
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



أهذا حد نباهتك يا شيخ ؟
د. عبد الله المنصوري
مرة أخرى تفاجئني يا شيخ. بنباهتك طبعا. فاجتماع الذوق السقيم في الحكم على الشعر مع تدني الفهم في العلاقة بين المعارضة والأصل من علامات الجهل بعمق السؤال وسطحية الجواب. والتنجيم بتحديد الآجال من علامات أماني الدجال! أمانيك ما الداعي إليها إن لم يكن ما افتضح من أمركم فأدرك تخريفهكم القاصي والداني ؟! لا تتمنى فما يدريك: كم من حفيد توفاه الله قبل جده فضلا عن أبيه ! ثم متى كانت آثار الفكر رهينة لأعمار أصحابها ؟ ما لك كيف تحكم؟!
أراك تترشف القهوة العربية ضاحكا تتمطى في فيراندا إحدى فلل عمان التي قد تكون تملكها أو التي قد تكون من الحالمين بها بعد أن تصبح سلطة دينية فتعار في أي بلد يمكن من تحقيق الأحلام ! ترى هل تدري لم تضحك؟ أم إن عجلتك المعتادة تحول دونك والاستفهام؟ لا فائدة من الكلام على دلالة أن تضحك بغير فهم لأنها معلومة للجميع: إنها النباهة يا شيخ !
ظننتني مدافعا عن أركون لأنك أقحمت أستاذي في كلامك عليه. ولم تنتبه أن كلامكم على أستاذي قد طال ولم يدفعني ذلك إلى التدخل. ذلك أنكم تحولون النقاش إلى أشبه ما يكون بمعركة مراهقي الأحياء بعد مباراة كرة ! فلمَ تتصور المسألة في ذاتها غير جديرة بأن تراجع فيها وقد جئت فيها إدا ؟ ألأنك تراها محسومة؟ فانتبه. إنها ككل مسائل الكلام ملغومة. إنك تواصل فيها بسبب الخطأ المنطقي الذي تحول إلى وهم وجودي جعل المسلمين في أسفل سافلين: يتصورون الإسلام شعائر دون ثمرات.
أقنعهم المتكلمون أن الاسم بديل كاف من المسمى ككل سجناء العقلية السحرية. المسلم ليس أفضل من البشر الآخرين بمجرد الاسم. من يعتقد ذلك يكذب آيات القرآن الكريم: وتلك هي علامة التبدي كما جاء بنص القرآن الصريح. أسلموا ولما يؤمنوا. لكنك لم تنتبه إلى هذا الخطأ المنطقي. وهو ليس أمرا هينا فضلا عن كونه أول خطوة في كل معرفة: واجب النقلة من الأسماء إلى المسميات الذي أهملته لما تخطيتها في كلامك فقويت حجة أركون فهم علماء الإسلام لثورة القرآن.
ويكفيني خطأك أبينه لك. لن أضم إليه سخافة التأويل الوجودي للمخرف بالكلام على الغنوصية المفتاح السحري لصاحبنا الفسوي خاصة إذا تكلم على سارتر ! ليته يسأل نفسه: أي من الماهية والوجود يقابل أيا من معنيي المسلم ؟ ولعله ينفي أن القرآن قد تكلم على الإسلام من بداية البشرية إلى غايتها ولم يحصره في المسلمين بالمعنى الاصطلاحي أو ينسخها: ببركة المهدي المنتظر. أو لعله يقول بأن عقيدة الخيرية لا تختلف عن عقيدة الشعب المختار. ولن أسأله: من أين له أن يعلم أن نظرية سارتر التي يبدو أنه قد قرأ عنها في إحدى الجرائد بالإيطالية هي بالضبط النقيض التام لما يريد أن يطبقها عليه ؟
ولما كان صاحبك الفسوي-الآن يصح عليه قلب اسمه الأوسط الذي استثناه الصديق حليم-قد ضحك معك وسبق له أن مات ضحكا قبلك فأنتم جميعا من الضاحكين-وهذه علامة على الإنسانية!- دون فهم -وهذا وصف يشكك في دلالة العلامة فيجبها. ولما كان ذلك كذلك فلا بد وأن البلاهة لا النباهة هي القاسم المشترك لأهل هذا الموقع وخاصة من تشايخ منهم أو من يسعى إليه: هي الخاصية المميزة التي بمقتضاها تكونت تواة الجماعة الثابتة إذ إنهم جميعا يضحكون عندما لا يفهمون فيتصورون أنفسهم بذلك قد تعالوا على مراجعة تخريفهم ولا يدرون أن ذلك من علامات البلاهة التي لا تكذب.
