



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
العجولْ غير مسؤولْ
د.: محمد بن ابراهيم
ملاحظة: هذا حوار كتابي دار بيني وبين أخي عبد الله
فجعلته تمهيدا لمداخلة أستاذنا المشترك المحمودي
وصلتني رسالة ألكترونية من صديقنا عبد الله الراجحي جاء فيها:
أخي لقد حيرني ما قرأت أخيرا في موقع المتكالمين خطته يراع عديم اللب في موقع الدجالين كما لقبه أستاذنا المحمودي. فالشيخ العجول الذي حكم عليه الدرد الاقتصار على عجين الكلام يبدو قد تطور بعد الفجل والموليناكس فصار أذكى مما كنا نتصور! فقد اكتشف بسرعة البرق أن صديقنا وأستاذنا المحمودي يجهل تاريخ نشأة الكلام. فحق لديعس أن يقول: "ياحرام" بلغة السينما المصرية ككل "ولية" !
هل هذا يليق بأستاذنا وهو الذي يؤكد دائما على الدقة والصرامة في مسامراته معنا أيا كان موضوع السمر كلما شاءت الأقدار فالتقينا بعد طول غياب ؟ كيف يقع في مثل هذه الأخطاء حتى اضطر الرجل إلى بيان أن جهله بلغ إلى الخلط بين الحصرم والحرمص ؟! لقد كاد الرجل يشككني في علم صديقنا بالكلام وبالحرمص-استغفر الله فقصدي الحصرم لا الحرمص ! قاتل الله هذه الميم. فهي لا يقر لها قرار. تهرب من الذيل إلى الحشا لتحتل موقع الصاد! نسيت الصاد أن بلال لها بالمرصاد. وهل يعقل ألا يبقى له ما يصطاد ؟!.
فالعجلة وثقافة اللفت أو الفلت أو التلف أو اللتف أو الفجل أو الجفل أواللفج أو الجلف وأكل الصرحم أو المرحص والصرمح والرحمص كل ذلك من عجائب هذا الناقد الأريب والصائغ العجيب ! أدهشتني معارفه ففقدت ترتيب الحروف. واعذرني لم أعد أدري أين أضع الصاد والتاء ولا الجيم ولا اللام في الكلام لعل فقدان الذاكرة أصابني أنا بدوري بسبب تعلمي الإيطالية التي نسيتها منذ أن بدأت أقرا في موقع إيش ؟ نسيت هل هو الفصلين أو الألصين. آه! أظن أني تذكرت إذا لم تخني الذاكرة بعد أن علمت أن "الذكير" يعني المغنطيس وضع علماء الكلام نظريته: إنه موقع اللِّصَيْن يدعس الوسيم المفاخر بشبابه والأشعري الصميم المكشر عن أنيابه !
فأجبته: لا تثريب عليك أخي عبده فدهشتك معقولة وتشابك الحروف على لسانك مفهوم. فعلم المتكلمين علم حروف لا يتجاوز علم البوني رحمه الله وأبقى دجله: فنواديهم تحكمها شبكة الزايرجة حتى يمرروا بخفة الأصابع لخبطة الحروف والكلام على عقول الأنام. وذاك كما تعلم جرم موصوف عندما تنتظم الحروف. لكن لا تبالغ في مزاحك بسجعك المرصوص يا "مفعوص" ! فأنت كما عرفناك تحب المجاحاة والمحاجاة والمحاكاة والمكاحاة. فهات ما عندك هات. ولا تهزأ من علماء الأصلين وسم الأشياء بأسمائها فهو موقع الأصلين وليس موقع اللصين.
هل تنقم عليهم أنهم عادوا فقاموا بالهجوم المضاد الذي وعدوا بجعله ساحقا. لكنهم الآن يمهدون للهجوم. فخلهم يستردون بعض الثقة ليقنعوا رواد الموقع بأنهم اكتشفوا أخطاء تحير الرجال وتدك الجبال: وإلا فحتى المظاهرات تصبح ممتنعة إذا خلا المحل ممن تحرر من الدجل. وما دام همهم ليس طلب الحقيقة ولا الدفاع عن الإسلام لأن ربهم دنياهم ومعبودهم هواهم فلا تعجب من إشغالهم الناس بالسفاسف لينسوهم جوهر الإشكال: كيف تبقى جماعة الشيخ الدجال على رضا دافع المال؟
هل تعجب من اعتبار بلال وصف النشار لابن تيمية بـ"الفيلسوف النادر" ليس مدحا بل ذم؟ كيف تعجب إذا كان القاضي لا يميز بين العقل والعقال (فما يعنيه إلا الحكم في العقائد بالقدح الذي يعميه عن الحكم على العلم بالمدح !)؟ فحذار قد يصبح الشيخ المشاكس صانع موليناكس لصنع الألوان حتى يرصع شيخه ما يدبجه من هذيان عندما يرد في مقبل الزمان. عندها لن ينفعك من جحا مزاحه ولا حجاه لهول ما ستلقاه. احذر يا أخي: فمن يدري قد يتكلم لاحقا بلغة الصورايخ فيرميك بأحدها في حملة دنكيوختية رهيبة لئلا يبقي في الدنيا إلا ما في موقع الجماعة المستريبة من عيبة كما فعل لائم أمه الذي ترك وراء الباب ما يملأ به فمه وهدد أستاذنا المحمودي بأكثر في المرة المقبلة بعد أن يصاب المهاجم بالإسهال !
فرد ثانية: أنا جاد حقا ولست أمزح. لقد كاد يشككني في علم أستاذي المحمودي. فالـ"كاد" قد تمر من القوة إلى الفعل. لا بد من إقناعي بشيء يزيل حيرتي: فلا يمكن أن تجادل في أن الكلام كله قد نشأ قبل نهاية القرن الثالث وكذلك كل أدواته. ثم لا أخفيك أني تعلمت شيئا جديدا. لم أكن أعلم أن للكلام أدوات ذاتية. لكن صدق بلال في بداية القضية جعلني أسأل: لعله صادق في البقية فيكون سقط المتاع من الأفكار الفلسفية أدوات كلامية وأنا لم أكن أدري ؟ فما قاله بلال عن الكلام حقيقة لا مراء فيها ولا أدري كيف غابت عن بال الأستاذ.
كيف يقول الأستاذ المحمودي ما قال ؟ كيف يزعم في مقاله الأخير أن: " (...) المجتمع الإسلامي لم يصدر عنه الكلام حتى لو صح أنه علم لأن معنى ذلك بمبدأ التعدية يؤدي إلى أن الكلام صادر عن القرآن والسنة والتاريخ الناتج عن التربية المستمدة منهما في الممارسة الفعلية للمسلمين في حين أن القرآن يحرم أداته (التعاقل بدل العقل) ومبدأه (التأويل بدل الرسوخ): وهذا ليس صحيحا بدليل أن القرون الثلاثة الأولى خلت منه وكونت الإمبراطورية وهي بدأت تنهار بمجرد أن تفشى فيها سرطان الكلام وتناحر الفرق. ورغم أن الكلام والمتكلمين كانوا هامشيين في الأثر الإيجابي لبناء الحضارة فإن ما لهم من أثر سلبي زيغا للقلوب وابتغاء للفتن من الأسباب الأساسية لإفساد المؤسسة التربوية فضلا عن آثاره السياسية".
إنه والله قد فتح ثغرة كما يقول شيخ الشيوخ ذو الصيت المنفوخ والمنطق المشروخ والجلد المسلوخ بعد نزعه جبة أبي سعدية معلم "الكلوخ" (انظر معجم الأمثال ومعها العامية التونسية للمرحوم الكعاك أو العروي –نسيت !. وأصلها التكليخ وهي عربية فصيحة لأن القاف تنطق كافا في بعض المناطق العربية بتأثير من العبرية. ولما كانت الحروف تتحرك كما في حرمص وحرصم وحصرم فقد أصحبت التخليق تكليخا ومن التخليق تشتق الـ"خليقة" وهو المعنى المقصود بالتونسية المولدة أعني <العضروت-الكذاب> وهذه يفهمها كل العرب والفرنجة يسمونه الفنفارون).
ما هذا الخطأ الفادح في علم المحمودي وقد كنت أثق بما يقدمه لنا على سبيل المسامرة وأحيانا المراجعة الذكية. لا بد من الفهم. وإلا فسـ"أحلس" ولن أحظر مجلس الأستاذ المحمودي عندما يقدم لانتسب إلى "جماعة اللصين برئاسة علي بابا" لأنهم صاروا أعلم بتاريخ الفكر العربي أو أتفرد في الغابة مع كل الغضابى اقتداء بـ"بابا سنفور" !
فأجبته بوسيط التواصل نفسه. ظننتك تمزح فإذا أنت جاد وكان علي أن أفهم ما دمت ملت للرد على المقامة الـ"بِلاَ" "لِية" بجميل الجمل على قبيح الدجل. حسنا لا تغضب حالا أجيبك ياعبده. وآمل ألا تصيبني عدوى التصنع والبديع فيعدوني أسلوبك الفظيع حتى في تحليل التافه من تآويل البهاليل. لن أجاريك فيه وأنا عالم أنك تبزني دائما بآيات البلاغة وعلامات الصياغة التي تبدو قد "حُفْتَها" من هذه الجماعة بعد أن قرأت قصيد السارف في أستاذنا "ع". وهي من جنس المدح بحكم "إذا أتتك مذمتي".
لا خطأ وقع فيه أستاذنا ولا هم يحزنون. كل ما في الأمر أن عجلة المبلل تجعله دائما في تسلل. وسترى أن وجهه لن يتهلل مهما تعلل. سيرى نسيج خطابه المتحلل. سيتحقق أن عقله تشلل. مالك عبده ؟ أتكون أصابتك العدوى ففقدت الروية فصرت لا تحلل ؟ ليس الأمر أمر سجع فلنبين ما سيناله هذا الشويخ من وجع: ألم تنتبه إلى خطة أستاذنا المحمودي التي تشبه خطة أخينا حليم؟
فحليم أراد أن يفضح الوجه الخلقي المزعوم لهذه الجماعة. وقد أتم المهمة على أحسن ما يرام. لذلك تراه قد انتقل إلى الأمور الجدية بعد أن فرغ من المرحلة الأولى فأعلن عن قصده منها في مداخلته الأخيرة أنه: كان يريد أن يدفعهم لإخراج كل ما عندهم من أعراف الشيوخ الخفية فيتأكد الجميع أنهم شر البرية ولا يمكن من ثم أن يؤتمنوا على تربية الذرية.
وكما تعلم فإن جميع الآداب التي تنقد الدجالين تبين أنهم جميعا يقدمون البرقع الخلقي والديني حتى يظهروا بشيء من الوجاهة المصطنعة: هل نسيت حكايات الجاحظ ومقامات الهمذاني والحريري والمسرح الفرنسي للعصر الكلاسيكي أم "تطلينت" ذاكرتك حقا ؟ وهذه البراقع كلها نزعها عنهم أخوك هادي. بقيت البراقع العميقة التي تولى نزعها أخوك المحمودي بطريقته بما كان ينتظره من ردود أولها هذا القطر الدال على الغباء. وقد أرادهم أن يعلنوا بأنفسهم عما كان يسعى إلى بيانه.
