوا من السماء قادة يقودون ثورتكم إلى بر
الأمان، وهذا فيه تجاوز للسنن مفضوح وإلا ففيه ضحك على ذقون
العرب، والثاني: وهو الأرجح، إنكم في وقت لا يسمح لكم بـ"إعداد
القادة" فلا تتعبوا أنفسكم فلدينا القائد الجاهز وهما قائدان
الخميني بداية والخامنئي غاية؛ وهو خلال كل ذلك يصوِّر للمشاهد
أن إيران هو بلد الثورة إلى اليوم، وكأنه نسي ما يسعى إليه
الإصلاحيون من داخل النظام الإيراني، والبرنامج ذاته بث مشاهد
بدا فيها رفسنجاني الإصلاحي جنبا إلى جنب مع الخميني، بحيث
يستطيع أبسط متابع أن يسأل نفسه لماذا صار رفسنجاني معارضا
اليوم بعد أن كان الأقرب إلى الخميني؟ بل ولعلي أتمادى فأقول
ستكون الثورة الإيرانية القادمة من وحي الثورة العربية وهذا
أمر وارد جدا ومنظور، وذلك بالنظر للقمع الذي يمارسه النظام
على المعارضة الإصلاحية، وصدق أبو يعرب حين قال بأن إيران آيلة
حتما للعلمانية اليعقوبية التي يحاور العرب أنفسهم اليوم في
تجاوزها إلى النموذج الشهودي الاستخلافي.
3-
يتطرق الميرزائي إلى مسألة اعتبار الثورة أمرا عباديا
المقصود به وجه الله تعالى، وذلك في تحول صريح من الدرس
السياسي العملي كما في النقطتين السابقتين إلى الدرس الديني
الوعظي، يذكّر فيه الثوار أنه يجب أن يكون قصدكم من الثورة
العبادة، وهذا فيه تجاوزين الأول اتهام مبطن بأن الثورة
العربية قد لا تكون لوجه الله وهو ما ورد في تعريضه القائل
بسعي البعض إلى الحكم من خلال الثورة، والتجاوز الثاني هو هذا
الرياء المرفوض في الإسلام بأن الثورة الإيرانية التي تعتبر في
مقياسه مازالت ناجحة وبنفس الدرجة، متناسيا ما أصاب الجمهورية
الإسلامية من تضخم كلامي سيودي بها من الداخل قبل الخارج، وذلك
مدلول قولنا أن الثورة الإصلاحية القادمة في إيران ستنتهل من
الثورة العربية الحالية.
4-
ثم يختم السيد الميرزائي كلامه بالقول الأفصح والأجلى؛
إنه يجب أن تسعى الثورة إلى أفق المنتظرية "التحضير للمهدي
المنتظر" هذا الاعتقاد الذي قد تتفق فيه جميع المذهبيات
الإسلامية، والذي قرر إقبال نسبه إلى موروثات ما قبل الإسلام
المجانبة له، فأن يعتقد بالمهدي شيء، وأن يكون مكونا رئيسا في
النظرية السياسية فهذا مما لا يمكن القبول به، فالدين ذاته جاء
يؤسس لفلسفة سياسية قائمة على الاستخلاف الفردي المستقل، وليس
الاستخلاف الذي تجتمع مقاليده في يد الولي الفقيه كما أوحي
الميرزائي إلى المشاهدين.
5-
القول الفصل فيما بين الثورتين العربية والإيرانية:
ننتهي إلى أن الثورة العربية اليوم أولا هي ثورة الفرد العربي
الذي لا وصاية عليه من أحد، فهو قد علم جيدا أنه لو يضع ثقله
الروحي بين يدي رجل واحد فإنه سينوء بحمل ذلك الثقل، وقد مارس
ذلك ورأى النتيجة وهاهو يثور على ما قد جنت عليه يده هو، لذلك
فـ" كل شاة معلقة من كراعها" وكل واحد مسؤول عن نفسه، ومن هذه
المسؤولية الفردية يخلق المسؤولين الذي يؤدون وظيفة الإدارة
التي يتخلون عنها لآخرين كل حين، حتى لا تتعفن الأنظمة. وذلك
ما يجعل من النظرية الاستخلافية البديل الماحق لأي تفكير مذهبي
ضيق يراد له أن يطبق عنوة على جميع المذهبيات، فالاستخلاف أصيل
منذ أبينا آدم ومالنا لنظرية ظنت نفسها حديثة وهي لم تفك إلا
نزرا من عقال من يعتقد بها؟ أما مجرد الثورة فيعني التوجه لله،
والاستعداد للاستشهاد وذلك ما اشتركت فيه فعليا الثورتان، وإن
كان الميرزائي استقل شهادة العرب أما شهادة إيران، لكن العبرة
هنا بالكيف وليست بالكم، كما أن إيران اليوم تحصد نتائج لا
أتصور أنها بالثمار الجيدة وأول علامة على ذلك هو سعيها المثبت
في هذا التحليل المتواضع إلى بسط الهيمنة الروحية على الشعوب
الأخرى، وفارق شاسع جدا بين محاولة الهيمنة وبين السعي إلى
تبليغ رسالة، وأعتقد أن "الكلمة الطيبة" التي جاءتنا من إيران
ليست إلا صكا ممدودا لكل من يريد أن ييمم شطر أيديولوجيا
"نظام" الجمهورية الإسلامية وليس رسالة تعبر أولا وأخيرا عن
"حكاية تجربة صادقة" سنفيد منها حتما، لكنها رسالة محملة
بالشحن الأيديولوجي الذي يفسد الثورة العربية المباركة أكثر
مما يصلحها. هذا رأيي والله أعلم
|