لذلك فلن أضيع وقتي. لن أبحث في علامات البلاهة التي من اليسر إحصاؤها لمن يريد أن يتابع ثرثراتكم في ما انتخبه الأستاذ المرزوقي في العطلة الصيفية من الأمثلة على جهلكم في ما تدعون الكلام عليه. ولعل النص الذي تدعي أنه اضحك قد أبكاك لأنك لن تستطيع له دحض حججه ما حييتَ: حتى لو اجتمع عليها كل شيوخ الموقع. فاستعرضوا عضلاتكم كيفهما شئتم على بعض الشباب. سبوهم وانهروهم واثبتوا ما اعتبره ابن خلدون علة فقدان المسلمين معاني الإنسانية. ادعوا علما لدنيا. لكن النبهاء منكم باتوا يدركون ما بينه أستاذي: علم الكلام خطابه هراء وحجاجه هواء لا يصدقه بجدواه إلا البلهاء ولا يُعجب به إلا البلداء. سأكتفي إذن بالكلام في أمر يدل عليه ما في نصائحك يا شيخ من سذاجة حتى لا أقول شيئا آخر.
ولست بحاجة إلى أن أسأل الأستاذ رأيه في نصائحك له. وما أظنه يتجاوز الرد بابتسامة لو سألته لأن تعليقاته السابقة حول نصائح شيخك لطلبتكم كافية وزيادة لو كنت من طالبي الحق. وأذكر أن واحدة منها تضمنت استطرادا يخصك. وقد كانت نصيحة لا تخص شخصك بل ما تدعيه من علم لدني. أما المسألة التي سأتكلم عليها فقد سبق للأستاذ أن سُئلها مرارا فعبر عن موقفه من منطلق السعي إلى تحديد طبيعة فعل الفكر وليس من منطلق الرد على أحد قدم له نصائح في كيفية التعامل مع الفكر عامة ومع فكر الأصوليتين الدينية والعلمانية خاصة: فهو ليس تاجرا يبعث عن التسويق فلا هو يبيع الفجل ولا الموليناكس حتي يبحث عن النَّفاق بين أهل النِّفاق.
فأنت يا شيخ تعتبر قطار الحصول على قسط من السلطة على العامة ومن ثم قسط من التأثير في من يتصورون أنفسهم خاصة وحتى المشاركة في التغيير تعتبر ذلك نقيصة تعيبها على الأستاذ. لست تدري أن الانتشار ليس دليل القيمة بل هو دليل فقدانها: لذلك كان معيار الحشرات والعاهات في المزابل. وأنت تظن القطار قد فاته لأن العمر تقدم به ولم تعد ترى له حظا في هذه السلطة بمستوياتها الثلاثة تلك. هذه هي المسألة التي أود أن أعلق عليها لأبين لك أنك من حيث لا تدري أثبت ما وصف الأستاذ جماعتكم به: جماعة تتربص بمن جعلتهم للسلطان عليهم بتبليدهم من أجل المشاركة في مزايا تمثيلهم لدى مستبعديهم كما هو دأب طبقة الهامانيين في كل التاريخ وكما وصف ذلك القرآن الكريم جيد الوصف في آل عمران.
ولكن قبل التعليق المبدئي على هذه المسألة فلأنظر في التعليلين اللذين أشرت إليهما لتفسر ما تعتبره فوات أوان على الأستاذ للحصول على الحظ في السلطان وتغيير الأحوال. فهما يدعمان ما سبق أن أعلمتك به: أنت تثبت في حجاجك دائما عكس ما تريد إثباته:
فأما التعليل الأول فهو مضموني ويتعلق بطبيعة موقف الأستاذ الذي تعتبره موقفا لا يرضى به من يسميهم بالحداثيين الحقيقيين ولا يرضى عنه من يسميهم بالإسلاميين الحقيقيين.
وأما التعليل الثاني فهو شكلي ويتعلق بطبيعة أسلوب الأستاذ في الكتابة أسلوبه الذي وصفته باستعارة مستمدة من ثقافتك الصناعية ترقيا بعد استعارتك من ثقافتك الزراعية: خلط الموليناكس الفرنسي بعد سعة الورق في الفجل الأردني.