وها أنا أشرح لك بعضها من خلال ما أظنك تتظاهر بعدم فهمه لتصف صاحب رأس الفجل والموليناكس وأط أط... شويعر الزلط وكل الجماعة بما يستحقون من كاريكاتور هازل علمناك من فنانيه. لكني لم أفهم علة تغافلك عن التذكير بما بعثت لي به أمس إذ قلت بأسلوب لم يتحرر من شجع الكهان في آخر الزمان:" إن ثرثراتهم لم يعد لها إلا هدف واحد: أن ينسوا الناس حكاية العبد اللئيم الذي يدعي أنه أشعري صميم وهو أفاك أثيم يشكك في كلام الرحمن الرحيم فصار يمضي بخبث لا ينطلي إلا على الغافلين بـ"حسبى الله ونعم الوكيل فى المفترين"" .
أم تراك تنتظره حتى يستفرغ تكاذيبه للقرآن الكريم لتبين أنه الأدرى بالافتراء وفن الرياء رغم أنه يدعي الاحتساب لله نعم الوكيل فيواصل التدجيل ؟ وهل يظن الأفاك أن مثل هذا الأمر يمكن أن ينساه القراء مهما تفنن في حيل الاستغباء وصرخات الاستجداء ؟ تبت يداه وقطع لسانه. ألا تراه قد أهمل ورق التوت للجماعة من حسبانه؟ أم تظنه لا يبالي؟ فقد أبى أن يترك لهم حتى ملهة لأخذ أنفاسهم ولا فرصة لملء أكياسهم بل أصبح يأمر صراحة وينهى بـ"بجاحة" ! إنه يتصرف بعزم عنيد فيأمر شيوخ الموقف ليطيعوه صاغرين كقطيع من العبيد: فعبارته "أنتظرُ الجواب!" ضميرها "تحركوا يا"....." (أترك لك ملأها بسجعك) قبل أن أغضب ! ؟ لذلك هرول الفسي بأي شيء ليسكت غضب سيده بثقيل النصائح لسليل الفضائح (بعبارة حجة الإسلام رحمه الله).
والآن يكفي مزاحا ولأفهمك خطة أستاذنا المحمودي التي أنهت التعرية وما أظنها خفيت عنك وإنما أنت سألت ليحصل هذا الحوار وتتمنى أن ينقل إليهم علهم يفهمون فيم هم فيه خائضون. ولن أواصل محاكاة سجعك فقد آن أوان الجد:
1-سلْ الشيخ العجول بجد وانسَ الفول: عن أي علم كلام يتكلم ؟ هل يقصد كلام الفرق الهامشية قبل أن يصبح للسنة كلامها بدءا من الأشعري ؟ طبعا أخونا المحمودي قد نصب لهم هذا الفخ حتى يعترفوا بنسبهم. فها هو الشيخ الثاني في هرم كنيسة الأصلين يعترف بأنهم ينتسبون إلى هذا الكلام المتقدم على القرن الثالث لا إلى الكلام السني الذي بدأ مع الأشعري الذي قطع مع هذا الكلام الهامشي بعد سنه الأربعين في نهايات الثالث أو بدايات الرابع من قرون العنفوان الإسلامي على حد علمي وعلمك. وقد يكون بلال أعلم بتاريخ الكلام من ابن خلدون. كان أخوك المحمودي يريد الشهادة منهم. فحصل ولله الحمد. وما كنا ننتظر أن يأتي الاعتراف من أول الشيوخ: فهو متفرغ الآن لما اشترطه على نفسه حتى يلبس من جديد جبة أبي سعدية. لكن حكم الشيخ الثاني أكثر من كاف.
2-سلْ الشيخ المشاكس بجد وانسَ الموليناكس: عن خصائص السرطان كيف يكون انتشاره؟ هل بدايته أم غايته -الميتاستاز-هي التي تنهك الجسد المصاب به فينفرط عقده لفقدانه الحصانة التي كان بها يقاوم؟ أظن الشيخ لم يسمع بمدة التخلق أو بنمو التولد السرطاني ومراحل تفشيه في الأبدان وخاصة في الجماعات من حيث هي كيانات حضارية. طبعا هذا هو الفخ الثاني الذي نصبه الصديق المحمودي للذين يكتبون مستعجلين بعد أن فقدوا البوصلة فصار شيخهم يهذي وقرر نهائيا أن ينزع جبة بوسعدية بل هو أقسم ألا يلبسها إلا للرد على أستاذنا المرزوقي: أعني لن يلبسها أوسيفعل سدى.
فأبو يعرب لا يرد على المبتدئين أولا وكل ما سبق مما بدا ردودا لم يكنه بل كان تشخيصا للداء يصف العينة لا غير لأنه من عادته ألا يعمل برد الفعل أبدا. وما أظنه سينتظره حتى ينهي دراسته في الشرعيات بعد يأسه من الفلاح في الكهربائيات التي لا تدر الربح السريع كالدجل الوضيع. ولما كان يتصور الأستاذ في أرذل العمر كما يتوهم-لأن من لم يتجاوز في سن الكمال العقلي المعهود سافل المستويات لا يستبعد أن يتصور غيره قد بلغ في الستين أرذل السنوات - فالأستاذ المرزوقي سيكون عمره عندئذ قد ناهز المائة إن عاش بعد عمر طويل إن شاء الله: فمن ينه الابتدائي في الأربعين لن ينهي العالي قبل الثمانين وقل أن يعيش الإنسان إلى المائة. وكان أخونا المحمودي واثقا من أن من لا لب له لن يسأل صديقه البيطري الذي يتكلم متشاعرا على المعزى والغنم بصوتها الذي لا يعلم اسمه فظن الثغاء رطا لن يسأله عن خصائص انتشار السرطان قبل أن يتلكم. فهو مستعجل دائما.
3-سلْ الشيخ المدافع عن منحرف الكلام بجد وانسَ من يعلق على أبي ماض(ي) بقلم حافِ(...): سله عن أصحاب الكلام الهامشي الذي اعترف بالانتساب إليهم هل هم الذين كونوا الإمبراطورية أم هم كانوا قادة الثائرين عليها ليس بالسلاح والمؤامرات فحسب بل بهذا السرطان إلى أن قضوا على حصانتها بنشره في بعض السنة فآل الأمر إلى تفشيه في الإمبراطورية فانهارت بنفس المؤامرات التي نراهم اليوم حلفاء لأصحابها. وهذا أيضا فخ ثالث نصبه أخوك للأغبياء من موقع تخريب الأصلين حتى يعترفوا بأنهم من سلالة الساعين إلى التخريب بزيغ القلوب وابتغاء الفتن أي بالتخريف والمؤامرات ليس اليوم فحسب بل منذ نشأة الفرق الضالة الذين هم حفدتهم أو في خدمة حفدتهم.
4-سلْ الشيخ بجد عن دلالة الآذان بدل الهذيان سله أخيرا: هل التعليق على الخصوم يكون كما عرفه بنفسه في مسلسله الأخير فيض خاطر بغير نظام يتوالي فيه المرقوم الدال على بلادة الفهوم ؟ وهل الحروب -وهذا زعمهم في كلامهم معنا-تخاض كيفما اتفق؟ هل هي لعب أطفال في سهرات رمضان: اضرب بالبني بني كيفما اتفق ثم اركض هاربا ؟ هذا أيضا فخ أخيك المحمودي فخه الذي لا منجاة منه. والهدف هو أن يدفعهم كلهم -وقد بدأو- إلى أن يصلوا إلى حالة يردد فيها كل واحد منهم نفسي نفسي لأن المعركة لم تعد جماعية بعد غرق السفينة.
كلهم تناسوا تمهيد الأستاذ المحمودي أعني بيت القصيد. فهما لم جعله الأستاذ المحمودي مقدمة الرد السابق. لكنهم يحتاجون إلى طي الصفحة والتلهية بالسفاسف. لكن ما يعنينا نحن وهو المهم هو شروع الشباب في فهم الأحابيل الكلامية وسعيهم للتخلص منها. لا يهم طول المدة: فنحن نعلم أن المهمات النبيلة لا بد فيها من المصابرة ونعمل أن النصر صبر ساعة. فقد بدأ شيخهم يهذي ووعد بنزع جبة أبي سعدية حالفا بأنه لن يلبسها إلى للرد على أستاذ أستاذنا المروزقي (وطبعا فالأستاذ المرزوقي أستاذنا أيضا وإن بتوسط أستاذنا المحمودي وبمؤلفاته) لأنه أصبح يتصور نفسه أعلم من الأستاذ المحمودي. فيا له من مسكين: يتزبب ولما يحصرم (أظنها صحيحة الآن بعد أن اكتشف العلامة جهلنا) ! ثم تلاه (ضع ما تشاء) عديم الحياء. وتلاه الذي لا لب له ولا نهى. وتلاه لائم أمه الذي لا يخرج إلا البذاءة من فمه. ألا تراه قد بدأ يرطرط خلطا بين ثغاء الشاة ورطرطة السلحفاة؟ والبقية آتية. وذلك ما كان على الداهية أستاذنا المحمودي بيانه: فإذا بدأت السفينة تغرق تبدأ الفئران تتقافزكأنها "حمر مستنفرة فرت من قسورة" كما عنون نصه تاركا لهم تعيين طبيعة المستنفرة ما هي.
5-سؤال أخير يمكن أن توجهه إليهم جميعا بكامل الجد: أليس من علامات الغباء أن يذهب العجول الذي يدعي أنه مسؤول فيعنون رده الحميري بنفس عنوان مقال أخينا المحمودي مع إضافة ياء للحمر بين الميم والراء حتى تصير حميرا بلا مراء ؟ كيف يجهلون أن العنوان اسم علم وأنه مهما تكرر يبقى دالا على مدلوله الأول. فهم إذ أباحوا له أن يتكلم باسمهم مع الوقوع في هذا الفخ الخامس الذي لا أتصور أخانا المحمودي فكر فيه صار كمن يقول: "يا هو!" ها نحن كما وصفتنا حمر مستنفرة بل أكثر فقد صرنا حميرا تامة الشروط ومستنفرة حقا لأنك أنت الأسد الذي نفر منه ونرد عليك بهذه الصفة. فهنيئا لهم بالاعتراف أخيرا بهويتهم التي اكتفى الصديق حليم باستعارة حمالة الأسفار للدلالة عليها فأبوا إلا أن يشرحوها ببيان وجه الشبه.
فجاءني رد أخينا المتجاحي قال فيه: أخجلتني من نفسي وكيف سأقابل أخانا المحمودي وقد كدت أشك في علمه حتى هددت بهجر مجلسه ؟ قاتله الله! ولله دره من داهية! فقد جعل ثاني الثالوث من حيث لا يعلم يقوم بحفل ستريب تيز عقدي ضربة واحدة يبين فيه أنهم حفدة الكلام الذي سعى إلى تهديم الحصانة إلى أن تفشى كالسرطان في روح الأمة وخاصة في بناة الأمبراطورية بعد أن تسنن الكلام عن طريق الأشعرية. كما أنك أزعجتني بنقد ما أحاوله من السجع: فيبدو أنك تكاد تتجاوزني فيه فاحذر سآتيك بما لا تطيق قبل أن تفيق و"يزي" من (...يق) !
