الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

راسلنا

أرشيف المقالات

فضاء أبو يعرب


فضاء البكالوريا
مقالات ودراسات

منهج وبيداغوجيا

   


آخر المحاولات اليائسة في سبيل أمركة الثورة

                                         محمد سراج

يفبرك السيد حسن نصر الله ادعاءا لسنا ندري لمن يكون؟ فهو ينسبه للمبني للمجهول، يتحدث فيه عن أن ثورة الشباب المصري مدعومة أمريكيا، فمن قال بهذا غيره؟! لا أحد يقول بأن ثورة الشباب لها دفع خارجي، لكن لماذا يصنع السيد حسن هذه التهمة؟

لا ريب أن هذه محاولة منه في وضع ما يجري ضمن إطاره التفسيري الأيديولوجي، وذلك عندما يحيك التهمة ويرد عنها بنفسه بأشد مما أوتي من صوت وأقوى الحجج كما يتصور، إنه يسعى لتلوين الثورة بأيديولوجيته في المقاومة، فكيف ذلك؟

يعتبر السيد حسن أن من ليس مع المقاومة فهو ضدها، ويضع الثورة المباركة ضمن محوره "المقاومة"، وكأنه لا نموذج إلا نموذج "مقاومة أمريكا" أو "الولاء لأمريكا"، ذلك في ذهن نصر الله أو هكذا يصوّر للناس، ليس هناك إمكان لنموذج ثالث، "طريق ثالث"، والملاحظ أن اللازمة في الحزبين المفترضين وحيدين هي أمريكا، أمريكا هي الشماعة التي وجدت من أجلها المقاومة، ومن أجلها أيضا وجدت الأنظمة المتأمركة.

فتصير أمريكا مفهوميا سبب وجود المقاومة والأنظمة، وحسب تقييدات السيد نصر الله، نجد أن الفعل المبدئي في المقاومة هو وجود أمريكا (ولازمتها الطبيعية إسرائيل)، إذن فالهواء النقي للمقاومة هو وجود أمريكا، فتصير الحاضنة المفهومية للمقاومة هو أمريكا بذاتها لأنها مازالت قوية ومازالت تكيد للعرب والمسلمين. 

وهذا ينبني على فرضية خفية خطيرة هي أنه لا وجود للاعب آخر غير "المقاومين الموجودين" و"الأنظمة الموجودة"، بينما يتم السعي لتغييب اللاعب الجديد وهو "الشعب"، وهذا إذن هو بيت القصيد من الادعاء المفبرك والرابط بين الثورة وأمريكا، إذ إن السعي لمحاولة دحض الادعاء لا يخرجها إطلاقا من نسبتها لأمريكا، ذلك أن "المقاومة الشِّعارية" لا تتنفس إلا ضمن وجود الهواء الأمريكي، فلو تصورنا انهيار أمريكا فسيصبح مبرر قيام المقاومة منتفيا، فكيف سيكون العمل؟

إن وضعية مثل تلك التي سيواجهها حزب الله وأصحاب المقاومة الشعارية تذكرنا بتلك التي حدثت للأمريكان عند السقوط المفاجئ للإتحاد السوفياتي، حيث صار قادة العمليات ضد السوفيات عسكريا وإداريا وسياسيا يبحثون لهم عن عدو جديد يديمون به مراكزهم، حتى اختلقوا عدوا جديدا إسمه "الإسلام". تماما مثلما شكلت مزارع شبعا الشماعة التي عليها أبقى حزب الله حاملا سلاحه.

لذلك فإن المحاولات الباطنية في سبيل ضرب الثورة العربية الجارية في عمق أعماقها، وهو الحقيقة الشعبية للثورة، وربطها مفهوميا بالبوليتيك، بمعناه البنبوي، أي إسقاطها على النماذج السياسية المهترئه أنظمة ومقاومة مدّعاة، هو آخر المحاولات في سبيل إستعادة حزب الله لبريقه، الذي تسير الثورة العربية في خطى ثابتة لضرب قوته الإعلامية الموهومة في العمق هو كذلك. كونه الوجه الآخر للمشروع الأمريكي الذي به تتنفس كذلك وعليه تبني خططها الإستراتيجية، فوجود المقاومة الشعارية دعم كبير جدا للمشروع الأمريكي، الذي بدأ يتحسس سقوطه منذ الأيام الأولى للثورة التونسية.

هذا وإن السعي إلى افتكاك الثورة وإلحاقها بالمقاومة الشِّعارية سيتواصل وبكل الأساليب الخفية والظاهرة، من أجل محق المقاومة الفعلية التي انطلقت بفضل ثورتي تونس ومصر، والسيناريو اللاحق المتصور لمهمة حزب الله وملحقاته ومن وراءه هو إثنين لا ثالث لهما، الأول: إما أن تكون الثورة العربية من توابع المقاومة الشعارية، أعني من توابع حزب الله وقائده، حيث تبتسر الثورة في شكل قيادات حزبية تعمد الخطاب التعبوي أساس لها، وذلك عن طريق التفاهم الخفي والدعم اللوجستي ضمن الإطار الإقليمي، تماما مثلما حدث في فلسطين بعد اغتيال أحمد ياسين وياسر عرفات والثاني: إما أن يتم اعتماد اللعب الخفي الذي يعتمد على المرتزقة وأساليب الحشاشين، لاقدّر الله، وذلك في حال تعذر انصياع القيادات للمساومات، حيث ستؤدى معهم مهمة قذرة من التصفيات والتلاعبات، التي لاترضي أحدا إلا إسرائيل.

وذلك كله موقوف أساسا على النباهة الكبيرة والوعي المتقد للقيادات الشعبية والحزبية في مصر خاصة، نباهة لمحاولات تقزيم الثورة وربطها بأيديولوجيا المقاومة الشعارية، ومن ثم ربطها بالمشروع الأمريكي، ووعي تام بالمعطيات الإستراتيجية الدولية فضلا عن الوعي بالأسس الاستخلافية للمشروع الإسلامي المستقبلي الذي لا صلة له بترهات المعارضة اللبنانية التي تدعي أنها أنجزت ثورتها على "الموالات"، بينما المسألة اللبنانية تحتاج لعلاج جوهره الدستوري قبل العلاج الدستوري والسياسي، وذلك ما يتطلب ثورة على جميع النخب المستحكمة بالمشهد اللبناني كما بيناه في مقال سابق. والله أعلم