وانت محق في ظاهر الأمر. لكنك لا تدري أن الأمر في باطنه مخطئ تعليلاه. وطبعا فالأستاذ لو اطلع على حجتيك سيفيد كثيرا منهما حتى وإن لم يبق له طويل عمر ليطبق النصائح كما حزرت بفضل ما علمك شيخك من تنجيم يقدر الأعمار بديلا من الواحد القهار: لو كنت مؤمنا حقا لعلمت أن الله قادر على أن يتوفى الشاب قبل الشيخ. فهل تنصحه بان يستحث الخطى عله يحصل على قطعة من السلطان الذي يتمتع به دجال الشيوخ! ؟
ولست متعجبا-حتى ولو لم أفهم-من كونك قد تنازلت عن كل منطق رغم تدريسك المنطق وأصبحت منجما وناصحا دون أن تفهم أن تعليليك يتضمنان الجواب الشافي على ما تصورته فرصة اعتبرت الأستاذ قد أضاعها وهي في الحقيقة عين الداء الذي يراه الأستاذ الحائل الأساسي دون طلب الحقيقة والعلم الحقيقي ومن ثم فهي علة انحطاط الأمة:
كيف لم تسأل نفسك ياشيخ عن العلة التي تجعل الأستاذ يقبل بأن يعاديه كلا الصفين المتناحرين ولا ينتسب إلى أي منهما فيترك نفسه في وضعية لا يرضى عنها أي منهما بل كلاهما يتآمر عليه كما هو بين من محاولات شيخك تأليب الصفين عليه دون داع لأنهما لم ينتظراه ليفعلا ؟ هل تتصور المنحازين الذين يتقاسمهم الصفان أذكى منه فتظنه قليل الحيلة إلى هذه الدرجة؟
أما خطر على بالك يا شيخ-ولو كافتراض مدرسي-أن ذلك يمكن أن يكون قد كان خيارا علته أن الأستاذ يعتبر فكر كلا الصفين من جنس فكر شيوخ موقعكم أعني إيديولوجيا هامانية باسم الدين أو باسم الحداثة ؟ فأنتم لا تطلبون المعرفة. والحقيقة هي آخر همكم. إنما مطلبكم الأول والأخير هو السلطة على من صيرتموهم عامة والجاه عند من تسمونهم أهل الحل والعقد ليقاسموك مص دمها باسم رعاية أرواحها التي نزعمتوها منهم. وكلا الأمرين ليس مما يستهوي الأستاذ ولا مما يغريه كما هو دأب الكبار دائما: اقرأ تاريخ العظام وسترى أنهم قلوا الدنيا التي تتكالبون عليها لأنها آخر همومهم. وإذا كنت تتصور ذلك للعجز فأقرأ أسطورة طالس كيف برهن على العكس.
وكيف لم تسأل نفسك عن العلة التي تجعل الأستاذ يختار أن يكتب بلغة العلم الصارمة اللغة التي للكلام فيها معنى فلا تكون العربية عنده أقل صرامة من اللغات الغربية التي يكتب بها العلم: هو يكتب بالعربية كما يكتب بغيرها فلا يجعل العربية مهترئة فضفاضة وفاضية كما تفعلون. إنه لا يرمي بالكلام جزافا. ليس للكلام عنده عواهن. لا يكتب بيانات حزبية ولا عقائد ملية ولا سخافات كلامية.
واصلوا الأدبيات التي تكتبونها. ففكر المسلمين جعلتموه منذ قرنين فضيحة العصر. كل علوم الملة صارت بيد أعداء الأمة لأنكم تحاربون كل من يفكر. وحتى علم القرآن وعلم الأدب العربي وعلم الحياة العربية بكل وجوهها لم تعد في مقدور العرب بلغة العرب. والعلة يا شيخ هي أن أمثالك باتوا يغذون شباب الأمة بما يضر ولا ينفع. ترددون فضلات الكتب الصفراء. تردون على المستشرقين بجهلوت القرون الوسطى. بات كلامكم من جنس خطب الجمعة في عصرنا. لستم إلا كالهنود الحمر ترمون بنبال القرون الوسطى من يحارب الإسلام بقاذفات القرن الحادي والعشرين!