كنت أعلم أننا سنلتقي بأستاذنا المحمودي في عطلة العيد عند الأستاذ المرزوقي. لكني لم أصبر فبعثت الحوار إليه. فلعل حائلا ما يحول دونه والقدوم فضلا عن بعد الشقة. بعثت بهذا الحوار إلى المتهم بالجهل حتى كاد أخونا المتحاجي يشك ويهجر ولم أنس ثالثة الأثافي التي جاء بها شيخ الأغبياء متكلما على الاكتشافات الكلامية التي أحدثت الثورة العلمية والصناعية فصار المتكلمون بفضل علم الكلام قادة العالم في كل العلوم من عهد الرازي إلى عهد موقع تخريب الأصلين.
أضفتها وطلبت من أستاذي المحمودي أن يفتح الموقع الذي أشار إليه عديم اللب متحديا إياه وطالبا جائزته التي استحقها-إن كان لم يفعل لأني أعلم أنه يسرق من وقته لمتابعة الحركة الفكرية العربية. وقد جاءني رده وها أنا أضيفه إلى الحوار الطريف بيني وبين صديقي الراجحي الحوار الذي جعلته تمهيدا لتحليل أستاذي المحمودي: وفيه يعالج مسألة مفهوم علم العلم وتاريخه لمن يتصورون المعرفة ممكنة بشرح النصوص وبالتخمين الكلامي.
رد الأستاذ المحمودي
جاء في رسالة أستاذي المحمودي الالكترونية:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أخوي العزيزين اشتقت إليكما وإن شاء الله نلتقي في عيد الإضحى عند أستاذنا أبي يعرب. وأظن أنكما لم تنصفا الشيخ بلال. فهو محق فلا تبالغا في لومه. إنه يستحق الجائزة وأكثر. وأظنك قد كفيتني مهمة بيان العلل التي تجعله أهلا لها في الحوار الذي أتحفتني به. أضحكتني المجاحجة والمحاججة بينكما لكن ليس على الأرائك التي استأثر بها بلال بل في مكتب الدرس الذي أكتفي به تاركا منزلتي عند الله يحددها بنفسه كما قال أخونا حليم. وقد حددتَ أسلوب جوابي: فأنت قد بينت أن مهمه التعرية تمت وأنه علي أن أقتدي بالصديق حليم. ورغبتك أمر. لن أخوض معهم في ثرثرتهم بل سأبادر مباشرة فأعالج المشكل من أصله أعني: علم العلم وتاريخه (= الإبستمولوجيا) كيف يكون؟ وما دلالة التخريف الكلامي حول هذه المسالة الفلسفية؟ ولم كان الجهل بها هو السر في سماعنا لمثل هذا التخريف حول الاكتشافات الثورية التي لا أثر لها في تاريخ النظريات ولا في تاريخ الوقائع أعني في الحيزين الوحيدين اللذين يظهر فيهما أثر المعرفة العلمية
فإني أرى صاحبك بلال قد أفحمني بتحديه إياي في هذه المسألة المعرفية دون شك خاصة بعد أن أحالني على مراجعه. وما أظنه فتح ابستمولوجية أرسطو ومنزلة الرياضيات في قوله العلمي لأستاذنا أبي يعرب أو الابستمولوجيا البديل أو نظرية العلم الفلسفية من خلال تاريخ الرياضيات اليونانية وشروحها العربية. فهذه مما يعتبره أحاجي نصح الأستاذ بأن يتجنبها إذا أراد أن يصبح ذا صيت وصوت بين الدجالين أمثالهم.
علم العلم وتاريخه الفاعلان
لذلك فلا غرابة أن يطمح الشيخ بلال للحصول على جائزة نوبل فيتحداني إن كنت رجلا لأجيب عن اعتراضاته. فهو لها أهل وأكثر ! ولما كان التخريف لا حد له كما تعلم فلا تعجب إذا كان من جنس زعماء المجال السياسي في عالمنا الإسلامي. يتصورون الكلام أفعالا كأنهم لم يقرأوا الشعراء فيعلموا اتباع الغاوين لهم. لا فرق بين ضربي الزعامات المستندة إلى الدجل العلمي أو السياسي: فعدم التمييز بين التخمين في الهواء والبحث العلمي من جنس عدم التمييز بين الديماغوجيا والسياسة المؤثرة. ولذلك فبلال لا يفهم الفرق بين الخيال العلمي والعلم الخيالي. وهذا طبيعي لأنه أمر لا يعقله من لا لب له. عنتريات بلال الكلامية تتفوق على العلم الغربي تفوق عنتريات نجاد السياسية مثلا على العمل الغربي. فتكون نسبة بلال إلى المعرفة بالعلم عامة والعلم الغربي خاصة هي عينها نسبة نجاد إلى المعرفة بالقوة عامة والقوة الغربية خاصة.
ولنكتف بمثال واحد حتى يفهم عنتر الكلام أنه لا يفهم فيم يتكلم. وهو مثال انتخبه من الموقع الذي دلنا عليه ظنا منه أننا غير مطلعين عليه (علما وأن الذي أطلعهم عليه مغضوب عليه لأنه لا ينتصح حسب حكم الجورو). وطبعا لا أريد لصاحب الموقع أن يغضب أو أن يعتبر كلامي حكما عليه. لن نفتح معه معركة هي ملاحظة وكفى. ولعله لا يوافق من دلنا على موقعه. فيمكن أن يكون هدفه: مساعدة الشباب على استرجاع الثقة في النفس لا غير دون أن يكون موافقا على ما ينسب إليه: لأن كل من درس العلم حقا يعلم أن العلم ليس نصيا وأنه لا فخر للمسلمين حتى لو تبين أن الغزالي مثلا تفوق على جالينوس في قضية ثانوية من علمه وبعده بقرون.
ولما كنت لا أعرف صاحب الموقع ولا أنوي أن أدخل معه في جدل فسأكتفي بما اطلعت عليه منه. وما وجدته من شبه بين تأويلاته للنصوص وتأويلات زغلول النجار صاحب الإعجاز العلمي ليس مما يستهويني. ولا أزيد على ذلك. فلست أفهم العلم ولا تاريخه هذا الفهم. وعندي أنه لا علاقة لتأويل هذا النوع من النصوص بالعلم لا القديم ولا الحديث لا من قريب ولا من بعيد. فهي نصوص لم تكتب بلسان العلم ولا تقبل الترجمة إليه لكونها من المتشابه العامي (في كل عصر للعلم لسان معين يختلف عن الثرثرة الكلامية من عهد الكتبة المصريين إلى لغة الرياضيات التعالية الحالية). ومن ثم فهي غير قابلة للحسبان من تاريخ العلم بل هي من تاريخ الأفكار العامة التي يمكن أن تدلنا على حالة الوعي العام لا على المعرفة العلمية.
وتاريخ الأفكار مع التأويلات البعيدة حتى لو صح لن يقدم إلى شيء إلا إذا ظن البعض أن الأمة ما تزال بعد قرنين من النهوض بحاجة إلى ما كان مفهوما عندما كانت تبحث عن استعادة الثقة في النفس بتمجيد الماضي حتى بالكذب على نفسها كما تفعل كل الأمم في لحظات الانكسار. لكني مع ذلك سآخذ مثالي من هذا الموقع. وهو مثال يتعلق بحجة الإسلام الذي تعلم أنه من مراجع أستاذنا وتعلم مقدار حبه له وتبجيله حتى على ابن رشد. فالمعلوم أن حجة الإسلام قد أفحم الفلاسفة عندما أرجع كل نظرياتهم الميتافيزيقية إلى أمرين:
1-مبدأ وهمي هو الخلط بين العلية المنطقية الضرورية للمعرفة وإطلاقها الوجودي الذي لا حاجة إليه في العلم فضلا عن كونه ضارا في العمل عامة وفي العقد الديني خاصة.
2-وتعميم سطحي للتجربة الغفلة التي لم تتحول إلى تجريب علمي معاجزا لهم بمثال النار وفاعليتها التي ليس لها تفسير عندهم رغم أن حبة واحدة منها يمكن أن تأكل العالم. وقد قدم المثال في شكل أحجية.
فهذا الأمر كما تعلم لم يغب عن بال أستاذنا المرزوقي لأن رسالته الأولى التي كتبها بالفرنسية سنة 1972 في السوربون Le concept de causalité chez Ghazali كانت حول مفهوم السببية عند الغزالي ونالها بامتياز كما تعلم حتى ظنها الكثير رسالة دكتوراه وهي مجرد مذكرة للأهلية في البحث. والمعلوم أن الغزالي في إطار رده على الفلاسفة (تهافت الفلاسفة) قد فند نظرية المقابلة بين العالمين عالم ما فوق القمر المزعوم قديما وعالم ما دون القمر الكائن الفاسد ليبين أن العالم المادي كله كائن فاسد لأنه مخلوق وحادث.
وأكثر من ذلك فهو في بعض كتاباته عرض صورة ميكانيكية للعالم تختلف عن الصورة الإحيائية الأرسطية: إن لم تخني الذاكرة-لعن الله عدوى النسيان-إما في المقاصد أو في الاقتصاد. لكن ذلك لم يكن للعلم بنظرية بديل بل كان لإفحام الخصوم بالممكن التخميني عامة وليس من أجل سعي معرفي يتوسط فيه الفرض العلمي لطلب قوانين العالم. ومع ذلك فقد كان حجة الإسلام في هذا الإطار مبدعا لأنه توصل إلى ما يجعله ينفي إطلاق صورة العالم الفلسفية فينفي حجة جالينوس حول أبدية الشمس: وكلتا النتيجتين تحققان تقدما في زعزعة البارادايم السائد وهو أمر مهم حتى لو لم يتجاوز النقد السلبي لعدم التقدم نحو بناء الصورة البديل كما هو الشأن في المدونة الفلسفية التي كانت كل علوم العصر منضوية تحتها.
لذلك فليس لمثل هذا العمل أي علاقة بالمعرفة العلمية التي يزعم صاحبك وجودها لدى المتكلمين. فأولا الغزالي ليس متكلما بل هو فيلسوف على الأقل في هذا النوع من الكتابات. ولا معنى لما يعلنه من نسب أولما يتهمه به ابن رشد من انتساب: فنقده كان ذا أسس فلسفية لا عقدية. والعقدي كان من دوافعه للنقد وليس من أسس النقد. وثانيا فالغزالي في هذا المسعى الفلسفي لم يكن عالما بل كان ناقدا للفلسفة السائدة بفلسفة بديلة ممكنة ليس لها بعد أسانيد علمية منافية لأسانيد الفلسفة التي ينقدها. وعلى كل فهو لم يسع لتأسيسها ثم تأسيس العلوم عليها نقلية كانت أو عقلية. فلم يكن من علم عندئذ إلا بتلك الفلسفة أو من توابعها في الموسوعة المعلومة بالصورة التي يصفها الفارابي مثلا في الإحصاء أو ابن سينا في الشفاء.
وهذا ما لا يريد أن يفهمه المخرفون للخلط عندهم بين الاعتزاز بالنفس والتغرير بها. فمجرد التخمين في الإمكان المحض بغاية دحض الحاصل لا تخلو منه حتى أساطير الأولين بل هي كلها من جنسه: ولا أحد يعتبر ذلك من العلم في شيء إلا إذا صار العلم تخريف "أمك سيسي". إنه مجرد تخمين جدلي لبيان الخطأ المنطقي الذي وقع فيه جالينوس ببيان عدم توفر شروط المقدمات التي بنى عليها قوله في فناء الشمس بالذبول: وطبعا من يعرف فكر جالينوس وأعماله يعلم أنه ليس ممن كانوا جاهلين بالمنطق بحيث يقع في هذا الخطأ بمعنى أنه لم يكن يدركه بل هو كان أعلم به من الغزالي دون شك وما كان ذلك منه لقصور منطقي بل لأنه كان يعمل في إطار بارادايم علمي يفرض فهما معينا.
وهذا النوع من الاحتجاج الذي يستعمله الغزالي عند القبول به يجعل الكلام كله في مهب الريح: فمقابلة تخمين بتخمين ليس من العلم في شيء والاكتفاء بالسلامة المنطقية للاستدلال لا يمدنا بأي معرفة علمية إذ حتى الأحلام لها ما يماثل هذه البنية الخطابية. والغزالي الذي عرف بنزاهته بين في مقدمة التهافت أن المسألة العلمية ليست من مطالب المتكلم بل يكفيه أن يثبت أن العالم مخلوق ولا فرق بين النظريات حول بنية العالم والكلام في عدد حبات الرمان أو طبقات البصل.
والدليل أن أصحاب العقلية الكلامية لا يتقدمون بعد الحجاج أبدا لبناء علم مؤثر في موضوعه بل إن تصوراتهم نفسها لا تتغير لأنها من جنس المناوشات الخطابية التي تموت في لحظتها. ودعك مما يزعمه هذا الدعي من استناد علمه إلى أجيال ثقفت أفكارهم. فليس لهم فكر أصلا: فهم لم يثقفوا حتى إشكالات تخريفهم التي ظلت لا تعدو التكفير المتبادل حول الاستواء والرؤية والحدوث وقد ينزلون ما دون ذلك من مكملات التطبيق لعلمهم اللدني إلخ... من القضايا التي يمتنع أن يحسم فيها العقل والتي لأجل ذلك وحده تنفي أن تكون ذات صلة بالعلم.
ومن لا يفهم هذه المقومات لن يسمع له إلا من كان جاهلا بالعلم وعلم العلم. فليس التخمين الجدلي نسقا من البناء الفرضي المستند إلى نسق من التجارب فتكون الآراء فيه فرضيات خالفة للتجريب بديلا من فرضيات سالفة تبين فسادها إما بمنطق النسق النظري أو بمعارضة التجربة وإلا لصار صاحبها إلى ما ينبغي القيام به لجعلها تصبح نظرية علمية بل هو مجرد سلاح جدلي لدحض ممكن محض بممكن محض في منظور الجدل الكلامي. لم يكن بناء النظريات العلمية لعلاج المشاكل المحددة من أهداف فكر الغزالي ولا يوجد أي متكلم كان ينوي أن يؤسس علما نظريا في الفيزياء أو في الفلك أو في الرياضيات أو حتى في اللسانيات والرمزيات والمنطقيات.
لم يصل فكرهم إلى المعنى الذي سعى إليه الفكر اليوناني القديم أعني قبل الميلاد بأربعة قرون إذا ما استثنينا محاولتي ابن تيمية (لتحرير الفكر الإسلامي من الميتافيزيقا المشائية) وابن خلدون (لتحرير الفكر الإسلامي من الميتاتاريخ الأفلاطوني) فضلا عن أن يكون تجاوزه وحتى إذا وصل إليه فلا ينبغي أن نفخر بذلك لفارق الزمان المهول: فتجاوز مخض التخمينات التي خلص منها أرسطو الفكر اليوناني في مقدمات كتبه العلمية لم يحصل في علم الكلام فبقي من جنس الجدل السوفسطائي مجرد تخمينات لإفحام الخصم ليس إلا إذا ما استثنينا ما أثبته أستاذنا بخصوص محاولتي ابن تيمية في الفلسفة النظرية والمنطق وابن خلدون في الفلسفة العملية والتاريخ.
وما من نظرية واحدة ذات فائدة علمية يمكن تقديمها في التجهيز العلمي العربي والإسلامي النظري (أي الرياضيات) والمعملي (أي الآلات) يمكن أن نسندها إلى أساس كلامي بل هي جميعا دون استثناء مواصلة ولو بالتجاوز أحيانا للتجهيز العلمي في المدارس اليونانية والشرقية القديمة أعني في حضارتي ما بين النهرين والحضارة المصرية حتى وإن لم ينف أحد أن بعض التحسينات قد أدخلت عليها في وجهيها الرمزي (كاستعمال نظرية المثلثات في الفلك والجبر في الرياضيات) أو المادي (كتحسين الأسترولاب وتجويد التقاويم).
وينبغي أن نعترف بذلك حتى نصبح قادرين على البناء العلمي الصحيح وإلا فسنكون في العلم ماضغي تبن. ولن نشرع في البحث المعرفي الحقيقي ما ظللنا نفكر بهذه الصورة. ولا تعجب إذا قلت لك إن ما يظنه صاحبنا ثورة علمية عند المتكلمين لمجرد كونه من طبيعة ما وصفنا هو الذي قضى على المدارس العلمية كلها فآل بمنحنى المعرفة العلمية عندنا إلى أن يصبح ذا اتجاه متنازل من البداية إلى الغاية: كلما ازداد سلطان الكلام والفقهاء قل سلطان العلماء في العلوم التي يمكن أن تكون ذات دلالة في ما يتلكم عليه هذا الأمي بما في ذلك في الفلسفة والمنطق ناهيك عن علوم الطبيعة. فقد كان الكندي في بداية القرن الثالث أعلم من أكبر فيلسوف في نهاية القرن السادس. أما الكلام فهو تزايد فيه تبن التشقيق والتنفيق وقل منه التبر والعبر.
ذلك أن الهذر الكلامي والتشقيق الفقهي ليس لهما من ثمرة إلا تكبيل العقول والإرادات وقتل كل إمكانية للإبداع الفكري والعلمي وحتى الخلقي. وذلك كاف دليلا على أن التخمينات لم تكن بهدف العلم بل فقط بهدف الإفحام الجدلي والتكبيل الفقهي تماما كما كان الشأن في الفكر اليوناني قبل أفلاطون وأرسطو وبعد أن انحط في التاريخ القديم المتأخر. لذلك فإنه يمكن القول إن جالينوس كان عالما رغم خطئه في هذه الحالة وإن كان الغزالي كان مجرد مجادل رغم إصابته في هذه الحالة. فالأول كان يضع فرضيات بهدف المعرفة العلمية ويتثبت منها ليؤسس نظريات والثاني كان يقتصر على تخمين الممكن المخالف دون أن يحوله إلى فرضية للاختبار ومن ثم لتحويلها إلى نظرية علمية.
ولا يهم حصول الخطأ من الأول والصواب من الثاني في هذه الحالة العينية: فالنظريات العلمية هي بالطبع حلول مؤقتة لقضيا محددة وأجوبة معينة لأسئلة دقيقة ومن ثم فهي حتما سيتبين أنها خاطئة بنحو ما ولا بد من تجاوزها إلى ما هو أفضل وبذلك يتأسس النسق العلمي التراكمي وهو ما لا يمكن أن يكون من جنس تخمينات علم الكلام التي لا يتراكم فيها إلا التضخم الكلامي تماما كما يحصل في التضخم المالي حيث تفقد العملات قيمتها التبادلية ويفقد الكلام في الكلام قيمته المعرفية. ومن لم يفهم الفرق فهو لا يدرك معنى العلم ما هو. ويكفي أن يقرأ هذا الأمي كتاب جالينوس في نظرية العلم من خلال تحليل العلاقة بين المنهج الاستناجي والمنهج الاستقرائي في العلوم حتى يفهم الفرق بين العقلانيتين.
إن جالينوس يعتبر عالما حتى عندما يخطئ لأنه يحاول أن يختبر فرضياته ليعلم لم هو لم يصب. بل إني أضيف ما قد يستغرب له هذا الأمي أكبر الاستغراب رغم كونه يكرر كالببغاء في دروسه المنطقية أن القضية لكي تكون قضية ينبغي أن تكون خبرية فتقبل التصديق والتكذيب دون أن يستنتج مها ما ينبغي استنتاجه: سلبا بنفي كل إمكانية لتطبيق هذا المعيار في الكلام –لأن الغيب لا يمكن أن نخبر عنه إلا تسليما إيمانيا بنقل ما جاء في القرآن لا إيقانا علميا-وإيجابا للفصل بين العلمي واللاعلمي. وإذن فجالينوس كان عالما لأن فرضياته كانت قابلة للتكذيب والتصديق وهو قد وقع في الخطأ لما تكلم على ما لم يكن حينها قابلا للتجريب وهو سيصبح قابلا له بخلاف قضايا الكلام فهي لن تصبح أبدا: لأنها من الغيب المحجوب حتى على الأنبياء. تخمينات الكلام لا تقبل التصديق ولا التكذيب لأنها ليست خبرية إلا شكلا ما دامت لا تقبل المحاكمة بمعايير موضوعية يجعل التصديق والتكذيب ذوي معنى وقابلين للتحقق فضلا عن كونها بمتقضى كونها عقدية لا تقبل إلا التصديق الإيماني الذي يلغي الوجه الثاني أعني التكذيب العلمي المشروط في المعرفة العلمية. لذلك فالغزالي فيبقى مجادلا رغم إصابته في هذه الحالة لأنه لم يكن ينوي حتى مجرد النية أن يعلم هل هو مصيب أم مخطئ إذ المهم عنده كان أن يثبت بالممكن المرسل التشكيك في الحاصل الفعلي القابل للمحاكمة الموضوعية.
المعرفة العلمية الحقيقية ما محدداتها؟
والآن فما محددات المعرفة العلمية الحقيقية؟ طبعا لا تنتظر من متكلم أن يفهم هذا السؤال: فكل المدور عنده كعك. لذلك فإني كنت دائما أعجب لصبر أستاذنا الكبير ابي يعرب مع هذا الرهط من المجادلة إذ يحاول أن يفهمهم ما ترفض الأهذان الجامعة حتى جهد السعي لتصوره ممكنا. ولما فهمت أنه لم يكن يتوجه إليهم بل إلى من غرروا بهم من شباب الأمة وشاباتها فهمت القصد فأردت أن أدلي بدلوي فأكون له عونا في ما يوليه بعض وقته من عمله الدؤوب. وذلك مني عرفان بما أدين به له: لكن علم العلم وتاريخه (=الإبستمولوجيا) ليس في متناول ذوي الثقافة التقليدية مهما فعلنا بسب ظنهم أن المعرفة هي تكديس الشواهد والتحشيات عليها. لا يفهمون أن العلم هو علاج المشاكل وحلها بالحلول التي يتم تجاوزها بمجرد أن تبين التجربة فشلها فتكون الأفكار مثلها مثل الكائنات الحية مائتة. وكل الثقافة التقليدية تدور حول ما يقبل التحقق منه ومن ثم فهو لا يقبل التصديق ولا التكذيب بل يبقى أبد الدهر مخضا للأقوال التي تفسد الأفعال وعقول الرجال لأنها موميات لا تترك للحياة من سبيل. وليعلم أنه لا يوجد ما هو أسخف من هذا النوع من المقارنات إلا ما أشرنا إليه من اكتشاف قوانين العالم بشرح النصوص. ولأضرب له مثالين:
1- أحدهما يتعلق بطبيعة الفرق بين التصورات العلمية والتهويمات الكلامية ومعيار التقويم الموجود في الأولى والمعدوم في الثانية.