طبعا لو قرأت إصلاح العقل أو تجليات الفلسفة أو شروط النهضة أو الشعر المطلق أو رياضيات أرسطو أو... أو... فستسخط على صاحبها. وأنت معذور إذ تظنه يكتب ألغازا لأنك تعودت على أكل الفول المطحون فصرت أدردا لا تقدر على المضغ الذي لا يقع إلا على مكث لأنه هو شرط الفهم. كلامك على ما تسميه ألغازا دليل قاطع على أنك لم تقرأ أي فيلسوف محترم: من أفلاطون إلى هيدجر. أقصى ما تفهم حكايات النشار عن أخبار بور روايال. طبعا علمهم ليس في المتناول لأن ذلك يقتضي ألغاز لايبنتس وديكارت وباسكال إلخ...
وأنى لك ذلك وأنت لا تكاد تُعرِب حتى بالعربية رغم كثرة استعاراتك قيسا لحاسة السلامة المنطقية بحاسة السلامة النحوية ! أنت ورهطك تكتفون بخرافات العجائز لأنك تتصور ما يحكيه شيخك عن بور رويال برواية النشار علما في المنطق: وتتواعدان لمناقشة الأمر لكأن المعلومة السطحية الخارجية حول بوررويال فيها ما يناقش ! أو لكأن تردد تنزيل المنطق بين العلم والفن انتظركم ليطرح في حين أنه من أبجديات البدايات.
ولنأت الآن إلى المسألة التي لم تفهمها. الأمم تنحط بمجرد أن يصبح همها الفعل المباشر وفكرها تحرير التقارير الصحفية والبيانات الحزبية والتقريرات التعليمية والشروح العقدية. لذلك صار الاجتهاد مقصورا على القياس الفقهي وصار الجهاد مقصورا على القتال البدائي: أداتي الاستبداد الذي يفسر بن ابن خلدون فقدان المسلم لمعاني الإنسانية. وكلاهما مؤد إلى الانحطاط لغياب شروط ما يجعلهما محققين للتقدم والتطور أعني كل العلوم الطبيعية والاجتماعية وتطبيقاتها فضلا عن علوم الآلات التي لا تعرفون منها إلا ما هو دون ما كانت يونان تعلم منذ القرن الرابع قبل الميلاد.
أما العلم الذي هو رفض قصدي للفعل المباشر من أجل فهم قوانين الفعل التي هي دائما غير مباشرة فهو أمر لم تفهمه إلا الأمم التي تسود العالم وتغزو الكون. لذلك كان العلماء في كل التاريخ الإنساني لا يبحثون عن التأثير المباشر ولا على الاختلاط بالناس ولا حتى على نشر أفكارهم. ففضلا عن كونهم يعالجون قضايا يعتبرونها عين التحقق الوجودي الذاتي دون اهتمام بمفعولها على الآخرين حتى لو كان موضوعها ما يحصل لهؤلاء الآخرين فإنهم يريدون الفهم للفهم لا غير: العلم فن للفن إن شئت لذلك كان وضع نظرية القطوع المخروطية في القرن الثالث قبل الميلاد مشاركا في غزو الفضاء. ولعلك تفهم ذلك لو قرأت ترجمة الكبار من المفكرين فتفهم أن أرسطو لما وضع المنطق ذا القيمتين شارك في وضع نظرية الحاسوب وذلك لأنه لا يستعمل المنطق للحجاج الكلامي بل لفهم قوانين الفكر. وحتى من شارك من العلماء في الحياة العامة فإنه لما قرر أن يطلب الحقيقة اختلى بنفسه وترك الضوضاء لأهلها: ولعل ابن خلدون أكبر الأدلة على ذلك.
ولو لم تكونوا من أعراض المرض الذي يحاول الأستاذ فهمه لما كان لكم وجود في اهتمامه. فلما اكتشف العرضين المتمثلين في ما اعتبره ابن خلدون علة فقدان المسلمين لمعاني الإنسانية (التعليم الديني الذي تحول إلى أداة استبداد الشيخ على المتعلمين) تصدى لكم من باب درسه لابن خلدون وليس لذواتكم أو لفكركم. لا فرق عنده بينكم وبين انفلونزا الطيور عند دارسي الأمراض الجماعية: فليست الطيور هي التي تعنيهم بل الفيروس الذي تفشيه في العالم. وقد بدأت المسألة قبلكم بفيلسوفين (تيزيني وحنفي) ثم بفقه (البوطي) وأخيرا بمتكلم(شيخك) أعني بالأنواع الأربعة الذين نسب إليهم ابن خلدون أمراض الأمة كلها أمراضها التي لخصها بكلمة واحدة: فقدان معاني الإنسانية.