2-والثاني يتعلق بطبيعة الفرق بين العقليات والمقاصد العلمية والذهنيات الخرافية والجدلية وثمرة التفريق بينهما في دور الأمم التاريخي.
وطبعا فليس هو المقصود بهذا الرد بل هو حتى لا يغتر بهم الشباب فيبقى بعيدا عن ساحة المعركة الحقيقية مع الأعداء: النهضة العلمية والحضارية بشروطها الحقيقية مشروطة بالتحرر من التخريف ومرض الفتن وزيغ القلوب. وسأقدم المثال الثاني على المثال الأول لأنه هو الأساس لصلته بما يحدد البارادايم العلمي أو إن شئنا بأفق الفهم الذي بمقتضاه تتحدد معاني الأشياء والتصورات ومنها المثال الأول:
المثال المحدد للفرق بين العقليات: فمقارنة الشك المنهجي في المنقذ من الضلال بالشك المنهجي في تأملات ديكارت التي دأب عليها الكثير (ومثلها مقارنة تهافت الفلاسفة بنقد العقل الخالص وقد لا يخلو فكر شيخهم النشار من مثل هذه المقارنات) ليس لها من داع إلا اسم الشك. ولكي يفهم المتنمرون ذلك فعليهم أن ينظروا في ما أدى إليه كلا الشكين لأن معاني الأشياء بخواتمها: فالأعمال لا تقاس بالتأويلات اللاحقة عند القاعدين وهم يكتفون بتعويض عجز الحاضر بتمجيد الماضي كذبا لا يصدقه التاريخ العلمي والحضاري. ولو صح هذا المعيار لكنا أسياد العالم: لأن مثل هذا التأويل يجعلنا أصحاب الطليعة والريادة في كل شيء بمجرد شرح النصوص في كل شيء! لكن بالأقوال لا بالأفعال !
أما الحقيقة فهي أن الغزالي يبحث عما ينقذه من الضلال ولا يهمه العلم ولا العالم وذلك لأنه بخلاف ما يطلب القرآن الكريم ترك الآفاق والأنفس وأراد أن يعلم الذات والصفات أعني المتشابهات أي ما لا يمكن أن يعلم بنص القرآن وبفعل الواقع. وديكارت يبحث عما يؤسس عليه العلوم ليكون الإنسان سيدا للعالم ومالكا له مكتفيا بجعل الإيمان بوجود الله الذي أثبته بالدليل الوجودي الركن الركين لنظامه الفكري ثم وضع قوانين ليكون الإنسان قادرا على ما كلف به: الاستخلاف فكان بذلك أقرب إلى فهم رسالة القرآن من كل المتكلمين ولعله أكثر منهم إسلاما للواحد القهار لأنه لم يدع يوما أنه بديل منه في تحديد عقائد الناس ولا كان ذلك من مشاغله !
لذلك كان حل الغزالي الهروب الصوفي ليس له وحده بل لكل الأمة التي صارت أضحوكة العالم ومرتعا لكل معتد وكان مآل الثاني تأسيس الثورة العلمية الحديثة فلسفتها وأساسها الرياضي. ومع ذلك لا زلت تجد من يدعي أن ديكارت سرق كل أفكاره من الغزالي حتى زعم أحدهم أن أبا يعرب قد قال إنه رأي بأم عينه تعليق ديكارت على المنقذ في المكتبة الوطنية بباريس ! وطبعا فذلك لم يحصل قط وحتى لو قرأ ديكارت المنقذ فذلك لا يمكن أن يعني شيئا. فالفكر المبدع لا يبدع بالسرقة فضلا عن كون العملين لا وجه للمقارنة بينهما. وآمل أن يتخلى المختصون في العلوم من ناشئتنا-وقد يكون لأخ الطائي منهم -أن يفرغوا للعلم بدل تاريخه حتى لو كان صحيحا وليس مزيفا وأن يتخلوا نهائيا عن العقلية الدفاعية التي هي ليست اعتزازا حقيقيا بماضي الأمة بل تشويه لهذا الماضي وطلب ما ليس فيه بآلية الإسقاط التأويلي السطحي للأقوال التي لا يمكن أن تكون نظريات علمية من دون شروطها.
المثال المحدد للفرق بين التصورات من حيث هي مفهومات علميةBegriff لا تمثلات نفسية Vorstellung. فقد رأيت بلال في دروسه المنطقية البدائية يتكلم على التصورات دون أن يتصور حقا معناها ولا مبناها. فخرافة المقارنة بين ما يقوله إخوان الصفا أو حتى ابن خلدون مثلا حول ما يسمى بتواصل الآفاق الطبيعية من الجماد إلى الإنسان مرورا بالنبات فالحيوان. فكلام ابن خلدون مثلا على التواصل بين نهاية أفق الحيوان (القرد) وأول أفق الإنسان (الإنسان البدائي مثلا) وآخر أفق النبات (النخل) وأول أفق الحيوان (الحلزون الأدنى مثلا) جعل الكثير يذهب إلى إدعاء السبق عندنا بالقياس إلى نظرية التطور الداروينية: والعجيب أنك تجد هذا الهذر حتى عند من يكفر القائلين بالتطور إذ يكفي إثبات السبق حتى في ما يظن خاطئا وعلة للتكفير !.
وطبعا فهذا ليس إلا تخريفا عديم المعنى وعلته عدم القدرة على تصور التصورات العلمية ما هي. فما يقوله ابن خلدون واخوان الصفا لا علاقة له بما يقوله داروين. ويكفي لفهم ذلك أن نقارن مفهوم تواصل الآفاق بمفهوم التطور العضوي. فداروين عالم يمتحن فرضية بالبحث في أدلتها التجريبية والبقايا الإحاثية وذانك يحكيان رويات عن تخمينات موجودة منذ القرن السادس قبل الميلاد ! لكن الأميين يجدون الاكتشافات في كل تخريف لجهلهم بالتاريخ الدكسوغرافي وبأن السبق الذي يحلمون به ليس إلا دليلا على جهلهم بتاريخ الأفكار وبمفهوم العلم. والفرق بين من ناحيتين:
الأولى هي أن كل ما يتعلق بهذه المسألة عند إخوان الصفا أو عند ابن خلدون من مبتذلات المعرفة القديمة التي تمتلئ بها كتب الدكسوغرافيا.
والثانية هي الأهم ومفادها أن من يقول بهذا الكلام لا يفهم المقصود بالثورة الداروينية حتى لو سلمنا بعدم الفرق بين التخمين والفرض العلمي.
فالمعلوم أن نظرية تواصل الآفاق القديمة في ما كان يسمى عالم ما دون القمر مبنية على نظرية ثبات الأنواع فيه لأن الصيرورة لم تكن تطورية بل دورية بصورة تحاكي بثبات صروها ما يزعمه علم العصر من قدم عالم الأفلاك المحاكي هو بدروه لعالم العقول. ومن ثم فاتصال الآفاق بين النبات والحيوان والإنسان أمر سكوني وليس ناتجا عن التطور: أي إن ذلك هو كذلك بصورة لا تتوقف عن التكرار من دون أن يكون أحد الآفاق ناتجا عن تطور ما هو دونه تعقيدا وتكيفا مع المحيط. أما نظرية التطور فأساسها نفي ثبات الأنواع والقول بكونها حصيلة تاريخية غير ثابتة تنتج عن محددات التكيف الذاتي للعضويات في صلتها بمحيطها.
ومن ثم فهذا التخريف ليس دليلا على السبق إلا بسبب الجهل وعدم الفهم عند مؤولي تاريخ العلم من دجالينا الحاليين وحتى إخوان الصفا رغم خلطهم الفكري وابن خلدون رغم خلطه الغث بالسمين أحيانا فهما بريئان من هذا التحريف: فهما لا ينكران أن هذه التخمينات موروثة عن الأمم السابقة لأنهم لم يكونوا معقدين مثل هؤلاء الكذابين بل كانا يعترفان بما هما مدينان به لغيرهما. وهذا المثال لم نضربه بالصدفة: فكل ما يزعم من إبداع المتكلمين إذا لم يكن ذا أصل مماثل في المدرسة التي عادة ما تقع المقارنة معها لإثبات عدم التأثير اليوناني ومن ثم الخصوصية المزعومة فإن البحث في تاريخ الأفكار يبين أنها ذات أصول في المدارس القديمة الأخرى مثل الرواقية (كنظرية الجوهر الفرد أو نظرية الخلاء إلخ...) أو غيرها لأن الفكر القديم لم يكن مقتصرا على المدرسة الأفلاطونية الأرسطية التي يكاد فكرنا الفلسفي أن يكون منحصرا في مدونتها.
وفي الحقيقة فإن المتكلمين لم يكونوا إلا حاطبي ليل: زادهم كله من الدوكسوغرافيا اليونانية والإسرائليات والصابئيات والمجوسيات التي هي آخر مراحل الفكر القديم الذي اجتمع في طحين فكري هو الفكر اليوناني المنحط في المرحلة المتأخرة من التاريخ القديم مع كل تهويمات الخيال في السعي للدحض المتبادل بين المتجادلين. فلا نظرية الجزء الفرد ولا نظرية الزمان ولا نظرية المكان ولا نظرية الخلاء بالأمر الذي أبدعه المتكلمون بل هي كلها دون استثناء من مبتذلات مدارس كانت معارضة للفلسفة المشائية الأفلاطونية قديما وظلت كذلك عند المتكلمين في معارضتهم للفلاسفة المسلمين. وهي في كل الأحوال لا علاقة لها من بعيد أو قريب بالقرآن الكريم والسنة الشريفة اللذين من المفروض أن يكونا معين الكلام.
وهذا طبيعي. فالفكر عامة والفكر العلمي خاصة ليس فيض خاطر ولا لعبة يمكن أن تنشأ كطلقة بارودة في يد بدوي تصور نفسه عالما لأنه يتلاعب ببعض قواعد منطق كانت من مبتذلات القرن الرابع قبل الميلاد. لا بد فيه من التراكم التاريخي الذي لا يكفيه جهد أمة واحدة فضلا عن بعض الأجيال من الأمة الواحدة حتى لو كانوا فحول المتكلمين والفلاسفة ناهيك عن متكلمي آخر الزمان الذين لم يتجاوزوا بعد المرحلة الأولى من دراساتهم الجامعية. وجهد أمتنا لم يسهم فيه المتكلمون بل هو ثمرة جهدين متضافرين:
1- ففي العلوم التي تسمى ظلما علوما نقلية لكأنها ليست ثمرة البناء العقلي خلطا بين مضمونها (الذي هو نقلي حتما) وشكلها (الذي هو عقلي حتما) كان الدور لعلماء الدين من غير المتكلمين وما يتبع تلك العلوم الدينية غير الكلامية مثل العلوم الأدوات وعلوم التفسير والحديث والتاريخ.
2-وفي العلوم التي تسمى عقلية ظلما لكأن مضمونها ليس متسمدا من المعطيات التجريبية التي هي نقل لما في الطبيعة من انتظامات تصاغ في شكل قوانين فرضية وكان الدور فيها لعلماء العالم من غير الميتافيزيقيين أعني الفلسفة الحقيقة وما يتبعها من علوم كالرياضيات والفلك خاصة.
وكل هذه العلوم إذا ما استثنينا مضمونها الذي هو ثمرة التاريخ الإنساني في المجالين الديني والعلمي واصلت الجهد الإنساني المتقدم عامة وخاصة ما كان منه يونانيا لأنه هو بدوره كان زبدة ما توصل إليه العلم المصري وعلم ما بين النهرين حتى في العلوم الأدوات (مثال ذلك أن علوم اللسان العربي أول ما بدأت اعتمدت على العلم الرياضي أعني التواليف كما في معجم الخليل وفي علمه لقوانين الشعر العربي). وكان للمسلمين في هذا الجهد الإنساني الكوني إسهام لأنهم كانوا فعلا مؤمنين برسالتهم التي هي كونية بالجوهر وتؤمن بأن العلم فعل إنساني كوني ولا دخل فيه للتعصب للجماعة.
ولأنهم اعترفوا بفضل غيرهم تعلموا بسرعة ولم يكن يعنيهم البحث عن الخصوصية التي هي مرض حديث نشأ بعد أن أصاب المسلمين ما أصابهم من عقد النقص بفعل تفتتهم وتحولهم إلى شراذم تابعة لغيرهم بسبب الفتن الكلامية وما آلت إليه من القضاء على الإمبراطورية التي تصور صاحبك الأمي أننا نجهل متى بدأ انتشار سرطان الكلام فيها لخلطه بين الكلام الهامشي وشروعه في التأثير مع تكون الكلام السني. لذلك فهم قد فقدوا فرصة المدة الكافية لتأثل الإبداع النظري فلم يكونوا الأصل في النظريات العلمية الطبيعية وخاصة في تغيير البارادايم إلا نادرا: ولا عيب في ذلك ويمكن أن يصبح لنا دور في العلوم أكبر إذا بدأنا فاعترفنا بهذه الحقيقة وشرعنا في إصلاح المؤسسة التعليمية لنخلصها من الدجالين الذين يخلطون بين الاعتزاز بالنفس والتغرير بها مرة أخرى.
إن البحث عما ليس هو موجود عندنا بإسقاط الموجود عند غيرنا على ماضينا تعويضا كاذبا بالأقوال لما لا يعوض إلا تعويضا صادقا بالأفعال -إذا اعترفنا بواقعنا وشرعنا فعلا في تغييره-هو من العوائق التي تحول دون صنع المستقبل والاكتفاء بتضخيم الماضي بما ليس فيه فيعيش شباب الأمة على علف الدجالين: لو فعل ذلك اليابانيون والصينيون والكوريون وحتى الماليزيون لبقوا مثلنا يمشون القهقرى لا يملأ فضائياتهم إلا الدجال وريث الدجال خالف عن سالف ! وينبغي أن نفهم أن عقلية أصحاب هذا الكلام لا وجه للمقارنة بينها وبين الفكر الذي يقود مدرسة التاريخ العلمي للعلم ممثلة بالأستاذ رشدي راشد مثلا أو حتى تاريخ بعض علماء الاستشراق.
ذلك أن الاستشراق هو بدوره لا يخلو من الدجالين كصاحب كتاب الإعجاز العلمي في الكتب السماوية الذي فرغ عندنا بتلاميذ مدرسة الإعجاز العلمي من مخرفينا: الأستاذ رشدي راشد يقتصر على ما كتب باللسان العلمي فيبحث في علوم فلسفية ذات أساس رياضي وفلكي يواصل العلم اليوناني وقد يتجاوزه. لكنه يبقى في إطاره المعرفي أعني في نفس الباراردايم العلمي الذي كان سائدا في الشرق والغرب على حد سواء منذ القرن الرابع قبل الميلاد أعني منذ نشأة النسق الرياضي التام في هذا البارادايم (أصول أقليدس). وعلينا أن ننتبه إلى أمر يغفله أصحاب هذه التأويلات: فليس من شك أن عقولنا ليست بالطبع قاصرة وليس من شك في أننا قد أسهمنا بنصيب وافر في الفكر الإنساني لكن ذلك لم يكن كما يزعم النشار ومدرسته بالقطع فحسب وبالمدرسة الكلامية دون المدرسة الفلسفية. فهذا التصور هو عينه الذي جعل نظام التعليم الكلامي والفقهي العائق الأساسي الذي حال دون تطوير الفكر العلمي لكونه لا يؤمن بالتعدد والتكامل بين المدارس الفكرية. إنه الموقف المستثني للتعدد بتطيبق منطق الفرق الكلامية على المدارس العلمية فيحول من ثم دون ظهور ما يتكلم عليه الأستاذ رشدي راشد. فالفكر العلمي حوصر بحيث إنه اقتصر على التكوين الفلسفي العصامي لقلة من جنس البيروني والحسن بن الهيثم والطوسيين وقبل الجميع ابني قرة الجد والحفيد.
أما ما يزعم في المدرسة الكلامية فهو من جنس زعم وجود علوم البتروكميائات لمجرد وجود موادها الخام في أرضنا. فليس من شك أن الخام يتضمن مادة ما آلت إليه البتروكيمياويات بعد حدوث الثورات التقنية والصناعية التي جعلت ذلك ممكنا. والمواد الخام موجودة في أرضنا دون شك لكنها لم تكن لها الدلالة التي صارت لها الآن ولم تكن لها الوظائف التي أصبحت عليها بسبب حصول شروطها أعني الثورة العلمية والصناعية والتقنية وخاصة الحضارية التي تجعل العمل المبدع ممكنا. ولا يكون ذلك إلا بفضل التخلص النهائي من سلطان الفقهاء والمتكلمين الذين يبحثون في المتشابهات بدل البحث في ما اعتبره القرآن مطلوب المعرفة أعني الآفاق والأنفس. ليس يمكن للعلم أن يوجد حقا في مثل هذه البحوث في الغيبيات فضلا عن كونها تحول دون تحرير العقول والإرادات تحريرهما الذي هو جوهر الثورة القرآنية وعلامتها إلغاؤه للكنيسة والكهنوت.
تخامين المتكلمين لا تختلف عن البترول الخام: يوجد في الصحراء ولا بد له من علوم وافدة تحوله إلى ثروات بتكريره وتطبيق التحويل الضروري حتى يتحقق المطلوب: إنه الرمل المتراكم على ثروات العقول العربية الإسلامية ولا بد من أن تذريه رياح الإصلاح التربوي والعلمي. ففكر المتكلمين ككل الأساطير والتهويمات يمكن أن يعد مادة خاما ليس لها بذاتها إلا معنى التعبير عن طلب الفهم دون عودة على الذات لفهم شروط الفهم. لذلك اقتصر معناها على تأويلات وهمية يزعمونها دالة على السبق في ما لو كان موجودا حقا لحقق ما حققه عندما وجد عند من وجد عندهم. فكلام بلال الدجال عن اكتشافات خاصة بالمغناطيس في الكلام من المهازل. ذلك أن الظاهرة الطبيعية للجذب والدفع المغناطيسيين لم تغب كظاهرة عن بال البشر. فالصينيون اكتشفوا البوصلة من القدم واستعملوها. لكن لا أحد اكتشف قوانين المغناطيس الرياضية قبل اكتشافها الفعلي في أوروبا بعد الكثير من الاكتشافات الشارطة له. لذلك فكلام المتكلمين على المغناطيس لا علاقة له بعلم المغناطيس الذي لم يكن ممكنا من دون المعادلات الرياضية المعقدة التي تحققت خلال ما يقرب من ثلاثة قرون من عمر العلم الحديث وكانت تفترض كل التقدم الرياضي والنظريات الفيزيائية التي نشأت في هذه القرون الثلاثة.
ليس يوجد ما يقال لمن يريد أن يواصل التدجيل على أمته ليحول دونها وفهم ما ينقصها. فهو يريد أن تبقى في نوم التغني بالماضي المزيف بمثل هذه الإسقاطات التي لا تغير من واقعنا المرير شيئا يريدها كذلك إلى يوم يبعثون. وإني لأعجب من أمة تعتبر منصفين المستشرقين الذين يهدهدونها بمدح مثل ما يكتب عن عمق التخاريف الكلامية والصوفية ولا يفهمون التاريخ العلمي للعلم الوحيد الذي كان للمسلمين فيه السهم المحترم وهو أمر قابل للعلم الموضوعي ولا حاجة للمستشرقين مغرضين كانوا أو منصفين أعني أغنية الدجالين تدعيما لتخريفهم برأي المزعومين منصفين واتهاما لخصومه برأي المزعومين مغرضين: أعني العلوم الفلسفية مواصلة لمن تقدم عليهم وتجاوزا لبعضها والعلوم النقلية التي أبدعوا فيها بفضل ما كانت النخب التي أسلمت سواء كانت عربية أو غير عربية المحتد تعلمه من العلوم الأدوات (المنطق والرياضيات) وعلمته للمسلمين الذين كانوا منفتحين فلم يزيلوا مدارس العلم المتقدمة على نزول القرآن بل أفادوا منها. لكن متاهات الكلام التي لاتقدم بل تؤخر وما تولد عنها من فتن حول مدارس العلم إلى محاضن الفكر المنغلق والصراع الطائفي فانتهت شروط النهوض حتى تمكنت بيزنطة العجوز من الصمود أمام الإمبراطورية الفتية إلى نهاية التاريخ الوسيط.
وكل من ينكر أن أهم العلوم الأدوات للعلوم النقلية تحققت منذ منتصف القرن الثاني بفضل هذا التلاقح الحضاري يكون من المعارضين للتاريخ الموضوعي لحضارتنا: أعني علوم اللسان العربي. فالأمم يمكن أن تعيش على الكذب على نفسها ما شاءت نخبها أن تهدهدها حتى تبقي على سلطانها الكاذب. لكن ما يجري حولها لن ينتظرها وقد يجرفها إذا قبلت بأرجوحة المهد الكلامي بل هي قد جرفتها وهو معنى ما حل بنا من انحطاط طيلة القرون المظلمة من تاريخنا: كذلك لم ينتبه أهلنا في بداية النهضة إلا بعد أن دكت الحصون جيوش الغرب بالعلم والعمل على علم. ولا أظن أننا تداركنا شيئا من تخلفنا بل إني اعتقد أن جامعاتنا وموقع الأصلين وكل ما جانسه معه أو ضده أكثر تخلفا من الحال التي كانت عليها الزيتونة والأزهر لما فتح نابليون مصر وبعدها بقليل فتحت فرنسا الجزائر ثم تونس والمغرب وتقاسمت مع انجلترا كل العالم الإسلامي الذي كانت خاصته هم هذا الصنف من علماء السوء.