وما دمت تنوي مناقشة فكر الأستاذ خلال مناقشتك للحداثيين-وهو أمر لستم مؤهلين للقيام به لفقدانكم الآلة عدا الاتهام والسباب- فحاول قبل ذلك أن تفهم هذه المسألة. ولتبدأ بقراءة كتيب قد لا تستلغزه وهو قد صدر عندكم أصدره منتدى الفكر العربي: بعنوان استلهام ابن خلدون والفكر الاجتهادي. وسترى أنكم آخر من يمكن أن يهتم به الأستاذ أبو يعرب لذواتكم بل إنما أنتم عينة لتوضيح التشخيص الخلدوني لا غير. وأخيرا فإن كتب الأستاذ في متناول من يريد أن يطلع عليها إذا كان له الصبر الكافي. وليكن اختبار قدرتك الأول قراءة المقالة الأولى من شروط نهضة العرب والمسلمين والتثبت من مصادرها ومراجعها وسلامة نسيجها المنطقي لعلك تدرك أن معركة الأستاذ ليست معكم.
لذلك فتهمكم الخرقاء التي هي دأب المدارس الدينية المتخلفة التي تتصور الرماية بالتهم في عماية دليل على الانتشار والتأثير ليست مما يمكن أن يلتفت إليه أبو يعرب. إلى متى ستبقى يا شيخ بلال ممن يخلطون بين الهذيان الكلامي والفكر الفلسفي؟ هل كنت تتصور الأستاذ لما استنبهك يغزالك؟ لقد كان يأمل في استعدادك للخروج من القرون الوسطى. خال ذلك أمرا ممكنا بشيء من المساعدة. لكن عطالة السلطان المهيمن يفرض عليك أن تبقى مع من يهدم ويدعي أنه يبني.
ولأختم كلامي معك بأمر عجب أراك تكتبه بما قد يؤيد سؤالي عن النباهة التي بلغت حد البلاهة: تدعي أن الإسلام لا يمكن أن يجمع مع الحداثة ومن ثم أن الأستاذ يصدم رأسه بالحائط. أي إنك تحكم على الإسلام بأن يبقى منحصرا في القرون الوسطى أعني في العلم البطليموسي وما يساوقه من علم كلام وفقه وسلطان الأميين ممن يزعمون أنفسهم علماء دين وهم عبيد دنيا أمثالكم. وما بدر منك هذا الحكم إلا لأنك تخلط بين إيديولوجيا الحداثة والحداثة بل وكذلك لأنك ترد الإسلام نفسه إلى إيديولوجيا. نعم الإسلام المأدلج والحداثة المأدلجة لا يجتمعان: وهذا صحيح وهما عين ما يتصدى له الأستاذ.
ولذلك فقد شهدت متصورا نفسك هاجيا فكنت مادحا بأن كلا الصفين المتكلمين باسم هاتين الإيديولوجتين يحقدان عليه. وهما في الحقيقة إيديولوجيا واحدة كما سترى في تحليلات درس الأستاذ في فلسفة الدين إذا صبرت على قراءة ما تعتبره ألغازا. أما إسلام القرآن والسنة المتحررين من ثرثراتكم ومن توظيفكم إياهما في سلطانكم على من جعلتموه عامة لتكونوا خاصة فهو دائم الحداثة لأنه الحديث القديم من الرب الرحيم.
وفي الختام فإني أسمح لنفسي أن أجيبك نيابة على أستاذي: شكرا على طلبك وعرضك. لكنه لن يناقشكم لغياب الشروط الدنيا عندكم للنزاهة العلمية. لا تعرفون معنى الحق والإنصاف. يكفي أن نرى كيف تناقشون فكر ابن تيمية بل وحتى فكر أركون وحامد أبي زيد وحسن حنفي رغم أن الأستاذ على طرف نقيض مع الثلاثة الأواخر الذين تريدون الزج به بينهم بطريقة الدس التقليدية في المدارس الدينية المنحطة ! إن شئتم أن تفعلوا فاعلوا ولن يرد عليكم لكلامكم في ما يكتب. وما يمكن أن يقوله فقد قاله لما اهتم في العطلة الصيفية بتمثيلكم عرض الداء الذي يحاول فهمه. لا غير!