وإذا كان كلام هذا الأمي الذي يجد حتى نظرية النسبية في ثرثرة المتكلمين وحتى غزو الفضاء هو ما سيجابهني به في ترقيماته المتوالية والموازية لترقيمات شيخه الملونة فليهنأ. فهو طبعا غالبي لا محالة فضلا عن كوني تجاوزت مرحلة التعرية تأسيا بطريقة أخي حليم لذلك فلن أعود إلى تخريفه بحسب ترقيمه. فما عندي علم أجابه به مثل هؤلاء الجهابذة الذين يجعلون من نقلة الصاد في حصرم إلى حرمص مسألة علمية يخصصون لها حصة تأمل فكري عميق وقد يكون الفريق العلمي كله قد اجتمع لحسم الأمر في إصلاح هذا الخطأ الفادح الذي وقعت فيه ! لكني أعلم أن مثل تخريفهم كررته مدارسنا التقليدية منذ قرنين فلم يزدنا إلا تخلفا حتى صار بعض الحفنات من شذاذ أرووبا قادرين بالعلم الحقيقي والعمل على علم وليس بالتخريف على استعمار كل العالم الإسلامي من المغرب إلى اندونيسيا.
فهم قد احتلوا كل العالم الإسلامي إما مباشرة بأخذ الأرض-بدءا بأرض الإسراء والمعراج التي كان على البيطري الذي يلوم أمه ويخرأ من فمه أن يهتم بتحريرها بدل الكلام على الماعز والترطيط وترك ما يترك وراء الباب ليأكله بعد أن يرجع إلى متروكه يتفقده ككل مجرم يراود على محل جريمته-إلى أخذها بصورة غير مباشرة بفضل علمائهم وخبرائهم في كل الاختصاصات بما في ذلك اختصاصات الحضارة العربية الإسلامية التي يتكلم فيها هؤلاء العامة بمدح الماضي بما ليس فيه بدل علمه على حقيقته للتصدي إلى أهوال ما ينتظرنا في المستقبل حيث سيتقاسم العالم الإسلامي قوى العالم الناهضة بالعلوم لا بالتخريف أعني: الهند والصين وروسيا وأوروبا الغربية فضلا عمن يحتله بعد أعني أمريكا وإسرائيل. فخرفوا ما شئتم وستأخذ جائزة نوبل دون شك لأني سمعت أنهم أنشأوا جائزة في التخريف الكلامي: ولن نتخلف سنحضر لنهنئك ونعترف لك صاغرين بأنك صاحب السبق في كل العلوم وما كنا ندري. ولعلك تستضيفنا بكرمك الحاتمي فتآكلنا أوراق الفجل الذي تزرعه وتشاربنا العصائر التي تعدها بالموليناكس ! لكن كيف الوصول إليك وأنت تكون عندئذ قد انتقلت إلى خارج المجرة بفضل تطبيقات علم المتكلمين الفضائية ؟!
التعليل الخلدوني لأمراض العمران
ولكني استسمحك بعد ما عرضته على القراء مما أعتبره ضروريا لفهم أصل المغالطات كلها في تغني الدجالين بماضينا لينسونا حاضرنا ويعطلوا الاستعداد لمستقبلنا أريد أن أشير إلى أمر قد لا يرى الكثير علاقته بما نحن بصدده رغم كونه جوهر المغزى من الثورة الخلدونية كما عرضها استاذنا المرزوقي في بعض الأمثلة من كتاباته الفلسفية ذات الموضوعات العينية. فالتشخيص الخلدوني هو في الحقيقة من جوهر المشكل المطروح لعلتين فضلا عن كونه عين الحيزين اللذين يظهر فيهما أثر العلم في وجود الإنسانية الفعلي عندما يكون علما بحق ظهورا يلغي ما تشكو منه أمتنا من أدواء علتها فساد صورة العمران ببعديها أعني 1-النظام التربوي و 2-النظام السياسي وأثر هذا الفساد في مادة بعدي مادة العمران أعني نظام 1-الفعالية الرمزية (الثقافة) و 2-نظام الفعالية المادية (الاقتصاد) بلغة أبي زيد. ولتحديد المقصود بأثر العلم أعني المحدد الحقيقي لعلمية الفكر والنظريات أي أثرها في التاريخ الفعلي للأمم سنقيس ما يحصل في الوجه الرمزي من صورة العمران ومن مادته أعني علامتي القوة الرمزية (التربية والثقافة) بما يحصل في الوجه الفعلي من صورة العمران ومن مادته أعني علامتي القوة الفعلية (السياسة والاقتصاد):
فأولا المقيس عليه هو من علامات عدم أثر هذا العلم المزعوم في العقليات الحاكمة لتاريخنا الفعلي سياسيه واجتماعية وخلقيه أعني في الوجه السياسي من صورة العمران : فسلطان الاستبداد الفعلي علته فقدان السلطان النظري على الأشياء الذي هو بدوره أصل كل استبداد على الناس (الفقر المادي والتخلف الاقتصادي).
وثانيا المقيس هو جوهر المشكل لأنه عين الاستبداد الذي لسلطان أصحاب هذا العلم الزائف البديل من السلطان الفعلي على الأشياء بالسلطان على الضمائر (الفقر الرمزي والتخلف الثقافي).: فقدان السلطان الرمزي على الرموز يصبح فقدانا لكل دور في التاريخ فتصبح الأمة في ذيل القافلة الإنسانية.
واجتماع الوجهين هو الانحطاط ولا شيء غيره. وذلك ما استسمحك فيه. أريد أن أبين بقيس ما يجري في البعد التربوي من صورة العمران على ما يجري في البعد السياسي منها أن الحمق الذي يولد الاستبداد السياسي هو عينه الحمق الذي يولد الاستبداد التربوي وأن الاستبدادين هما العلامة القاطعة على الانحطاط الحضاري لكونها يؤدان ضرورة إلى الفقر المادي والرمزي ومن ثم إلى موت الثقافة والاقتصاد: وهذا قانون خلدون لا جدال فيه استخرجه الأستاذ أبو يعرب من المقدمة بعد أن حرر قراءتها من الثرثرة التوظيفية. والاستبداد السياسي أدى إلى ضعفنا المادي في السياسة والاقتصاد والاستبداد التربوي أدى إلى ضعفنا الرمزي في التربية والثقافة.
أصبحت الأمة بسبب تخريفكم عالة على غيرها من الأمم في حياتها المادية (يستورد المسلمون كل الأدوات والآلات بما في ذلك ما نتواصل به الآن) والرمزية (يستوردون كل المؤسسات المدنية والتربوية والفكرية وحتى المبدعات الجمالية والروحية) ولم يعد أحد يعيش على ما ينتجه المسلمون لا ماديا ولا رمزيا حتى في أدغال الصومال. وقد تعجب إذا قلت لك إن تبعيتنا الرمزية باتت أكبر وأشد من تبعيتنا المادية لأن رد الفعل أو التبن البديل الذي ينتجه المتكلمون الحاليون أو يحيونه فروعا عن أصول لم يعد يتضمن السعرات الحرارية التي يحتاج إليها غذاء الروح فلا عن البدن. لم يعد الشباب ذكورا وإناثا يرضون بها. وإذا واصلنا على هذا النحو فإن النكسة ستصبح نكبة ثم هزيمة حضارية نهائية كما نراه يحصل في البلدان التي فقدت كل شيء فابتلعها الغرب لأن الصمود بالماضي كما مضى وحده لا يكفي. لا بد من معرفة وثقافة أخرى تستمد من المصدرين الحيين على الدوام لأن المعين الألهي ينبغي ألا يكون مقصورا على فهوم وحيدة هي ما يريد البلداء جعله زادا وهو لو كان مغذيا لما آل بالثورة القرآنية إلى ما عليه حال المسملين الآن:
فعلوم القرآن والسنة هي المرجعية الدينية الوحيدة وهي واحدة لأن ما صح من السنة هو تفسير الرسول للقرآن. وعلمها هو العلم العقلي ذو المضمون المستمد من التجربة الروحية الحقيقية التي أفسدها الكلام.
وعلوم الآفاق والأنفس مرجعية دنيوية الوحدية وهي واحدة لأن ما يصح من معرفة الأنفس هو فهم الإنسان للآفاق. وعلمها هو العلم العقلي ذو المضمون المستمد من التجربة الحسية الحقيقية.
وكل ما عدا ذلك تخريف. فخرفوا بما شئتم. لن يسمعكم الشباب الواعي بعد أن تبين جهلكم حتى بأبسط قواعد تخريفكم: تمضغون فلسفة غربية ميتة ولا تعلمون الفلسفة الغربية الحالية وتكفرون من سعى إلى التحرير الحقيقي من فساد الفلسفة السابقة ومن يسعى إلى اتحرر من طغيان الفلسفة الحالية ثم تعتبرون أنفسكم مدافعين عن الإسلام خسئتم فأنتم فاقدو أزلام فاقدة للأفهام. لكن الكثير ممن لا يرون البعائد قد يظن أن هذه المقارنة غير وجيهة بل إن الدراويش سيتخذونها ذريعة لرمي التهم ذات اليمين وذات الشمال كما يحدث دائما فيزعمون أني متأثر بالاستشراق الحاقد وجاهل بالاستشراق المنصف ليلحقوني بالأستاذ أبي يعرب الذي صار أحد سفهائهم يكنيه بأبي يغرب: فلكأن ابن خلدون هو أيضا مستغرب ! ولكأن ابن تيميه مثله مستغرب! ذلك أن هذا الوصف الخلدوني هو عينه الوصف التيمي لحال الأمة التي آلت بها جهمية الفكر الكلامي المتأخر وخاصة ذروتها في تصوف وحدة الوجود إلى دروشية الراقصين على الطنبور وكرامات الدجالين من عباد القبور. وعادة اتهام الخصوم في كل قضايانا ليست بالأمر الجديد. وبهذه العقلية سنبقى دائما في ذيل الأمم. وهي عادة سارية في كل منظومة تربوية وثقافية يستبد بها الخرافون والخراصون من الدجالين بعلم لدني أو عقلي وهميين إلى أن يكتشف أصحابها بعد فوات الأوان أن المخلصين ليسوا الدجالين من القادة الذين جعلوا الشعب عامة يصفق للمستبدين بأمره بمثل هذه المغالطات.
فبنفس هذه العقلية في الوجه المقيس عليه أعني السلوك السياسي والتحريري فسدت مادة العمران أي العنفوان المادي للأمة التي صارت نخبها تكذب عليها وتغذيها بالقوة الزائفة (الوجه السياسي من صورة العمران). فخرج الوطن العربي كله من سلطاننا رغم أن الأمر لا يبدو واضحا إلا في فلسطين والعراق وربما في الخليج. فبورقيبة مثلا اعتبره الدجالون في السياسة خائنا لأنه كان أدرى منهم بفن التحرير وبقوة الغرب الحقيقية وبكيفية التغلب عليه بأسلحته والبناء السياسي المحقق لشروط القوة المادية والعنفوان المبدع. لكنهم صاروا يرضون بأقل من عشر ما كان يمكن أن يتحقق لو فهموا كلامه على حقيقته. فأرضنا كلها دون استثناء مستعمرات من المغرب إلى العراق. والعلة أن هذا الفكر يهدد كل من يطلب طرق الخلاص الحقيقية فلا يترك أي إمكانية لأن تدرك الأمة مدى تخلفها وتخلف نخبها ومؤسساتنا العلمية والعملية وخاصة النخب القيادية التي استبدت بالحل والعقد.
فهذه العقلية الجهلاء والدهماوية العمياء هي مصدر كل بلاء. فقد خونوا كل من كان مدركا لعلل التخلف وعالم بفنون علاجها العلاج الشافي وداع للتعامل مع الأمور بمنطق لا يخلط بين الاعتزاز بالماضي والغرق في أوحاله: نسوا حكمة "صديقك من صدقك" وصاروا يفضلون الرقص بالضرب على أوتار العواطف. أبعدت القيادات النصوحة في كل المجالات وتقدمت القيادات الديماغوجية. فكان سلاح من استبد بمنزلة أهل الحل والعقد في المجال السياسي نصف قرن هو الكذب على الشعوب بما يزعمونه من قوة وتغن بالماضي إلى أن اكتشفنا خلال النكسة أننا ازددنا تبعية سياسية إلى حد عودة كل القواعد العسكرية وأصبحت كل النخب العربية أجيرة إما لليبرالية أو للصفوية. لذلك فهم يعادون من لا يتوقف عن التصدي لهذا المآل وما نتج عنه في هاتين النزعتين.
ولنأت الآن إلى الوجه المقيس أعني السلوك التربوي والعلمي وكيف أفسد الاستبداد التربوي مادة العنفوان الرمزي للأمة (الوجه التربوي من صورة العمران). فلا يزال من استبد بمنزلة أهل الحل والعقد في المجال المعرفي والديني يتزايد كذبه منذ قرنين حتى صار الهم هو إحياء فتن الماضي والحرب بين السنة والشيعة وبين الأشعرية والحنبلية إلخ... من الأمراض. وها قد بدأنا نكتشف أننا نزداد أمية وجاهلية حتى تطلبنت كل جامعاتنا وتصوملت كل مدارسنا الفكرية فأعادوا الشعوب إلى الجاهلية بمعنييها جهالة وجهلا. والغريب أن ذلك كله يجري باسم دين الكونية والعقل الذي حرفه الدجالون ليجعلوه دين الفتن والدروشة وباسم الغيرة على ثراث الأمة الذي حرفوه فحولوه إلى عائق الشد الدائم لحلول الماضي الفاشلة في كل الميادين: وما كان انفتاحا على الكونية تحول إلى مرض البحث الغبي عن الخصوصية حتى لو أدى ذلك إلى مصير الهنود الحمر.
وحتى تفهم الظاهرة التي يستحق صاحبك عليها جائزة نوبل فلتقارن تخريفه -من منطلق بعض التهويمات في مدرسة أبي هاشم المتأخرة بعد عبد الجبار والتي لا تعدو تفاهات من جنس "إن قلتم... قلنا..." بأي تخيل في الهواء أيا كان لإفحام الخصم وليس لوضع نظريات علمية وفي كل الأحوال فهي ليست من فكر المدرسة التي ينتمي إليها تأييدا لما استنتجه صديقنا محمد من المسألة الأولى أعني انتسابهم إلى الكلام غير السني-بتخريف مفسري القرآن الكريم بالإعجاز العلمي: الفرق الوحيد أنه يفسر الكلام بالإعجاز العلمي كذلك. فالمعلوم أن كل الاكتشافات التي يحققها غيرنا-وعنده نجد شروطها ونرى تحصيله لنتائجها في اقتصاده وثقافته وفي غزونا وغزو العالم والكون-يكتشفها المفسرون بمجرد التأويل لمعاني الآيات فيكتشفون كل شيء بشرح النصوص.
لا حاجة إلى أن توجد الشروط عندنا ولا النتائج لأن المتكلمين لا زالوا غير مدركين أن العمل فعل لا قول أو بصورة أدق هو القول القابل للترجمة إلى فعل حقيقي لكونه ليس تخريفا حول ما لا يقبل التعين في الحيزين المشار إليهما: فالعلم يصبح ممكنا بمجرد شرح النصوص وهذا الفهم معقول إذا جاء من ذي عقل منقوص. وطبعا لا تلمهم إذا كان ذلك لا يحدث إلا بعد أن يكون غيرهم قد اكتشفه: فهم لا يريدون أن يفشوا أسرار الإعجاز الذي اكتشفوه خوفا عليه من أن يسرقه عنهم علماء الغرب كما فعل ديكارت مع الغزالي ! ونفس التخريف يكرره فاقد اللب هذا وكان ينبغي أن يقنعنا بأكبر أدلته على ما يقول لكنه لم ير حاجة لذلك لبداهته: ألم تحدث الحداثة العلمية عندنا فصرنا سادة العالم نزرع اللفت والفجل ونصدر الموليناكس ؟ ومن جنس هذا التخريف في النهضة الوهمية بتخريف أبي سعدية نراه في عنتريات نجاد الذي صار بطلا عند هؤلاء الدجالين. والمثال ليس القصد منه نقد نجاد فهو آخر ما يعنيني بل بيان تخلف العقلية التي تحكم هذا السلوك النهوضي عند المسلمين من محمد على إلى صدام إذا قورن بما يحصل في الهند واليابان والصين وأوروبا بعد نكبات الحربين.
فبشعوب ما تزال كما نراها في العراء والأمية والتخلف المادي والروحي واعتمادا على دجالين كبار من الملالي أو من المتكلمين وعلى رضع في علوم الفيزياء تعلموها في مدارس الغرب وبتجهيزات أغلبها مستورد من السوق السوداء وبمساعدة كبيرة من الغرب ومن تلاميذ تلاميذه في كوريا الشمالية (التي يموت أبناؤها جوعا ليسبتد بمقدراتها متخلف ذهني) وباكستان (التي تغرق في الطالبانية) بدل الفراغ لشروط النهوض الحقيقية اجتمع على الأمة الاستبدادان في كل أقطار العالم الإسلامي مع أجندتين خفيتين للصفوية والصهيونية. ولعل أكثر الأمثلة دلالة ما نرى عليه الحال في إيران: فكل الديماغوجيا علتها استعادة مجد أنو شروان وليس عزة الإسلام. وليس معنى ذلك أن غيرها أفضل. لكن دعايتها جعلت الكثير يتصورونها في أفضل حال وهي في الحقيقة في أسوئها لأنها أكثر شعوب الإسلام تمثيلا للاستبدادين عندما يصبحان صورتين للتخفي المطلق بإظهار عكس حقيقتهما بخلاف الأنظمة الأخرى التي لم تعد عندها أي ورقة توت.
فها نحن نرى نجاد وأمثاله يغالطون الجماهير حول أسباب القوة والمناعة الحقيقية –كما يفعل المتكلمون بخصوص النهضة الفكرية الحقيقية-فيبشرون بصنع فوشيك لمغازلة الفخر الشعبي بالشبائه من القوة الوهمية المادية والرمزية ويباهون به ليلا نهارا ولما يتموه بعد مدعين أنهم سيدمرون به إسرائيل وينسون أنها تملك بعد أكثر من مأئتي رأس ليست بدائية كرأسهم لأنها تعتمد فيها على آخر ما توصل إليه العلم الغربي الذي هو في تصرفها فلا عن ثروات الغرب وحمايته: وما تكلمت إسرائيل عما عندها قط لأنها تعلم أن الكلام فعل وان وجود ما عندها فعلي وليس وهميا والأفعال غنية عن الأقوال وخاصة الكاذب منها كالعلم الذي يباهي به شيخ الدجالين عند مخرفيه من المتكلمين. وأكثر من ذلك فنجاد يدعي أنه مع تشافاز وبألاعيب ليس لها من غاية إلا إفساد الأمر على حركة النهوض الهادئة والتي هي بالطبع بطيئة وتحتاج إلى الصبر والعمل الدؤوب في صمت وتواضع سيغيران العالم ولا يدري أن علم علمائه المزعومين من مضامين المدارس الثانوية في هذا الغرب الغازي الذي لا يمكن الاستقلال من سطوته بمثل هذا الفكر الغبي مهما تدست الملالي والمتكلمين من المخرفين بالأولياء والصالحين والأيمة المعصومين أو المفوهين. وقد رأينا بعد عنتريات صدام (وناصر والقدافي كذلك) ما مآلها وما تبين بعدها: فالشعب العراقي تبين أنه لا يزال يعيش بمنطق القبلية والطائفية وبنفس هذه العقلية التي تحييها مواقع الكلام والفقه والتدجيل بصورة عامة. وصار الدجالون من المراجع والمتكلمين من المبشرين بالفتح المبين لجيش الصليبيين في أرض ما بين النهرين تماما كما فعلوا مع المغول وأوائل الصليبيين !
خاتمة
وساختم باستطراد استسمح الصديق الراجح والأستاذ المحمودي في الختم به رغم أني لم أكتبه إلا بعد الحوار وبعد المراسلة مع الأستاذ لأن مناسبته طرأت بعدهما فلم أبادلهما الرأي فيها.
فما يثلج الصدر حقا هو أن فراسة أستاذنا أبي يعرب وتوقعاته في شباب الأمة وشاباته تتحقق في الأغلب: فقد أشار في علاجه مسألة الوجود إلى نباهة الأخت الفاضلة شفاء. ها نحن نراها في الأخير كما عودتنا بأسئلتها النابهة والفاتحة حقا تطرح السؤال الجوهري بعد صلاة قيام دون شك لأن سؤالها كان في أولى ساعات الفجر. كان سؤالها متعلقا بما هو في الحقيقة الأصل الواحد الموحد لفروع السنة كلها (الماتريدية والأشعرية والتيمية بشرط أخذهما من دون ما طرأ عليهما من تحريف) لو تحرر المحرفون من الجدل الكلامي. فالقائل بالفطرة والقائل بالعقل لا يختلفان في الحقيقة إلا في كون الثاني لم يسأل نفسه عن القصد بالعقل ما هو ؟ فإذا كان يعني به الاستنباط الكلامي من حيث هو دليل صناعي فقد جعل الإيمان مشروطا بعلم الكلام ومن ثم فلكأنه حصر الدين في المتعاقلين أعني في المتنكر من الباطنية والمتفلسفين. لكنه عندئذ يكون بهذا الشرط قد أقدم على التكذيب الصريح للقرآن الكريم القائل بالميثاق مع أبناء آدم وهم في ظهور آبائهم ليشهدهم على أنفسهم شهادة فطرية غير مشروطة بعلم وهمي اسمه الكلام.
وإذا قصد به العقل من حيث هو عين فطرة الإنسان العقلية بالمعنى القرآني (أي التدبر والفهم والوعي والتفكر في خلق الله دون قياس صناعي بل التجربة الوجودية المعيشة) وذلك هو عين جوهره ككائن مكلف ومستخلف أي ما يحد به مفهوم الإنسان فإن المعنى يصبح واحدا بين كل المسلمين بل بين كل البشر ويكون ابن تيمية قد أدرك حقيقة المبدأ القرآني الشارط لكون الرسالة هي الرسالة الخاتمة والكونية ومن ثم المبدأ الذي يمكن أن يخلصنا من زيغ القلوب وابتغاء الفتنة مع تحقيق شروط الإيمان الواعي لأن نفي الكلام لا يعني نفي العقل بل هو عين العقل كما يحدده المحاسبي رحمه الله.
والله ورسوله أعلم.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام