|
|
|
دروس
في فلسفة الدين
دراسات
تساؤلات
القراء حوارات
مطبوعات
كتابات
ذات صلة
العجز عن الإدراك إدراك[1]
أبو يعرب المرزوقي
تمهيد:
من يسمح الشيخ وجوقه يظن الدفاع عن العقل والعلم الهدف الأول
والأخير للفرقة التي أسسوها. ومن يسمع إليهم سيتوهم الدين في
خطر لأني نفيت دور العقل في طور ما وراء العقل خلطا بين
التجاوز النقدي للوثوقية الميتافيزيقية وما يفهمون من عموميات
فكر ما بعد الحداثة. ها نحن إذن في حضرة أبطال يتصدون للذود عن
الأول بإطلاق قدرات الثاني: إنها عقلانية القرون الوسطى
الميتافيزيقية تعود في القرن الحادي والعشرين. لذلك فقد رأيت
أن أفضل عنوان يمكن أن يساعد على فهم القصد مما يتصورونه هجوما
على العقل يعرض العقائد للخطر هو حكمة الصديق " العجز عن
الإدراك إدراك".
ويمكن أن نعتبر هذه المحاولة مجرد تحليل لهذه الحكمة ليس فكر
الشيخ فيها إلا عينة ممثلة لضديدها: وبضدها تعرف الأشياء. لذلك
ومرة أخرى سأسمح لنفسي بشكر الشيخ وجماعته للداعي الذي وفروه
حتى أعالج ما كنت قد أجلته إلى حين وآن الآن أوان علاجه دون
إبطاء رغم أن الكثير من محاولاتي السابقة شرعت بعد في العمل
المتقدم على هذه المجادلة كما نبينه بنصين انتخبناهما [2] من
عملين سابقين لبيان طبيعة التجاوز الخلدوني التيمي للفكر
الكلامي الفلسفي التقليدي لنقله من علم الكلام إلى كلام العلم
وطبيعة أخذ فكرهما منطلقا مع المحافظة على موقفي النقدي من
أعمالهما.
إن عنوان "إنارات" الذي وسمت به تعليقي على آراء الشيخ البوطي
أرائه في سهمي من الحوارية التي دارت بينه وبيني حول أزمة
أصول الفقه[3] لم يعد مناسبا إذ يبدو غير مفيد في الكلام مع من
يزايد في العقلانية وفي الغيرة على الأمة. فالشيخ البوطي حتى
وإن جاء في تعليقه ما يقارب القول بخروجي من الملة[4] لم يزايد
علي في العقلانية ولا في الحرص على الأمة بل بقي كلامه متزنا
لكونه صادرا عن تقوى صادقة من عالم حقيقي في مجاله وبحدود
تصوراته له. فهو لم يبدأ كلامه بدرس في عقيدة الجماعة ولم يزعم
تعليمي الإسلام ولم ينسبني إلى فرقة سبق له أن كفرها ولم يزعم
أنه بطل السنة والجماعة. فكان بسمْته الخلقي وبما عرف عنه من
روية رافضا أن يتحول إلى رئيس فرقة تحارب الفرق الأخرى ولم
يجند من طلبته ثلة تشبه "حليقي الرؤوس" يوظفهم في ملاعب الجدل
للتصفيق والرقص بمناسبة كل تفوه ينبس به. لذلك فحالة الحوار مع
الشيخ البوطي لا تقبل المقارنة بحالة الكلام مع هذا الشيخ
وجماعته.
وليس معنى ذلك أن الحوار مستحيل بل هو ممكن بشرط أن يصحبه
توضيح لعلل امتناع الفهم من قبل من لم يخرج من أفق فكر يختلف
بالكيف وليس بالكم عما يجري في الفكرين الفلسفي والديني اللذين
يبدوان محدين من العقلانية لتعين جوهر العقلانية المدركة لحدود
العقل أي بلغة الصديق الفكرين اللذين فهما مدلول "العجز عن
الإدراك إدراك". وتلك هي العلة التي جعلتني أرفض الجدل
المباشر مع الجماعة من البداية (المحاولة الأولى) بل فضلت
أسلوب العلاج النسقي لقضايا العقلانية المدركة لحدود العقل دون
تبادل الردود إلا بصورة عرضية. وعلى نفس النهج أواصل عملي في
هذه المحاولة: لن أرد مباشرة على أحد بل الرد يكون بالقصد
الثاني خلال علاج المسائل التي تعني مشروع الإصلاح المتواصل
منذ نزول القرآن إلى يوم الدين.
وحتى لا يفهم القراء أن وعد الشيخ بتغيير أسلوبه دال على أوبة
من رد فعل مشروع على عدوان صدر مني فأجبره على ما سلف منه فإني
سأذكر بسرعة في هذه المقدمة بمعطيات القضية ليتبينوا أن الشيخ
بقي كما بدأ بخلاف وعده الحالي بل هو ازداد غرقا في رد الفعل
حتى إنه بدأ رده بدرس في الإسلام ليعلمنا أصول ديننا فضلا عن
تعليمنا الفلسفة والمنطق فجزاه الله خيرا عن الجميع. ولأذكر
بما سعيت إليه في المقال الأول الذي رد عليه الشيخ[5] فاتحا
الرد بما سماه طليعة ومتكلما عن القنابل والكر والفر ومقدما
النصائح التربوية في شكل ملاحق وخاتما إياه بما يمكن أن يسمى
بنفس الاستعارة الحربية مؤخرة بعد أن سقط القلب والجناحين في
ما لا يقبل الوصف من الرفعة العلمية والسمو الخلقي: بات الملك
مكشوفا كما يقال في الشطرنج.
ولحسن حظنا فقد جمع أحد المصفقين للأستاذ نصوص الشيخ واعتبر
نصوصي ضميمة ألحقها بها فجزاه الله خيرا. فلعل هذا الجمع يبين
للقراء كيف كان أسلوب الشيخ من البداية وكيف هو لا يزال إلى
الغاية التي إذا كنت قد فهمت لن تتوقف إلا يوم فراقه الدنيا
بعد عمر طويل. وها أنا أكتب ما لا أعطيه وظيفة إناراتي على
تعليق الشيخ البوطي بل ما يفيده عنوان المحاولة: بيان أهمية
الموقف الذي أدافع عنه باستعارة عبارة للصديق حول دلالة العجز
عن الإدراك من حيث هو أساس العقل والعقد في آن. فلست غافلا على
أن الظلمات قل أن يبددها نور مهما كان ساطعا. الوعد بالتخلي عن
أسلوب الردود السابقة لا يكون صادقا إذا ناقضه نفس النص الذي
أعلنه: بدأ بدرس في العقيدة وانتهى بتقريرات يظنها هجوا وهي في
ما صح منها عين المدح مرة أخرى وحتى في ما لا يصح لأنها ذم
لصاحبها ! إنه يبشر ولا يحاور ! إنه ينذر غيره ولا يحرر فكره.
ويحق له أن ينذر وأن يبشر فلعله قد ظن أن إخراجه إياي من الملة
وصف لواقع فألزم نفسه بأن يعالجه: لذلك فهو قد صار قائد ضمائر
!
والمعلوم أن دعواي في ما أحاول المشاركة فيه أساسها أن هذا
الإصلاح ليس مشروعا شخصيا بل هو مشروع متصل لم يتوقف منذ نزول
القرآن حتى وإن اقتصر همي على بعض علامات طريقه اخترت منها
الغزالي وابن تيمية وابن خلدون. ذلك أن المرء مهما حاول لا
يمكن في حياته القصيرة أن يختص في كل شيء: لذلك فعمل هؤلاء
الثلاثة (عملهم الفلسفي وليس كل عملهم) مع اليسير من العلم
بالأصلين أعني القرآن والسنة يكفياني ولا أحتاج إلى الأسماء
التي سماه المتكلمون المعاصرون وآباؤهم من المتكلمين
الماضين[6]. واتصال المشروع سيبين للقراء أن همي النظري ذو
الصلة المباشرة بشروط النهوض لا يمكن أن يلتقي بهم الشيخ
المقصور على مضغ غير واع لتاريخ شبه علم مات منذ قرون-ككل
العلوم التي لم تتجاوز نفسها إلى شروط تواصل الحياة بسبب تكلس
فكر أصحابها وخلطهم بين تأسيس شروط سلطانهم والبحث العلمي الذي
هو سلطان المعرفة والأمم سلطانهما الحقيقي-كما أبين لاحقا
بعلاجات سريعة حول أهم النقاط التي يتعالم فيها الشيخ والتي
سأجعلها موضوعا لواحدة من المسائل التي يحتوي عليها هذا العمل.
والمعلوم أن غالب المسلمين لا يخفى عنهم من أين يأتي الخطر
الذي يهدد الإسلام بتنويم المسلمين وإبعادهم عن شروط القيام
الفاعل. فهو لا يعاني إلا ممن يزعمون أنفسهم حراسه الحريصين
عليه خلطا بين تصوراتهم والإسلام وبين مصالحهم ومصلحة الإسلام
أعني أولئك الذين يريدون إبقاء فكر الأمة ميتا وإخراج قواها
الحية من العصر بإحياء الثرثرة الكلامية والفقهية (عند
المتكلمين باسم التأصيل التراثي) والصوفية وحتى الفلسفية
الوسيطة (عند المتكلمين باسم التحديث التراثي) بدائل من
الإبداع في مجالات القيم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية
والوجودية أعني ما يتقوم منه نسيج العمران كما يصفه القرآن
الكريم[7].
ولنبدأ العلاج الفعلي في هذه المحاولة. فكما أسلفت لن أجادل
بمنطق رد الفعل بل سأرتب المسائل التي أثارها الشيخ بصورة
تدرجها في مشروع الإصلاح الذي أسعى إلى الإدلاء بدلوي فيه بما
يوفقني الله إليه تاركا اختبار ما وعد به الشيخ من تغيير في
الأسلوب إلى غاية المحاولة بعد أن يتبين للجميع علل عدم فهم
الشيخ طبيعة الرهان الذي يدور حوله مصير الأمة في العالم
الحالي. فما يقدمه باسم العلم وما يدعي أنه علمني إياه لو كان
حقا مطلعا على علوم العصر وليس مقتصرا فكره على محفوظات القرون
الوسطى[8] لاستحى من نفسه ولفهم أن محاولاتي متقدمة على ما
يتصور نفسه علة كافية ليكون مؤثرا في ما أفكر فيه: بيان
محاولات فكرنا التحرر من العوائق التي حالت دون فهم الثورة
القرآنية في العقل والدين وشرطه فهم عبارة الصديق التي هي أفضل
تفسير للآية السابعة من آل عمران.
وسأتبع الخطة التالية موزعا ما له دلالة من اعتراضات الشيخ
فودة على صنفين صنف يغلب عليه الوجه الكلامي وصنف يغلب عليه
الوجه الفلسفي أدرجهما في مسألتين أعم هما ما أسعى إليه في
محاولتي المشاركة المتواضعة في مشروع الإصلاح حتى يكون للعلاج
منهج واضح فلا تتوالى القضايا بمنطق فيض الخاطر:
1-هدف المسألة الأولى: تحليل الوجه الباطن من المرض الذي تعاني
منه حضارتنا لأبين دعواي التي تقول إن الفنون التي أسست لهذا
السلطان الوسيط قد ماتت جميعا وأن هذا السلطان زائل لا محالة
وأن السعي إلى توجيه شباب الأمة إلى هذه العلوم الزائفة بديلا
مما يمكن أن يكون ما كان أصحابها يسعون إليه في محاولاتهم
الأولى المتلعثمة قبل أن تحل محلها علوم راشدة ألغت الحاجة
إليها هو عين الهروب من المسؤولية التاريخية للاستئناف
التاريخي الكوني الذي تسعى إليه الأمة. وبهذه المسألة ألحق
اعتراضات الشيخ الكلامية على ما قدمناه في محاولاتنا السابقة.
2-هدف المسألة الثانية: بيان تكوينية الطاغوتين الكلامي
والفلسفي وشروط التحرر منهما بمعناهما التقليدي أعني الدغمائي
لما له من صلة بعلل التخلف الفكري في مستويي الهم الفكري
الإنساني عامة أعني الفكر من حيث هو أداة لتحقيق شروط
الاستخلاف في الدنيا وتلك هي وظيفة العمل من حيث هو عبادة
لتعمير الدنيا والفكر من حيث هو غاية الاستخلاف المعد للحياة
الروحية مدخلا للآخرة وتلك هي وظيفة العلم من حيث هو عبادة
لتعمير الآخرة. وبها نلحق اعتراضات الشيخ الفلسفية والمنطقية
على ما قدمناه في محاولاتنا السابقة.
3-هدف المسألة الثالثة: علاج مسألة الحرية النظرية والعملية
فلسفيا والحرية العقدية والشرعية دينيا وشروطها القرآنية
مركزين خاصة على شرط تحرير المؤمنين من الاستبداد الروحي
المستعبد للإنسان بتبليد الأذهان وقتل الوجدان قتلا يسر حلفه
مع الاستبداد المادي المستعبد للأبدان: وحال الأمة منذ قرون
ليست إلا ثمرة هذه العلوم المزعومة وابن خلدون وابن تيمية
والغزالي كانوا أول من ثار عليها لاكتشافهم المصائب الناتجة
عنها ومحاولة تقديم البديل دون جدوى.
4-هدف المسألة الرابعة: محاولة العلاج الفلسفي لأم المسائل
التي جعلت أمة تعدادها ربع الإنسانية حاليا تعجز بمجموعها على
مضاهاة جماعة تعدادها أقل من واحد في المليون من سكان المعمورة
في كل مجالات الإبداع الخمسة كما نبين إن شاء الله. وفيها نحدد
نتائج الاستبداد الروحي والاستبداد المادي لنعين شروط التخلص
منهما فنقترح حلولا تمكن من إصلاح صورة العمران بوجهيها ومادته
بوجهيها.
5-هدف المسألة الأخيرة: اختبار وعد الشيخ بالتغيير الأسلوبي
وبيان أنه نموذج التعين التام لأعراض المرض الذي أقعد حضارتنا
بدراسة التلاعب الأسلوبي في خطاب السعاة إلى تأسيس سلطان ديني
في الإسلام لإفساد ثورة القرآن التي حررتنا من السلطة الروحية
الوسيطة. والكلام في هذا الوجه الظاهر يثبت أن الشيخ لم يستطع
الوفاء بما وعد به من تغيير في الأسلوب ولم ينتقل إلى الحوار
الهادئ حول علل التخلف الذي يعاني منه فكرنا وارتباط ذلك بحربه
على الخروج من الظلمات.
وستكون خاتمة البحث ثمرة لتعليقنا السريع على وعد الشيخ
وتقريراته في ذيل بحثه ومؤخرة جيشه الذي انفرط عقده حتى ولو
لم تظهر شروخ القلعة بعد. ويكون ذلك برهانا على أنها
بمضموناتها تمثل أعراض المرض الذي تعاني منه الأمة لكونها
إسقاطات للأدواء التي أفضل وصف لها حددته الآية السابعة من آل
عمران. وشروخ أسطورته ستتسع بالتدريج لأنه لا يمكن لشباب في
القرن الحادي والعشرين أن يبقى لمدة طويلة متعلقا بالبحث في
كيفية الاستواء على العرش خاصة إذا أدرك دلالة الحكمة القائلة
"العجز عن الإدراك إدراك" ففهم قصد الصديق رضي الله عنه.
والله أعلم.
المسألة الأولى
أمراض الحضارة الإسلامية وصلتها بقضايا الكلام
ما الوجه الباطن من هذا المرض الذي تعاني منه حضارتنا؟ إنه
الفنون التي أسست لهذا السلطان الوسيط بين المؤمن وربه السلطان
الذي ألغى كل شروط عمل القيم القرآنية في التاريخ الفعلي حتى
لم يبق من الإسلام عند المسلمين إلا الاسم. والحمد لله أنها قد
ماتت جميعا وأن هذا السلطان زائل لا محالة وأن السعي إلى توجيه
شباب الأمة إلى هذه العلوم الزائفة بديلا مما يمكن أن يكون ما
كان أصحاب هذه العلوم يسعون إليه في محاولاتهم الأولى
المتلعثمة قبل أن تحل محلها علوم راشدة ألغت الحاجة إليها هو
عين الهروب من المسؤولية التاريخية للاستئناف التاريخي الكوني
الذي تسعى إليه الأمة.
هل الناطقون باسم الإسلام في عصرنا سواء كانوا ممن يدعي الكلام
باسم أصول الدين أو باسم أصول الفقه أو باسم التجربة الصوفية
أو باسم المعرفة الفلسفية بمعاني هذه الفنون الأربعة كما مورست
في العصر الوسيط أو ممن يتكلم باسم هذه الفنون جميعا يميزون
بين التاريخ لعلوم لم يعد لها وجود وممارسة علوم حية بحياة
علاجها لمشاكل العمران الإنساني الحية ؟ هل يدركون أن نسبتها
إلى ما يمكن أن يكون بديلا منها ليست من جنس نسبة علم الهيأة
القديم إلى علم الفلك الحديث فحسب بل هي من جنس نسبة التنجيم
إليه ؟
ومع ذلك فلست أرفض هذه الفنون لذاتها حتى لو ظنها أصحابها
علوما حية وليست تاريخا لعلوم ماتت بل إني أرفضها بسبب تحويلهم
إياها إلى كلام باسم الإسلام ينطقون به نطق السلطة الروحية
التي أعادت الكنسية إليه ولا يكتفون بالكلام عن تجاربهم
الخاصة. لو لم يجعلوا تجاربهم الخاصة بدائل من المرجعية بدائل
تلغي ممارسة المسلمين الحية للعلاقة المباشرة بها وتزيل كل
محاولة للتجربة الروحية التي هي عين التدين والتعبد والحرية
الخلقية لما كان لي معهم كلام.
فهم يختلقون صيغا تلغي شروط الحياة الروحية الفطرية التي
تقتضي الصلة المباشرة بالمرجعية ذاتها لتكون جزءا من الحياة
الفطرية المباشرة في الممارسات اليومية للمسلم. لذلك فإن هذه
الصيغ قد جعلت المسلمين يحيون الأخلاق والقيم بالوكالة أعني
بتوسط صائغي العقائد والشرائع والطرق والفلسفات. فكان ذلك وأدا
دائما لثمرة التدين الأساسية في حياة المسلمين: لم يعد الإسلام
بمرجعيتيه جوهر كيانهم الروحي والوجودي في لحظات تطورهم
التاريخية المختلفة بإطلاق عما يمكن أن تكون هذه العلوم الميتة
قد كانت مناسبة له وكافية لعلاجه في البعض منها[9]. وإذن فما
أرفض هذه الفنون لأجله هو أنها صارت فنونا غير ذات موضوع ومن
ثم فهي موضوع تاريخ لممارسة توقفت صلتها بالحياة بل هي ليست
حتى تاريخا بالمعنى العلمي لكلمة التاريخ[10].
إن التاريخ لصيغ العقائد وأصولها الكلامية والتاريخ للفقه
وأصوله والتاريخ للطرق الصوفية وأصولها والتاريخ للفلسفة
الوسيطة وأصولها من الاختصاصات الأكاديمية التي لا تخلو منها
جامعة في العالم المتحضر. لكنه تاريخ لممارسات انتهت وحان
لمجتمعاتنا أن تمارس البدائل منها ممارسة حية ومنها يمكن أن
تعود الحياة إلى ما انقطع من تاريخنا الحي حتى يجبر الكسر بين
عصرين يفصل بينهما كسر وهوة سحيقة أولهما سرعان ما طوته ظلمات
الانحطاط (ثورة الصدر) والثاني منهما لم يبدأ بعد (ثورة
الاستئناف) لما يتسم به الانحطاط من قوة ممانعة.
فلنتكلم إذن في الفنون الأربعة التي تسمى علوما ويتكلم باسمها
من يزعم نفسه من حماة الإسلام والبيضة والتي أنفي عنها استئهال
صفة العلم وأكتفي باعتبارها لم تتجاوز منزلة الفن وقد يصبح ما
كانت إرهاصات له علوما: إنها صنفان كلاهما مزدوج والصنف الأول
يغلب عليه الوجه النظري والصنف الثاني يغلب عليه الوجه العملي.
فأما الصنف الأول فهو: 1-فن أصول الدين 2-وفن الإلهيات.
وأما الصنف الثاني فهو: 3-فن أصول الفقه 4-وفن الذوقيات.
1-ولنبدأ بأهم هذه الفنون في سلم المعارف الإسلامية. فلا وجود
لأمر اسمه أصول الدين تصاغ في وصفة كلية للعقيدة تكون بديلا من
نص القرآن وسنة الرسول إلا في عقول أصحابها. وإذا تجاوزت هذه
المنزلة الفكرية تعبيرا عن فهم أصحابها صارت محاولة لفرض فهم
معين للقرآن والسنة على المؤمنين ليكونوا تابعين لتجارب أصحاب
هذه الصيغ. لو قال أصحابها إنها فهمهم لأصول العقيدة كما وردت
في القرآن لما ناقشهم أحد ولاعتبرنا ذلك اجتهادهم الشخصي في
التعبير عن تجربتهم الروحية وفهمهم للنص القرآني والسنة
المحمدية. أما أن يزعموا أن ذلك هو العقيدة الإسلامية التي على
الجميع أن يتبعها فإن النتيجة لن تكون إلا ما نبه إليه الرسول:
تكون ما ينيف على السبعين فرقة والبقية معلومة. علما وأن
الفرقة الناجية هي الأغلبية الساحقة التي لا تفهم هذه البدع أو
التي تفهم أنها لا تعني شيئا إلا لأصحابها ومن ثم ففكرها لم
يتلطخ بها فبقي وجدانها سليما وتلك هي علة نجاتها ومعناها.
2-ولنثن بأهم هذه الفنون في سلم المعارف الفلسفية. فما قلناه
عن أصول الدين يقال مثله عن الإلهيات ومن ثم فلا حاجة للإطالة
والتكرار. وللحقيقة فإن الفيلسوفين المؤسسين للإلهيات أعني
أفلاطون وأرسطو لم يزعما أبدا أنها علم بل هي عندهما من مجال
التأسيس الجدلي لشروط النظر والعمل وهي من جنس "هذا ما رجح
لدي" فكانت فرضيات تأسيسية لأنساق فكرهم وليست حقائق علمية
نهائية إلا عند مفكري عصر الانحطاط اليوناني الذي ورثه علم
الكلام المسيحي الشرقي وعلم الكلام الإسلامي من بعده. إنها
ليست من جنس "هذه هي الحقيقة". لكن ذلك لم يبق كذلك بل إن
التخلف الذي أصاب الفكر اليوناني المتأخر والذي ورث العرب منه
خليطا أعده العهد الهلنستي خليطا من الفلسفة والكلام المسيحي
أفسد هذه النظرة فجعل الميتافيزيقا تصبح معدودة من العلوم بل
من أصح العلوم في حين أنها فرضيات جدلية لا غير. والمهم أن
الفلسفة والكلام أصبحا متمازجين في الحضارة الشرقية والغربية
على حد سواء: وذلك هو أكبر أدواء العقل الإنساني لأنه أفسد
الوجدان والفرقان في آن. وهذا صحيح إلى الآن. الفلسفة الغربية
الحالية كلام مسيحي متخف.
3-ولنثلث بثاني العلوم الإسلامية في ترتيب الشرف بين العلوم.
وهذا أمر لن نطيل الكلام فيه لأننا عالجناه في الحوار مع الشيخ
البوطي. فلا وجود لأصول فقه كذلك من الأصل ثم خاصة بعد أن صارت
كل المجتمعات الإسلامية ممارستها الحقوقية والقانونية خاضعة
للتشريع الوضعي الذي تحدده سلطها التشريعية وأحزابها ولم يبق
من أصول الفقه إلا تاريخه أو التحيلات التي تستعملها بعض
الأنظمة لإضفاء الشرعية الشكلية على تشريعاتها الوضعية. ويمكن
أن يعود لأصول الفقه شروط الحياة أعني الممارسة الحقوقية
العملية والنظرية أي لو أن المسلمين صارت لهم حياة حرة تعود
فيها وظيفة التشريع الحر للأمة فلا تبقى حكرا على المتسلطين من
الأمراء والعلماء. أما المقابلة السخيفة بين شرع الله وشرع
الأمة فهي مغالطة مقصودة أم وهم في أذهان من لا يفهم معنى شرع
الله: فشرع الله لا يتحقق في التاريخ إلا إذا جعلته أمة شرعها
بمعنى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" فتكون الأمة الصالحة
أداة تحقيق شرع الله. الشرع السماوي مشروط بالاستخلاف الذي
يجعل الأمة المستخلفة بشرعها الأرضي محققة للشرع السماوي:
الأمة تشرع لنفسها بأن تختار التشريع السماوي مرجعا لتشريعها
سواء في ما فيه نصوص فيكون تشريعها هو إجماعها على فهم معين
لها أو في ما ليس فيه نصوص فيكون تشريعها هو إجماعها على ما
تراه ملائما لأخلاق القرآن والسنة فتعمله من دون حاجة لقياس
فقيه يصبح مستبدا بإرادة الأمة بمجرد الزعم انه يفهم شرع الله
دون سواه.
وفي كل الحالات فالتشريعان يكونان متطابقين بمقتضى حصر العصمة
في إجماع الأمة وليس في إجماع العلماء والأمراء. وإجماع الأمة
ممكن التحقيق وهو معنى الشرعية الشورية أو الديموقراطية
بمعناها القرآني[11] لأن ما يشير إليه المعترض القائل بالعصمة
من امتناع المشاركة الجماعية سخافة وحل الغزالي القائل
بالاختيار مع تركه للصدف لم يعد ضروريا بل يمكن تنظيم الاختيار
المعبر حقا عن الحرية (فضائح الباطنية). وبذلك يكون الحائل
الحقيقي دون تحقيق شرع الله ليس شرع الناس سواء كان مباشرا أو
بالإنابة الحرة بل هو شرع من يزعم تمثيل شرع الله بديلا من
الناس أعني العلماء والأمراء. فالأولون استبدوا باسم علم زائف
والثانون استبدوا باسم عنف جارف: كلاهما ظن ما عنده كاف ليستبد
بجعله مغنيا عن الأصلين (القرآن السنة) ومن ثم فقد أُلغى خيار
الأمة المنظم والصريح لتعيين من تراه صالحا من العلماء ومن
الأمراء لتوليته أمرها الذي هو شورى بينها. وبذلك فالعلماء
والأمراء ألغوا فرض العين (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو
التشريع الإجماعي في كل مجالات الحياة وليس في السياسة وحدها)
فجعلوه فرض كفاية ومن ثم فهم قد نفوا ما حددته الآيات من 104
إلى 110 من آل عمران: من تحديد الخيرية الإنشائي (104) إلى
تحديدها الخبري (110).
4-ولنختم بالفن المشترك بين علوم الملة وعلوم الفلسفة أعني
الذوقيات: فهو الفن الذي برزت فيه للعيان كل عيوب الفنون
الثلاثة السابقة لأنه جوهرها الحقيقي أعني ما تؤول إليه من
تحريف وصفت علتية الآية السابعة من آل عمران أعني تحويل الدين
إلى أداة تسلط على الشعوب بدل حقيقته التي لأجلها وجد أي عين
التحرير من كل سلطان عدى العبودية لله. ذلك أنه لا وجود لعلم
الذوقيات بل الكلام عنها نفسه لا ينبغي أن يعدو الاعتراف
باستحالة علمها لأنها من الوجدانيات. وسواء انطلقنا من الفكر
الديني أو من الفكر الفلسفي فإن هذا النوع من المعرفة هو
بالذات مدلول حكمة الصديق" العجز عن الإدراك إدراك" إذا فهم
حقا وكان سويا. لكن إدراك هذه الاستحالة انقلب-بمفعول فتوة
إبليس- في أغلب الحالات إلى ضده: فيصبح شطحا وإدعاء للعلم
المتجاوز حتى للوحي.
وهو يصبح كذلك لأنه يجمع كل ما تعجز دونه الفنون الثلاثة
المتقدمة عليه فيجعله مجال كلامه زاعما أن له حلا له اكتشفه
بالحدس الذوقي مغن عن الدليل. لذلك تجده عندئذ يصبح مصبها
جميعا بشرط أن تكون قد تخلت عن حكمة الصديق فصارت عكس علامتي
تبين الرشد من الغي: فهي تصبح إيمانا بالطاغوت الذي هو الإنسان
المصنَّم أو المتأله (فتوة إبليس التي تجعل الجبة ليس فيها إلا
الله) وكفرا بالله لأن تأليه الإنسان تأنيس للإله وهو ذروة
وحدة الوجود الحلولية التي بدأنا كتابنا في شروط نهضة العرب
والمسلمين بدحضها ممثلة بالمثالية الألمانية ورأسها كنط الذي
زعم الشيخ بفهم السقيم أني تابع له ! ومن زعم أن الله حل فيه
لن نعجب من أن يسعى إلى استعباد غيره: فكل الخلق عبيد لله وهو
الله وإذن فهم عبيد له !
5-ورغم التواصل بين هذه الفنون الأربعة والتكامل بين زوجيها
النظريين ثم بين زوجيها العمليين فإننا سنكتفي بالفنين
النظريين أعني يما يدور عليه الكلام هنا لأن الفنين العمليين
عالجناهما في غير موضع. سنتكلم على الزوج النظري أعني الفلسفة
والكلام بعد تحليل دقيق لتجاوزهما الخلدوني (لعل قصيري النظر
يدركون أن الدليل الذي يطالبون به لا يكون بمجرد الشاهد بل
بعرض النظرية التي تضفي عليه المعنى الذي قصده صاحبه). فكل
الأدواء الصادرة عنهما قبل الثورة النقدية التيمية الخلدونية
نعلمها منذ أن دحض ابن خلدون الميتافيزيقا من حيث مطلوباتها
المشتركة مع الكلام:"أما ما كان منها من الموجودات التي وراء
الحس وهي الروحانيات ويسمونه العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة
فإن ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان
عليها لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما
هو ممكن فيما هو مدرك لنا. ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى
نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا وبينها فلا يتأتى لنا
برهان عليها ولا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما
نجده بين جنبينا من أمر النفس الإنسانية وأحوال مداركها وخصوصا
في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد وما وراء ذلك من حقيقتها
وصفاتها فأمر غامض لا سبيل إلى الوقوف عليه"[12].
وهذا هو الكلام السلبي عند ابن خلدون وابن تيمية وأبي حامد
عودة منهم جميعا إلى الموقف السلفي ولكن على أسس نظرية علمية
وليس بمجرد الرفض الفطري المستند إلى بادئ الرأي أعني الكلام
الذي يبين امتناع الكلام وهو من ثم فلسفة نقدية وليس فلسفة
ميتافيزيقية ولا علم كلام ميتافيزيقي من جنس ما يقول به صانعو
صيغ العقائد كالتي بدأ بها الشيخ درسه الموجه إلينا في هذا
الرد المكذب للوعد الذي تصدره الوعد بتغيير أسلوب الحوار. وحتى
لا يطول الكلام في المسألة سأكتفي بما حصل عند أحد هؤلاء
العلماء عندما كان القصد التحرر من علم الكلام وليس الكلام في
ما لا يمكن الكلام فيه بعلم. فلن أضيع الوقت في الكلام عن
المواقف من الكلام لأن كلام هذه الفرقة في الأمر من المماحكة
لكأنهم ينتظرون مني أن أكتب لهم رسالة أورد فيها الدليل
المعتمد على القيل والقال وليس على مقومات نسق فكري ابن تيمية
وابن خلدون مقوماته التي تجعل كل عملهما الفكري مشروطا بالتحرر
من آفة الكلام.
فلو اقتصر الكلام على ما تسمونه الدفاع عن العقيدة ضد أعدائها
لما سمى علما بل لكان مجرد كلام دفاعي ضد مهاجم بنفس السلاح.
فلا مهاجم العقيدة بقائل قولا علميا ولا الراد عليه كذلك:
كلاهما يعرض إيديولوجته ويرد على ضديدتها. وأقصى ما يصل إليه
الكلام عندئذ هو الفعل السلبي للرد على نفي الإيمان بالعقل أي
إنه تحييد للعقل بالعقل في مجال الإيمان وهو على مزاياه
النسبية لا يعد علما. فلا ينبغي له أن يدعي أنه علم بل هو جدل
نقدي إذا لم يتجاوز هذا الموقف. ولا بأس منه لأنه يحد من عاهة
المتكلمين في العقائد ببيان امتناع الكلام فيها كما يبين النص
الذي أوردناه أعلاه. وهو ما لم يتجاوزه الفكر النقدي إلى الآن
خاصة بعد أن تبين أن ابن خلدون مثله مثل ابن تيمية يشترط في
المعرفة العلمية لعالم الشهادة الاحتكام إلى المحسوسية الممكنة
أو التجربة الممكنة فينفي من ثم بصورة جذرية معرفة عالم الغيب
لانعدام هذا المعيار المحتكم إليه.
الخلاف هو حول الكلام الموجب: أي الكلام الذي تسمونه علم أصول
العقيدة بمعنى إثبات وجود الله وخلود النفس وخلق العالم إلى
غير ذلك من المسائل بالعقل. فهذا ما لو قال به أحد لانتهى إلى
نفي الحاجة إلى النبوة ولقال أمرا لا يمكنه الوفاء به. والكلام
الموجب الذي تسمونه تصحيح العقائد هو صوغها بالمنطق الصناعي
وهو ما أسميه عقائد ما أتى الله بها من سلطان بل هي أوثان
سماها المتكلمون وآباؤهم الفلاسفة الدجمائيون لأنه يؤدي إلى
نظارات يصنعها البعض ويريد أن يلبسها لغيره حتى يرى المعتقدات
بعينيه. وذلك هو معنى السلطة الكنسية مصدر كل الوسائط بين
الضمائر والمعبود الأوحد. وهو أمر فضلا عن امتناعه عقلا ضار
خلقيا: لأنه يجعل سرائر البشر بيد البعض منهم فيصبح البعض
للبعض أربابا. ولما كان الله قد قال "ولا يأمركم أن تتخذوا
الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون"
(آل عمران 80)" فحري بنا أن نستنتج بأنه ينهانا عن اتخاذ أوثان
العلماء أي صيغهم للعقائد أربابا لئلا نكفر !
وحتى نحلل المسألة بدقة علمية فلننطلق من ملاحظتين تتعلقان
بتصور ابن خلدون لشروط تجاوز علم الكلام والتخلص من الكلام في
مسائل عالم الغيب[13] التي تجمعها مسألة المتشابه بالمصطلح
القرآني: وكلتا الملاحظتين تكررت في فصل التوحيد وفي فصل كشف
الغطاء عن المتشابه في القرآن والسنة من الباب السادس من
المقدمة.
فأما الملاحظة الأولى فتقبل القراءة الشرطية رغم صيغتها
التقريرية في ظاهر النص بمقتضى صلتها بثانيتهما كما سنرى.
وللإشارتين علاقة وطيدة بالدور الذي ننسبه إليه في القفزة
النوعية التي حدثت في نظريات التفسير والتأويل عند المسلمين
بفضله وبفضل ابن تيمية. فهو أولا يشير إلى أن علم الكلام أصبح
الآن عديم الفائدة للجماعة بعد أن استقرت العقيدة: "وعلى
الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير
ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد
انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا
والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. أما
الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزيه الباري عن الكثير من
إيهاماته وإطلاقاته. ولقد سأل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم
من المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء ؟ فقيل قوم ينزهون
الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص فقال: نفي العيب حيث
يستحيل العيب عيب"[14]
وقراءة هذه الإشارة شرطيا يعني أنه إذا كان علم الكلام مجرد
دفاع عن العقيدة وكانت العقيدة قد استقرت فلا فائدة منه بعد
ذلك عدى تمرين المتعلم على الجدال. وهذا يعني أن ابن خلدون لم
يكن راضيا عن انحطاط الفكر الديني النظري إلى منزلة علم الكلام
المقصور على الدور الدفاعي. لكن هذه القراءة تبدو تحكمية لو
اقتصرنا فيها على هذه الجملة لأنه يبدو من التحكم أن تُقلب
الخبرية إلى شرطية.
ما دفعنا إلى ذلك ليس التحكم بل قرينة الإشارة الثانية. ففي
فصل التوحيد بالذات الذي هو عادة موضوع علم الكلام-بعد أن قال
بعدم فائدته !- قدم ابن خلدون حلا نظريا لم يسبق إليه لتأسيس
العقيدة على البحث النظري العميق لعلاقة أدلة الوجود الإلهي
بخاصية عقلية إنسانية فكان حله منافيا تمام المنافاة لمقدمتي
الميتافيزيقا وعلم الكلام مقدمتيهما الأساسيتين اللتين ظلتا
سائدتين إلى حدود سيطرة حلول النقد الكنطي بل وإلى الآن.
فلو كان ابن خلدون فعلا يعتقد أن ما شغل الكلام محله من فكر
فلسفي نقدي للكلام في الإلهيات هو الذي ينبغي النهي عنه وليس
انحطاطه في شكل علم الكلام لما قدم حلا للمسائل الكلامية من
منطلق غير معهود في علم كلام عصره وفي فلسفته. لذلك فهو يفعل
من منطلق فلسفة نظرية جديدة يمكن وصفها قبل الأوان بالفلسفة
النقدية لكونها قد حققت قفزة نوعية هي التي نعتبرها ثورة
خلدونية حقيقية تضاهي ثورة ابن تيمية التي وصفنا في غير موضع.
وهي في الحقيقة مكملة لها لأنها خالية مما شاب كلام ابن تيمية
من صراع كلامي اضطره إليه عصره وعدم مشاركته خصائص الأسلوب
الخلدوني الناتجة عن تجربته الدبلوماسية. وهذا الحل هو اعتبار
الإيمان بوجود الله:
1- ليس ناتجا عن التدليل العقلي بالتعليل السببي لحدوث العالم
كما يرى الفلاسفة وأخذه عنهم بعض المتكلمة لاحقا.
2- ولا هو ناتجا عن التدليل العقلي بالترجيح الجهوي له عن
العدم كما شاع عند المتكلمين وأخذه عنهم بعض الفلاسفة لاحقا.
والحل الثوري الذي يقترحه ابن خلدون مقابل لذلك تمام المقابلة
فهو:
1- عين حاجة العقل البشري للتخلص من اللجوء إلى قطع التسلسل
السببي قطعا تحكميا لعدم وجود غاية للتسلسل عقلا بخلاف ما يزعم
الفلاسفة.
2- وعين حاجته للتخلص من اللجوء إلى قطع الترجيح الجهوي قطعا
تحكميا لعدم وجود مرجح مقبول عقلا كذلك بخلاف ما يزعم
المتكلمون.
فيكون الإيمان ليس ناتجا عن الاستدلال بالتعليل السببي وقطعه
بل عن نفي التعليل العقلي بالسببية وهو ليس ناتجا عن الاستدلال
بالترجيح الجهوي بل عن نفي الترجيح العقلي بجهات الوجود ومن
ثم فهو قفز وجودي مطلق إلى العلة الحرة الخالقة للتحرر من
سلاسل التعليل أصلا سواء كان التعليل سببيا أو جهويا. يقول ابن
خلدون:" فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا (استعمال
برهان هنا لا ينبغي أن يفهم منها الدليل العقلي بل البرهان
بالمعنى القرآني بدليل كلمة يكشف الواردة بعدها مباشرة بدل
يثبت أو يبرهن أو يدلل) عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخد ثم
نرجع إلى تحقيق علم الكلام (....) فنقول: اعلم أن الحوادث في
عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو الأفعال فلا بد لها من
أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة (فهم أشعري للنظام
السببي مناف للضرورة بالمعنى الفلسفي) وعنها يتم كونها. وكل
واحد من تلك الأسباب حادث أيضا فلا بد له من أسباب أخرى ولا
تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها
وخالقها لا إله إلا هو سبحانه. وتلك الأسباب في ارتقائها
تتضاعف فتنفسخ طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعدادها.
فإذن لا يحصرها الا العلم المحيط سيما الافعال البشرية
والحيوانية (.....) ولا تسحبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في
قدرتك أو اختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض
في الأسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها.
فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة. وأيضا فوجه تأثير هذه
الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها
بالعادة وقضية الاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة
التأثير وكيفيته مجهولة"[15].
ولما كان كل دليل الصناعي على وجود الله يكون إما بقطع التسلسل
السببي أو بالتردد الجهوي (بين الإمكان والوجوب والامتناع) فإن
هاتين الطريقين يمكن كذلك أن تكونا دالتين على نفي وجود الله
دلالتهما على إثباته وذلك لأن قطع التسلسل يمكن أن يتوقف في أي
محطة نختار وعلى أنه يمكن أن يحصل ذلك قبل الوصول إلى الله ما
دام قطعا تحكميا فنعتبر الطبيعة مثلا سبب كل شيء كما يفعل
الدهري: وبذلك يصبح كل شرك علته التعليل السببي الذي يتوقف في
سلسلة العلل عند علة يؤلهها أو لا يتوقف أصلا فيكون ذلك أكثر
تناسق لأنه يكون محافظا على الكلية والضرورة فلا يستثني شيئا
من قانون العلية. لذلك فإن ابن خلدون يرى أن إثبات وجود الله
ليس بقطع سلسلة الأسباب التي لا تقطع إلا تحكميا وبدون دليل
ولا بترجيح كيفية من كيفيات تأثيرها لأن كل الكيفيات متساوية
عقلا فيكون الترجيح تحكما لا حرية اختيار ينسب إلى المبدع.
ولما كان كلا الأمرين مجهول الذات والتأثير لم يبق إلا التخلي
عن كل الأدلة الكلامية والفلسفية أي عن: 1- الدليل الكوني
(بالعلة الفاعلة) 2- وعن الدليل اللاهوتي الطبيعي (بالعلة
الغائية) 3- وعن الدليل الجهوي (بالعلة المرجحة لوجود الممكن
على عدمه) 4- فلا يبقى إلا القفز المباشر إلى الخالق الحر بما
يسميه التحرز من القطع التحكمي لسلسلة الأسباب أعني اختيار
الإيمان بدل الكفران بعزم جازم في أمر خلقي عملي وليس أمرا
معرفيا نظريا. فلم يبق من الأدلة المعروفة إلا الدليل الوجودي
أعني ما منه نصيب في نصوص ابن خلدون منذ اللباب. ففكرة الله في
وجدان الإنسان بمجردها تتضمن الإيمان بوجود الله خارج كل وجدان
وهذا هو أصل القفزة التي يشير إليها ابن خلدون: فكرة الله تصور
(ماهية) وحكم (له جهة الوجود) في نفس الوقت[16]. وذلك يقتضي
التخلص من الكلام سواء كان نقليا أو عقليا دفعة واحدة
والاستعاضة عنه بالفن الذي هو أصل التحرر من هذه السبل الأربعة
التي يمكن أن تعتبر مجرد محفزات إليه: التأمل والتفكر والتدبر
الوجودي المحقق لهذه القفزة.
ويستنتج ابن خلدون من ذلك مباشرة نظرية في المعرفة العلمية
المحدودة بعالم المخلوقات دون الإلهيات التي هي مبنية على
التخلي النهائي عن مبدأ العلم الطبيعي أو التعليل السببي: "
(...) وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح
فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور
التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما
وراء طوره. فإن ذلك طمع في محال (....) فاذن التوحيد هو العجز
عن ادراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها وتفويض ذلك إلى خالقها
المحيط بها إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته
وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير[17] "[18]. بعد أن
أشار إلى الخطأ المتمثل في رد الوجود إلى الإدراك: " (...) ولا
تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات
وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه في ذلك واعلم
أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا
يعدوها. والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه"[19].
وسألحق بهذه المسألة الاعتراضات الكلامية على ما قدمته في
المحاولات السابقة. ليس عندي ما أقوله في خلاصة مذهب أهل السنة
في هذه المسائل الخلاصة التي صدر بها الشيخ رده. فهذا كلام لا
معنى له ولا أحد يمكن أن يلخص مذهب أهل السنة لغيره ويحق له أن
يفعل إذا كان قصده محاسبة نفسه في درجات فهمه. فتبقى ثلاث
مسائل كلامية تستحق الفحص:
أولا: الموقف من مذهب ابن تيمية
آمل أن يختار الشيخ بين موقفه في رده الأول الذي حاول فيه أن
يثبت أني تيمي بل ووهابي وموقفه في رده هذا الذي يحاول أن يثبت
العكس. والغريب أنه لم يفهم إلى الآن أنه يتعب نفسه بغير داع:
فأولا لست مترشحا للدخول في الوهابية حتى يتصور نفسه أنه بهذا
سيفسد علي أمرا يظنه مهما. كما أني لست مترشحا للانضمام إلى من
يحاربها حتى يؤلب علي من يظنني أهتم برأيهم أو أعتبرهم ذوي رأي
أعني علمانيي العرب وليبرالييهم[20]. وإذن فكلا السعيين فاقد
لمعناه.
لذلك فجوابي في هذه الحالة هو جوابي في الحالة السابقة: أرفض
كل صيغ العقائد بما فيها صيغ ابن تيمية إذا لم تكن ذات شكل
سلبي أعني مما اعتبره قد اضطر إليه لنقض الصيغ الموجودة في
دعوته إلى العودة إلى القرآن والسنة. الصيغة الوحيدة التي أقول
بها هي نص العقائد في القرآن والسنة. وكما أسلفت في عدة مواضع
الآية 177 من البقرة تكفيني. وصيغ ابن تيمية ليست صيغ عقائد
بالمعنى الذي يريد الشيخ أن يرشدني إليه مشكورا بل هي نقيضها
تماما. ولكن هب ابن تيميه تجاوز ذلك فوقع في فخ من كان يرد
عليهم وماثلهم في بعض ممارساتهم فلن أقبل منه أن يصبح سلطة
بيني وبين القرآن والسنة كما أفهمهما دون علم كلام أعني كما
يفهمهما أي مسلم ذو عقل سليم يخاطبه القرآن بأدلته الفطرية
التي هي غنية عن المنطق الصناعي غناء العقيدة على الصوغ
الصناعي.
والإدعاء إني اهتممت بمذهب ابن تيميه الكلامي أو العقدي تحليلا
موجبا أو سالبا كذب لا يؤيده أي نص من نصوصي. فما يعنيني من
ابن تيمية هو نظرياته في نقض أسس المنطق الميتافيزيقية ونظرية
الوجود والمعرفة البديل من فلسفة أرسطو خاصة وكل الفلسفة
اليونانية عامة سواء في ذاتها أو كما صاغها فلاسفتنا
بمدرستيهما. ولا شيء بعد ذلك في فكره من همومي. أما صيغ
العقائد عنده فهي تخصه هو فضلا عن كوني لا أرى فيها إلا دعوة
إلى القرآن والسنة لتحريرهما من العقائد الكلامية والفلسفية
وليست عقائد إيجابية بمعنى أنه يفرض تصورا عقديا في نص بديل من
نص القرآن يزعم فيه أنه اكتشف تعبيرا أو صوغا أفضل مما ورد في
القرآن محددا للعقائد.
ثانيا: مسألة الكمال وقاعدة (ما جاز لله تعالى وجب له)
من أسخف ما رأيت هو محاولة اعتبار ابن تيميه يمكن أن يكون
منفردا بالقاعدة القائلة إن "ما هو ممكن في حق الله ينبغي أن
يكون واجبا". فهل علينا أن نفهم من هذا الكلام أن الشيخ يؤمن
بأن الله يوجد شيء في حقه ليس واجبا؟ ورغم أني أرفض الخوض في
مسائل الكلام إيجابا فلأقبل عليها سلبا مسلما للمحاور إمكان
الوصول إلى شيء بالعقل في العقائد. فقد أفهم بهذا المنظور أن
يتكلم المرء عما هو واجب وعما هو ممتنع في حق الله. فالأول هو
كل الكمالات. والثاني هو كل النقائص. لكني لا أفهم أن يكون شيء
في حق الله ممكنا دون أن يكون واجبا. وذلك للعلتين التاليتين.
فلما كانت ذات الله واجبة الوجود -وهذه مسلمة خارج النقاش-فإن
الكلام في الإمكان لن يتعلق بذاته بل بصفاته إن سلمنا جدلا
بوجوده في حق الله. والصفات لا يخلو من أن تكون نفسية أو
معنوية (المقابلة بين العقلية والخبرية أو السمعية أرفضها لأن
كل ما يتعلق بالله ذاتا وصفات سمعي كله وما هو عقلي من
الميتافيزيقا وليس من الدين).
1-فإذا كان الإمكان في الصفات النفسية أو الذاتية كان ذلك يعني
بوجه من الوجوه قوة في الصفة ومن ثم في صاحبها لأن الصفة
الذاتية حتى وإن لم تكن مقومة فهي متلازمة مع المقومات طردا
وعكسا فضلا عن كونها تصدر عنها (علما وأن الوحدانية تنفي كل
هذه التمييزات وإلا لحصل في الذات تعدد). فيكون الله غير مكتمل
الصفات النفسية لأن القوة تعني عدم الاكتمال.
2-وإذا كانت في الصفات المعنوية وليكن مثالنا فعل الخلق الذي
اعتبر موقف ابن تيمية تهمة لأنه جعله بالفعل دائما ألا يصبح
السؤال: كيف نفهم تراخي الخلق عن التحقق الفعلي قبل أن يتحقق؟
وكل المهارب التي تحاول أن تبعد التغير عن الخالق لتجعله في
المخلوق لا تحقق الغرض كما سنرى.
فلنقبل جدلا أن الزمان لا معنى له قبل الخلق رغم أن هذه الحجة
واهية لأننا يمكن أن نتصور الزمان بعد أن يبدأ مع خلق أول
مخلوق فعلي قد أصبح مسبوقا بما هو من جنسه على أرضية الدهر أو
القدم في بعده الأزلي كما سيكون متبوعا بما هو من جنسه على نفس
الأرضية في بعدها الأبدي. لكن حتى لو سلمنا بذلك وتغاضينا عن
القبل والبعد على أرضية الدهر فإن فعل الفاعل يكون في حالة
التراخي لم يكن ثم تجدد. فحصل انتقال من اللافعل إلى الفعل في
فعل الفاعل وليس في مفعوله: وفيه إذن قبل وبعد. وليكن الانتقال
في الفعل والمفعول وليس في الفاعل. لكن ألا نكون أمام وضعية
تجدد فيها موضوع قد انتقل من حال هو فيها لم يكن في علم الله
إلا من حيث هو لم يكن قبل أن يتجدد وصار فيها في علم الله وقد
تجدد بعد أن لم يكن؟
ألا يحصل بذلك تغير في العلم أي في صفة نفسية أو ذاتية لله جل
وعلا ؟ أم إن تجدد العالم بالخلق المتراخي لا يمثل موضوعا
جديدا لم يكن ثم أصبح فيكون بعد خلقه كما كان قبل خلقه فنكون
قائلين بقدم العالم من حيث هو "شيء معدوم" أعني حال الإمكان
سواء كان في العلم الإلهي أو في المادة الأولى قبل أن يصبح
شيئا موجودا ؟ أليس ذلك هو عين ما اضطر إليه الاعتزال في ذروته
البهشمية؟ الإمكان في حق الله قول بأنه في ذاته أو في صفاته
الذاتية أو حتى غير الذاتية يعني القول بوجود القوة ومن ثم
بعدم الاكتمال: وهي الآن صارت قوة في أمر جوهري ليس في صفة
الخلق بل في صفة العلم ! وإذن فالحل الوحيد هو ما قال به ابن
تيمية إذا قبلنا بالحجاج الكلامي في هذه المسائل وهو ما لا
أقبله.
ورأيي أن ابن تيميه أيضا لا يقبله إلا بمنطق إلزام الخصوم وليس
للإيمان بفاعليته الإيجابية في العقائد. وليسمح لي كل
المتكلمين بهذا الحكم: فعندي أن كل من يتصور مقولاته العقلية
قابلة للانطباق على العلم بالذات والصفات قد قال بنفي الغيب
وينفي النبوة حتما لأن إمكان مثل هذا العلم مغن عنهما ولأن
الله أعلمنا في القرآن بحدود العلم أولا ونهانا عن تأويل
المتشابه ثانيا (والمتشابه هو أساسا الكلام على الله ذاتا
وصفات) ولأن العلم بالعلم وفلسفة العلم الحديثة كل ذلك بين لنا
أن العقل محدود وأنه في غنى عن تجاوز حدوده ليحقق ما أهل له:
أي إننا صرنا نفهم حكمة الصديق بالمعرفة العلمية.
ثالثا: نفي البرهان العقلي على العقائد
القول بإمكان البرهان العقلي عامة (قضية فلسفية نبحثها تحت
عنوان الأوليات) وعلى العقائد خاصة (قضية كلامية) أسخف فكرة
سمعتها إذا كان القصد بها البرهان الصناعي بالمعنى المفهوم منه
فلسفيا وليس مجرد صحة الصورة الاستنتاجية. أما إذا كان البرهان
بالمعنى القرآني كما يفاد في كلام يوسف عليه السلام (برهان
الرب) فإن الأمر هو بالذات ما أعنيه بالفهم الفطري الذي توجه
إليه الخطاب القرآني المغني عن المتكلمين وعن كل الأوصياء في
مسائل الإيمان. وهذا بالذات أهم حجج ابن تيمية ضد المنطق
الصناعي في العقائد وهو عندما يضطر إليه إنما يفعل ليبين أن
التسليم الجدلي بهذا المنطق يؤدي إلى أن المتكلمين حتى في هذا
المستوى لا يستوفون الشرط الأساسي من ناحيتين:
فالدليل المنطقي الصناعي بأتم معنى الكلمة مستحيل في التطبيق
على الوجود الفعلي من عالم الشهادة فضلا عن الوجود الفعلي من
عالم الغيب لأن كل الضروب من كل الأشكال لا بد فيها من كلية
لتكون منتجة. ولما كانت الكليات ممتنعة التحقق في الوجود لأنها
جميعا إما فرضية ذهنية فلا تنطبق إلا بحدود على أعيان محدودة
مجموعتها هي هي جمل استقرائية ناقصة وليست كليات بالمعنى
الحقيقي للكلمة (المشروط في المنطق)[21] فإن الدليل المنطقي
مستحيل في الوجود الحقيقي وهو من ثم مقصور على المقدرات
الذهنية (كما أكد ذلك شيخ الإسلام فكان بهذه الفكرة وحدها مؤسس
للتمييز الثوري بين العلوم العقلية الخالصة والتي هي بنت
الخيال المبدع أو التقدير الذهني والعلوم العقلية التجريبية
التي هي تطبيقات نسبية للأولى). وفرضية العمل بالمنطق مقبولة
في العلم الدنيوي لأن المطلوب فيه ليس الوصول إلى اليقين بل
إلى معرفة نسبية تمكن من التعامل مع موضوع العلم بحدود ما
يستطيعه الإنسان في لحظة لحظة من تاريخ تطوره المعرفي.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن الله لا يمكن أن يكون أحد عناصر
المجموعة التي نعتبرها ماصدق أي تصور أعني العناصر التي يجمع
بينها اشتراكها في المفهوم أو الصفات التي تحدد ما يقع تحت ذلك
التصور. ذلك أن ذلك لو حصل لكان الله مشاركا غيره في تصور يحده
نفس المفهوم فيصبح مثل أفراد تلك المجموعة ونحن نعلم بنص
القرآن الصريح أنه ليس كمثله شيء. وما أعجب له هو أن الشيخ
يتلكم على الكلي التوزيعي ثم يطبقه في قياساته على الله: فأي
كلي توزيعي يمكن أن يكون فيه الله أحد أفراد ماصدقه حسب رأي
الشيخ المنطيق ؟
لذلك فالقياس مستحيل التطبيق في كل ما يتعلق بالله ذاتا وصفات.
لا وجود لمجموعة صادقيتها تتضمن الله واحدا من عناصرها
العينية. فكل الموجودات مخلوقة والله ليس مخلوقا بل خالق.
والخالق لا يمكن أن يجمع في ماصدق واحد بمفهوم واحد لتصور واحد
مهما كان عاما أو خاصا. فكيف يمكن إذن أن نثبت شيئا بالمنطق في
الكلام على الله ذاتا وصفات ؟ إذا استطعتم إفهام أي إنسان سوي
هذه المسألة سيزول الخلاف في دور الكلام الذي تسمونه علما وهو
ظلم. حلوا هذه المعضلة وسأصبح من الهنود الحمر خانعا قانعا !
يقول الشيخ مبينا قدرته التنجيمية العجيببة على التوقع أنه قد
أعلم الكثير من طلبته قبل حدوث هذه الأحداث بما سيطرأ لعقيدتي
وفكري منذ أمد طويل ومن ثم فهو قد كان ينتظرني في المنعرج كما
يقال. ثم يضيف في رده الحالي: "ونحن نتوقع للدكتور أبي يعرب أن
يقع في تناقضات واضحة مع ابن تيمية في هذا المجال". ولم يكن
يعلم أن أبا يعرب صاغ هذه التناقضات في أكثر من مجال ومن ثم
فلا حاجة للتوقع لأن الإعجاب ببعض آراء ابن تيمية لا يعني
عبادته أو عدم تجاوزه. ولأبدأ فأقول بصورة عامة: لا مانع عندي
من تسليم قدرات الشيخ التنجيمية في توقع ما هو ثابت قبل
التوقع في أعمال منشورة منذ عقدين.
فلا تكتف بالتوقع حتى ولو كذب النبي المنجمين في حالة الصدق
(لأن الصدق عندهم لا يكون على علم بل بمحض الصدفة) بل سأريك في
هذه المحاولة علل التناقض الضرورية مع ابن تيمية ليس أحيانا
فحسب بل في أغلب الأحيان إذا نظرت في ما يعنيني من فكره من حيث
صلته بالقضايا التي أعالجها في مساري الفكري وحاجة الأمة إلى
بعث قوى الخيال الإبداعية. فما زعمت يوما في حياتي أني ظل ابن
تيمية أو قائل بكل ما يقول به. ولا ظل أي أحد آخر غيره من
الشرق (الذين لي شرف التتلمذ الصحفي لسوء الحظ على فحولهم
لأنهم جميعا من الماضي السحيق ولا يوجد فحول حلال القرنين
الأخيرين يمكن التتلمذ عليهم) أو من الغرب (الذين لي شرف
التتلمذ الحي على فحول فحولهم في الفلسفة والقانون والاقتصاد
لأن الكلام في مسائل الأمة يحتاج إلى تعدد الفنون ياشيخ ولا
يكفي فيه الشروح وحفظ المتون !).
وحتى كنط وهيجل فإنهما لا يمثلان القدوة عندي: قدوتي الوحيدة
بعد نص القرآن هي سنة الرسول. ولما كان الشيخ يزعم أنه قرأ
كتابي ما دام قد علق على مسألة من مسائله (الكوجيتو) فقد كان
من المفروض ألا يزعم ما زعم في تبني لأفكاركنط وهيجل (وحتى لا
أحرجه كثيرا لن ألح في سؤالي: كيف عرف تأثري وهو لا يعرف فلسفة
من يدعي أني تأثرت به هل قراءة التلاخيص المدرسية تسمى معرفة؟
لعل الطالب الذي يتمسح به ويتكلم في الفلسفة قد أطلعه على علمه
اللدني رغم أن عجلته تحول دونه وتعلم أي شيء ذي معنى). وقد
بينت خلافاتي مع شيخ الإسلام وعللها في الكثير من كتاباتي فأرح
نفسك. وجئنا بغيرها.
ولنأخذ الأمثلة العينية التي ضربها الشيخ بعد المسألتين
المبدئيتين السابقتين: التجسيم والتشبيه. وللعلم فإني لا أفهم
كيف يفهم هذا المتشايخ. أقول له إن كل قضايا الكلام سفسطات لا
معنى لها حتى لو كان القائل بها ابن تيمية فيحاول أن يبين أني
أناقض ابن تيمية في كذا وكذا. ما هذه المماحكة والسفاسف؟ متى
يفهم هذا الرجل أننا في علوم الشهادة نرضى بالعلم النسبي ويمكن
أن نحتكم إلى المنطق شكلا وعند تراجح الأدلة يكون الترجيح بين
التفسيرات الفرضية بالعودة إلى حكم فاصل إحصائيا يؤيده إجماع
أهل الاختصاص قصدت الاحتكام إلى التجربة وأن الرضا بالعلم
النسبي متناقض مع مطلب اليقين في العقائد وأن المعيار المحتكم
إليه في علم الشهادة منعدم في علم الغيب أعني في كل ما يتجاوز
التجربة؟! فعندما نكتفي بالصورة المنطقية يقتصر الخلاف على
الكلام على صيغ الحدود والمفروضات الأولية إذا سلمت الصورة
فتكون الأنساق الفكرية عندئد متماثلة شكلا ومختلفة بمفروضاتها
ولا يمكن حسم الخلاف فيها بالتشقيق اللفظي ولا يصح عندئذ حتى
المقارنة بينها فضلا عن المفاضلة إلا بالتشقيقات اللسانية التي
لا تقدم ولا تؤخر. وذلك هو الغالب في علم الكلام.
وليكن مثالنا الأول التجسيم: جعلت ابن تيمية يقول بالتجسيم
لأنك تتصور أنه قال بما يلزم عنه القول بالتجسيم. هب أني قبلت
سخف الدخول في مناقشات كلامية وقبلت أن الإلزام بلوازم الأقوال
حجة في الكلام وهو ما لا يسلمه أحد من المتكلمين إلا عنتا
ومماحكة فهل كان يمكن لك أن تستنتج اللوازم من غير حد معين
اخترته لتصور الجسم ولتصوراتك للوازم ؟ فمن أين أتيت بهذه
الحدود؟ هل هي من المعاجم ؟ وهل سلمها لك خصيمك ؟ أم إن معجم
العربية يكفي ليكون الحكم الفصل في قضايا العقيدة ؟ أم إن
تعريفاتك نبعت بالتولد الطبيعي من إدراك معصوم لحقائق الوجود
فيكون من حدسك أنت وتصبح تجربتك الشخصية الحكم الفصل في قضايا
العقيدة لكل مسلم ؟ أم أنت رسول يوحى إليك فيكون كلامك هو
الفهم الوحيد لما جاء في القرآن الكريم ؟ لماذا لا تدعي النبوة
أو الإمامة أو القطبية أو كلها جميعا فتكون اللبنة الذهبية
الحاتمية ؟ إذا لم تتفق مع ابن تيمية على المقصود بالجسم فكيف
تتهمه بالتجسيم؟ هل يوجد معجم موحد بين المتكلمين ؟
ثم خذ عندك مثال الجزء الذي لا يتجزأ لصلته بالجسم. حده لي !؟
فإذا كان لا يتجزأ فينبغي ألا يكون بوسع الفكر أن يميز بين
وجهيه لا أفقيا ولا عموديا. ينبغي أن يكون صفيحة بلا سمك في أي
اتجاه نظرت إليه. ذلك أنه بخلاف ذلك يصبح ذا مقدار متصل يصل
بين الوجهين فيحفظ وحدة الجزء الذي لا يتجزأ. ولما كان المتصل
قابلا للقسمة إلى غير غاية كما أظنك تعلم بات ما لا يتجزأ
يتجزأ. وهبك الآن قلت بالخط الأفلاطوني اللامنقسم (سأسلم أنك
قرأت مقالتي الميم والنون وفهمتهما) واعتبرته الجزء الذي لا
يتجزأ فهل تميز بين يمين هذا الخط اللامنقسم ويساره وبين فوقه
وتحته أم لا ؟
فإن فعلت فبم؟ بم إذا لم يصل بينهما حد ذو مقدار يثبت الاتصال
لامتناهي القسمة في ما لا ينقسم !؟ فهذا الحد مهما كان دقيقا
لا بد له من شيء يميز بين وجهي الجزء للجوار الأفقي
(يمين|يسار) وللجوار العمودي (فوق|تحت) ؟ ألا ترى أن هذا
الكلام حتى لو سلمنا به بمعنى رياضي لا يمكن أن يكون أصلا يبنى
عليه دليل الحدوث بعد أن نزعم أن هذا الجزء سواء كان بمفرده أو
بمزاوج له واحد أو أكثر مكونا للجسم الذي لا يفارق الأعراض
والأكوان التي هي دائمة التجدد لأنها لا تبقى زمانين فيكون من
ثم حادثا فيحتاج من ثم إلى محدث ؟
أما الجوهر بمعناه المشائي فهو من باب أولى مناف بإطلاق
للاستدلال بالإمكان على الحدوث أو بالحدوث على الإمكان قبل
الوصول إلى المرجح أو المعلل. ذلك أن الجوهر من شرطه قبل أن
يصبح بالفعل أن يكون قد كان بالقوة والقوة بالجوهر أمر غير
ممكن تصوره إلا من حيث تعيناته القوي عليها رغم كونها مسلوبة
الوجود الفعلي قبل حصوله فتكون بهذا المعنى واجبة الوجود القوي
دون تعيين واجب لما يحصل منها أو إن شئنا فإن إمكانها وجوبي
لأنه بمعنى عدم الامتناع المطلق أو الإمكان المطلق الذي يكون
بعضه واجبا بغيره وبعضه يبقى ممكنا وقد يحصل حصولا عرضيا.
وبذلك ترى أن مجادلتك حتى بمنطلقاتك تبين امتناع الذهاب إلى
أكثر مما اعترف به جل الفحول: سلاسل من المقدمات والنتائج لا
تغير الحقيقة التي تجري في حلقاتها لأنها تكون دائما مطبوعة
بما وضع فيها من البدء أعني المفروضات أو الأحكام المسبقة أو
الأوهام لأن كل ما نتصوره حقائق أولية يمكن تطبيقه على الشهادة
التي يكفي فيها النسبي ولا حاجة إلى اليقين بخلاف الغيب الذي
لا يكفي فيه النسبي ولا بد فيه من اليقين. ولذلك فلا فائدة
معرفية إطلاقا من تشقيقات الكلام إلا كما قال ابن خلدون فائدة
التمرين الذهني. ولما كان هذا التمرين يمكن أن يحصل في مواد
أخرى أكثر فائدة من حيث طبيعة التمرن ومن حيث ثمراته وخاصة من
حيث اختبار الملكة الحاصلة بات الكلام ضرره متقدما على نفعه
كالخمر أو أشد. فالرياضيات والمنطق والعلوم الطبيعية والعلوم
الاجتماعية والعلوم اللسانية إلخ...كفيلة بالتمرين وفوائدها لا
أحد يجهلها ويكفي ما نراه من تخلفنا وضعفنا بسبب غيابها حتى
نعلم ما تمكن منه بحضورها بما نراه عند الأمم التي غزتنا وتغزو
الكون.
ولا تتصور ابن تيمية تجاوز هذا الهدف في تعاطيه مع الكلام حتى
وإن أفرط في سياسة سد الذرائع الفكرية كما سنرى: بيان عدم جدوى
الكلام في العقائد وليس بيان العقائد به. فمحصل قوله هو أن كل
ما يقوله المتكلمون لإثباته بالكلام يمكن نفيه به وكل ما
ينفونه به يمكن إثباته به وأن الكلام ليس شيئا آخر غير السفسطة
لأن السفسطة ليست القول بأن العجز عن الإدراك إدراك بل هي
الزعم بإدراك ما يمتنع إدراكه: هي تنفي العلم بالعلم عامة
وليست تبين حدود العلم بالعلم هلا فهمت الفرق ؟! وبيان حدود
العلم بالعلم هو جوهر العلم والإيمان معا: إنه علم الإنسان
بمحدوديته ومن ثم إيمانه بأن المطلق الوحيد هو الله وهذا هو
الدليل الوجودي الملازم للكوجيتو ياشيخ ! فاستعرض عضلاتك
الهزيلة على من تحاول جعلهم أميين حتى تتشيخ كما هي عادة
مؤسسات التعليم في عصر الانحطاط ؟!
والله أعلم.
المسألة الثانية
تشخيص الأمراض الفلسفي وصلته بقضايا الميتافيزيقا
تكوينية الطاغوتين الكلامي والفلسفي وشروط التحرر منهما
بمعناهما التقليدي أعني الدغمائي لما له من صلة بعلل التخلف
الفكري في مستويي الهم الفكري الإنساني عامة أعني الفكر:
1-من حيث هو أداة لتحقيق شروط الاستخلاف في الدنيا وتلك هي
وظيفة العمل من حيث هو عبادة لتعمير الدنيا
2-والفكر من حيث هو غاية الاستخلاف المعد للحياة الروحية مدخلا
للآخرة وتلك هي وظيفة العلم من حيث هو عبادة لتعمير الآخرة.
وبهذه المسألة المصيرية نلحق القول في اعتراضات الشيخ الفلسفية
والمنطقية على ما قدمناه في محاولاتنا السابقة. فهل توجد
علاقة وطيدة بين بقايا علم الكلام والفلسفة الوسيطين والتخلف
الفكري في مستويي الهم الفكري الإنساني بوجهيه كما وصفناهما
في صوغ هذه المسألة ؟ وكيف نفهم هذه العلاقة إذا صح أنها
موجودة ؟ الهدف هو الجواب عن هذين السؤالين خلال علاجي بعض
الاعتراضات الفلسفية التي وردت في جعبة الشيخ مدعيا أنها علوم
علمني إياها: ذلك أن الفكر يسترد شرطي فعاليته بمجرد أن يتحرر
من الموقف الذي يلغي بهذه الاعتراضات كل وعي بهما فيفقد
الإنسان معاني الإنسانية بمصطلح ابن خلدون أعني حرية الفكر
النظرية المبدعة وحرية الإرادة الخلقية المسؤولة عند جميع
أفراد الأمة[22].
سأقصر الكلام على قضيتين متلازمتين هما قضية الكلي وقضية
الكوجيتو لما لهما من دور في فهم ما تعاني منه النهضة الفكرية
العربية. أما مسألة البديهيات بصنفيها فهي قد نالت ما يكفي من
التحليل في المحاولة السابقة تحت عنوان أصناف قطع التسلسل
وأساسي العلم النظري والعملي في نظرية المعرفة والقيمة والوجود
الميتافيزيقية التي سادت على ما شاع من الفلسفة القديمة
والوسطية عندنا وفي الغرب[23].
القضية الأولى: المنطق أو الإضافة العربية وفي إطارها تأتي
مسألة الكلي والكل والوجود الخارجي.
تكلم الشيخ على أمر لم يستطع توصيفه التوصيف العلمي الدقيق رغم
تبجحه بالمعرفة العلمية الصارمة لما أشار إلى معنى الكلي الذي
توصل إليه المناطقة العرب وهو في الحقيقة ليس بالأمر المجهول
لأي دارس للفلسفة العربية: لأن الأمر يتعلق بالتعريف التوزيعي
للكلي عند ابن سينا. فما يسمى بالكلية التوزيعية يجعل المقصود
بالكلي الأعيان الفردية التي تكون بجملتها ماصدق التصور
لاشتراكها في مفهومه[24]. فيكون المقصود بالإنسان الكلي أفراده
أي زيد وعمر وصالح وسعيد إلخ....وليس معنى قائما بذاته. ولا
بأس من هذا التصور: فلا يزايد الشيخ علينا لأننا كما يعلم
نعتبر ذلك أيضا مما استقر عليه رأي ابن تيمية أعني نفي وجود
الكلي في الأعيان وحصره في وجوده في الأذهان.
لكني أقبل به مع العلم بشروطه ماهي ولم هي لا تحل المشكل الذي
نحن بصدده. فهل بوسع الشيخ أن يوزع مفهوم تصور الإنسان (أعني
عبارة حده) على كل الأفراد وهم بعضهم لم يعد موجودا وبضعهم لم
يوجد بعد ولا شيء يثبت أن هؤلاء جميعا يصح عليهم تصور الإنسان
بمفهوم واحد ثابت هو حده إذا لم نضطر كما اضطر ابن سينا وحتى
الرازي إلى القول بوجود ما للكلي في ذاته (سواء كان في العناية
الإلهية عند الأول أو في الوجود الخارجي عند الثاني) لأن ذلك
شرط الشروط في ما ينسب إلى البرهان العقلي من فاعلية ؟ لما قال
ابن تيمية بالطابع الذهني للكلي صار نفى القوة البرهانية
للكليات القياسية نتيجة لازبة. إذ كيف تصح صورة الدليل إذا
تغير مفهوم التصور الذي هو أحد حدود القياس ولم يبق ثابتا بصرف
النظر عن مصير أعيانه أعني أفراد صادقيته[25] ؟ من يعطيه ضمانه
ثبات الصورة ووحدتها حتى يتمكن من تصور ما بين حدود القياس
المسورة ما بينها من علاقات أمرا ثابتا يستطيع بفضله نقل الصحة
العلمية من المقدمتين إلى النتيجة ثم من نتائج الأقيسة السابقة
إلى مقدمات الأقيسة اللاحقة في نسقه النظري ؟
وهبنا فرضنا ثبات الحدود في الخطاب فهل عند الشيخ ضمانه لثبات
المحدودات في موضوع الخطاب الذي هو من الظاهرات الخارجية عن
الذهن والخطاب؟ هذا إذا تلكمنا على الوجود في عالم الشهادة.
فما بالك إذا تجاوزناه إلى عالم الغيب؟ لا شك أن القول
بتوزيعية الكلي يمكن من أن نطبق عليه حساب المجموعات الرياضية
إذا بقينا في المقدرات الذهنية حيث تكون فكرة اللامتناهي
بالقوة قابلة للتصور. لكن إذا طبقناها في الوجود الفعلي فينبغي
أن يصبح اللامتناهي موجودا بالفعل: فكيف سنقيس عندئذ ؟
فلن يوجد في تلك الحالة أي كلي حقيقي حتى بالمعنى التوزيعي
كما برهن على ذلك ابن تيمية لأن الاستقراء لن يكون تاما أبدا
في أي كلي إذا كانت أعيان ماصدقه ذات وجود فعلي وليست مجرد
مقدرات ذهنية. لذلك فابن تيمية كان أول من اعتبر القياس
الأرسطي قابلا للرد إلى حساب المجموعات الرياضية بشرط حصر
استعماله على علاقات المقدرات الذهنية لكنه غير قابل للانطباق
في علم الموجودات الفعلية إلا بحدود النسبية التجريبية في
العلم بعالم الشهادة: والمعيار هو المحسوسية الممكنة[26] أو
بلغتنا الحديثة التجربة الممكنة.
ذلك أنه إذا طبق على معطيات التجربة فإنه يصبح فاقدا لأساسه
الأول والأخير: المطابقة بين الحدود والمحدودات والثبات في
الأمرين وثبات النسبة بينهما. وهي شروط مستحيلة الإثبات لغياب
شرطها أعني العلم المحيط فلا يبقى إلا القبول بالاستقراء
الناقص أو بمجرد الفرض فيصبح العلم من مجال العالم الافتراضي
ككل العلوم النظرية الفرضية. قطع عملية الاستقراء وأخذ الجماعة
الاستقرائية على أنها كلي مقبولان في المعرفة الدنيوية التي هي
نسبية بدرجة الدقة التي تسمح بها أدوات القيس العلمية. لكن إذا
أردنا طلب اليقين في مجال المعرفة الدينية فإن كل رضا بالتقريب
والنسبي يلغي فائدة العملية من الأساس: ما الفائدة من طلب
اليقين بطريقة نسلم من البداية أنها افترضت إطلاقا في أدواتها
تعلم من الأصل أنه منعدم. أليس ذلك مغالطة بل وخداع للذات؟
وبهذا المعنى فإن كل الخلافات تزول إذا قبل الشيخ أن العلم
مقصور على عالم الشهادة بمعايير العلمية النسبية التي يتواضع
عليها جماعة العلماء بحسب أصناف الاختصاص. والأمر في هذه
الحالة يكون من جنس درجات الدقة في الوزن. ففي الذهب يكون
التدقيق بالغا مبلغا يحرص الجميع على جعله بأقصى دقة ممكنة وفي
غيره يختلف الأمر. وكذلك الشأن في كل العلوم الدنيوية: الدقة
العلمية إضافية إلى طبيعة المعلوم وكفاءة المنهجية وهي دائما
نسبية. فتكون الحقائق العلمية بهذا المعنى ذات حقيقة إحصائية.
مثال ذلك أن كل كلامنا عن الأرض يفترض أنها كروية وهو ما يعني
أننا نجرد الشكل الكروي من كل التضاريس لنيسر استعمال
المعادلات الرياضية. لكننا نعلم بأي مقدار من الدقة يكون ذلك
فندخل ما جردنا في الحسابات عندما نحدد معادلات القذائف
وقوانينها في الحروب مثلا أو عندما نحدد مسار السفن.
لكن ذلك الأمر غير مقبول إذا كنا نريد اليقين لأن الحقائق
الدينية أغلى من ذهب العالم كله بل هي لا تقبل التقدير أصلا إذ
هي عين معنى الوجود. لذلك فدقة موازينها ومعايير العلم فيها
ينبغي أن تكون مطلقة. وإذ هي غير متوفرة فالأفضل التخلي عن وهم
العلم اليقيني في مجال الإيمان والقبول باليقين الإيماني
استنادا إلى برهان الرب في القرآن الكريم. فليس يمكن لي
بالمنطق أن أصل إلى اليقين إلا إذا انطلقت منه لأن المنطق لا
يضيف شيئا في العملية المعرفية غير نقل الحقيقة من المقدمات
إلى النتائج بمقدار ما فيها من صحة لا أكثر ولا أقل. فإذا
انطلقت من فرضيات كانت النتائج فرضية. وإذا انطلقت من
استقرائيات كانت النتائج من حيث طبيعة الحقيقة التي توصل إليها
استقرائية رغم كونها استنتجت استنتاجا من المقدمات. فيكون
الاستناج مجرد خط نقل كخط الهاتف وليس معينا لطبيعة الحقيقة
التي نتجت عنه. وإذا كانت دجمائية فنفس الأمر وهكذا.
ولهذا فإني لا أفهم أن يغضب الشيخ وجماعته عندما أقول لهم إن
البديهيات ليست حقائق مطلقة كما يتوهمون بل هي مواضعات عملية
لبناء أنساق المعرفة النظرية من أجل التعامل مع عالم الشهادة
لكنها ليست يقينية بحيث تمكن من بناء أنساق معرفة في التعامل
مع عالم الغيب. ففي العالم الأول أستطيع أن احتكم إلى التجربة
أما في العالم الثاني فليس لي هذا المعيار. وليس عندي مزيد في
هذا المجال لأن من لم يفهم هذا يكون معاندا ليس للعقل وحده بل
وكذلك للقرآن: فهو قد ميز بين عالم الغيب وعالم الشهادة وميز
بين العلم المحيط الذي ينفرد به الله دون سواه ويستثنى منه حتى
الأنبياء والعلم "بما يشاء أن نعلم من علمه" أعني العلم
الإنساني. وهو قد نهى عن الكلام في الغيبيات بالنهي عن الكلام
في المتشابه معتبرا الإقدام عليه دليلا على زيغ القلوب وابتغاء
الفتنة وتجنبه دليلا على الرسوخ في العلم. وأخيرا فإن العلم
الإنساني لو كان يقدر على البرهان في الغيبيات[27] لاستغنينا
عن الوحي.
القضية الفلسفية الثانية: الكوجيتو[28]
ومن التعالم الذي لم أجد له تعليلا غير الجهل بتاريخ الفكر
الفلسفي استعمال الشيخ منطقا تجاوزه العصر أرسطيا كان أو
عربيا. وسأحاول أن أتكلم في ما كنت أظنه معلوما لأنه عندي من
الزاد العادي لكل مختص في هذه المسائل سأحاول حتى أبين أن ما
حاوله الشيخ ممتنع في قضية الكوجيتو لعلتين: عامة وخاصة
بمسألة الثورة الديكارتية.
علة عامة تتعلق بطبيعة الحدود التي هي تصورات عامة تسور
بالمعنى الأرسطي القديم أي بكل وببعض (وهو غير التسوير الحديث)
أيا كان الكيف في القياس الأرسطي حتى لو قبلنا بأن العرب
أولوها بمعنى يقتضي استعمال التسوير الحديث فتعاملوا مع أضربه
بما يشبه حساب المجموعات فلم تستثن حدود القياس عندهم الأشخاص.
وقد أشرت منذ المحاولة الأولى إلى التسامح وعدم احترام المناطقة
لاستثناء الأشخاص في المنطق الأرسطي لظنهم أن الشخصية لها قوة
الكلية وهو ما لا حاجة إلى التصفيق لذكري إياه. فقد اعتبرته من
النص الأول مسامحة ما يعني وجوده تاريخيا فضلا عن كوني عللت
هذا التساهل النظري بالحاجة العملية إليه (لأن الأقيسة في
العلوم العملية شخصية وهي لا تعد علمية عند أرسطو: كما في
استدلال الروية في حالات الاختيار والتدبير العملي).
علة خاصة بظرف الكوجتيو وتتعلق بما يترتب على الانطوائية التي
لا تكتفي بالاعتراضات التي ذكرنا حول الكلي وطبيعة الحدود في
القياس بل تتعداها إلى نفي كل شيء باستثناء الحالة الشعورية
اللحظية لإدراك صاحب الكوجيتو. ذلك أن الأمر لا يتعلق باستدلال
في حالة طبيعية يكون فيها مفهوم المجموعة والكلي وقوانين
المنطق إلخ.. أمورا مسلمة عند صاحب الكوجيتو. وبعد تعريف القصد
من العلتين سأعالج المسألة من الوجهين مفصولين ثم مجموعين.
ولنبدأ بالوجه العام. فلما تكلمت على اعتبار أرسطو حدود قياسه
الثلاثة متغيرات بالمعنى الرياضي قصدت أنها متغيرات قيمها ليست
الأشخاص بل المعاني الكلية التي تعرف الأشخاص (أي إنه بمنظور
مفهوم التصورIntension وليس بمنظور ما صدقه Extension ) لأنه
يرمز إليها بحروف تمثل خانات خالية تعوض بحدود كلية هي صفات
الأشياء دون تعيين إلا عند التطبيق وهي قابلة للتبعيض (وهي إذن
الصفات العامة المحددة لمفهوم التصور وليست مجموعة أفراد
الماصدق)[29]. ويمكن أن توضع في هذه الخانات الخالية قيم هذه
المتغيرات قيمها التي هي بدورها كليات وليست أشخاصا فتتعين.
لكن الشيخ ظن أني أتكلم على تغير كل عين من الأعيان التي
تتألف منها صادقية التصور تغيرها بالمعنى الفيزيائي أي بمعنى
عدم ثبات كيانها في الوجود الفعلي وليس بمعنى قابليتها لأن
تكون قيمة توضع في الخانة.
وظن أن هذه المتغيرات عندما تتعين في القياس الأرسطي يبقى
القياس قياسا خالصا يعالج الصورة ولا يتحول إلى تطبيق للصورة
فتكون الصحة الاستدلالية مضمونة عنده. فبمجرد تعيين قيمة
الحروف التي تمثل الحدود باختيار حدود كلية معينة ننتقل من
القياس الصوري إلى القياس المطبق ولا أقول المادي لأني أرفض
هذا المصطلح الذي يستعمله البعض مسامحة فيتكلمون على المنطق
المادي. والمتغير الذي هو حرف يرمز إلى خانة خالية تتعين
بتعيين الحد الموضوع فيها هو قبل التعيين يكون كليا مطلقا ليس
يمكن أن يكون استقرائيا أو توزيعيا إذ الحرف الذي يمثل الخانة
من جنس كفة الميزان يزن ما نضعه فيه وهو بعد التعيين بما يوضع
في الخانة الخالية بدلا من الحرف يصبح كليا فعليا ومن ثم فهو
استقرائي ناقص أو كلي فرضي أساسه وهم الاستقراء التام.
أما بعد التعيين فإن الرموز التي هي خانات تصبح ذات مضمون كلي
معين يوضع فيها فيكون الكلي عندئذ حتما شبه كلي وليس كليا لأنه
يكون استقرائيا إذا أخذناه مأخذ المعطى الفعلي في كلام خبري.
أما إذا أخذناه مأخذ المعطى المفروض في كلام شرطي فإنه يمكن أن
يكون عندئذ قابلا لأن يعتبر أقرب إلى الكلي المطلق لأن أخذه
هذا المأخذ يعني أننا افترضناه مطابقا لحده فيكون من جنس
مطابقة رمز الحدود لذاتها (أ=أ وب=ب وج=ج) لكن لا شيء يثبت أن
قيمة أ وقيمة ب وقيمة ج قيمها التي عوضناها بها في استدلالنا
وجميعها كليتها استقرائية يمكن أن تكون حقا مطابقة لحدها أو هي
قابلة أن تبقى على تلك المطابقة (وهنا يتدخل التغير الطبيعي
وليس التغير بالمعنى الرياضي).
فلو استبدلنا حدود "بربراbArbArA " ( المقدمتان والنتيجة
ثلاثتها ذات سور كلي من حيث الكم وموجبة من حيث الكيف) ب"كل
الناس مائتون" و "كل العرب ناس" وإذن ف"كل العرب مائتون" نكون
قد انتقلنا من أ و ب وج التي هي خانات خالية تقبل التعويض بقيم
هي هذه الحدود العينية التي هي البشر والمائتون والعرب. في
حالة أ و ب وج الخانة خاوية وهي كلي مطلق بمقتضى التعريف
الوضعي: نحن وضعناها كما نضع كفة الميزان الخاوية التي نضع
فيها الموزونات. لكن بمجرد أن أضع الموزونات في كفة الميزان
يصبح المشكل رهين أمور تتجاوز الصورة ولا تقبل إلا بعد أن
نفترض قدرا معلوما من المطابقة بين الحدود التي وضعناها في
الخانات الخالية والمحدودات بها وبعد اعتبارها كليات تامة أعني
جامعة مانعة لما يقع تحت مفهوم تصورها أي عبارة حدها[30]:
إنسان جامع لكل الناس مانع لمن سواهم عرب جامع لكل العرب مانع
لمن سواهم ومائت جامع لكل المائتين مانع لمن سواهم. فمن أين لي
بذلك ؟ ولم يبق إلا أن آخذ ذلك على أنه استقراء ناقص أو على
أنه افتراض مؤقت إلى أن تكذب التجربة هذا الاستقراء.
وهذا العلاج العام يعد إلى المسألة في خصوصيتها الديكارتية
سواء انطلقنا من انطوائية الشكاك أو غضضنا عنها الطرف. فإذا
غضضنا الطرف تساءلنا عن صحة الكلية في "كل من يفكر موجود" وعن
صحة من يدعي "أنا أفكر" وأن "حصول التفكير يلزم عنه حصول
الوجود " إلخ.... لكن الانطلاق من الانطوائية الديكارتية هو
الذي يبين دور الخصوصية ليس في المسألة المنطقية وحدها بل في
كل الفكر الفلسفي نظريه وعمليه ومعه الفكر العلمي والديني
والسياسي: فمنه تنبع كل مقومات الفكر الحديث على الأقل عند
الغربيين.
وقبل أن أواصل تحليل الكوجيتو لبيان ما فيه من ثورة تزول بمجرد
أن نطبق عليها الضرب الأول من الشكل الأول ينبغي أن أنبه الشيخ
بصورة عرضية وسريعة إلى أمر دقيق عله يفهم أن "أنا أفكر" ليست
قضية تامة وليست حتى كلاما يخبر عن حالة بل هي حالة معيشة: ما
نبحث فيه ليس هل قال ديكارت "أنا أفكر" بل حالة "أنا أفكر" هل
يمكن وضعها في القياس فنعتبرها قضية مؤلفة من موضوع ومحمول.
إنها ليست قضية مؤلفة من موضوع هو "أنا" ومن محمول هو "أفكر"
بل هي حالة وعي عاشها ديكارت: "أعي أنا أفكر (الآن وهنا)". ومن
ثم فهي لا يمكن أن تكون مقدمة إلا إذا قال حاكم من خارج في
جملة خبرية: <"ديكارت (هو) على وعي بحالة أنا أفكر">.
فحالة الوعي"أنا أفكر" كلها محمول لموضوع مقدر هو من يصفه
الملاحظ من خارجه فيعتبره يعي حالة "أنا أفكر" ويحمل عليه هذا
المحمول ليخبرنا بذلك. فإذا غادرنا هذه الحالة واعتبرنا ديكارت
مخبرا بها فينبغي أن نصرح بالموضوع المضمر: فلا أحد سمع بموضوع
يحكم بنسبة محموله إلى ذاته بل الذي يحكم بنسبة المحمول إلى
الموضوع هو الملاحظ الخارجي الذي يقضي بالعلاقة بين الموضوع
والمحمول وهو غيرهما وإذا كان نفس الشخص فإنه يحتاج إلى أن
يكون في موقعين مختلفين موضوع الخبر وموضوع الحالة التي تحمل
عليه. فيكون أصل الكلام التام هو حكم موضوعي من خارج كلام
ديكارت واصفا نفسه في وعيه بأنه واع بحالة "أنا أفكر". فالقضية
التامة هي:
1-الموضوع: ديكارت (وهو موضوع مضمر) +
2-الرابطة الوجودية: (هو أو موجود)+
3-المحمول: (حالة) أنا أفكر.
ولذلك فالضرب الأول من الشكل الأول مستحيل التطبيق ليس بسبب
المقدمة الكبرى فحسب بل لعدم وجود حد أوسط لأن "مفكر" غير
(حالة) "أنا أفكر" إلا إذا قبلنا بأن "المفكر" و"أنا أفكر"
يمكن أن يعتبرا نفس الحد فيكون أي منهما بديلا من الثاني: لا
أظن الشيخ يشكك في أن القضية مؤلفة من حكم هو فعل الحاكم ومن
مضمون قضوي هو حقيقة الأمر المحكوم فيه أعني العلاقة بين
الموضوع والمحمول كما وكيفا. ولعل هذا الوهم هو الذي يجعل
المتكلم يظن انه يثبت وجود الله بالعقل حقا لأنه يعيش حالة
إثباته بالعقل. فماذا عندي في حالة الكوجيتو ؟ يمكن أن أتسلم
المقدمة الكبرى وأهمل أن ديكارت لا يستطيع بعدُ تسلمها لأنه لم
يخرج بعد من الشك في شيء إذ هو تخلص من كل معلوماته: كل مفكر
موجود. لكني لا أستطيع أن أسلم: "ديكارت مفكر" . فما عندي هو
حالة: "أنا أفكر" (المحمول) من دون موضوع وعلي أن أقدر موضوعا
أنسب إليه هذا القول لأحكم بحصول المضمون القضوي أو بعدم
حصوله.
فلا أستطيع إذن أن أنتج: "إذن فديكارت موجود" حتى لو كان القصد
بعد ذلك نفي النتيجة لأنها ممتنعة بسبب عدم وجود شروط المقدمة
الكبرى علما وأن هذا النقد للقضية الكلية عندما تؤخذ مقدمة
قياس يصح على كل مقدمة كلية موجبة كانت أو سالبة لأن من شروط
صحة كليتها أن تتضمن ما ستنتجه. لذلك فكل مقدمة كلية تعاني من
المصادرة على المطلوب دائما بصرف النظر عن مثال الكوجيتو. وتلك
هي علة رفضها من جل الكبار في العلم حتى وإن قبلوها في الجدل.
ما ينقص قياسي هنا هو المقدمة الصغرى وليس المقدمة الكبرى
فحسب: لا وجود للحد المشترك. فشتان بين الحد "مفكر" في المقدمة
الكبرى والحد حال ديكارت"أنا أفكر" في المقدمة الصغرى.
ولنعد الآن إلى ما هو أهم لكونه أصل كل الثورة الفلسفية
والكلامية التي بينت في الكثير من المواضع أنها متقدمة في
فكرنا على فلسفة ديكارت بأشواط: في النقد التيمي والخلدوني
للأسس الميتافيزيقية للمنطق ونظرية المعرفة الأرسطيين. فخصوصية
علاج المسألة من منظور الكوجيتو تتمثل في حصوله ليس بعد التجرد
من الكليات فحسب بل ومن كل شيء وأولها المدارك المعرفية جميعا
حسيها وعقليها. لم يبق أمام ديكارت إلا حالات شعوره الشاك
وواحدتها الأولى التي هي الأمر الوحيد الذي لم يستطع الشك المس
به هي "أنا أشك". فالكوجيتو في الأصل هو "أنا أشك فإذن أنا
موجود" وليس "أنا أفكر فإذن أنا موجود" لأن أصلها هو بيان أنه
بقدر ما أتصور قوة المغالطة التي أنسبها إلى فرضية الشيطان
الماكر يزداد شكي فأتأكد بأن حالة "أنا أشك" حقيقة فعلية لأني
لم أستطع أن أشك فيها ومن ثم فهي عين حالة "أنا موجود" مباشرة
ودون وساطة منطقية[31].
لكن الذي عاش حالة "أنا أشك" هو أنا (ديكارت) والذي عاش حالة
"أنا موجود" هو أنا (ديكارت) (ولست أدري كيف علم ديكارت الوحدة
بين الأنائين حتى يزعم أنه ديكارت كذلك لولا حالة ثالثة هي
الحالة الواصلة بين حالتي الوعي الشاكة والموجودة) ولا وجود
لغير "أنا" الشاك و"أنا" الموجود فكيف لي بالمقدمتين ؟ كيف لي
بمقدمة "كل من يشك موجود" وليس عندي إلا أنا واحد وكيف لي
بمقدمة تقتضي أن تكون "أنا أشك" دالة على أني واحد من مجموعة
الشاكين حتى أنتج أني واحد من مجموعة الموجودين بمنطق الكليات
التوزيعية الذي اعتبره الشيخ مخرجا ؟
والوصل بين الحلقتين العامة والخاصة هو: هل يمكن أن تعزل "أنا"
عن "أشك" لتكون قيمة بالمعنى الرياضي في خانة الحد الكلي
بالمعنى الأرسطي أو حتى بمعناه السينوي أي بمعنى العين الشخصية
لحد كلي توضع في الخانة الخاوية لحد المقدمة الصغرى فتكون معنى
كليا يقبل التبعيض لأني ينبغي أن أكتب أحد السورين كل أو بعض
حتى يكون الكلام مقبولا (وعدم الكتابة تعني السور المرسل وقوته
قوة بعض)؟ أي هل يمكن للشخص حتى لو تصورناه ممثلا لمجموعة
وحيدة العنصر (بمعنى نظرية المجموعات) هل يمكن أن يكون بدل
الخانة "ج" في المقدمة الصغرى من القياس ؟
هب ذلك ممكنا. فعندنا هنا: عبارة "أنا أشك" عن الحالة ""أنا
أشك"" ونفترض أنها تضمر "ديكارت" في خانة الموضوع من المضمون
القضوي حتى يصح الحكم ثم نفترض الحكم القاضي بهذه الحالة
وليكن أنا ثان لديكارت يحكم لديكارت بحالة الشك التي يعيشها
ديكارت. فلنحلل كلامه حتى نميز بين: أحد عنصري المضمون القضوي
أعني المحمول وهو حالة "أنا أشك" والعنصر الثاني أعني الموضوع
وهو "أنا ديكارت" والحكم القاضي المضمر بحصول العلاقة بين
مقومي المضمون القضوي أعني العلاقة بين الموضوع والمحمول حكما
مثبتا أو نافيا أي <"ديكارت (هو) عاش حالة "أنا أشك"> حصلت
فأثبتها سواء أنا كحاكم موضوعي خارجي أو ديكارت نفسه لو
تصورناه خرج من أناه الشاك إلى أناه الحاكم أو <"ديكارت (هو)
عاش حالة "أنا أشك"> لم تحصل فأنفيها بنفس الاحترازات. ولنحلل
القضية: عندنا أنا الحاكم وأنا المقدر موضوعا أي أنا المحكوم
له بحالة أنا أشك ثم عندي المحمول المحكوم به أي حالة "أنا
أشك". وأنا الحاكمة ليست شاكة في حكمها حتى لو كانت ديكارت
وإلا لما كانت قضية حملية خبرية بل لصارت خالية من الجزم
الموجب أو السالب فلا تكون خبرا يقبل التصديق والتكذيب ومن ثم
فهي ليست حكما أصلا بخلاف أنا الشاكة المحكوم لها بأنها شاكة
فهي شاكة في كل شيء.
ثورة ديكارت التي ينبغي الانتباه إليها في الكوجيتو هي التمييز
بين هاتين الذاتين: الذات الموضوع في القضية المؤلفة من أنا
المقدرة موضوعا (=ديكارت موضوع) و"أنا أشك" (محمول) وأنا أو
الذات ما بعد الموضوع والمحمول أو ما بعد كل المضمون القضوي
أعني الذات التي تقوم بفعل الحكم به إيجابا أو سلبا (إثباتا
أو نفيا). فلن تجد قطعة حديد تحصل فيها حالة التمدد بالحرارة
تعي حالة "أنا أتمدد" لكن ديكارت وكل إنسان يعي حالة "أنا
أشك" التي هي بالنسبة إلى الوعي من جنس التمدد بالنسبة إلى
قطعة الحديد. ومثلما نميز بين حالة التمدد والقضاء بحصوله أو
عدم حصوله في مضمون قضوي تكون قطعة الحديد فيه هي الموضوع
وحالة التمدد هي المحمول وحاكم يحكم بحصول التمدد في قطعة
الحديد (أو بعدم حصوله) فكذلك لا بد من التمييز بين "أنا أشك"
وأنا أخرى تحكم بحصول هذه الحالة لأنا ثالثة هي موضوع هذه
الحالة التي ستحمل عليها.
لا بد من حاكم يقضي بحالة التمدد ثم يقيس بالاستناد إلى
المقدمة الكبرى فيعتبر قطعة الحديد معدنا. لكن مثال الكوجيتو
مختلف لأن الحاكم مضمر. فالذات الحاكمة بهذا الحكم غير الذات
الشاكة الواردة في حالة "أنا أشك" وغير الذات التي تمثل موضوع
هذه الحالة محمولة عليها بدليل أن تزايد مقدار الشك مزيد تأييد
للحالة الوجودية حتى صارت عين الوجود وليس لمجرد الحكم بها
فتكون قضية تقبل أن تكون مقدمة في قياس. والذات الموضوع المقدر
ذات ثالثة جامعة بين الذاتين الحاكمة والشاكة لكأنها ذات
التفاتين إلى ما يحل فيها فيكون محمولا عليها وما يحصل بفضلها
فيكون فعل الحمل عليها[32]: حتى إن ديكارت يقول مخاطبا الشيطان
الماكر الفرضي إنك مهما شككتني في كل شيء فإنك بذلك تزيدني
يقينا في وجودي.
فيكون الوجود فعل صمود الذات بالوعي الفكري أمام حالة الشك
ومن ثم فهو عزم أمور خلقي للإثبات وهو من ثم فهو جوهر الحرية
والإيمان بالقيام الفعلي رغم العدم المحيط ما يحوج إلى الضمانة
الإلهية وذلك هو معنى حالة أنا موجود المطابقة لأنا أفكر إذ
ذلك هو حد الإنسان وجوده هو عين ماهيته. والعكس هو الثمرة:
أكون موجودا بمقدار حريتي الفكرية والخلقية لأن وجودي هو عين
ماهيتي من حيث هي حرية فكر وخلق ولذلك كانت مسألة العلاقة بين
العقل والإرادة جوهر هذه الثورة الفلسفية.
كل الفلسفة الحديثة نبعت من هذا التمييز وبهذا المعنى الجامع
بين الحرية الفكرية والإيمان الخلقي: لذلك يمكن القول إن فعل
المعرفة الحقيقي عبادة وهو حال يستحيل فيها الكذب بمعنى عدم
مطابقة الحالة للذات وليس للموضوع وتلك هي علة كون النفاق أكبر
الآثام لأنه النقيض التام للعلم الحقيقي[33]. ولذلك فكلمة
"ذات" أصبحت في المصطلح الفلسفي الحديث تعني هذين المعنيين.
وقد دخلت في المصطلح الفلسفي العربي الحديث بهما مثلها مثل
كلمة "subjectum" التي كانت تعني الموضوع الحامل للصفات لا
غير ثم صارت تعني الذات العارفة أكثر مما تعني الموضوع أو
بصورة أدق هي الذات الواضعة لذاتها فتكون ذاتا وموضوعا في آن.
وإذن فمدار الكلام هو على هذا الازدواج الذي يتوالى انعكاسه
على ذاته[34]: كيف يمكن أن يصاغ منطقيا أعني كيف نتعامل
منطقيا مع ما يسمى بالانعكاس الذي يميز تفكر الذات بذاتها أو
وعيها بذاتها وهو أمر يلغى نهائيا بمجرد الظن أن "أنا أفكر"
قضية تامة مثل "الحديد (هو) تمدد" وليست محمولا موضوعه مقدر.
وهذه النقلة الثورية هي التي ستمكن من التمييز بين مستويي
الحقيقة الموضوعية التي تقبل العلاج المنطقي واليقين الذاتي
الذي لا سلطان للعلاج المنطقي عليه رغم كونه الشرط المتعالي
لكل معرفة. والفكر الغربي الذي سما إليها بعد الفكر العربي
بثلاثة قرون يدين بها للكوجيتو الديكارتي[35] خاصة بعد أن
اكتملت في الثورة النقدية الكنطية فانتقل العقل الإنساني (مشكل
الكليات الاستقرائية التي لا يميزها الشيخ عن الكليات الصورية
أو العقلية رغم أن نفيه لهذه الأفكار الفلسفية الحديثة يعني
أنه لا يقبل أن تعرف بكونها شاملة لكل عقل إنساني: أي إنسان؟!)
من المقولات بمعنى الأجناس العالية التي تقبل الحمل على
الموضوع دون ذكر لدور الذات العارفة إلى المقولات بمعنى
الأجناس العالية التي تحمل على الموضوع أو تعمل فيه عمل الذات
المصورة للموضوع بفاعلية العقل المصورة. وبلغت الذاتية الذروة
عندما أدرك فشته حقيقتها الديكارتية فأبرز دورها العملي
والخلقي: أي إن الذات من حيث هي مفكرة هي فعل الإرادة الخلقية
التي تثبت ذاتها وتثبت الوجود الموضوعي من حيث هو الغيرية
فيكون الخلقي متقدما على الطبيعي ويصبح العمل أساس النظر وهو
لعمري جوهر المنظور الديني. وتلك هي العلة التي جعلتني أدلل
على أن ديكارت جعل الفلسفة الأولى ميتاإثيقا ولم تبق عنده
ميتافيزيقا رغم كونه وصف تأملاته بهذا الوصف.
المقولات صارت أفعال الذات العارفة التي تصور الموضوع بفعل
المعرفة فتكون المقولات بهذا المعنى في آن شروطا متعالية لفعل
المعرفة ولموضوعها. ويكون فعل الذات هو عين وجودها بل ووجود
عالمها: وهو معنى أفكر فأنا موجود. لكنها تدرك حدود هذه
الفاعلية فتجعل الحقيقة المتعالية على محدودية الإنسان من مجال
الإيمان أو بلغة الصديق تؤمن بأن "العجز عن الإدراك إدراك":
وذلك هو معنى الكوجيتو الذي يؤدي حتما للدليل الوجودي لأن وجود
الله والإيمان بأنه هو الضامن لسلامة العقل أو لعدم طغيان
مغالطات الشيطان الماكر حتى يصبح العقل مشروطا بالإيمان وهما
معا يمثلان الأساس الحقيقي لكل الفلسفة الحديثة التي يلغيها
كلام المتكلمين بمجرد الظن أن العودة إلى المنطق الميتافيزيقي
أمر ذو فائدة علمية فضلا عن الدلالة الخلقية.
لكني لا أنكر أن ذلك كله قد تردى في صورته الباهتة عند مثقفي
الجرائد فألغى هذا الوجه الأساسي من فكر فحول الفلسفة الحديثة
تردى بسبب عدم الفهم عند الذين يتهمون كل الحضارة الغربية
بالإلحاد ولا يرون أن الكثير من أصحاب هذه الثورة اقتربوا من
أهم أفكار المصلحين من مفكرينا الكبار. لكن سوء الفهم هذا علته
حصر الثورة الفلسفية الحديثة في أكثر تياراتها هامشية كما يفعل
العلمانيون الماديون. وطبعا فالشيخ وعباقرة الزمان في فرقته
سيعتبرون هذا من الخطابة لأن علم الكلام برهاني عندهم. ومن
الطبيعي أن يفكروا بهذه الصورة فالعلم عندهم هو ترصيف الشواهد
من الكتب الصفراء التي لا تساوي قيمتها العلمية ثمن ورقة واحدة
كتبت عليها. فتبارك الله على العبقريات التي لم يجد بها الدهر
في أي ملة.
ولمزيد التوضيح بخصوص العلة الخاصة بديكارت أختم هذه المسألة
بمحاولة لعلها تفهم الشيخ أني أفهم أن كلام ديكارت وقبله ابن
تيمية وابن خلدون هو مما لا يستطيع له فهما أو لا يريد لأنه
إذا قبل بذلك فعليه أن يعترف بأن علم الكلام كلام لا علم: لكن
المشيخة في تصوره معصومة وما دامت ترى أن علم الكلام علم فهو
علم. لو كان ديكارت يسلم بقابلية المنطق للاستعمال في الكوجيتو
(بل وحتى في ما عداه من المسائل الوجودية التي هي غير المقدرات
الذهنية) لما وجدت هذه الثورة من الأصل: لذلك احتاج استعماله
حتى في علم الشهادة إلى الإيمان بوجود الضمانة الإلهية لئلا
تكون كل معارفنا مقدرات ذهنية في انطوائية مطلقة.
لا أكاد أفهم كيف لا يفهم الشيخ أن ديكارت يحاول أن يثبت
الكوجيتو بعد أن تخلص من كل ما يقبل الشك من المعارف
والموجودات وأنه في هذه الحالة لا يمكن أن يستعمل المنطق ليثبت
به شيئا والمنطق ككل العلوم غير ثابت لديه فضلا عن كوننا بينا
أنه حتى لو كان ثابتا لا يمكن أن ينطبق ؟ لو كان يحق لديكارت
أن يستنتج من حالة "أنا أفكر" أن "أنا" هي "أنا أي مفكر" ومن
ثم أنه يوجد مفكر آخر غير ديكارت أو حتى لحظة أخرى من ديكارت
جنيسة لهذه اللحظة لو انقطعت فاحتاج إلى استئنافها فضلا عن
وجود عالم وعلوم غير الحالة الشعورية التي هي اللحظة الآنية
لحالة "أنا أشك" لو كان لذلك وجود في الومضة الحدسية للكوجيتو
لفقد مفهوم الكوجيتو معناه من حيث هو فعل وعي آني بفعل واع آني
كالومضة الوجودية الواعية بذاتها ولما أدركنا الحاجة إلى
استناد العقل الإنساني إلى الإيمان بعكس كل ما يتوهمه الفلاسفة
والمتكلمون الذين يتصورون تأسيس الإيمان على العقل أمرا ممكنا
من دون دور.
لولا هذا الانطواء المطلق وضرورة الخروج منه لما احتاج ديكارت
إلى وجود الله ليخرج من الانطوائية الوجودية خروجا قد يصبح
المنطق بعده قابلا للاستعمال في حدود الأحكام الخارجية أو ما
يوصف بالموضوعية وإلى إعادة تأسيس العلوم من رأس على أسس لا
يطيقها الأساس الميتافيزيقي الأرسطي أو حتى العربي الإسلامي
(إذا قصد به غير الفكر العربي النقدي الذي نشير إليه أعني خاصة
الفكر التيمي والخلدوني ومن بعض الوجوه فكر أبي حامد في
التهافت والفضائح). أما الفكر الذي يتبجح بأنه يستند إليه في
كلامه عن منطق يمكنه من تطبيقه على الشخصيات من حيث هي شخصيات
إذا لم يتقدم عليها ما ظنه مفروغا منه: فهو هراء وهواء.
لكن ذلك هو عين الإشكال إذا خرجنا من عالم المقدرات الذهنية
وتوجهنا إلى عالم الحقائق الفعلية: أن الشخص عين من أعيان
المجموعة التي تمثل صادقية التصور كما يحدده مفهومه أي إن
الشيخ تصور أن ديكارت عين من جماعة المفكرين من حيث هي ما صدق
تصور المفكر فخلط بين حالة الوعي عند ديكارت أنا أفكر وبين
الحكم ديكارت مفكر: فحالة الوعي عند ديكارت ليست قضية بل هي
حالة وعي ذاتي لن تتحول إلى قضية إلا إذا حكم احد فقال "ديكارت
(هو) يعي بحالة أنا أفكر" بخلاف الثانية "ديكارت مفكر" بمعنى
ديكارت واحد من عناصر ماصدق المعنى العام "مفكر" الذي يقبل أن
يكون حدا في مقدمة أو نتيجة قياسيتين. لم يسأل الشيخ نفسه: من
أين لديكارت أنه أحد المفكرين ؟ من أين له بجماعة مفكرة يكون
هو أحد أفرادها فيصدق عليه وصف المفكر ليكون هو أحد أعيان
المجموعة ؟
وسواء انطلقنا من انطوائية ديكارت أم لم ننطلق وحتى لو سلمنا
للشيخ أن تصور العرب للكلي في قياساتهم ليس مفهوميا بل هو
صادقي أعني من حيث هو كلي توزيعي فيكون الإنسان الكلي هو
مجموعة أفراد النوع الإنساني أعني زيدا وعمرا وعليا وصالحا إلخ...
وليس المفهوم العام للتصور "إنسان" فإن مجرد كون حدود القياس
الأرسطي متغيرات قيمها كليات قابلة للتسوير وليست أعيانا ينفي
أن يكون تعيين قيم المتغيرات باقيا في نفس المستوى من القياس
إذا جعلناها أفرادا بل هو يعني النزول درجة من القياس الصوري
إلى التطبيق فيقتضي الكلام في أشباه الكليات الاستقرائية
التجريبية وليس في الكليات الصورية العقلية فلا تكون من ثم
مؤسسة لأي يقين. وعلم الشهادة يمكن أن يرضى بالحقيقة النسبية
دون اليقين لكن علم الغيب لا يرضى بذلك ولذلك فهو ممتنع. ولذلك
ميزت نظرية المجموعات الرياضية بين علاقتين مختلفتين هما
انضواء المجموعات الفرعية تحت المجموعة المرجع وانتساب العناصر
للمجموعة.
و العلاقة الثانية تمكن من الكلام على الأشخاص من حيث
انتسابها إلى المجموعات. لكن العلاقة الأولى لا تمكن من ذلك.
فهما رمزان مختلفان تمام الاختلاف ويعبران عن علاقتين التمييز
بينهما أمر أساسي في المنطق الحديث. والجمع بينهما فيه الكثير
من المسائل العويصة. فإذا قرأنا منطق أرسطو بنظرية المجموعات
أمكن لنا أن ندخل الأشخاص لكن عندئذ لن يبقى الأمر متعلقا
بالمفهومات الكلية بل بمن أو بما تصدق عليها أعني بأفراد
الماصدقات التي تصدق عليها تلك المفهومات. فيكون علينا أن نثبت
أن "حال أنا أفكر" عنصر من عناصر ما صدق "مفكر" أو أن نستبدل
مفكر ب"أصحاب حال أنا أفكر".
وهكذا يمكن لأي قارئ أن يدرك حقيقة الحيل التي يلجأ إليها
الشيخ فيفهم ما يتردد في ذهنه بين وهم التعامقْ وهو حقيقة
التحامقْ أعني معنى سوء النية: فلم يكف أني عينت الضرب
المقصود من الشكل الأول باسمه في المصطلح اللاتيني "بربرا" جعل
من جهله حجة علي زاعما بأني لا أعلم تعدد الأضرب في هذا الشكل
! ربما لظنه أن الجميع ينسى الإيطالية مثله. أما مهربه من
الكاوزا سوي فذلك هو ذروة المرواغة ومن أراد فهم صلتها بنظريات
وحدة الوجود فليقرأ شيخ الإسلام وعلامته فهما يكفيان الجميع
مؤونة البحث في ما سبق الفكر الغربي الحديث. أما ما جاء في عصر
التنوير (استعمال وحدة الوجود السبينوزية) وفي عصر المثالية
الألمانية فما أشرنا إليه في البحث السابق يعطي الإشارات
الكافية للنابهين ويصد النسائين من الغافلين.
والله أعلم.
المسألة الثالثة
التشخيص: عوائق حرية النظر والعمل
(أو حرية الاعتقاد والتشريع شرط الإبداع)
البحث في مسألة الحرية العقدية وشروطها القرآنية مركزين خاصة
على شرط تحرير المؤمنين من الاستبداد الروحي المستعبد للإنسان
بتبليد الأذهان وقتل الوجدان حتى ييسر حلفه مع الاستبداد
المادي المستعبد للأبدان: وحال الأمة منذ قرون ليست إلا ثمرة
هذه العلوم المزعومة وابن خلدون وابن تيمية والغزالي كانوا أول
من ثار عليها لاكتشافه المصائب الناتجة عنها ومحاولة تقديم
البديل دون جدوى.
وبذلك تكون النقلة مباشرة إلى المسألة الثالثة نقلة ذات صلة
حميمة بالأمر الذي حصل في الفكر الفلسفي الحديث وحصل نظيره
قبله بثلاثة قرون وبصورة أكثر صراحة في الفكر العربي الإسلامي
الذي نقد الفلسفة والكلام بعد أن بلغا مرحلة الاتحاد التام
بمعياري التكوينية اللذين حددهما ابن خلدون. ولعل المتكلمين
على الدعاوى الخالية من الدليل يفهمون ما فاتهم فيعودوا إلى
رشدهم وخاصة الشباب النابه الذي يمكن له أن يسهم في نهضة الأمة
فلا يبقى في صف معيقي تقدمها: ذلك أن غرقهم في فنجان الجزئيات
الكلامية يحول دونهم ورؤية الأمر الجوهري الجامع بينها أعني
صلة الفنون التي مارسها الفكر بعضها بالبعض فلا يكون الكلام
عندهم ظاهرة فكرية حية نشأت وتطورت ثم ماتت بل هو عندهم
مشاكسات صبيانية حول العرش والحدوث !
وكم أدهش من سماعهم يطالبون بالأدلة عن موقف فلان أو علان من
الكلام زعما منهم أني أدعي ما لا أدلل عليه لكأني أكتب ما أكتب
من أجلهم أو للرد على تخريفهم حول العلو المكاني والقيمي إلخ...
من التشقيقات اللفظية الهزلية أو لكأن الشواهد أدلة إذا لم
تندرج في نظرية هي التي يمكن أن تكون معين الدلالة لأنها تضفي
المعنى على الشواهد. فالمعلوم أن الكلام قد تدرج نحو الاندماج
الكامل في الفلسفة وبصورة أدق نحو إدماجها في ذاته (لأن
الفلسفة نفسها تدرجت نحو الاندماج في الكلام إلى أن أدمجته في
ذاتها فتطابق الأمران في الغاية وصار نقد أي منهما نقدا للآخر)
وهي خاصية كونية أي إن كل علم كلام وكل فلسفة ينتهيان إلى شيء
من التطابق في الغاية. وذلك أمر متواتر في الحضارات التي مارست
هذين الفنين:
فأما المعيار الأول فقد استمده ابن خلدون من تأمل المنهج أو
طبيعة العلاقة بين الدليل والمدلول في الفكر الكلامي. وقد قسم
ابن خلدون بمقتضاه علم الكلام إلى مرحلتين رئستين وصف الأولى
بكلام المتقدمين والثانية بكلام المتأخرين. وفي المرحلة الأولى
كان الكلام بمعزل تام عن الفلسفة عامة والفلسفة المشائية خاصة
(حتى وإن تضمن شيئا من مبادئ الرواقية في نظريتي الوجود
والمعرفة وبعض قضايا الكلام المسيحي المتقدم عليه وكل ذلك ليس
هذا محل الكلام فيه)[36]. وأما المرحلة الثانية فهي مرحلة
التكوينية المتدرجة للاندماج بين الكلام والفلسفة المشائية
التي سيطرت على الفكر العربي الإسلامي وخاصة بشكلها السينوي في
صيغة الشفاء. والمعيار الذي حقق هذه القسمة الأولى إلى مرحلتين
هو معيار الأرغانون المستعمل أو المنطق (الرمز هو
الغزالي)[37].
فبعد القول بالتعاكس بين الدليل والمدلول (قبل الغزالي وخاصة
عند الباقلاني) جاء التخلي عن هذا المبدأ وبات الدليل متخلصا
من هذا الترابط مع المدلول بمعنى أن القضايا التي يراد البرهان
بها ليست بالضرورة من طبيعة القضايا التي يراد البرهان عليها.
فالثانية هي المعتقد والغاية والأولى هي الأداة التي يمكن
استبدالها عند اكتشاف ما هو أفضل. وذلك هو ما يسر دخول المنطق
الأرسطي في كل العلوم الإسلامية بما في ذلك أصول الفقه وأنهى
الكلام في نظرية المعرفة الرواقية ليعوضها بنظرية الوجود
ونظرية المعرفة القريبتين من الفلسفة المشائية[38].
والمعيار الثاني تنتج عنه قسمة ثانية هي الأهم في تكوينية علم
الكلام لأنها أشمل من القسمة الأولى لجمعها بين المضمون
والمنهج إذ هي تخص علاقته بمسائل الفلسفة ومناهجها رفضا قبل
الغزالي ثم قبولا بعده. وهو معيار متعلق بطبيعة المسائل وهذا
المعيار مضاعف. فإذا استعملناه لتقسيم المرحلة المتقدمة على
التخلي عن التعاكس بين الدليل والمدلول كان ذا صلة بالعلاقة
السلبية مع الفلسفة لكون السنة كانت ترفض المنطق جملة وتفصيلا
فيكون الكلام عندئذ منقسما إلى كلام سني غير متفلسف وكلام غير
سني متفلسف (الرمز هو قطيعة الأشعري كما تشير إلى ذلك حادثة
حمار الشيخ الذي وقف في العقبة)[39]. وإذا استعملناه في
المرحلة الموالية لهذا التخلي كان ذا صلة بعلاقة التماهي التام
مع الفلسفة إيجابا بعد تبرئة المنطق وجعله شرطا في علوم الملة
(الغزالي) من خلال التخلي عن مبدأ التعاكس بين الدليل والمدلول
(الرمز هو الرازي). لكن المعيار يبقى مع ذلك واحدا لأن معناه
الأول هو عينه معناه الثاني ولا تختلف التسمية: لأن ما يسمى
كلاما غير سني قبل القطيعة المنهجية بين المتقدمين والمتأخرين
هو عينه ما يسمى بالكلام الفلسفي. فيكون المعيار الثاني أوسع
من المعيار الأول وهو شامل له لأن المنهج هو بدوره فلسفي.
فيكون الحاصل من ذلك خمس مراحل الأربع هي ما ذكرنا بمقتضى
مفعول المعيارين (1-ما بين النشأة والأشعري 2-ما بين الأشعري
والغزالي 3-ما بين الغزالي الرازي 4-ما بين الرازي وابن تيمية)
والخامسة هي الموقف الجامع بين مرحلة ما قبل نشأة علم الكلام
ومرحلة ما بعد موته بعد أن تجاوزه فكر المسلمين إلى كلام العلم
في ما يقبل العلم والتخلي عما سواه. "فمرحلة ما قبل نشأة
الكلام ومرحلة ما بعد موته بتجاوزه النقدي" تمثلان أمرا واحدا
رغم التقابل بين مرحلة البداية ومرحلة الغاية من حيث الحيز
الزماني والجنس الخطابي. لكنهما أمر واحد بالمعنيين المحققين
للتطابق بينهما أعني جوهر دلالة "العجز عن الإدراك إدراك":
1-فمن يقرأ القرآن يدرك أن الآية السابعة من آل عمران قد بينت
صراحة أن تأويل المتشابه (وهو جوهر الكلام) فضلا عن امتناعه
الفعلي دليل على مرض نفسي (زيع القلوب) واجتماعي (الفتنة) كما
تبين بقية الآية التي جعلت الرسوخ في العلم هو التسليم بأن
المتشابه موضوع إيمان وليس موضوع علم:" ...والراسخون في العلم
يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب".
2-ومن يفهم النقد التيمي الخلدوني يدرك أنهما يتجاوزان الكلام
بدافع علاج هذين المرضين العلاج العلمي الحاسم لأنهما اكتشفا
علله ولم يقتصرا على الهداية القرآنية التي سيتضاعف تأثيرها
المنتظر بعد فهم علل المرض. ومن يعارض هذا التشخيص العلمي لابن
تيمية وابن خلدون لا يعارضه علميا بل بمجرد التشبث بما تجاوزه
العقل الإنساني أعني الميتافيزيقا والمنطق الأرسطيين المطبقين
على الإلهيات.
وبين أن الاندماج لم ينجح في المرحلة الأولى قيميا بفضل رفض
فضلاء الأمة للكلام لكن العلة المعرفية التي حالت دون الاندماج
تعينت في العوائق المنهجية أعني ما حال دون إدخال المنهج
الفلسفي عامة والمنطق بأسسه المشائية خاصة في علوم الملة لأن
محاولة الفارابي وإخوان الصفاء وابن حزم لم يكن لها التأثير
الكافي. ولما حصل ذلك بيد شخصيات مؤثرة (بدءا بإمام الحرمين
وختما بالغزالي) تم الاندماج فصار الكلام فلسفيا وصارت الفلسفة
كلامية وهو ما يعتبره ابن خلدون قد بلغ الكمال مباشرة عند
الرازي مع وعي بالفرق بين الفنين ثم اختلطت الأمور بعده حتى
وإن كان التمييز الاسمي لا يزال موجودا في بعض المسائل.
وينبغي أن نضيف أمرا يبدو غير متصل بهذه الحركة لكنه من
صميمها. فابن خلدون يبين في شفاء السائل أن صنفي وحدة الوجود
الصوفية يعودان في الحقيقة إلى هذا المزيج الكلامي الفلسفي إذا
نظرنا إلى ما يفصح عنه أصحابهما من النظريات والمبادئ رغم ما
فيهما من فوضى وعدم اتساق (وقصده أساسا كتابات ابن عربي):"
وحاصله (قول متصوفة وحدة الوجود بصنفيها) إذ خلص وهذب واتضح
للفهم موضوعه ومسائله إنه ترتيب للوجود قريب من ترتيب الفلاسفة
شبيه بآرائهم الكسبية وعلومهم من غير برهان يشهد له ولا دليل
يقوم عليه"[40].
ومجمل القول لئلا نطيل هو أن الكلام والفلسفة بلغا ذروة
التطابق بالتبالع (كلاهما ابتلع الآخر) في القرن السابع ولعل
أهم علاماته أن أكبر فيلسوف رياضي كان في نفس الوقت أكبر مؤلف
بين فكري ابن سينا والرازي (نصير الدين الطوسي). فكلاهما أي
الكلام والفلسفة ابتلع الثاني فجعله مادة له وهي حركة أسس لها
رابوع القرن السادس رابوعه الذي غلق كل المنافذ ليقتل الفكر
الحر والإبداع أعني الإمام الرازي (الذي أطلق السينوية في
الكلام) والسهروردي المقتول مشرقا (الذي أطلق الخرافة الصوفية
المزعومة أفلاطونية في الفلسفة وظن أنه يمكن أن يكذب النبي
والقرآن في القول بالختم) وابن رشد (الذي أطلق التجريبية
الغفلة المزعومة أرسطية في الفلسفة) في وابن عربي مغربا (الذي
أدخل التأويل التحكمي في التصوف): فنتج عن ذلك كلام خليط مربع
الأبعاد أفلاطوني وأرسطي مزيفين (ابن رشد والسهروردي) وعقائد
وتصوف سنيين مزيفين (الرازي وابن عربي). وتم الاندماج بصورة
شبه مطلقة في القرن السابع حيث صار التصوف والكلام متفلسفين
(من حيث المضمون في الأول ومن حيث الجهاز المنهجي في الثاني)
وصارت الفلسفة والفقه متكلمين (من حيث المضمون في الأولى ومن
حيث الجهاز المنهجي في الثاني).
وكل الذين يخرفون اليوم فيدعون المقابلة بين الفرق بالعودة إلى
جزئيات المسائل لم يفهموا هذه الحركية التاريخية التي أدت إلى
زوال الكلام الدغمائي في الفلسفة وزوال الفلسفة الدغمائية في
الكلام إلى أن بات من الواجب تجاوزهما إلى ضرب جديد من الكلام
الفلسفي النقدي الذي لم تتحدد طبيعته إلى الآن ومثاله الفكران
النقديان لابن تيمية وابن خلدون عندنا وكل المدارس النقدية
منذئذ إلى الآن في العالم. وقد اكتفينا هنا بإيراد مثال وجيز
من فكر ابن خلدون النقدي للكلام المتفلسف والفلسفة المتكلمة
ضمناه المسالة الأولى وبإيراد مثال وجيز من فكر ديكارت النقدي
للفلسفة المتكلمة والكلام المتفلسف ضمناه المسألة الثانية.
فكان المثالان معدين لغايتي المحاولة أعني موضوع هذه المسألة
والتي تليها.
لكن ذلك الخليط المربع سد كل الآفاق المعرفية والقيمية فلم
يفلح الفكر النقدي في تحقيق التجاوز إلا لماما وبات المسلم
خاضعا للجبروت التام حيث تحالف المستبدون بفني العمل (الفقه
والتصوف مع استبداد المجتمع المدني العامي على الأفراد) وتحالف
المستبدون بفني النظر (الكلام والفلسفة مع استبداد المجتمع
المدني الخاصي على الأفراد) ثم تحالف الجميع مع بالمستبدين
بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية أعني الحاميات
العسكرية (وأغلبها من شذاذ الآفاق والمجرمين والمرتزقة ويبدو
أن الأمر لا يزال على ما كان عليه !) الحاميات التي استبدت
بالحكم فغاص الشعب في الخرافة والجبرية واللامبالاة التاريخية
وغاصت النخب في الاستهتار والموقف الكلبي: فعادت الأمة إلى
نظام الدولة الفرعونية حيث يؤدي العلماء دور هامان ويؤدي
المرتزقة دور فرعون. وليس بالصدفة أن برر ابن عربي رمز فرعون
في الحكم من حيث هو ظل الله لكأنه شاعر المعز إذ ينشد: " فاحكم
فأنت الواحد القهار!".
تلك هي الوضعية التي سلبت المسلمين كل حرية عقدية وفكرية
وأزالت الفرق بين عالم الربوبية وقانون الضرورة الطبيعة وعالم
الألوهية وقانون الحرية الخلقية إلى حد نفي كل إمكانية للفعل
الحر عمليا ونظريا. لذلك فلا عجب أن يحصل ما يحق لنا أن نطلق
عليه اسم الإصلاح الديني والفلسفي في القرن الثامن: وهو إصلاح
بدأ مع ابن تيمية بإصلاح العقائد لتحرير الإنسان من عقيدة
الجبرية وسلطان الخرافة حتى يصبح الفعل الخلقي ممكنا وشرطه
الحرية الفكرية والروحية وانتهي مع ابن خلدون بإصلاح الشرائع
لتحرير الإنسان من شريعة الغصب وسلطان العنف حتى يصبح الفعل
السياسي ممكنا وشرطه الحرية الاقتصادية والثقافية.
وقد كان ابن خلدون على وعي تام بأن هذا الموت البطيء للحيوية
الفكرية والخلقية عند المسلمين قد صاحبه "وراء العدوة" نظيره
الضديد: انبعاث الحيوية الفكرية والخلقية في أمم الغرب التي
بدأت تفتك المشعل من العرب والمسلمين الذين استناموا للأنساق
الميتة التي وضعها الرابوع المشار إليه. وهنا لا بد من الإشارة
إلى دور العلماء والأمراء والمؤسسات التربوية الغربية وكيف أن
كل الثورات الدينية والعلمية والفلسفة والخلقية في الغرب خرجت
من رحمها.
فجميع فلاسفة الغرب وعلمائه تخرجوا من المدارس الدينية من
ديكارت إلى هيدجر ومن نيوتن ولايبنتس إلى كل علماء العصر
الحالي لأن الجامعات الغربية أغلبها كانت مؤسسات تعليم
دينية(مثل السوربون وأكسفورد أبرز الأمثلة وأين منهما في تكوين
المبدعين وإنتاج المعرفة المقيدة مؤسستا الزيتونة ثم فرعها
المتأخر عنها نشأة بقرنين أي الأزهر المؤسستان اللتان وجدتا
قبلهما بقرون ؟!) ثم تطورت ونمت وخاصة في فرنسا وانجلترا
وإيطاليا وألمانيا بل وفي كل أوروبا ولا يزال للفكر الديني
الدور الأساسي في الفكر الفلسفي والعلمي إيجابا وسلبا إذ لا
فرق بين النسبة الموجبة والنسبة السالبة ما دامت تعين تحديدا
إضافيا إلى الدين. فحتى معارضو الدين يبقى فكرهم دينيا ولو
بالمعنى السلبي. كما أن هذه الثورات الفكرية والخلقية لم تبق
في الأفكار وحدها بل هي طالت الحياة الجماعية من حيث صورتها
السياسية والتربوية ومن حيث مادتها الاقتصادية والثقافية. فبدأ
السعي الفعلي لتحقيق المثل الدينية والعقلية في التاريخ الفعلي
ولم تبق مجرد قيم في الأذهان.
لكن الأمر عندنا آل إلى الموت ليس في الفكر والأخلاق وحدها بل
في الوجود التاريخي الفعلي للجماعة بمؤسساتها السياسية
والتربوية والاقتصادية والثقافية وخاصة بعد النبضة الأخيرة
للانتفاضة النقدية التي يمكن اعتبارها جوهر ما يسميه القرآن
الكريم بإصلاح التحريف نظريا والجاهلية عمليا وهو إصلاح لم
يتوقف في الفكر النقدي العربي رغم أنه لم يصبح باديا للعيان
إلا عند الغزالي الأول (أي قبل أن يتنكر لفكره النقدي ويتبنى
خرافات إخوان الصفا في مضنوناته على غير أهلها) وعند ابن تيمية
وابن خلدون:
1-فبعد محاولة ابن تيمية القيام بالإصلاح النظري فلسفيا (نقد
ما بعد الطبيعة والمنهج المنطقي) والعقدي (نقد الكلام والتصوف)
من أجل التنوير الخلقي والتحرير الثقافي من الاستبداد الروحي
أو العنف الرمزي ممثلا بالخرافة (توظيف المعتقدات العامة مثل
الكرامات والوسائل والمزارات والقبور وكل أصناف الدجل الصوفي)
توقف الفكر العربي عن الإبداع النظري والعقدي وغرقت الأمة في
عصر الانحطاط إلى يومنا هذا. لم ينتج عن النقد التيمي ما كان
مأمولا أعني نظرية المسؤولية والحرية الفكرية الفردية من خلال
العودة إلى الاتصال المباشر بالمرجعين (القرآن والسنة)
وبالعالمين الطبيعي والإنساني خاصة والحاجز الميتافيزيقي قد
انفرط عقده بفضل هذا النقد. وعلينا أن نبحث عن العلة: وأظن
أنها توجد في الموضوع ذاته أعني موضوع النقد وفي النقد نفسه أو
بصورة أدق في منهجه الذي قدم جرعة من الدواء كان فيها شيء من
الإفراط أدى إلى المساعدة على قتل المريض.
2-وبعد محاولة ابن خلدون القيام بالإصلاح العملي فلسفيا (نقد
الميتاتاريخ والمنهج التاريخي) الشرعي (نقد الفقه والتصوف) من
أجل التنوير الحقوقي والتحرير التربوي من الاستبداد أو العنف
المادي ممثلا بالتجبر (توظيف القوة العامة لاغتصاب الحقوق
والاعتداء على الأعراض والكرامة ) توقف الفكر العربي عن
الإبداع العملي والشرعي وغرفت الأمة في الظلم والظلام إلى
يومنا هذا. لم ينتج عن النقد الخلدوني ما كان مأمولا أعني
نظرية الشرعية السياسية والعقد العقلي والديني في الحكم ونظرية
حقوق الإنسان التي سماها ابن خلدون "معاني الإنسانية" خاصة
والحاجز الميتاتاريخي قد انفرط عقده بفضل النقد الخلدوني.
وعلينا هنا كذلك أن نبحث عن العلة: وأظن أنها توجد كذلك في
الموضوع ذاته أعني موضوع النقد وفي النقد نفسه أو بصورة أدق في
منهجه الذي قدم جرعة من الدواء كان فيها شيء من الإفراط أدى
إلى المساعدة على قتل المريض.
والله أعلم.
المسألة الرابعة
العلاج: تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف
(أي تحقيق حرية الاعتقاد وحرية التشريع).
لنختم العلاج الفلسفي بأم المسائل التي جعلت أمة تعدادها ربع
الإنسانية حاليا تعجز بمجموعها على مضاهاة جماعة تعدادها أقل
من واحد في المليون من سكان المعمورة في كل مجالات الإبداع
الخمسة كما نبين إن شاء الله.
لست ممن يقدم الوصفات للعلاج. يكفيني تشخيص الداء. لذلك فعلينا
أن نحلل علل الفشل الذي هو مآل عملية الإصلاح الحالية رغم كون
حركة النقد قد خلصت فكر المسلمين عند ابن تيمية وابن خلدون من
ما بعد الطبيعة الجبرية الملغية لحرية الإنسان الخلقية
والروحية وما بعد التاريخ اليتوبي الملغي لفاعلية الإنسان
السياسية والحضارية وفيهما جميعا يتحد أصناف النخب الأربعة
العمليتين (نخب الفقه والتصوف) والنظريتين (نخب الكلام
والفلسفة). وقد سبق لي أن عالجت هذه المسائل في غير موضع
وسأكتفي بإيراد هذا التحليل الموجز للتشخيص لعل ذلك يساعد على
فهم القصد من اعتبار ابن تيمية وابن خلدون منطلقين أساسيين
بوجه فكرهما النقدي البناء وليس بما علق به مما ثارا عليه دون
التقيد بما توصلا إليه أو عدم السعي إلى تجاوزه إلى ما يلائم
الفكر الحديث. فالهدف مضاعف:
1- ينبغي أن نحدد عوائق الاستخلاف النظري في مقومي الصورة
ومقومي المادة: الفاعلية التي تنتج عن حرية النظر والعقد من
خلال فهم علل الفشل الذي آل إليه النقد التيمي.
2- وينبغي أن نحدد عوائق الاستخلاف العملي في مقومي الصورة
ومقومي المادة: حرية العمل والشرع من خلال فهم علل الفشل الذي
آل إليه النقد الخلدوني.
علل[41] الفشل الذي آل إليه النقد التيمي وشروط
التجاوز
عندما نحلل النقد التيمي ونذهب به إلى غايته نجده ينتهي في
الحقيقة إلى عكس ما سعى إليه صاحبه. فهو يؤول إلى نزع سلاح
الفكر والعقيدة بالكلية فيجعلهما بالضرورة تابعين للمستبد
بالسلطان المادي في المجتمع الإسلامي. فابن تيميه قد ألغى
أساسي التأثير الذي يمكن أن يستمده الفكر من ذاته. وهذا
التأثير ينقسم بالطبع إلى نوعين:
*- التأثير الرمزي الذي استهدفه ابن تيميه من خلال نقد فكر
المتصوفة أعني سلطان الأسطورة التي تؤثر في النفوس بالسلطان
على مضامين وعيها ومثيرات إرادتها دون أن يقدم بديلا منه عدا
التنوير العقدي الذي ليس له تأثير فاعل إلا في الخاصة من دون
الشعوب والعامة في غياب المؤسسات البديل من منظومة الطرق
الصوفية لتنظيم حياة البشر العاطفية والروحية: والحصيلة هي
القضاء على المجتمع المدني الرمزي الوحيد الذي كان مناسبا
للعصر من دون بديل مدني رمزي من طبيعة أخرى.
*- التأثير التقني الذي استهدفه ابن تيميه من خلال نقد فكر
الفلاسفة أعني سلطان العلم الذي يؤثر في المواد بالسلطان على
قوانين فعلها وأسباب فاعليتها ومنتجات ثمراتها دون أن يقدم
بديلا منه عدا التخويف من الكفر الذي ليس له تأثير فاعل إلا في
الخاصة من دون الشعوب والعامة في غياب المؤسسات البديل من
منظومة التطبيقات التقنية لتنظيم حياة البشر المصلحية
والمادية: والحصيلة هي القضاء على المجتمع المدني المادي
الوحيد الذي كان مناسبا للعصر من دون بديل مدني مادي من طبيعة
أخرى.
لذلك فإن بحثه في شروط تحقيق الإصلاح الروحي بإرجاع السلطة
للفكر والعقد ينتهي في الحقيقة إلى جعله مستحيلا: فالعقيدة من
دون التأثير بسلطان الغائب الرمزي وبسلطان الشاهد المادي يصبح
ألعوبة بيد السلطان الوحيد المتبقى أعني سلطان القوة المادية
البدائية التي للحكام: قوة التطميع المالي وقوة التطويع
العنيف. ولما كانت قيم الدين وحقوق الإنسان لا يمكن أن تتحقق
من دون مجتمع مدني (رمزي للقيم ومادي للمصالح) بهذين المعنيين
أو ببديل منهما كما حدث في المجتمع الغربي[42] بات من البين
بنفسه أن محاولات الإصلاح نفسها كانت محاولات تصحير للمجتمع
ومن ثم محاولات إخلاء الساحة للطغيان المطلق: طغيان من بيده
المال والقوة.
لم يطرح ابن تيميه مسألة الشروط التي تجعل الفكر والعقد مؤثرين
بل اكتفي بنظرية سد الذرائع ضد السلطانين ظنا منه أن الفكر
الصوفي والفلسفي يعارضان بالذات الحقيقة الدينية ولا يمثلان
أساسي كل فاعلية فكرية ومن ثم كل تأثير للعقد ومن ثم فلا بد من
إصلاحهما بدل القضاء عليهما بالمنع ما يجعل الدجالين منا أو من
الغرب يصبحون نقطة جذب وإغراء فيحصل عكس المقصود. وإذن فابن
تيميه اهتم بتعليل أمراض الحضارة الإسلامية بالانحراف الفكري
والعقدي الذي ينسبه إلى الفكر الكلامي الفلسفي والصوفي الفلسفي
فأخلى النظام التربوي منهما بدلا من أن يحرر هذين الفكرين من
الفساد الذي طرأ عليهما عملا بقوله هو نفسه من أن الداء ليس في
الكلام بل في نصف المتكلم وليس في الفلسفة بل في نصف الفيلسوف
وليس في التصوف بل في نصف المتصوف: أي أن هذه الظاهرات ليست
بذاتها مرضية بل بما ينقص الحاصلين عليها بعضها دون تمامها.
ورغم أنه لم يهمل تعليل الأدواء بالانحراف السياسي والاجتماعي
فأنه قد قلل من شأن هذا العامل لكونه اعتبر هذا الانحراف تابعا
لذلك الانحراف (بخلاف ما أكدت عليه سورة آل عمران التي تبين أن
العلماء ينحرفون لأسباب مادية وهذه بيد الأمراء ومن ثم
فالأمراء هم سبب الداء والعلماء يبررون الداء حتى يحصلوا على
المنفعة المادية من الأمراء: فيكون فساد الأمراء سبب فساد
العلماء أو التحريف بالتبديل أو بالتأويل), ظنا منه أن الأمر
كله يعود إلى مجرد العقد فأغفل دور التربية السوية والعلوم
الضرورية لمعرفة الشروط الطبيعية والتاريخية لقيام الحضارات.
فصار النظام التربوي الإسلامي نظاما عاجزا عن تحقيق شروط القوة
والمناعة وباتت الأمة الإسلامية لا حول لها ولا قوة فتبدت
وأصبحت لقمة سائغة لكل معتد. وهو يتصور العامل السياسي
والاجتماعي مجرد أداة طيعة بيد صاحب الفكر والعقيدة مغفلا
القضية العكسية التي تحول العقيدة والفكر أداة طيعة بيد العامل
السياسي والاجتماعي. لم يدر بخلده أن يسأل: كيف يمكن للانحراف
العقدي بمجرده أن يكون قادرا على ما يتصوره سببا لكل الأدواء
أعني نقل فلسفة المسلمين العملية من فلسفة التكليف والمسؤولية
في الشأن الشخصي وفي الشأن العام إلى فلسفة التواكل وعدم
المبالاة بالشأنين الشخصي والعام؟
لذلك فهو قد ركز إصلاحه على نقد الفكرين الصوفي والفلسفي
واعتبر الإصلاح رهين التحالف بين قسمي من يسميهم بأولى الأمر
أي العلماء (أصحاب العلم الديني) والأمراء (أصحاب السلطة
السياسية) ظنا منه أن ذلك كاف لضمان صلاح العقيدة وتطبيق قيم
الإسلام ومغفلا دور العلوم الاجتماعية التي تساعد في تحقيق
شروط السيادة على معوقات العقد السوي من أجل الآخرة والعلوم
الطبيعية التي تساعد على تحقيق شروط السيادة على معوقات العمل
السوي في الدنيا.
ولا يزال الحزب الديني إلى يومنا هذا يقرأ الأحداث بهذا المنطق
المبتور فيتصور الوعظ والإرشاد والتذكير بأهوال الحساب كافية
لتمكين المسلمين من شروط امتطاء الدنيا امتطاء يعد للآخرة
ويحقق شروط الشهادة على العالمين المشروطة بشروط السيادة على
العالم: لذلك كانت أغلب الحركات الدينية ذات تنظيم عسكري وكل
من وصل منهم الحكم وصل إليه بما يماثل الانقلاب العسكري حيث
يتحالف بعض العلماء بالمعنى التقليدي مع الأمراء بالمعنى
العسكري. وإذن فنقد الحركات الدينية من حيث لا يعلم أصحابها
كان موجها ضد الغاية التي تهدف إليها دعوتها الإصلاحية: تحقيق
شروط تأثير الفكر والعقيدة مع حصرهما في ما لا يؤثر حقا إلا
إذا اعتمد على من يوظفه من ذوي القوة الحقيقية الوحيدة التي
تعترف بها هذه الحركات أعني القوة العسكرية الهمجية لأنها لم
ترب على قيم القرآن بل على قيم الجاهلية.
وإذا أردنا تحقيق شروط احترام قيم الإسلام وحقوق الإنسان كما
حددهما العقل والنقل فينبغي إذن أن نحاول فهم علل الفشل الذي
آل إليه نقد الأنظمة العقدية الشعبية في الفكر التيمي خاصة وفي
الفكر النهضوي عامة. فهذه الأنظمة تمثل علة تحررها الوحيدة من
استفراد السلطان الزماني بها. ذلك أن السلطان المضاد الوحيد
للسلطان الزماني هو في كل الحضارات المعتقدات الشعبية أو
الأخلاق العامة المؤثرة في السلوك العام: فمنها يتولد الرأي
العام ولا يمكن تحقيق التغيير الإيجابي من دون فهم كيفيات
التأثير التي تعمل بها هذه المعتقدات الشعبية. فما دامت حقوق
الإنسان لا تمثل جزءا من المعتقدات المؤثرة في السلوك العام
فإنها لا يمكن أن تعد جزءا من القيم التي يعبأ بها الراي العام
الشعبي ومن ثم فلا يمكن أن يحترمها من بيده السلطة الزمانية
لعلمه أن الشعب لا يبالي بهذه الحقوق التي لم تصبح بعد جزءا من
قيمه التي يقبل التضحية من أجل الدفاع عنها.
إن نقد الفقيه للصوفي ليس نقدا من أجل نقاوة العقيدة فحسب. بل
هو كان ولا يزال من أجل السلطان على الجماهير. ومن ثم فهو
تمهيد لطغيان الفقيه البديل من طغيان المتصوف أو لطغيان يتكلم
باسم التشريع السماوي البديل من طغيان بتكلم باسم التشريع
الوضعي ما دامت الحصيلة في كل هذه الحالات واحدة. إنها القضاء
على المجتمع المدني الرمزي والمادي من دون بدائل تحقق التوازن
في موازين السلطة بخلاف ما يدعو إليه القرآن الكريم وسنة
الرسول التي لم تعترف بالعصمة إلا للجماعة. ويمكن القول إن
معركة السلطان الرمزي قد حسمها النقد التيمي بصورة جعلت هذا
السلطان يصبح تابعا للسلطان المادي ضرورة: فعند جميع الفرقاء
ليس العلماء إلا توابع الأمراء حتى عندما يخدشون في الولاء
لأنهم يكونون عندئذ يعدون لبدائل من نفس الجنس أي أمراء جدد لا
يهمهم من قيم القرآن إلى كونها سلما لحوز سدة الحكم.
لذلك فتحيين النقد التيمي بدراسة نظائر المعتقدات المؤثرة في
الوضعية الحالية دراسة علمية وموضوعية أمر لا بد منه لمعرفة
شروط إيجاد السلطة المضادة التي تحمي حقوق الإنسان لأنها الشرط
الضروري والكافي لبلوغ درجة الوعي بحقوق الله أعني مقومات
السلطة التي ينبغي أن تكون بيد المجتمع المدني الرمزي[43]: كيف
يكون الرأي العام الشعبي محددا لخطوط حمراء لا يستطيع السلطان
المادي تجاوزها؟ فنحن لا نعلم بصورة دقيقة طبيعة القيم المؤثرة
والمحركة لجماهيرنا بحيث نجعلها تدافع عنها برأي عام قادر على
منع الاعتداء عليها. ومن دون ذلك لا يمكن أن نتفادى أسباب
الفشل فنبني على أسس نظرية سليمة بالاستناد إلى الحل الفلسفي
العملي الذي يتمثل في استنباط فلسفة التنوير الجمهوري من
النصين المؤسسين لحضارتنا أعني القرآن الكريم والسنة الشريفة
لكي تصبح هذه الفلسفة مادة الثقافة العامة لكل فئات الشعب في
العالم الإسلامي
وعلينا كذلك أن نفهم سبب فشل نقد ابن تيميه للأنظمة الفكرية
الكلامية والصوفية والفلسفية فنحين النقد بدراسة نظائرها
الحالية دراسة علمية وموضوعية لتحديد البديل حتى نتفادى أسباب
الفشل فنبني على أسس عملية سليمة بالاستناد إلى الحل الفلسفي
النظري الذي يتمثل في استخراج نظرية الوجود الجامعة بين
الاجتهاد العقلي لفهم الطبيعة الشريعة. والسعي الأول لتنوير
الجماعة لا يمكن أن يصبح فعالا إلا إذا تحققت مؤسساته أعني
الإعلام الحر والتعدد وشرطه شرط السعي الثاني أعني مؤسسة العلم
الحر وحق عدم الإصابة في الاجتهاد بحيث يتم التحرر من الفصام
ومن نظرية الفرقة الناجية والعقيدة الصحيحة التي يمثلها احد
الاجتهادات: تحرير الفكر من السلطان الروحي الذي هو طغيان
العلماء وهو طغيان أشد وطأة على الحرية التي هي شرط تحقيق
القيم القرآنية الطوعية بالضرورة ولا يمكن لأي دولة أن تحكم
بفرضها على الضمائر لسبب بسيط وهو أن النبي مذكر وليس مسيطر.
وبذلك يدرك من مال إلى الحل الديني أن الإصلاح العقدي وحده غير
كاف وأن التحالف بين العلماء العاطلين والأمراء الجاهلين لا
يمكن أن يؤدي إلا إلى ما حصل في حركات البعث الدينية التي بدأت
في مفتتح القرن الثامن عشر ولم تتجاوز ما انتهت إليه من
محاولات بعث أنظمة لا تناسب العصر (من جنس إمارة طالبان) وتحط
من قيم الإسلام وصورته فضلا عن أن تكون قادرة على الدفاع عن
مثله العليا لتنافيها المطلق مع الفهم السوي لقيم الإسلام
الحقيقية أعني قيم الفطرة أو العقل المجتهد: عندئذ لن يكون أحد
قادرا على الصمود أمام إغراء الغزو الثقافي وحزب العلمانين
سواء كانوا فرنكفونيين أو أنجلوفونيين.
لا يمكن لحركات فكرية وسياسية أن تنجح إذا لم يفهم قادتها أن
الفكر النظري والعقد لا يمكن أن يكون مؤثرا إذا اعتبرت سلامة
العقيدة مستندة إلى أمرين يلغيان كل فاعلية للفكر كما يتبين من
العمليات الثلاث التي استند إليها التنوير النهضوي التيمي:
*- نقد سلطان المتصوفة: تحرير العقيدة من التأثير الرمزي
للخرافة والمعتقدات الشعبية من دون سياسة تنويرية بديل تعوض
الوساطة التي يحتاجها الشعب بين العقيدة المجردة والتجربة
الدينية الحية. فتزول فاعلية العقد الرمزية التقليدية دون أن
تعوضها فاعلية رمزية جديدة, خاصة وبديل الفنون الجميلة
والثقافة (صراع القيم) لم يتأسس بعد في مجتمعاتنا ولم يصبح
المبدعون سلطة روحية يحسب لها حساب فتؤثر في التوازن السلطاني
بل هي صارت سلطة المجون والترف.
*- نقد سلطان الفلاسفة: تحرير العقيدة من التأثير الفعلي للعلم
والنظريات العلمية من دون سياسة علمية بديل تعوض الوساطة
المادية التي يحتاجها الوجود الاجتماعي بين القيم المجردة
والسلطان الدنيوي. فتزول سلطة العقل التقنية من دون بديل يمكن
أن العقل من القيام المستقل أمام هيمنة الحكم دون أن تعوضها
فاعلية مادية جديدة خاصة وبديل الفنون التقنية والاقتصاد (صراع
المصالح) لم يتأسس بعد في مجتمعاتنا ولم يصبح المخترعون ورجال
الأعمال سلطة مادية يحسب لها حساب فتؤثر في التوازن السلطاني
بل هي صارت سلطة التكنوقراط المقلدين بغباوة لفضلات الإبداع
الغربي.
*- فتكون حصيلة النقدين أن يصبح الفكر عديم السلطان الرمزي
والمادي ما يجعله بالضرورة تابعا للسلطان السياسي الذي هو بيد
المرتزقة ولا يكون لثنائية مفهوم أولي الأمر معنى[44]: إذ يصبح
العلماء تابعين للأمراء.
علل[45] الفشل الذي آل إليه النقد الخلدوني وكيفية
التجاوز
يركز ابن خلدون على تعليل حال الأمة بالانحراف السياسي
والاجتماعي ويقلل من شأن البعد الرمزي في تنظيم الحياة البشرية
من خلال الاستهزاء بالمتشبثين بالقيم المستقلة عن السلطان
المادي مثل الأنفة المستمدة من النسب أو الكبرياء المستمدة من
الكفاءة العلمية (نظرية كانت أو عملية أو إبداعية) عندما
يفقدان العلاقة بالعصبية التي بيدها القوة الفعلية أعني الجاه
الذي يعرفه بكونه صلة بأصحابها[46] حاصرا أسباب السعادة
والثروة في هذه العلاقة أو في ثمرات الجاه[47].
وذلك ما يعلل إهماله البحث في شروط الإصلاح المستند إلى تطوير
هذه المواقف بحيث تصبح عاملا مؤثرا يحقق القيم التي يعتبرها
قيما يتطابق فيها العقل والنقل ومن ثم يحقق شروط نجاح الثورة
على الظلم. لكن محاولة ابن خلدون تجعل تحقيق القيم في التاريخ
أمرا متروكا للقضاء والقدر ولمنطق التداول البايولوجي في صراع
العصبيات بحسب توالي البداوة والحضارة[48]. وإذن فابن خلدون قد
اهتم خاصة بتعليل الأدواء بالانحراف السياسي والاجتماعي الذي
أنهك حضارتنا وقتل كل قواها الحية ولم يبحث في شروط الإصلاح
التي يمكن أن تكون قابلة للتحقيق بفعل إرادي قابل للتخطيط
والانجاز في التاريخ.
لا شك أن ابن خلدون لم يهمل التعليل بالانحراف الفكري والعقدي.
لكنه قلل من شأنه إذ اعتبره مجرد تابع للشروط المادية لكونه
يتصور السلطان الروحي أو السلطة الرمزية لا حول لها ولا قوة
وتابعة بالجوهر لذوي الشوكة. فاعتبر الانحراف السياسي
والاجتماعي بمجرده كافيا لتفسير نقل واقع المسلمين من واقع
العزة والحرية إلى واقع الذلة والعسف[49]. لذلك فهو قد ركز
إصلاحه على نقد المؤسستين السياسية (مؤسسات الدولة وخاصة
العدالة والاقتصاد) والاجتماعية (التربية والتعليم ومنزلة
العلماء) قاصرا آليات التأثير في الواقع على عامل القوة دون
سواها ومعتبرا التحالف بين علماء التاريخ والسياسة المدركين
لهذه الآليات والأمراء كافيا لتحقيق الإصلاح وتطبيق قيم العقل.
اعتبر ابن خلدون الثائرين على انتقال العصبيات الحاكمة من
الحكم الجماعي إلى الحكم الفردي سواء كان الثائرون من أهلها أو
من العلماء بالمعنى التقليدي ضربا من الجنون الناتج عن الجهل
بقوانين العمران تقليلا من شأن القوة الرمزية وتسليما بأن
القوة الوحيدة هي القوة المادية وأن الرمز لا يمكن أن يستمد
فاعليته إلا من القوة المادية التي يخضع لها بخدمته إياه:
ويمكن القول إن جل المثقفين العرب والمسلمين -سواء كانوا
علمانيين أو أصلانيين- تلامذة ابن خلدون النجباء في هذا الباب.
ولا يزال الحزب العلماني إلى يومنا هذا يقرأ الأحداث بهذا
المنطق. والمعلوم أن ابن خلدون قد انتهى في الحقيقة إلى موقف
حدد به ما نشاهده اليوم من تقنيات التعامل مع المعارضات عند جل
الحكام العرب والمسلمين[50]. ولا يزال نقد ابن خلدون أنظمة
الحكم والأنظمة التربوية الإسلامية السمة الغالبة على كل
محاولات النقد والإصلاح الحالية. ولكي نتجنب الفشل الذي يؤدي
إليه نقده علينا أن نحينه بدراسة هذه الأنظمة في حالها الراهنة
دراسة علمية وموضوعية فنتفادى أسباب الفشل فنبني على أسس نظرية
سليمة.
والحل الممكن يتمثل في السعي أولا إلى فهم سبب الفشل الخلدوني
في نقده الأنظمة السياسية الإسلامية فنحين النقد بدراسة
نظائرها الحالية دراسة علمية وموضوعية ونتفادى أسباب الفشل
فنبني أنظمتنا التربوية والسياسية على أسس عملية سليمة
بالاستناد إلى الحل الفلسفي العملي الذي يتمثل في استخراج
نظرية الحكم الجامع بين التشريع الإلهي وثمرات الاستخلاف العام
الذي يجعل كل المواطنين مسهمين في التشريع بقبول ما حددته
النصوص وباختيار من يشرع بحسب المبادئ الإسلامية لما ليس فيه
نص بحسب سنة الرعاية العامة. وهذا السعي الأول لا يتم من دون
شرط الحيلولة دون من بيده السلطة السياسية والطغيان ومن ثم فهو
يقتضي تحقيق شروط الإصلاح السياسي الدائم أعني النظام السياسي
ذا آلية الإصلاح الذاتي: تقنين المعارضة الحرة والتداول على
الحكم ومن ثم حرية التعدد الحزبي أو أي شكل آخر من أشكال
التعبير السياسي عن آلية الإصلاح الذاتي الدائم.
كما يتمثل الحل في السعي ثانيا إلى فهم الفشل الخلدوني في نقده
الأنظمة التعليمية والتربوية الإسلامية فنحين النقد بدراسة
نظائرها الحالية لنستنبط فلسفة الحقوق الشرعية والوضعية من
النصين المؤسسين لحضارتنا أعني القرآن الكريم والسنة الشريفة
لكي تصبح هذه الفلسفة مادة التدريس لكل طلبة المدارس في العالم
الإسلامي من أدنى مستوياتها التعليمية إلى أسماها. وهذا السعي
الثاني الذي لا يتم من دون إزالة أسباب الطغيان بمنع كل تكوين
لسلطة روحية نفاها الإسلام لكونه يعتبرها مصدر تحريف الأديان.
ولا يتحقق ذلك إلا بتحرير المؤسسة التعليمية من مثل هذه السلط
لكون شرطه هو شرط تحقيق المؤسسة التربوية التي تقوم بهذا الدور
تحقيقا سلبيا بإزالة الحوائل وإيجابيا بإيجاد المؤسسة المتحررة
وشروط بقائها. وبذلك نفهم أن الإصلاح الخلدوني إذا لم يصاحبه
فهم العلاقة بين الرمزي والمادي أو بين العقيدة والقوة فإنه
ينتهي إلى ما انتهت إليه الحركات العلمانية من أنظمة عسكرية
على النمط الفاشي والنازي والستاليني.
ولا يمكن للنهضة أن تدرك علل فشلها ما لم تفهم التناقض بين
محاولة جعل الفكر العملي مؤثرا وتوجه النقد إلى إفراغه من كل
فاعلية بحصر الفاعلية في القوة المادية وحدها كما يتبين من
النقد الخلدوني:
*- فهو يرفض كل معارضة لما يعتبره التطور الطبيعي للعصبية
تطورها الذي ينقلها من العمل الجماعي للمنتسبين إلى العصبية
الحاكمة إلى العمل الفردي الذي يستعيض فيه المستبد بالعصبية
الدموية بعصبية الولاء فينقل الحكم من التعددية الشرعية إلى
الفردانية المستبدة دون أن يقدم بديلا يمكن من نقل التطور
السياسي من الآلية الطبيعية التي تتحكم فيها جدلية الصراع
الإحيائي إلى الصراع الحضاري: من اقتتال العصبيات إلى التداول
السلمي على الحكم.
*- وهو يرفض كل معارضة لما يعتبره التطور الطبيعي لمنزلة
العلماء تطورها الطبيعي الذي ينقلها من المشاركة في تأسيس
الشرعية إلى مجرد تابع للحاكم. فهو لم يضع نظرية الجاه موضع
سؤال ولا يزال المثقفون عندنا يعملون بها لكونهم في الحقيقة لا
يستمدون منازلهم من دورهم الثقافي بل من الجاه وهو ما يحول دون
أي أمكانية لتصور الفكر يصبح ذا سلطان مؤثر في التوازن
السلطاني.
*- وبذلك فان ابن خلدون يرفض كل تأثير حقيقي للقوة الرمزية فلا
يبقي إلا على القوة المادية التي تفضي بالضرورة إلى الهرج. ولا
يزال أغلب المثقفين عندنا على هذا النمط من التفكير إن لم يكن
قولا ففعلا.
يؤكد الكثير من المفكرين والمصلحين أن الحل سياسي وأنه يتمثل
في مجرد القبول بحل الحكم الديموقراطي. لكن هذا الحل يجعل سلوك
المسلمين في عصرنا من جنس سلوكهم في العصور الأولى: الاقتصار
على تبني الحلول الموجودة وإكساؤها الزي الإسلامي دون التساؤل
عن شروط تحقيق قيم الإسلام التي ينبغي أن تكون عين الحقوق
الطبيعية لكون القرآن الكريم يعرف الدين الخاتم بكونه فطرة
الله التي فطر الناس عليها. لذلك فإنه ينبغي التنبيه إلى مزالق
تبني هذا الحل من دون بيان مفهومه الحقيقي وشروط الضرورية.
فالرعاية العامة التي تحرر الإنسان كما حددها الإسلام تتنافى
مع الديموقراطية الغربية التي هي أليغارشية مافياوية خفية تدعي
قولا حكم الشعب بالشعب وتمارس فعلا حكمه بالمافيات واللوبيات.
الرعاية العامة كما يحددها االقرآن الكريم تعني بناء مؤسسات
الاجتهاد العام أو التواصي بالحق لتحقيق شروط الخلافة العامة
المعرفية والجهاد العام أو التواصي بالصبر لتحقيق شروطها
الخلقية. وتلك هي الشروط التي تحرر مفهوم الخلافة العامة من
حيث هي منزلة الإنسان من الدلالة الإنسوية التي تؤله بعض الناس
فترفعهم إلى رتبة المشرع المطلق الذي يستعبد البقية بدلا من أن
يكون المشرع في حدود الاستخلاف. وقياسا على ذلك يكون تنظيم
التعليم إنتاجا للمعرفة وحفظا وتوزيعا واستهلاكا ورعاية.
لكن هذا التنبيه لا يعني العودة إلى سلطة الفقهاء المستندة إلى
سلطان الأمراء. فالحدود التي ينبغي فرضها على الإنسوية الغربية
لا تتمثل في تأسيس سلطة فوق سلطة الرعاية العامة التي تعود إلى
المؤمنين من حيث هم شهداء على العالمين ومشهود عليهم من الرسول
الأكرم. ذلك أنه إذا فرضت السلطة الفقهية موجودة وكانت لها
اليد الطولي فإنها تصبح سلطة كنسية ولا يكون القرآن والسنة في
ذاتهما ودون وسيط السلطة العليا بل تحكم الفقهاء: كل ما يقتضيه
المميز الأساسي لثورة الدين الخاتم هو أن تكون نسبة ظاهرات
القرآن والسنة إلى الاجتهاد الإنساني العام في مجال القيم
العملية وتنظيم الحياة الروحية هي عينها نسبة الظاهرات
الطبيعية إلى الاجتهاد الإنساني العام في مجال القيم النظرية
وتنظيم الحياة المادية.
أما المؤسسات التي لا بد منها لتحقيق التواصي بالحق أو
الاجتهاد العام و التواصي بالصبر أو الجهاد العام فإنها تتعلق
بشرط قدرة العقل على التأثير (شرط التكليف الأول) وذلك هو
العقل القوي إذ بمجرد أن يكون الاجتهاد عاما يتحول إلى المصدر
الوحيد للبعد التصوري من الفعالية الإنسانية التي تتعين في
دورها السلطاني الذي تمثله مؤسسات المجتمع المدني الرمزي
(المؤسسات الاجتماعية لصراع القيم: وتتعلق بعلاقات البشر بعضهم
بالبعض من حيث الأعراض) ومؤسسات المجتمع المدني المادي
(المؤسسات الاجتماعية لصراع المصالح: وتتعلق بعلاقات البشر
بعضهم بالبعض من حيث الأموال) كما تتعلق بشرعية القوة وتلك هي
القوة العاقلة إذ بمجرد أن يكون الجهاد عاما يتحول إلى المصدر
الوحيد للبعد الإنجازي من الفعالية الإنسانية التي تتعين في
دورها السلطاني الذي تمثله مؤسسات المجتمع السياسي الرمزي
(المؤسسات السياسية لصراع القيم أو مدارس الفكر الحقوقي)
ومؤسسات المجتمع السياسي المادي (المؤسسات السياسية لصراع
المصالح أو الأحزاب). وبذلك تكون حماية حقوق الإنسان مسؤولية
الجميع لكون السلطة العامة تصبح بيد الجميع فلا تعدو حدود الله
وذلك هو مدلول الشورى الحقيقي في مستوى المؤسسة التربوية
والسياسية.
والله أعلم.
المسألة الأخيرة
هل دعوى الشيخ بتغيير أسلوبه دعوى صادقة ؟
نعرج على تعين أعراض المرض الذي أقعد حضارتنا بدراسة التلاعب
الأسلوبي في خطاب السعاة إلى تأسيس سلطان ديني في الإسلام
لإفساد ثورة القرآن التي حررتنا من السلطة الروحية الوسيطة.
والكلام في هذا الوجه الظاهر يثبت أن الشيخ لم يستطع الوفاء
بما وعد به من تغيير في الأسلوب ولم ينتقل إلى الحوار الهادئ
حول علل التخلف الذي يعاني منه فكرنا وارتباط ذلك بحربه على
الخروج من ظلمات.
هبنا صدقنا دعوى الشيخ في فاتحة نصه الثالث[51] عملا بحسن الظن
بالمحاور حتى بعد كل ما رأينا في المسائل السابقة ألا يكون ذلك
دليلا على أن الشيخ يعترف بأنه قد قرر أن يرجع إلى الجادة على
الأقل في الأسلوب كما يزعم؟ لكن حسن الظن لا يقتضي عدم تحليل
الخطاب الأخير لصاحب الدعوى لتبين الرشد فيه بعد الغي في
سوابقه. فقد كان هو البادئ بالعيب ثم تراجع وهذا أمر محمود إذا
طابق الفعل الحاصل القول المعلن. فمراجعة الذات من الفضائل دون
شك لو كانت مراجعة فعلية لا قولية. وهو يعلم ولا يستطيع أن
ينفي أني تكلمت عنه في محاولتي الأولى واصفا إياه بكونه شيخا
شابا متمرسا في ميدانه حسن ظن به وبكون ما نسبته إليه من خطأ
قد يكون لسهو ولم اعتبره لجهل ونفيت عنه كل سوء نية على حد ما
فهمت مما قرأت له إلى ذلك الحين.
فكان عنف رده مفيدا أنه يتصور نفسه معصوما لا يسهو ولا ينسى
وجاء رده مسبوقا ومشفوعا بردود حرمصية في أشكال من التدني لم
أر له مثيلا وهو ما كان ينبغي له أن يحول دونه ليس منعا لحرية
الرأي بل ترشيدا للرأي الحر ما دام يزعم تعليم الطلبة العلم
وأخلاق العلم. وقد اعترف في رده مفاخرا بقدرته على التنجيم
بأنه توقع لي ما يصفني به وأعلم به الكثير من طلبته حتى قبل أن
يصدر نصي. فيكون العيب في موقفه مني بما كان يتوقعه لي عيبا
متقدما حتى على صدور نصي الذي يزعم أنه مصدر كل الشرور: فمن
أعطاه هذا الحق بأن يحكم على مسار أي إنسان فضلا عن مساري
الفكري الشخصي بمعايير تصوراته العقدية الشخصية ؟ أليس ذلك
بالذات هو ما وصفته بالوصاية على عقول المسلمين ؟
وهو يعلم ولا يستطيع أن ينفي أن حديثي في نصي الأول قد دار عن
المواقع عامة وعن الكلام بصورة عامة في صلته بالفتن دون أن
يكون الشيخ بذاته ولا موقعة هما المقصودين حصرا فيهما. ذلك أن
الأمر لو كان متعلقا بالشيخ وموقعه وحدهما لما احتاج إلى أن
أكتب كلمة واحدة في الموضوع. فالأمر يكون عندئذ قد كان شذوذا
لا يحتاج إلى علاج إلا بالإهمال. لكن الظاهرة عمت كل المواقع
وكل المنابر وخاصة الفضائيات التي تحولت إلى سعي نسقي لوأد لكل
محاولات النهوض والإحياء الجدية مما ييسر على العلمانيين وجود
الساحة خالية بعد أن يكون مثل هذا السلوك قد عاد بنا إلى مرحلة
طالبانية في مستوى الفكر ومنها إلى مرحلة الهنود الحمر في
مستوى الذكر فننتهي إلى ما يشبه المعازل الأمريكية التي من
نماذجها ما نراه بالعين المجردة جاريا في الصومال والعراق
والسودان وهلم جرا....
وقد ظننت مبادرتي ستكون بداية لحوار متزن حول علل سير الفكر
عندنا سيره القهقرى فضلا عن الفعل حتى إني بمناسبته سعيت
للاشتراك في الموقع ثم عدلت لما تبين لي من الاطلاع عن قرب أن
الأمر شبه مستحيل: فقد وجدت كل "شمائل" المتكلمين "الرفيعة"
وهي ما لا أطيقه بل إني اعتبره فوق طاقة التحمل عند أي إنسان
سوي. وهبه حقا قد وجد في نصي إفراطا في الكلام على الكلام: أما
كان يمكن أن يرد بأقل إفراط عل ذلك فيجعلني أراجع رأيي على
الأقل لأني أكون عندها قد اكتشفت أن بعض المتكلمين المحدثين
فيهم من هو حقا ذو اتجاه مختلف عما كنت أخشاه ؟ لكن رد الشيخ
جاء كما سماه هو بنفسه طليعة حرب ليس علي وحدي بل على كل من
سماهم بالفكر الحداثي الضال حتى لو اقتصرنا عليه.
أما إذا نظرنا في سخافات أذيال الشيخ إما تمجيدا لثرثرته حول
مخاطر الفكر الحديث ممثلا بي وبغيري أو بالشهادة له وعلي
لكأننا في محاكمة ثم أضفنا إلى ذلك تأييده موقفه هذا بحكم سابق
له عني مدعيا أنه توقع لي مصير الخروج من الملة التي صار هو
يحدد طبيعة الدخول إليها والخروج منها وكلامه مع طلبته كلام
أكلة اللحوم بالمعنى القرآني فإن القارئ يفهم من هو على خلق
القرآن منا. وقد ذكرني هذا السلوك بتخريف "أحصنة طروادة"
المغاربة بلغة مشعوذ آخر من الأوصياء على الأمة[52]! ثم هو وقف
يستمتع بما يحبره بعض أتباعه من كلام تافه لصبيان لم تتعلم إلا
التفاقه في تشقيقات لغوية دالة على أنهم جاهلين بفنون العربية
فضلا عن فنون الفلسفة والمنطق واللسانيات وفلسفات العلم.
ونصي الأول منشور في موقعهم فدونهم فليراجعوه وسيرون أنه خال
من كل قدح في الشيخ أو في جماعته حتى وإن تركز الكلام الذي
أثارهم على دور الكلام الذي لم أقل فيه إلا ما لا يكاد أحد من
علماء الأمة قبل نشأة داء الكلام وبعد اكتشاف أضراره يخالفه
كما بينت لهم بنص واحد من الجنيد رحمه الله اعتبره كافيا
واعتبر تبني ابن خلدون إياه دليلا قاطعا على تأييده له (لعلم
الجميع بثقافة ابن خلدون الدبلوماسية) كما ورد في رسالتي
السابقة: إنه شبه علم لا يفيد منه العالم ولا يفهمه الجاهل وهو
مزرعة الفتن والحروب الأهلية بين الفرق فضلا عن كونه أساس بدعة
الصيغ العقدية التي تأتي بديلا من نصوص قرآنية وممارسات سنية
ليس بعدها بيان.
وحتى النص الثاني[53] فإنه لم يكن ردا على الشيخ إلا بخمسه
الذي اقتضاه المقام بعد أن جاء ما جاء في طليعة الشيخ واطلاعي
على أمور في بعض مواقفه أذهلتني لأني لم أكن مثله ذا موقف مسبق
منه شخصيا بل إني لم أسمع به إلا بالمناسبة التي وصفت في نصي
الأول (تعليقه على الكوجيتو) ولم أتوقع له شيئا لا الدخول إلى
الملة ولا الخروج منها ولا من غيرها لأن ذلك هو كما يقال ليس
حتى من أواخر همومي[54]. أما الباقي من النص الثاني أعني
أخماسه الأربعة الأخرى فكان بنفس الأسلوب الذي يعالج قضايا
علمية ولا يناقش صفات أشخاص معرفية كانت أو خلقية. وقد اقتصرت
في هذا الخمس على مسألة واحدة لا غير خصصتها للكلام في ثلاث
علامات شديدة الوضوح في دلالتها على ما وصفه الشيخ بعد أن
حددتُ وقائع أخذتها من موقعه دالة على عكس ما يزعم لفرقته من
دفاع على السنة والجماعة وحماية بيضة الإسلام.
وما كنت لأفعل لولا أسلوب رده الأول ورقصات حليقي الرأس من
دروايش موقعه الذين رددت على البعض منهم في هوامش هذا النص
الثاني بل إني خصصت بعضهم بردين مباشرين نشرا أيضا في موقع
الأصلين:
أولهما كان بعنوان متى نعمل بالآية السابعة من آل عمران
والثاني بعنوان ما يُعمل بعجل إلا الدجل.
وها نحن نرى وعده في فاتحة هذا الرد الخاتم لما سبق والفاتح
لما سيلحق وعده بتغيير الأسلوب ليس وعدا صادقا لأن كل ما فيه
يناقضه: فهو بدأ بأمر ليس أكثر منه بشاعة إنه يكاد يدعي العصمة
في تعليمنا ديننا لكأن غيره جهلة بالإسلام وعليهم أن يروا
القرآن والسنة بعينيه دون أن ننسى أننا في حضرة بابا الإسلام.
وأريد أن يعلم الشيخ أن وعده وأسلوبه لا يعنياني كثيرا ولا
أنوي أن أعلق عليهما في غاية هذه المحاولة إلا لأنهما عينتان
من الظاهرة التي اعتبرها من أهم علل الانحطاط وذلك من وجهين
وبسرعة برقية استكمالا لما جاء في المسائل الجوهرية التي
عالجتها لمواصلة ما شرعت فيه كما أسلفت في النص الموالي لرد
الشيخ الأول. فأسلوب الشيخ لا يمكن أن يتغير لأنه جوهر الأسلوب
الكلامي كما وصفه كل الذي الذين نبهوا لمخاطرة تفسيرا للآية
السابعة من آل عمران وهو فعلا لم يتغير حقا ومن ثم فهو وعد
كاذب بمستوييه أعني:
أ-من حيث دعاوى مضمونه العلمي: فهو مضمون يتألف من نتف خالية
من النسقية العلمية ومن ثم فهو ليس فكرا أصلا. فإطالة الكلام
في تفريعات لا معنى لها لا تدل على المعرفة بل على الحفظ الميت
وهي تختلف عن الطابع الحي والعضوي للمعرفة العلمية التي كان من
المفروض ممن غير أسلوبه أن يستعملها في كلامه مع غيره كلام
الباحث لا كلام المبشر كما نبين إن شاء الله.
ب-ومن حيث نبرته الخلقية: فهو يسقط كل أوصاف صاحب الرد على
مخاطبه لكأن الذي بدأ ب"تشخيص" المسائل هو أنا وليس هو هو
باعترافه عند كلامه على ما كان يتوقعه لي قبل أن أكتب نصي الذي
وجد فيه مؤيدا لتوقعه. ومن أمثلة ذلك كلامه الذي يحاول فيه
التهوين مما ظنه سيرفع قدره في أعين تلامذه ثم اكتشف المفعول
العكسي فأراد أن يحول الأمر إلى مزاح ثقيل:
1-فمسألة اللغات الأجنبية هل كانت ترد في ردي أصلا لو لم
يتفاقه بالكلام في ما يعلم من اللغات خاصة والمصطلح المستعمل
دارج ولم أكتبه إلا بحروف عربية مع محاولة بيان الدلالة
بالعربية أيضا ؟ وحتى وهو يبحث عن المعاذير ليبين أن قصده لم
يكن المفاخرة باللغات ها هو الآن يفاخر بأن جاهل اللغات قد علم
من لم يكن بحاجة إلى أن يدعي أنه عالم ببعضها لأن ذلك أمر
يشترك فيه تقريبا كل مختص في الفلسفة إذا كان ممن يحترم نفسه
فلا يجعلها دون من هم مختصون فيها في العالم المتقدم لأن
الفلسفة لا يكفي فيها حفظ المتون التي بها يصبح الإنسان عالما
بعد عرضها عن ظهر قلب دون فهم وقدرة على التجاوز. وليس من شك
أنه يمكن للمرء أن يتعلم من الشيخ الذي هذا تكوينه والذي يفاخر
بجهل اللغات الشيء الكثير: كفن المراوغة وأدلة ما لا يقبل
الدليل من المعارف الوهمية.
2-ومسألة وحدة الوجود هل كان ردي يكون كما جاء لو لم يتعالم
الشيخ فيزعم أنه أعلم بهذه الفلسفة من غيره في حين أنه يجهل كل
ما جرى بعد التجربة الإسلامية بل وحتى التجربة الإسلامية نفسها
فهو لم يفهمها على الأقل كما عرضها ابن خلدون حتى لا نذهب إلى
ما هو أكثر تدقيقا ؟ فهو لم يسمع بدور فلسفة سبينوزا في عصر
التنوير وبالمثالية الألمانية ودورها في كل نكبات البشرية خلال
القرنين الماضيين. وهل كان الكلام يدور عليها لو لم تكن ذات
صلة مباشرة بمآلات علم الكلام ؟
3-وجمعه بين هذين التحيلين محاولا الكلام الهازل على اللعبة
التي يتصورني وجدتها لأتلهى فهو لعمري من المهارب الصبيانية
الهزيلة ولم أر في حياتي شيخا متصابيا مثل هذا الرجل: فهو يظن
أن ذلك سيخفي فضيحة تعالمه في اللغات وفي الفلسفة ليبهر طلبته
الأميين وتعالمه في الكلام على الميتافيزيقا باللجوء إلى
المولا صدرا دون فهم ولا علم لجهلة بالفلسفة المتقدمة عليه
أولا وبالفلسفة التي تجاوزته ثانيا. ولما انفضح أمره صار يراكم
الحجج على أن قصده لم يكن ما يفهم بداهة من كلامه في ما لا شيء
كان داعيا للكلام فيه لو كان حقا لم يكن يقصد ما قصد.
4-وكل من قرأ دحضه المزعوم للكوجيتو يعلم أن الشيخ غير صادق
عندما يدعي أنه كان على علم بأن ديكارت قد نفى أن يكون
الكوجيتو قياسا لأن عين محاولة الدحض التي ظنها جيدة قدمت
لديكارت في شكل اعتراض وبين علة رفضها. وليس عيبا ألا يكون
الإنسان مطلعا على كل شيء بل العيب في الزعم أن ذلك ممكن فضلا
عن كونه حاصلا لشيخ لم يدرس في حياته إلا الملخصات لتفاخره
بحهل لغة الفلاسفة. ولو كان حقا مطلعا على رد ديكارت على
الاعتراضات المعاصرة له كما يدعي لكان عليه أن يشير إلى ذلك في
محاولته ليثبت أولا أن الكوجيتو يقبل العلاج الذي يقدمه رغم
موقف ديكارت ولما علق على لجوئي إلى ما ظنه تعقيدا غير ضروري
بل ولما رد عليه بتلك الصورة أصلا لو فهم رفضه هذا الرد منذ
خمسة قرون.
5-أما جوهر خطاب المؤخرة أو الخاتمة فهي ذروة القدرة على
الاستنتاج المنطقي العجيب عند الشيخ المتناطق. فهو يؤول ختمي
الكلام في مسألة الكوجيتو ب"هذا رأيي والله أعلم" تأويلا لم أر
له مثيلا. فالشيخ قد اعتبر ذلك اعترافا مني بأني كنت على خطأ
أو بأني يمكن أن أكون قد كنت على خطأ: إذا قلت الله أعلم
(مقدم) فإذن أنا اعترف بأني على خطأ (تال). فلا تبقى هذه
الجملة من آداب الخطاب عند المسلمين فضلا عن كونها من مؤيدات
نفي إمكانية علم الكلام بإطلاق بل تصبح عند الشيخ دالة على
الاعتراف بالخطأ. فأما ثانية دعواه فلا شك فيها: فلست أعتقد
نفسي معصوما بل يمكن أن أخطئ في هذه المسألة وفي غيرها. ولذلك
فأنا لا أريد أن استعمل المنطق في الإلهيات التي الخطأ فيها من
المهلكات. وأما دعواه الأولى فهب أنها كما ادعى ألا يعني أنه
بقاعدة نقيض التالي قد ظن نفسه أعلم من الله؟ فإذا كان القول
"الله أعلم" ينتج عنه أن قائله مخطئ أو معترف بالخطأ ألا يكون
نقيض هذا التالي دالا على أن من لم يعترف بالخطأ أو من يتصور
نفسه غير قابل للخطأ ينبغي أن تكون علامته ألا يرى هذا الرأي
وألا يقول ألله أعلم لأنه يتصور نفسه أعلم من الله؟ أفيكون
الشيخ ليس أعلم مني فحسب بل وأعلم حتى من الله؟ أما احتمال أن
يكون أعلم مني فهذا أمر يسير قبوله: إذ يكفي فيه هذا الدليل.
وأما الخلية الثانية فالله أعلم مرة أخرى. وليؤولها كما عن له.
أما التقريرات العشرة زائد إثنان في غاية الخاتمة التي هي
الطلقات الأخيرة من مؤخرة الجيش فإن المراد بها هو عكس ما
يدعيه صاحبها من تغيير الأسلوب والانتقال من لغة الحرب إلى لغة
الحوار العلمي. وكما وعدت في خطة هذا العمل فإن أهم ما ساختبر
به وعد الشيخ حول أسلوبه في غاية عملي هو تقريراته في غاية
رده. سأكتفي بوصف ما جاء فيها تصريحا أو تلميحا دون تعليق
طويل: يكفي تلخيصها وجمع ما ليس منتظما فيها بروح الفكر الذي
تعلم التفكير المنهجي. فقد جاءت هذه التقريرات بصورة فاقدة لكل
نظام وكان يمكن حصرها على النحو التالي وبصورة أبلغ وأوضح
وأكثر كشفا لما يقصده فعلا. سأكتفي إذن بإبراز العلاقة بين
العناوين التي أرجعتها إليها والتي ربما كانت خفية في لاوعيه
فأسقطها علي. وسيتبين أن قلبها عليه بمقتضى ما جاء في رده كاف
وزيادة لوصفه بلسانه وهو أمر قد حصل فعلا في المسائل السابقة.
وسيفهم ذلك حتما بعد أن يقرأها بعقله الرصين ! لكن من يدري
فلعله كان واعيا بها ويعلم أنه يتكلم عن نفسه لكنه أخفاها إلى
يوم الأشهاد رغم كونه عبر عنها بإسقاطها على غيره:
فالعنوان الأول منها يتضمن تكذيبا مزعوما لما قلت حول فكر ابن
خلدون والغزالي وابن تيمية في مسألتي الكلام واستعمال العقل في
العقديات. وآمل أن يستدرك الشيخ على نفسه بعد أن يقرأ ما كنت
أتصوره في غنى عن إعلامه به من جنس ما جاء في إحدى مسائل هذا
البحث. أليس يدعي الزعامة في العلوم العقلية؟! ولم ينس طبعا أن
يضيف إلى قائمة هؤلاء العلماء الثلاثة ذاته حتى يضع نفسه مع
الفحول: يزعم أنه بين جهلي بموقفه قياسا على تكذيبه المزعوم
لرأيي في مواقف الغزالي وابن تيمية وابن خلدون من الكلام.
لكأني اهتممت يوما بما يكتب لولا صدفة هامشية هي ما قاله في
خطأ ابن تيمية وتعليقه على ما قلت في دليل الكوجيتو. وحتى هذا
فإنه ما كان ليحرك في شيئا لو لم أجد في ظاهرة المواقع
الكلامية عودة إلى المرض الذي سبق أن درست مظاهر ما هو جنيس له
في الماضي عند شيخ الإسلام وعلامته.
والعنوان الثاني منها يقبل نفس العنوان الأول و إن بالتناظر
العكسي أي إنه وضع نفسه مع الفحول فكان ينبغي أن يستثنيني منهم
وأن يحدد الصف الذي ينبغي أن يضعني فيه. ولا أمل في أن يراجع
الشيخ نفسه فيدرك أنه يتكلم بغير علم حتى في الأصوليات السنية.
لذلك كانت نتيجة العنوان الثاني صريحة وهي إخراجي من كل الفرق
والقصد طبعا هو من فرقته التي هي الفرقة الناجية. أما نتيجة
العنوان الأول الضمنية فهي انتسابه إلى الفرقة الناجية أعني
نقيض الحكم في العنوان الثاني مع تغيير موضوع القضية.
والعنوان الثالث يتضمن ما يتصوره حجة على قابلية تحديد المجال
الذي انحزت إليه بعد إخراجه إياي من الفرقة الناجية ومن صف
الفحول الذين هو منهم. ولا أمل في أن يفهم الشيخ أن الإسلام
ليس ما يحدده العلماء حتى لو كانوا فحولا فضلا عن الأشباه بل
هو ما يوجد في القرآن والسنة. لذلك فنقد العلماء ليس قدحا في
المرجعين المقدسين. ولما كان يحتاج إلى نفيي في مكان ما حتى
يتم مهمته لم يجد مكانا أفضل من صف العلمانيين. والعلامة
المساعدة (لا يعلم الشيخ أن العلامات ليست أدلة بل هي أضعف
القرائن) هي هجومي على العلماء لأن حقيقته عنده هي الهجوم على
الإسلام بمنطق تعدية لا أدري من أين أتى به. وبهذا يحدد الشيخ
مكان النفي: صف أعداء الإسلام أعني صف العلمانيين والملحدين.
والعنوان الرابع ولكن حتى هذه المنزلة وجدها الشيخ كثيرة علي.
فلست حائزا على ما يمكن أن يدعي العلماني حوزه. فقد غابت عندي
شروط المنهجية العلمية شكلا واكتفيت بالتوفيق والتلفيق بين
الفلسفات الحديثة لغايات جدلية بل وسوفسطائية مضمونا. ولست
أدري كيف يحكم الشيخ في ما يجهل. لكن لا بأس فالدعوى تكفي.
وهذا الكلام يفرح العلمانيين. ذلك أنه لو كان المدافعون عن
الإسلام من جنسه جاهلين بما يزعم العلمانيون التفوق فيه لحلت
مشاكلهم جميعها في حربهم على الإسلام. ما يخيفهم هو من يمكن أن
يبين لهم بأنهم أجهل خلق الله بالفلسفة والعلوم القديمة
والحديثة على حد سواء مثلهم مثل هذا الشيخ. والأهم من ذلك كله
هو أن ما يخيف الصفين المتنمرين على الفلسفة وعلى الدين هو أن
يوجد من يبين أن الفلسفة والعلم الحديث لمجرد كونهما أدركا أن
العجز عن الإدراك إدراك أصبحا بالجوهر ساعيين إلى ما يسعى إليه
الدين وأن الحرب هي بين هذين الصفين الجاهلين بهما وليس
بينهما.
والعنوان الخامس هو العنوان الأساسي الذي يؤصل كل العناوين
السابقة قصدت المقابلة بينه وبيني في شكل تناظر عكسي بين
الإنسان المؤمن الرصين الورع والعقلاني والإنسان الفظ الذي
يغلب عليه الانفعال ورد الفعل العصبي اللاعقلاني. والعلة بينه
فهو فطن يلتزم بعلوم لم يتعلمها لكنه يرى نتائجها البعيدة وأنا
مغفل ألتزم بآراء فلسفية تعلمتها لكني لا أرى نتائجها البعيدة.
والشيخ الفطن يراها بعين المنجم لأنه لا يحتاج أن يتعلم منها
شيئا يكفيه الثرثرة الكلامية والتنجيم. وحتى ينال الشكر الواجب
مني: فهو ينتظرني في زاوية الطريق عله يهديني سواء السبيل !
وطبعا فأنا أوافق الشيخ في المقابلة المؤسسة وفي كل ما أسسه
عليها وأترك للقراء والتاريخ تبيين من منا أكثر مناسبة للصفات
السلبية التي ألصقها بي وللصفات الإيجابية التي ألصقها بنفسه.
وبذلك يتبين أن هذه التقريرات تعني أمرين لا علاقة لهما
بالمعرفة ولا بالأخلاق لأن هذين الأمرين هما آخر ما يعني
الشيخ:
أولهما هو أنها خطة التأليب التي ورثتها مؤسساتنا الدينية من
علماء السوء كلما أعيتهم الحيلة منذ عصر الانحطاط فكان ذلك
عينة داخل المؤسسات التربوية من الحرب الأهلية في الأمة. إلغاء
الآخر بتأليب المتنفذين عليه حتى لم يبقوا فيها خلال عصر
الانحطاط إلا ال"بصاصين" لدى الحكام.
والثاني هو السعي إلى تمرير قناعات الشيخ إلى القراء في شكل
حقائق يزعم أنه قد أثبتها دون أن نرى أين ولا كيف. وهذا كان
يمر في العصور الخوالي لما كان الشعب لا يقرأ ولا يفكر بل هو
لا يرى إلا بأعين علماء السوء في عصر الانحطاط لأنهم حرصوا على
تحويله إلى عامة بل ودهماء.
أما الآن فهيهات. فالأمة لم تبق عامة والقراء ليسوا مغفلين بل
يعلمون أن أغلب ما يقدمه الشيخ على أنه حقائق أثبتها لم يكن
الشيخ بحاجة إلى إثباتها وأن الأدلة التي يزعمها إثباتات عليه
لا له. فالدعاوى الأساسية التي يتصورها تهما ستؤلب رأي من هم
من جنسه لم أنفها بل هي علة الخلاف بيني وبين جل أساتذته قبل
أن يصبح هو شيئا مذكورا إذا صح أنه قد صار. وهي مواقف لي الشرف
بالدفاع عنها بوصفها جوهر الثورة القرآنية كما أفهمها لكني لم
أبشر بها أحدا ولم أكون موقعا لهداية الآخرين في ضوئها: فهي
جميعا تدور حول تصور وظائف الفكر الحر والحقيقي أعني حول
الخيار بين الانتساب إلى القائلين بالعودة إلى "هذا ما وجدنا
عليه آباءنا" والانتساب إلى القائلين بالاجتهاد والجهاد من أجل
تحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها أعني ما من ثمرته
التقابل بين العودة إلى ما مات من أشباه العلوم والتوجه نحو
العلوم التي جعلنا فقدانها في عمراننا في ذيل الدول المتخلفة.
ومع ذلك كله فإني لن أضيع الوقت في مواصلة الكلام في هذه
المسائل خاصة والشيخ لا يريد أن يفهم المقصود من ثورة القرآن
الكريم التحريرية كما تعينت في نموذجها التطبيقي أعني السنة
الشريفة بل حتى لو فهمها فهو لا يمكن أن يقبل بها لأن فيها
قطعا لرزق المستبدين من الدجالين فضلا عن كونه ينتسب إلى عالم
غير عالم القرآن الذي هو إصلاح دائم. فالقرآن دعوة إلى
الالتفات الدائم إلى المستقبل حتى في مراجعة الماضي وهو إذن
يرفض كل دعوة إلى النكوص الدائب إلى الماضي حتى في كلام
أصحابها على المستقبل.
وليس من شك في أننا ننتسب إلى نفس الثقافة والحضارة والدين على
الأقل جغرافيا ما دام الشيخ يعطي لنفسه حق تعيين من هو مسلم
ومن هو غير مسلم. لكن الفرق بيننا هو أنه يريد أن يرجعنا إلى
ركام الماضي فيقتل الدين الذي ينبغي أن يكون حياة لا تتوقف في
أرواح الأفراد ليصبح قاطرا لحركة الجماعة نحو الإبداع في
مجالات القيم الخمسة وليس تنويما مغناطيسيا للأمة حول قضايا
يمتنع على العقل حلها فضلا عن نهي القرآن الكريم عن الخوض
فيها[55].
أما ما أسعى إليه وأطلبه فهو نبط المنابع حتى يعود نسغها الحي
فتعود إلى فكر المسلمين الديني الحركة المبدعة التي توجهه إلى
ما اعتبره القرآن مجال الفكر بتعيينه أولا (الآفاق والأنفس)
وبالنهي عما سواه ثانيا (الغيب والمتشابه). ولست مدعيا بدعا من
الأمر فذلك كان مطلب رموزي الثلاثة الذين لا أعترف بسواهم (حجة
الإسلام وشيخه وعلامته) بعد القرآن الكريم والسنة الشريفة. وما
كنت لأبدي رأيي في نحلته ولا في نسبه المذهبي لولا كلامه على
السنة والجماعة فاضطرني إلى بيان أن قصده لا يمكن أن يكون
إياهما بل هو النسة والمجاعة وإلا لما تمنى الهلاك لغيره ولما
تكلم على ما عنده فاعتبر فرقة إسلامية أخرى ليس لها من ميزة
إلا المال واصفا أهلها بكونهم أعدى أعداء الإسلام.
إني أعتقد أن ثورة القرآن الكريم والسنة المحمدية في تقديم
نموذج فهمها تفرض على المسلم ألا يتكلم حتى على السنة والجماعة
بل عليه أن يستبدلهما بالسن والجمع. فالأمة الحية لا تحيى على
مادة السنن الحاصلة والجماعات الفائتة بل على صورتها وأخلاقها
لأنها إذا لم تنتقل من مادة الماضي إلى صورته وخلقه تكون
حياتها مقصورة على تقليد أمة قد خلت "لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت" في حين أن الحياة الروحية هي عدم التوقف عن السن وعن
الجمع بمنطق حددته صورة أصلي حصانتها الروحية وأخلاقهما أعني
القرآن والسنة وسننهما النظرية والعملية في السن والجمع. فحركة
السن المتصلة هي شرط الجمع الحي لأن الأمم لا يُحفظ عقدها دون
الانفراط إلا ما ظلت تسن لنفسها ما يحفظ لها وحدتها علما وأن
المعين الذي يصدر عنه السن والجمع يبقى دائما الأصلين:
1-والأصل الأول هو القرآن والسنة محتمعين وهما الأصل الواحد
أعني المبدأ وفهمه وليس ما صار بديلا منهما أي صيغ العقائد
وصيغ الشرائع وطرائق المشعوذين وأنساق البطالين أعني ما أعاد
الإسلام إلى ما أتى لتحرير البشرية منه أعني سلطان الكهنوت
المستبد بالأمر الروحي والمساند للاستبداد السياسي في كل تاريخ
الأمة وهو استبداد كانت أصناف العلماء الأربعة (المتكلمون
والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة) في خدمته إلا القليل الشاذ من
الأبطال الذي التزموا بقيم القرآن وهم يعدون على الأصابع.
2- والأصل الثاني هو السلطة المشرعة بمرجعية الأصل الأول
صورته وأخلاقه أعنني الجماعة المتواصية بالحق (الاجتهاد)
والمتواصية بالصبر (الجهاد) تعبيرا عن أخلاق القرآن وقيمه
المتعينة فعليا في قيامها التاريخي كما حددها القرآن وفهمها
النموذجي (السنة المحمدية). والولوج إلى القرآن والسنة مشروط
باحترام ما نهيا عنه أعني تأويل المتشابه (موضوع كل كلام)
الدال على زيع القلوب وابتغاء الفتنة. ومن ثم فلا يحصل الولوج
حقا إلى معاني القرآن وقيمه وفهمهما السني إلا بعلوم موضوعُها
هو ما وجها إليه الإنسان ليتبين أن القرآن هو الحق أعني علوم
الآفاق (العلوم الطبيعية وأدواتها) وعلوم الأنفس (العلوم
الإنسانية وأدواتها) وبصورة أدق شرطي الاستخلاف الأفضلين أو
بعبارة قرآنية شرطي الاستثناء من الخسر: الإيمان والتواصي
بالحق (في الاجتهاد) والعمل الصالح والتواصي بالصبر (في
الجهاد).
والله أعلم.
الخاتمة
وفي الختام أريد أن أطمئن الشيخ بخصوص فنيات الدس التي بنى
عليها خطابه من ألفه إلى يائه. فليستعن بمن يريد وليدع ناديه.
لن يخيفني ذلك. كما أني لا أبحث عن منزلة كالتي وصف في حواره
الحضاري. فلا تضيع وقتك يا شيخ في الدس وتأليب من تسميهم علماء
الأمة وحراس العقيدة فليسوا جميعا من طينتك: لن ينجدك أحد ولن
تجد أحدا يصدق بأن همك هو حماية الإسلام حتى لو حاولت أن
تقنعهم بأني معاد له لظنك أن من يسعى حقا إلى تحرير الأمة من
علل انحطاطها ورأسها تحريف دينها في مبدأ صيغ العقائد والمذاهب
البديلين من القرآن والسنة يعتدي عليه وليس عين الساعي الحقيقي
لمنع العدوان ببيان شروط الردع كما حددتها الآية 60 من
الأنفال.
وسأكتفي في الخاتمة بملاحظة عامة لم أجد لموضوعها تفسيرا عدا
أماني الشيخ حول دورها في إستراتيجية التأليب أوردها قبل
التعليق السريع على ما هو دال على فراغ الجعبة في معركة
المؤخرة. فلمَ يحاول الشيخ أن يثبت أمورا لا معنى لها في الجدل
الدائر بيننا؟ ما يكرره حول مسألة موقفي من صيغ العقائد
الصناعية عامة[56] (لا من العقائد الواردة في القرآن الكريم من
حيث هي مبادئ واضحة غنية عن الصوغ الصناعي وآية واحدة تكفي
لمعرفة كل مقوماتها الأساسية عنيت الآية 177 من البقرة) وموقفي
من صيغ العقائد التي ينسبها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية
خاصة[57] وموقفي من مسألة الكلام ودوره[58] وموقفي من سلطة
الشيوخ الذين يسميهم علماء الأمة[59] كل ذلك مضيعة للوقت. فلا
شيء منه يحتاج إلى أن يثبته الشيخ وهاأنا أؤكده له بالهوامش
الأربعة التي تبدأ بنعم: فذلك هو جوهر ما أدعيه وأعلنه صراحة
وهو جوهر الخلاف بيننا فما الحاجة إلى إثبات أني عليه وأنا لم
أنكره ؟
متى كان من واجب المحاور أن يثبت دعاوى محاوره حتى ولو لم يكن
ذلك من أجل التذكير لبيان التناقض إذا تنكر لها لاحقا في خلال
الجدل ؟ هل هو تقرير من أجل التأليب ورص الصفوف ضدي ؟ أم هل
أنكرت مواقفي التي عبرت عنها في نصوصي المكتوبة قبل أن اسمع
بوجود الشيخ وأمثاله فيكتب كل هذا الكلام الخالي من المعنى بل
ويختم مؤخرة ردوده بالتقرير المرقوم لإثباته (ال 12 تقريرا) ؟
هل كنت أعرفه لما حاورت الشيخ البوطي؟ ولما حاورت الأستاذ حنفي
؟ ولما حاورت الأستاذ تيزيني ؟ وهل قرأ كتابي في وحدة الفكرين
الديني والفلسفي؟ وشروط نهضة العرب والمسلمين؟ إلخ...
هل يظن الشيخ أن ذلك التأليب الذي كان علماء السوء في عصر
الانحطاط يلجأون إليه في تنافسهم مع شخص ليرهبوه أو ليبعدوه
سيخيفني؟ فلست أنا ممن يرهبهم أحد إذ إني لا أخاف غير الله.
ولا أنا ممن يمكن أن ينافس على شيء مما يطمح إليه الشيخ
وأمثاله: دونكم وبهرج الزعامة بالعلوم الزائفة التي تفسدون بها
عقول الشباب وتتشيخون بها على أمة تهدهدونها بخرافات أراد
القرآن تخليصها منها فأعدتموها إلى النظام الكهنوتي. ثم متى
كنت انتظر من هذا الشيخ أو من غيره شهادة في الإيمان خاصة
وأغلب المتكلمين لا يمكن أن يفهموا للتقوى معنى لأن مطلوبهم
ليس الحقيقة بل الغلبة وحب الجاه ؟
ألا يدري الشيخ أن هذا الأسلوب من علامات النهاية والهزيمة
الفعلية في معارك المتسلطين على عقول الشعوب خاصة إذا استعمل
ضد من هم مثلي: فالتأليب هو في الحقيقة استنجاد المؤلِّب
بأمثاله لكأنه ينبههم إلى خطر داهم عليهم أن يتحدوا ضده ومن ثم
فهو يعترف بخسران المعركة ضد حركة التاريخ لان وعي الأمة
المتزايد بشروط تخلقها بقيم القرآن ومن ثم بضرورة تحقيق شروط
مناعتها هو المستقبل. والشيخ لا أظنه يجهل أن المؤسسات الدينية
ليس لها علي سلطان ليس لأني لست ممن يخضع لغير الله فحسب بل
لأني اعتقد أن سلطانها مناف للمبدأ القرآني الأساسي وهو عين
الحرب على قيم القرآن: المسؤولية الإيمانية والخلقية شخصية
بإطلاق لأن كل إنسان يأتي يوم الحساب فردا ولن يسأل نيابة عنه
شيخ حدد له العقيدة التي عليه أن يتصور بها ماجاء به القرآن بل
القرآن مليء برفض التعلل الذي يجادل به من لم يكفر بالطاغوت
بصنفيه اللذين يطلقان على أنفسهما اسم أولي الأمر أعني
المستبدين باسم العلم (من يسمون بالعلماء) والمستبدين باسم
العمل (من يسمون بالأمراء).
فقد ذكر الشيخ في آخر تقريراته التي ختم بها خاتمة مؤخرة جيشه
(كل هذه الاستعارات من نصه الأول الذي سماه طليعة) أن الكلام
في دور العلماء فيه إضعاف للأمة وهو من جنس كلام العلمانيين
الذين يشككون في الإسلام. ويفهم الجميع أن هذا القول هو من جنس
ما يقوله المستبدون بالأمر السياسي إذا يتهمون كل من يحاول
الإصلاح بأنه عميل للأعداء وأنه يحارب الأمة وليس ساعيا
لتحريرها من استبدادهم. وسيتبين للشيخ أن محاولة تأليب الرأي
العام الديني ضدي بمثل هذه الحجج لا تقنع أغبى مخلوق حتى في
مواقع الكلام وأنها محاولة دالة على الفشل وفاشلة مسبقا.
السلط الدينية حتى لو تضامنت معه ليست مما تؤثر إلا على من
يقبل بأن يكون من عبيد العبيد فيطمع في رضاهم عنه لينال ما هم
فيه غارقون من خدمة: فهي تابعة للسلطان التابع لمن سلطنه على
الشعوب التي يتقاسم الاستبداد بأمرها أولو الأمر الذين لم
يؤمرهم أحد عدا تجهيل المزعومين حراس الشرع للشعوب حتى تكون من
التوابع الدائمة. لذلك فالاستعانة بها ضد من يصوره علماء السوء
بصورة من يمثل خطرا على الإسلام الذي يزعمون حراسته سبق لها أن
وأدت جل محاولات إصلاح المؤسسات الدينية والفكر الإسلامي خلال
كل التاريخ لكنها صارت الآن عاجزة عن ذلك: كل الأمة أدركت علل
الخلل وهي تسعى جاهدة للخروج من ربقة الاستعباد الروحي
والسياسي.
والمعلوم أن أغلب هذه المؤسسات ما يزال-وهي في القرن الحادي
والعشرين-أشبه بالمقابر. فهي خالية من العلم بل وحتى من التقوى
لكونها جميعا خاضعة لسلطان الجهل المتفشي في المجتمع الثقافي
والسياسي العربي ولمعركة البقاء في مؤسسات لم تعد الأمة بحاجة
إلى مخرجاتها لأنها لم تتطور في الوقت المناسب وحال المستبدون
بها دون تطوير مجالات بحثها لتكون في خدمة الأمة كما فعلت
جنائسها من المؤسسات التعليمية في المجتمعات المتقدمة. فلكأن
القرآن لم يأت ليحرر البشر من هذه السلط ومن المستبدين بمعانيه
وقيمه التي استبدلوها بفهومهم المتحجرة جاعلين إياها بديلا
منها.
والله أعلم.
[1] تنسب هذه الحكمة إلى أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي
الله تعالى عنه ومفادها أن أسمى درجات الإدراك هي إدراك حدود
الإدراك ومن ثم التمييز بين الممكن واللامكن من المعرفة
بالنسبة إلى الفكر الإنساني. لكن زاعمي الدفاع عن الدين بعلم
الكلام الوثوقي صاروا الآن ينسبون إلى العقل ما لو كان له عليه
القدرة حقا لكان ذلك مفيدا أن أصل الدين نفسه يصبح أمرا يمكن
الاستغناء عنه: ما الحاجة إلى البني والوحي إذا كان هؤلاء
العلماء المزيفون يقولون كلاما ذا معنى. لو كانت الحقائق
الإيمانية قابلة للإثبات بالعقل لكنا في غنى عن الرسل. وهو
فعلا ما تحقق: فصيغ العقائد في أصول الدين وصيغ الشرائع في
أصول الفقه صارت بدائل ووسائط آلت بالمسلمين إلى إهمال القرآن
والسنة معينا لا ينضب للاهتداء في مجاهل التجربة الروحية
واكتفى من يزعمون أنفسهم علماء بالتشقيق والتدقيق في الخلافات
حول صيغهم وأهمل القرآن والسنة حتى أصبحا نسيا منسيا في مزابل
معاركهم حول أصناف العلو على العرش وأدلة حدوث العالم وإلى غير
ذلك من عجائب السخف الكلامي. ولما دعا أصحاب العودة إلى الأصل
المرجعي بوجهيه (القرآن والسنة) والأصل المحيي للأصل المرجعي
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث هو فرض عين يتحقق
بفضله التزام الجماعة بالمرجع مباشرة ودون وسائط) ثارت ثائرة
المتكلمين فصار ابن تيمية مجسما وماديا وحسيا بل وملحدا لا
لشيء إلا لأنه أراد أن يعيد الأمة إلى القرآن والسنة وأن
يخلصها من الوسطاء والكنيسة الكلامية والفقهية والصوفية
والفلسفية التي تشترك في هذا الوهم الذي جعلهم لا يفهمون ما
قاله أبو بكر الصديق.
[2] أحدهما هو فلسفة الدين ومن منظور القرآن (2006) والثاني
هو عطالة الإبداع من منظور الفلسفة القرآنية (2007) وستأتي
الإحالة الدقيقة عليهما في الإبان. وبذلك تقسط دعوى الشيخ بأن
المقصود بنصي الأول هو ذاته أو موقعه فالقضايا العرضية
والحركات الهامشية ليست من مشاغلي الفكرية فضلا عن كوني لم
أسمع به وبموقعه إلا بمحض الصدفة ومنذ بداية الربع الثاني من
هذه السنة.
[3] أبو يعرب المرزوقي والشيخ البوطي أزمة أصول الفقه دار
الفكر دمشق وبيروت 2005 والإنارات موقع الملتقى دمشق 2006.
[4] فقد اعتبر حكمي بأن أصول الفقه ليس هو اليوم علما حيا بل
هو تاريخ علم قد شبع موتا وأن أصل السلطة التشريعية هو الأمة
ومرجعها أخلاق الأمة التي ربيت على قيم القرآن والسنة وليس
الفقهاء ظن أني بذلك أعني أن سلطة الأمة التشريعية تلغي
المرجعية القرآنية والسنية وليست السبيل الوحيدة لتحقيقها في
التاريخ الفعلي فحكم بخروجي من الملة. ولو حلل ما حدث فعلا
لحكم بأن الفقهاء هم الذي صاروا بديلا من القرآن والسنة
بقياسهم المزعوم. أما نظرية الأمة صاحبة السلطة فتعني أن تفعيل
النصوص والتشريع لما ليس فيه نص لا يحتاج إلى قياس بل هو متروك
لإرادة الأمة تحدده في ضوء أخلاق القرآن وأحكامه العامة في
الشأن الإنساني وهو ما يكون فيه إجماع الأمة السلطة الوحيدة
التي نسب إليها الرسول العصمة. الشيخ البوطي لا يريد أن يبقى
الفقيه في حدود وظيفته فيطبق شرعا موجودا لا أن يصبح سلطة
تشريعية توجده. فبهذا الاغتصاب صارت كل آليات أصول الفقه معين
الحيل الفقهية التي تخفي هذا الاغتصاب. فالقضاة أصبحوا مشرعين
وغيبت الأمة نهائيا من التعبير عن إرادة حرة تحقق قيم القرآن
في التاريخ الفعلي. صار القاضي وأستاذ الفقه سلطة تشريعية ظلما
وعدوانا. ونفس الأمر يراه هذا الشويخ وجوقه: إنهم يسعون إلى
جعل كلام المتكلمين على تصوراتهم وآرائهم في العقيدة تشريعا
عقديا للأمة بديلا من نص القرآن والسنة في المجال العقدي كما
فعل الفقهاء في المجال الشرعي ولذلك فهو قد بدأ نصه بدرس في
عقيدة السنة والجماعة التي ينبغي أن ترى بمنظاره المعتم
ومنظوره المنكسر. وبمثل هذين الدائين صارت أفراد الأمة عامة
يقودهم أهل الحل والعقد في ما ليس يمكن للحل والعقد فيه أن
يكون إلا بيده كل فرد بعينه لأن العقائد والشرائع سواء أخذت
أعمال قلوب أو أعمال جوارح من فروض الأعيان وليست علوما لفظية
والمؤثر من كلا الأمرين في روحانية الأمم عقدا وشرعا هو ما
يتحقق منهما بالتزام الأفراد الاجتهاد والجهاد في تحقيقهما
بوصفهما فروض أعيان وليس ما يكتبه حولهما أصحاب فروض الكفاية
الذين جعلوا الدين عقده وشرعه محفوظات لفظية فانحطت الأمة ولم
يعد للدين والأخلاق إلا الوجود في الكلام والخطب في حين أن
الحياة صارت تكاذبا ونفاقا وغشا ولهوا وعنفا وإجراما وكسلا
وعطالة إلخ... من العاهات التي مجموعها اسمه الانحطاط الحضاري
والخلقي. ولا عجب فمن أفقده أهل الحل والعقد من العلماء
المزعومين والأمراء الموهومين حريته ودوره في العقد والشرعي لا
معنى لاعتباره مكلفا ومن لم يشارك في التعبير عن الإرادة
الجماعية عقدا وشرعا لا يكون من باب أولى مسؤولا: والقرآن
اشترط للاستثناء من الخسر التواصي بالحق (المشاركة في النظر
والمعرفة فرض عين على الجميع وليس فرض كفاية للعلماء
المزعومين) والتواصي بالصبر (المشاركة في الاخلاق والعمل فرض
عين على الجميع وليس فرض كفاية للأمراء الموهومين ) فضلا عن
الإيمان والعمل الصالح من حيث هما فعلان شخصيان وهما في نفس
الوقت موضوع المشاركة لأن الإيمان غير ممكن بحق من دون التواصي
بالحق والعمل الصالح غير ممكن بحق من دون التواصي بالصبر.
[5] بعنوان " النكوص إلى ..." ويوجد في موقع الملتقى وموقع
الفلسفة وموقع الأصلين.
[6] تابعت ثرثرة حول العرش لم أر مثلها في كل الأفلام الهزلية
التي أنتجتها هوليوود. ففي حين نرى شباب العالم المتحضر يغزو
العلم وينفذ إلى أقطار السماوات بسلطان هو علوم الآفاق والأنفس
التي طلبها منا القرآن الكريم نجد شبابنا يشقق معاني "على"
ليفهم معنى الاستواء على العرش وكيف يكون: لكأن القرآن لم يقل
إن الكرسي يسع العوالم كلها وأنه لا يمكن تصوره حتى لمجرد كونه
لامتناهيا كميا إذا هو ينبغي أن يكون أكبر من كل العوالم حتى
يسعها. إنها ثرثرة تدمي القلوب. ولحسن الحظ فقد حسمها أحد
المتدخلين ممن يتهمونهم بالتيمية أعني بمصطلح هؤلاء ممن لا
يفهمون في العقليات (الأستاذ الحضرمي في ما أظن): فكان فيها
أبلغ من الجميع ومع ذلك فهو قد حسمها لما بين لهم أن كلامه
معهم لم يكن إلا لمجرد إلزامهم بما يرونه وهو مكتف بما جاء في
القرآن لا يحيد عنه متبعا في ذلك شيخ الإسلام. كلام لا ينتهي
عن الفوقية ومعانيها اللغوية وشواهد من قول فلان وفلتان وعلان
لكأن الوجود المطلق خاضع لمعاني اللغة العربية أو لفهوم هؤلاء
المتفاقهين أيا كان اسمهم ومنزلتهم في رتب المفسرين أو
المتكلمين: فكل من يتكلم في هذه الأمور لا يمكن إلا أن يكون ذا
عقل صبياني متخرج من مدارس الأمية والجدل الذي يبهر العامة لا
غير ليسيطر على خيالهم بعد سلبهم عقولهم السليمة. كيف ينسون أن
الله قد قال في محكم قرآنه إن كرسيه قد وسع السموات والأرض؟
وإنه استوى على العرش وكفى؟ وأضيف أن أي تصور أو تخيل مصحوب
فعلا بليس كمثله شيء مشروع لأن كل محاولة لأي تصور تحكم خالص
وجميع التصورات متساوية التحكم عامية كانت أو متعالمة لأننا لا
نملك أي معيار للمفاضلة بينها فضلا عن كون الله قد قال إننا لا
نحيط بشيء من علمه الذي هو إحدى صفاته إلا بما شاء فكيف سنحيط
بشيء من ذاته بأكثر مما شاء أن يطلعنا عليه أعني الاستواء دون
تحديد للكيف؟
[7] وقد تفهمون هذا الكلام بعد قراءة متدبرة لسورة يوسف عليه
السلام ولم هي خطاب مباشر للرسول الأكرم مع تنبيهه أنه قبل ما
تقصه كان من الغافلين عما يمكن أن يحقق شروط الرسالة التي
اصطفاه الله ليكون القائم عليها وبها.
[8] كما نبين في تحليل بعض المسائل التي أوردها الشيخ وجمعناها
لنعالجها في المسألة الثالثة وخاصة مثال الكلي ومثال البديهيات
ومثال الكوجيتو وتعامقات الشيخ الدالة على أنه لم يقرأ
التأملات أو قرأها ونساها كما هي عادته لأنه نسي المقدمات التي
جعلت الكوجتيتو يأتي في غاية التأمل الثاني.
[9] وهو ما لا أسلمه إلا جدلا بدليل تذمر الكبار من الكلام
والفقه والتصوف والفلسفة في صيغها التي سادت. وليس معنى هذا
أني ارفض النظر في المسائل الروحية أو محاولات صوغ التجارب
الروحية للأفراد. فذلك أبعد شيء عن قصدي لأنه مفيد فضلا عن
كونه لا يمكن أن يزول حتى لو منع: فكلنا نحاول أن نبني نسقا
مما نتصوره نظاما يفسر تصوراتنا في المسائل الوجودية. ما أرفضه
هو أن يصبح ذلك مورد غير صاحب التجربة في تجربته الشخصية بحيث
تصبح بعض الصيغ بدائل من الأمر المصاغ فتحول دون وجدانات الناس
الآخرين في نفس الحق في التعبير عن التجربة الروحية باسم صيغ
رسمية للعقائد والشرائع. وهذه الظاهرة ليست خاصة بالأديان.
فحتى العلوم الدنيوية يحصل فيها ما هذا جنسه وبمجرد حصوله
تموت: فبمجرد أن تصبح إحدى الصيغ هي العلم يموت العلم لأنه
يتحول إلى تعليق وشرح لتلك الصيغ الرسمية ويصبح أصحاب تلك
الصيغ بنصوصهم بدائل من موضوع التجربة والعلم نفسيهما فيموت
مصدر الفكر الحي أعني العلاقة المباشرة مع موضوع الصيغ النظرية
ومثله موضوع الصيغ العقدية والشرعية وكل أصناف التعبير
الإنساني. وهكذا حصل في الفكر الفلسفي الذي بقي ما يناهز
العشرين قرنا (من الرابع قبل الميلاد إلى السادس عشر بعده)
يمضغ الشروح والحواشي على فلسفة أرسطو وأفلاطون بدل البحث في
ما كانت هاتان الفلسفتان محاولتين لصوغه. باتت الصيغتان
بديلتين من الموضوع الذي لم يعد أحد يتكلم عليه أو يسعى للنفاذ
إليه واكتفى العلماء بالشرح والتعليق والخلافات حول دلالة
الكلمات لكأنها يمكن أن تكون ذات دلالة من دون ما جعلت رموزا
للدلالة عليه. ولذلك صار الفكر الفلسفي عقيما إلى أن حدثت
الثورة عليه في مجالين خارجين عنه: مجال العلوم التجريبية
ومجال الأعمال الروحية والدينية التي عبرت عن تجارب حية. فحصل
الإصلاح الديني والعلمي في الغرب وآل إلى الإصلاح الفلسفي. ولا
شيء من ذلك حصل في مؤسساتنا الدينية والفكرية: وهو ما يعني أن
سلطان كنائسنا المتنكرة صار أقوى من سلطان كنائسهم الصريحة !
[10] فتاريخ أي علم أو فن لا يكون علميا إلا إذا تضمن منظورين:
منظور عصر أهله ومنظور عصر المؤرخ له. فلا يمكن لي أن أتكلم في
منطق القرون الوسطى الآن في القرن الحادي والعشرين من دون أن
يكون لي علم به في عصره ومن دون أن يكون لي علم بالمنطق في
عصري. التاريخ مشروط دائما بهذين الوجهين سواء كان موضوعه
العلم أو العمل. وإذا توفر هذان الشرطان يكون التاريخ هو بدوره
علميا ويمكن أن يسهم في جبر الكسر بين الماضي والحاضر. أما إذا
تلكم المؤرخ اليوم في القرون الوسطى بفكر القرون الوسطى لا غير
فهو ليس مؤرخا بل مستعرض لمعلومات ميتة كبائع المآثر القديمة
للسواح.
[11] ولبيان ذلك كتبنا البحث "ولاية الأمر" منذ سنتين وأرسلناه
للجماعة علهم يفهمون أن دورهم معطل لتحقيق شرع الله وليس خادما
له كما يزعمون.
[12] ابن خلدون المقدمة الباب السادس فصل إبطال الفلسفة وفساد
منتحلها دار ابن حزم بيروت 2003 ص.429.
[13] ما يلي من كلامنا في رأي ابن خلدون في علم الكلام أخذناه
من كتابنا في فلسفة الدين الذي صدر ببيروت عن دار الهادي سنة
2006 دون أن نورد كل ما في الدراسة بل بعض الملاحظات السريعة
بشيء من التصرف للمناسبة. (ملاحظة: الإحالات إلى النص الخلدوني
مرجعها هو المقدمة نشرة دار الكتاب اللبناني بيروت 1967 الطبعة
الثالثة).
[14] ابن خلدون المقدمة ص.838.
[15] المقدمة ص. 822-823.
[16] هذه القضية من أعوص قضايا الأسس الوجودية للنظرية
المنطقية ولصلتها بنظرية المعرفة وبنظرية فعالية العقل.
فمنطقيا ناقش ابن تيمية نظرية الفلاسفة التي تقول إن التصور
متقدم على التصديق وهو معنى بسيط لا يقتضي الحكم بالوجود
والعدم على المتصور. وعقليا يمكن السؤال عن علاقة إدراك البسيط
بادراك المركب في عمليات العقل البشري. ولنكتف بالنتيجة التي
وصل إليها ابن تيمية في المسألة الأولى. أما المسألة الثانية
فهي من أهم عناصر نظرية "المعرفة- التربية" الإسلامية. لذلك
فسنعالجها بعمق في مناقشة فلسفة النقد الكنطية في موضع آخر.
فابن تيمية انتهى إلى أن التصديق متقدم على التصور وأن كل
تصديق يتضمن البعدين (الواصل بين الموضوع والمحمول والواصل
بينهما تصورين وبين الجزم بالوجود أو بالعدم) ومن ثم فالمؤلف
قبل البسيط في معرفة المخلوقات وفي وجودها. والتصديق حكم
بمحمول لموضوع ليس في الذهن فحسب. وإنما هو مصحوب دائما بحكم
أعمق يجعل النسبة الذهنية بين المحمول والموضوع نسبة حقيقية في
الماهية والوجود في الأعيان. ومن ثم فأبسط معنى في المخلوقات
ينبغي أن يكون ماهية ذات إنية تقبلان الفصل في الذهن وتتحدان
في العين. لذلك فالفكر لما يحكم لا يحكم حكما بسيطا بل حكمه ذو
وجهين. ولا يتوالى الوجهان بل هما عملية واحدة. إنهما وجهان
لنفس الحكم: وجه النسبة الحملية بين الموضوع والمحمول ووجه
وجود الترابط الوجودي بين الموضوع والمحمول في الوجود الفعلي
إذا كنا نتكلم في ما ليس من المقدرات الذهنية. لذلك فحتى
القضايا الإنشائية والشرطية فإنها تضع الوجه الثاني من الحكم
بين قوسين لكنها تفترضه في الحكم الخبري ضرورة وإلا لما وضعته
بين قوسين مؤقتا.
[17] وفي هذه الجملة" وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا
غير" إشارة واضحة إلى ما جعلنا نصل بين الدليل الوجودي
والكوجيتو في موضع آخر وهو ما لم يفهمه الشيخ في تعليقه عن
الحل الذي قدمنا لمسألة الكوجيتو الديكارتي فعاد إلى ما ظنه
حلا أوضح وأوجز !
[18] نفسه ص. 825.
[19] نفسه 824.
[20] وهو أمر يلمح إليه بشيء من "التداهي" مفضوح التذاكي لأن
محاولة الرد على المتفلسف المزوغي مع الجهل بكل المعطيات ومع
إهمال ردودي عليه يجعله مدعيا الإنصاف الذي يكذبه أول شرط في
القضاء أعني السماع لدعوى الخصمين رغم أن الرأيين منشوران في
نفس الموقع بل أكثر من ذلك فهو قد اكتفى بما انتخبه الخصم من
نصوصي ليتكلم من منطلقه فجعل الخصم شاهدا لكأنه يجهل أن انتخاب
الشاهد واقتطاعه لا يمكن أن يكون أمرا محايدا (بين الفلسفة
والدين نشر في موقع الأصلين). وبذلك يتبين أن الغاية المضاعفة
من هذا البحيث الأعرج لوقوفه على رجل واحدة هي: أولا ما يخص
موقفي من الإسلام حيث يوهم الشيخ القراء أن الإجماع قد حصل دون
تواطؤ بينه وبين الشيخ البوطي وحتى العلماني المزوغي (وهو لا
يعلم أنه خبزيست -أي باحث عن اللقمة العيش في أقبية الفاتيكان
وليس علمانيا-فشل في كل شيء فلم يبق أمامه إلا الرد علي باسم
البابا وصديقه المرتد من الإسلام إلى التشيع مع محاولة الظهور
بموقف العلماني والرد على البابا هو بدوره عل الناس يصدقون
علمانيته). وثانيا أني في الحقيقة ليست من الإسلاميين ولا من
العلمانيين وهذا صحيح لا غبار عليه ولا يحتاج إلى تدليل لأني
لم أخفه وهو عين الموقف الذي أدافع عنه علنا بشرط أن يعلم
الشيخ أني لست من هذين الصفين بعد التعيين: أي لست من هؤلاء
ولا من هؤلاء المشار إليهم في الحالتين بأعيانهم لكني ممن
أتصورهم إسلاميين حقا وعلمانيين حقا أي قائلين بما يقول به
القرآن الكريم. ففيه قول بكلية الدين وبوحدانيته في الواجب وهو
الدين عند الله أي الإسلام وفي نفس الوقت هو القائل بتعدد
الأديان في الواقع حتى إن الله نهى الرسول عن الطمع في التوحيد
المطلق في الواقع وأمره بالتعامل مع التعدد في دولة الإسلام
وبالسماح لثلاثة أديان بممارسة أهلها مشاعرهم وشريعتهم برعاية
الدولة الإسلامية وهم بالذات أهل الذمة (وتلك هي العلمانية
الحقيقية وليس غيرها: أي الاعتراف بحرية الآخرين في خيارهم
الديني والسماح لهم بممارسته برعاية الدولة الإسلامية نفسها
كما أشارت إلى ذلك الآية 48 من المائدة التي جعلت تعدد الشرعات
والمنهاجات شرط التنافس في الخيرات ياشيخ !). لكن الشيخ لا يقف
عند هذا الحد بل هو يزعم أني أغضبت كلا الصفين لأن مندس فيهما
كليهما دون أن أكون من أي منهما مندس بتنكر يخفي حقيقي التي
اكشفها الشيخ: أني عدو الإسلام الداهية الذي يموه حتى يحارب
الإسلام من الداخل هذه الصورة التي يريد الشيخ أن يقدمها من
أبي يعرب. وكل ذلك لا أعجب له: فقد بينت أنه مضطر لأن يتحالف
حتى مع الشيطان لكي يحارب من يتصور أنه أدرك حقيقة مذهبه
وحقيقة المتكلمين عامة. فلا تتناصف ياشيخ وإن كنت مسلما حقا
فينبغي أن تعلم أن التذاكي والتداهي والتناصف كل ذلك يمكن أن
يمر اليوم لكن -إن كنت حقا مؤمنا بيوم الدين-ستعلم منقلبك زلو
بعد حين وصفه الله بأنه أدنى من لحظ العين.
[21] هذه من المسائل المهمة التي يأتي التعليق عليها وعلى ما
يزعمه فيها الشيخ من كلام لا يقره عليه الفهم الدقيق للمسائل
كما نبين في حينه إن شاء الله.
[22] في خلال كلامه على النظام التربوي جعل ابن خلدون الكلام
عن إفقاده للإنسان المسلم معاني الإنسانية في شكل نظرية محايدة
لكأنه لا يصف الموجود بل يتحدث بصورة عامة عما ينبغي أن يكون.
وطبعا فكل من يفهم أسلوب ابن خلدون ينبغي أن يعلم أنه يعني ما
يقول وأن الموصوف في كلامه هو النظام التربوي والسياسي
الإسلاميين بدليل الجملة الأخيرة من نصه التالي عندما انتقل من
الكلام على التربية إلى الكلام على السياسة فجمع بذلك بين
استبداد العلماء واستبداد الأمراء. فيكون الداء الذي يصفه في
هذا النص جوهر الداء الذي تعاني منه الأمة وبه يعلل انحطاطها
أو بصورة أدق ما آل إليه أمرها من فقدان لمعاني الإنسانية
معانيها الخلقية والروحية والمعرفية والعملية: فكل الصفات التي
ترد في هذا النص هي عين ما نرى المسلمين عليه إلى اليوم ما
يعني أنهم جعلوا الإسلام مجرد رسوم ولا أثر له في أخلاقهم
وحياتهم. فلكأن الشعائر يبقى لها معنى إذا فقدت ثمراتها فتكون
الصلاة مثلا غير ناهية عن الفحشاء وتبقى صلاة:" ومن كان مرباه
بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر
وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل
على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط
الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه
عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع
والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على
غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميلة
فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين.
وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره
في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافله له رقيقة به.
وتجد ذلك فيهم استقراء" المقدمة الباب السادس دار ابن حزم
بيروت 2003 ص.450.
[23] أولا مسألة الحد والبرهان: عالجت المسألة في البحث السابق
وسأكتفي بالتذكير بطبيعة الإشكال في الحد لأن قضية قطع التسلسل
المشروط في بداية البرهان عالجتها بما يكفي في البحث السابق.
الإشكال في الحد والمحدود: الحد قول مؤلف يحكي تأليف المحدود
وتأليف المحدود لا متناهي فكيف نرده إلى التناهي حتى نصوغه
بقول متناه؟ في الميتافيزيقا الأرسطية الحد مؤلف من المقومات
التي هي الجواهر الثواني (الجنس والفصل النوعي ويحصل منهما
النوع) وهذا يقتضي أن للمحدودات طبيعة مؤلفة من مقومات متناهية
نعزل عنها كل الأعراض التي تعتبر غير مقومة رغم كونها من صنفين
ذاتي وغير ذاتي. فكيف لي أن أتأكد من التمييز بين المقوم وغير
المقوم من البداية لأن الحد هو المنطلق ؟ أليس من المفروض أن
يكون اكتشاف ذلك في الغاية إن صح أنه قابل للاكتشاف؟ العلم
الحديث بين أن الحدود ليست ثابتة بل حتى المحدودات نفسها غير
ثابتة بل هي في سيلان أبدي. هي إذن مثبته. فبأي حجة نثبتها ؟
أليس ذلك لنتحيل على لا تناهي عناصر المحدود حتى في الشاهد
فنحاول حصرها وردها إلى أبسط صورة تساعدنا على التعامل معه ؟
هذا ما اكتشفه ابن تيمية فاعتبر الحدود أسماء علمية لخيارات
ذريعية في العلم وليست ماهيات لحقائق وجودية. عالم الشهادة هو
بدوره لامتناهي المظاهر ولا متناهي الترابط بين ظاهراته بحيث
إن علم أي شيء منه علما حقيقيا يفترض العلم بكل شيء فيه: وهو
طبعا أمر مستحيل. لذلك فالعلم المحيط مستحيل ولم يبق إلا العلم
النسبي من بداية العلم إلى غير غاية لأننا بدأنا ندرك أن علمنا
كلما ازداد اكتشفنا أن نسبته إلى جهلنا هي كنسبة لامتناهي
الصغر إلى لامتناهي الكبر: وذلك هو مدلول قولة العجز عن
الإدراك لو كان المتكالمون يدركون.
ثانيا: مسألة البديهيات: فبالنسبة إلى البديهيات لا بد من أن
نميز بين أمرين هما جنسا ما كان يسمى بالحقائق الأولية وكلاهما
مضاعف. فأما الجنس الأول فهو ما يسمى بمبادئ العقل وهي بالأساس
الأصول التي بني عليها المنطق في مستوى قوانين نظم الحدود.
وأحكام تأسيس قوانين أنساق العلم النظري أو قواعد تركيب
العناصر الأولية. وكلا النوعين باتا يعتبران من الشروط
التصورية لنسق المعرفة التي لا تعتبر من الحقائق الأولية وهي
فقط أكثر ثباتا من غيرها لا غير. وأما الجنس الثاني فهو ما
يسمى بالأوليات التي من جنس الكل أكبر من الجزء ومساوي المساوي
مساوي إلخ... وهي بالأساس رياضية وأحكام تأسيس حدود أنساق
العلم أو عناصر النسق الأولية. وبيان الطابع الوضعي أو الفرضي
لهذين النوعين بات بينا للجميع بسبب تعدد الأنساق الرياضية
والمنطقية والعلمية.
[24] وهذه نظرية سينوية اعتمد عليها في منطقه لكنه عجز عن
الاقتصار عليها في إلهياته لأنها تؤدي إلى الكثير من المفارقات
التي ليس لها حل ولعلها هي السر في تنكره للشفاء لاحقا.
وسأكتفي بدليل واحد: لو كان الكلي توزيعيا حقا لامتنع التفريق
بين العلم بالكلي والعلم بالجزئي في مسألة علم الله التي هي
واحدة من مسائل التكفير الغزالية. ذلك أن التوزيعية تعني أن
العلم بالكلي يفترض العلم بالكل حتما فضلا عن أن يكون ذلك بكل
أعيان الكلي واحدا بعد واحد خاصة إذا كان العلم كله بالفعل
وليس فيه شيء بالقوة بالإضافة إلى الصفة المشتركة التي جعلت
تلك الأعيان تنتسب إلى ذلك الكل أعني مفهوم التصور. فيكف يكون
ذلك ممكنا ؟ ثم ألا يعني ذلك أن كل عين هي الكلي متعين ؟ فكيف
يمكن عندئذ أن نميز الوحدة العددية من الوحدة النوعية والوحدة
النوعية من الوحدة الجنسية والوحدة الجنسية من الوحدة
التناسبية في الأجناس العالية ؟ ألا يصبح كل فرد نسخة من كل
العالم فنقع في موانادات لايبنتس تتعدد العوالم بتعدد
المونادات المتماثلة في كل شيء عدا المنظور ؟
[25] وابن خلدون كان مدركا لهذه الإشكالية رغم أنه لم يستعملها
لبيان امتناع الكلام أصلا لأنه كان يقبل به في الوظيفة
الدفاعية ولا يعتبره ذا وظيفة معرفية دون أن يهمل الإشارة إلى
ذلك ونسبته إلى المتقدمين وهو عين رأي الناقدين للكلام إمكانا
وفائدة علمية وهو منهم فيكون مشاركا لابن تيمية في كل ما يذكره
في النص التالي. فهو يقول في فصل المنطق:" وإذا تأملت المنطق
وجدته كله يدور على التركيب العقلي وإثبات الكلي الطبيعي في
الخارج لينطبق عليه الكلي الذهني المنقسم إلى الكليات الخمس
التي هي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام. وهذا باطل
عند المتكلمين. والكلي والذاتي عندهم إنما هو اعتبار ذهني ليس
في الخارج ما يطابقه أو حال عند من يقول بها. فتبطل الكليات
الخمس والتعريف المبني عليها والمقولات العشر ويبطل العرض
الذاتي فتبطل ببطلانه القضايا الضرورية الذاتية المشروطة في
البرهان وتبطل المواضع التي هي لباب الجدل وهي التي يؤخذ منها
الوسط الجامع بين الطرفين في القياس. ولا يبقى إلا القياس
الصوري ومن التعريفات المساوي في الصادقية على أفراد المحمول
لا يكون أعم منها فيدخل غيرها ولا أخص فيخرج بعضها وهو الذي
يعبر عنه النحاة بالجمع والمنع والمتكلمون بالطرد والعكس.
وتنهدم أركان المنطق جملة. وإذا أثبتنا هذه كما في علم المنطق
أبطلنا كثيرا من مقدمات المتكلمين فيؤدي إلى إبطال أدلتهم على
العقائد كما مر. فلهذا بالغ المتقدمون من المتكلمين في النكير
على انتحال المنطق وعدوه بدعة أو كفرا على نسبة الدليل الذي
يبطل". المقدمة دار ابن حزم بيروت 2003 (الباب السادس فصل
المنطق) ص. 391. وسواء أثبت الشيخ شروط المنطق مثل متأخري
المتكلمين أو نفاها فإن الكلام ممتنع: فعند نفيها الأمر بين
وعند إثباتها تكون الشروط المنطقية آيلة إلى الميتافيزيقا
الأرسطية المنافية للعلم الحديث أولا ولكل المعاني القرآنية في
المعرفة والوجود والقيم ثانيا وخاصة.
[26] وابن خلدون يشترط نفس الشرط ومن ثم فله نفس المعيار
المحتكم إليه في تصحيح المعرفة لتكون علمية:" وأما البراهين
التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ويعرضونها على معيار
المنطق وقانونه وهي قاصرة غير وافية بالغرض فوجه قصوره أن
المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود
والأقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني. لأن تلك
أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها.
ولعل في المواد ما يمنع من مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي
اللهم إلا ما يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك
البراهين فأين اليقين الذي يجدونه ؟" المقدمة دار ابن حزم
بيروت 2003 الباب السادس فصل إبطال الفلسفة ص.429.
[27] وحتى في الشاهدات البرهان بمعناه الفلسفي الحقيقي
مستحيل.فمعناه الحقيقي هو الجمع بين الحقيقة الموضوعية واليقين
الذاتي. وهو ما لا يمكن إلا إذا قبلنا بأن مبادئ الدليل العلمي
غنية عن الدليل العلمي وذلك هو المقصود بالحقائق الأولية أو
البديهيات. وهذه كما بينت في محاولتي السابقة أساسها القول إنه
من دون التسليم بها يمتنع أولا الإثبات والنفي العلميين (أرسطو
في إثبات مبادئ العقل) فيكون التعليل الوحيد هو الحاجة إلى
تأسيس العلم وثانيا أن التسلسل يجب أن يقطع وأن يقطع دون دور
وكلاهما مستحيل: فلا مبرر إطلاقا لقطع التسلسل ولا لقطعه دون
دور بل إن كل قطع له دوري كما بينت لكن ما لا يبدو دوريا علته
أن البداية والغاية بينهما مسافة بعيدة فلا نرى أنهما شيء
واحد. كل الأدلة خاضعة للدور الهرمينوطيقي: حتى أفهم لا بد من
أنطلق من فهم مسبق وهذا الفهم المسبق له فهم سابق عليه إلى غير
غاية. أي إن البداية من غير الواقعة الراهنة تكون إيابا إلى
أساس ما نتوقف عنده تحكميا أو ذهابا إلى نتيجة نتوقف عندها
تحكميا.
[28] علاج هذه المسألة أكثر تحريرا من كل المسائل الأخرى
لعلتين: أولاهما هي ما لأجله كانت المقالتان الأوليان من كتابي
شروط نهضة العرب والمسلمين متصلتين بهذه المسألة وبالدليل
الوجودي الحلولي وبكل الفلسفة الألمانية بداية من كنط الذي
يزعم الشيخ على جهل أني تابع لآرائه علما وأن كل هذا الجدل بدأ
جزئيا بسبب تعليقه على هذه المسألة في هذا الكتاب الذي نصفه
مخصص لدحض حلول كنط ! والثانية لأني أبني على نتائجها
المسألتين المواليتين من المحاولة.
[29] ذلك أنه لو صح أن القصد هو مجموعة أفراد الماصدق التي
يحدها مفهوم التصور جمعا ومنعا لكان التسوير الأرسطي تسويرا
بالمعنى الحديث أي لكان مدلول كل إنسان مائت تعني ما يلي بلغة
التسوير الحديث في المنطق والرياضيات: مهما كان س إذا كان س هو
ص فهو إذن ط أو بعبارة منطق المجموعات: مهما كان س إذا كان
عنصرا منتميا إلى ص فهو كذلك عنصر منتم إلى ط. فإذا أثبت الشيخ
أن ذلك هو كذلك فأهلا وسهلا ولا مانع عندي. لكني أشك في ذلك
لأن من توابعه التخلي النهائي عن القول بإمكانية علم الكلام.
ولست مهتما الآن في بحث هذه المسألة بل ما يعنيني هو أننا حتى
لو فرضنا ذلك صحيحا فلن يمكن من إدخال الكوجيتو في القياس
المنطقي سواء كان أرسطيا بالمعنى التقليدي الذي نصف في المتن
أو بمعنى يقرب من هاتين الحالتين المشار إليهما في هذا الهامش:
لأننا لو اعتبرنا أنا الكوجيتو عنصرا من مجموعة أولى اعتبارا
يمكن بالتعدية من جعله عنصرا من مجموعة أوسع فإننا نكون غير
دارين بأن ديكارت ينطلق في مسألة الكوجيتو من تحييد كل
المعلومات وكل الموجودات بحيث إنه ليس لديه إلا الوعي الآني
بحدث توع آني هو "أنا أشك" ولا شيء غير ذلك.
[30] وللمقارنة بين خانات القياس وكفات الميزان وجهان عويصان.
ففي الميزان أتصور الكفتين فارغتين وأتصور التعادل والتراجح
بإطلاق ثم أضع موزونات فيكون التعادل والتراجح النسبي بحسب دقة
الميزان وقيمة الموزون. لكني في خانات القالب الصوري حتى لو
قبلت أن التعادل والتراجع المطلقين قابلان للتصور قبل الوزن
الفعلي لمادة بعينها فإني لن أستطيع أن أزن أي مادة بعينها وما
أزنه هو رمزها لا المادة ذاتها: ففي تطبيق القياس لا أقيس مواد
العلم ذاتها بل صيغها الرمزية أعني أني انطلق من افتراض
العبارة العلمية التي تعرف المادة العلمية ذاتها مطابقة لها
(بمقتضى التسليم الضمني بالتطابق بين الحد والمحدود). ولما كان
الضمير هنا لا يعني صحة المضمر فإن الوزن الحقيقي أمر مستحيل
التحقق. فأكون بصدد وزن موازنات سابقة على كل وزن هي المطابقة
الدلالية بين الرمز الذي يتوسله العلم للتعبير عن موضوعه
والمراجع التي هو دليلها دلالة لا تضمن المطابقة التي هي
ممتنعة بإطلاق (لا وجود لحد مطابق للمحدود إلا في المقدرات
الذهنية). وتلك هي العلة في حصول أمرين: أولهما هو اشتراط
المعرفة العلمية مراجعة القول بالتجربة أي بمعاينة المقول فيه
أو المخبر عنه والثاني هو اشتراط المعرفة الصوفية ما يسمى
بالذوق. والأول هو الحدس بمعناه العلمي في معيار التجربة
الممكنة أو المحسوسية الممكنة المشروطة بأدوات القيس الفني
للظاهرات المدروسة والثاني هو الحدس بمعناه الذوقي الصوفي. وفي
الحقيقة فإن كل مسائل الكلام هي من جنس ما لا يعلم إلا بالذوق
وهي إذن من مجال الوجدان الشخصي الخالص وليست من مجال العقل
المشترك فلا تكون قابلة حتى للكلام عليها فضلا عن العلم بها:
والمشترك في المعتقدات هو الرموز العينية مثل نص القرآن وسنة
الرسول والبيت الحرام والتاريخ الإسلامي إلخ.. والشعائر
المشتركة فعلا لا تصورا لأن تصورات ما ترمز إليه الرموز في
أذهان البشر تكون بعدة الأنفس بل أكثر منها إنها بعدة أنفاس
الأنفس ! فهي من جنس ما يحصل في الوجدان من أحاسيس ومشاعر
وأفكار أمام منظر طبيعي أو لوحة رسم أو سماع موسيقى أو تأمل في
دلالات حادثة في الوجود إلخ.. وكلما تعددت هذه المشاعر كانت
الأمة غنية بالإبداع. ولذلك فكل الصيغ الرسمية التي يفرضها زيد
أو عمر هي للإفقار وقتل شروط الحرية المبدعة وليست للإثراء
وتثمير ملكات العقل والوجدان: إنها مصدر الجدب والموت.
[31] علما وأن ديكارت يعمم هذه المبدأ على كل المعرفة
الإنسانية ويعتبر الوساطة المنطقية مجرد هندام لمساعدة الخيال
ولا دخل له في حركة انتقال الحقيقة من لحظة حدسية إلى لحظة
حدسية موالية. ولعل الشيخ قرأ قواعد لتسيير الفكر فلا يحتاج
إلى مزيد شرح. والمهم عندنا هو إبراز هذا الفعل العقلي الذي
يوجد وراء الأداة المنطقية والذي يحرر الفكر من الآلية العمياء
فيحقق فهم المقصود بالشروط المتعالية للمعرفة: من دون وعي
الأنا بوحدته ومن ثم بحريته المطلقة لا يمكنه أن يفكر عامة وأن
يفكر نظريا خاصة ولا أن يعمل عامة وأن يعمل خلقيا خاصة. فيكون
الكوجيتو ثورة لأنه اكتشاف للأنا من حيث هو مشرع نظري وعملي:
ومن دون هذا الأنا المشرع معرفيا وخلقيا يفقد خطاب الله
المكلفين بأنهم يأتونه أفرادا فيحاسبهم على أفعالهم التي تنسب
إلينا من حيث نحن ذوات حرة في المعرفة والعمل يفقد معناه,
وتعميم هذا الوعي بالأنا المسؤول هو تحرير الأمم من كل سلطان
وسيط بين كل فرد منها وبين آيات الله سواء كانت أمرية أو
خَلقية.
[32] وتلك هي وحدة الوعي بالذات المشروطة في كل أفعال الفكر
الإنساني وهي ما سيسمى بوحدة الوعي بالذات أو l’aperception
التي تصحب فعل التأليف الذي تقوم بالذات المتعالية في كل
أفعالها معرفية كانت أو خلقية أو جمالية لاحقا (وقد صارت نظرية
تامة في فلسفة كنط). ثم نكتشف بالتدريج أنها ليست أمرا ثابتا
ونهائيا كما تصور كنط بل هي مؤسسة تاريخية أو بصورة أدق ممثلة
لمؤسسة تاريخية التكوين وتتلخص فيها الفاعلية الرمزية الجماعية
وخاصة اللغة والرصيد الرمزي لحضارة من الحضارات (واللغة لها
نفس خاصية العودة على الذات أو الانعكاس كالفكر لأن اللغة
تتكلم على ذاتها فتكون موضوعا وما بعد موضوع) يستبطنها الشخص
في أفعاله ليكون لها معنى مشتركا بين الذوات المشروط في
التواصل وتبادل المعلومات سواء بخصوص الأشياء أو حتى بخصوص
الذات نفسها.
[33] فللصدق وجهان مختلفان تماما: الأول يحدد درجات القرب من
الموضوع أو درجات المطابقة مع موضوع المعرفة بحدها المعلوم في
صنف صنف من العلوم بحسب مقدار الدقة المتفق عليها بين أهل
الاختصاص وهو الصدق العلمي لأنه هو المطلوب في العلم وهو كاف
إنه البعد العلمي أو الإبستمولوجي للمعرفةEpistemological
dimension of knowledge . والثاني هو يحدد درجات القرب من
الذات أو درجات المطابقة مع الذات العارفة أي إن صاحب المعرفة
يخبر عما عليه حله مع معرفته فيبين مقدار عقده فيها إنه بعد
درجات العقد أو بعد المعرفة الإبستمي Epistemic dimension of
knowledge وهو عندما يظهر ذلك ولا يخفيه يكون صادقا مع نفسه في
قول ما يعتقد أنه الحق فلا يظهر غير ما يبطن وذلك ما يمكن أن
نصفه بالصدق الخلقي. ولولا تمييز الإسلام بين هذين النوعين من
الصدق لما جعل الاجتهاد مأجورا حتى في حالة عدم الإصابة. فهو
لا يكون مأجورا في هذه الحالة إلا لأنه جزاء للصدق الخلقي عند
المجتهد الذي قام بما ينبغي من الشروط وأقدم على الحكم وهو
معتقد في ما يحكم به وليس له في حسابه إلا وجه الله ورضاه. ولا
أحد من هذين الصدقين بكاف إذا لم يصحبه الثاني: ذلك حددت سورة
العصر المعيارين معا في النظر والعمل فجعلت الإيمان الحقيقي
مشروطا بالتواصي بالحق وجعلت العمل الصالح مشروطا بالتواصي
بالصبر. فالتواصي بالحق يجعل المعتقد ينتقل من مجرد الحالة
الذاتية إلى حالة مشتركة بين الذوات فننتقل من الحقيقة المشروط
بالصدق الخلقي وحده إلى الحقيقة المشروط به مع الصدق المعرفي
أو الموضوعي ولا موضوعية إلا ما هو مشترك بين الذوات لأن
المطابقة المطلقة مع الموضوع مستحيلة لغير العلم المحيط. وقس
عليه علاقة العمل الصالح بالتواصي بالصبر.
[34] والمعلوم أن ابن سينا قد لامس جل هذه المعاني وخاصة معنى
اللاتناهي في علمية الانعكاس الذي للذات دون أن يترجمه إلى
دلالته الفلسفة والخلقية ربما بسبب عدم تحرره بعد من
الميتافيزيقا الأرسطية. فكلامه على تكرار إدارك الذات لذاتها
غير غاية هو جوهر الانعكاس وهو عين الحرية الفكرية والخلقية.
وقد أصبح هذا الأمر شرط كل ثورات الفكر الحديث وخاصة التمييز
بين مجريات الفكر في بعدها النفسي والفعلي ومجرياته في بعدها
المتعالي والمعياري. ومن دون هذا التمييز يستحيل فهم معنى
العلمية من حيث هي إدراك للحقائق العلمية من حيث اتصافها بصفتي
العلمية أعني الكلية والضرورة.
[35] أما فكرنا فقد سبق إلى ما هو أفضل منها بفضل النقدين
التيمي والخلدوني للميتافيزيقا لذاتها أولا ثم من حيث دورها في
المنطق وفي النظر والعمل. وليس هنا محل الكلام في المسألة حتى
وإن سبقت الإشارة إلى شيء من هذا في المسألة الأولى عند الكلام
عن موقف ابن خلدون من علم الكلام والفلسفة.
[36] العلاقة بالرواقية واضحة في كلام المتقدمين حتى من السنة
(كما في نظرية الجوهر الفرد والخلاء إلخ..) والعلاقة بالكلام
المسيحي واضحة خاصة في الكلام الاعتزالي كما في مسألة أفعال
العباد أو الجبر والاختيار أوكلمة الله إلخ....
[37] ابن خلدون المقدمة الباب السادس فصل المنطق:" (...)
والمتأخرون من لدن الغزالي لما أنكروا انعكاس الأدلة ولم يلزم
عندهم من بطلان الدليل بطلان مدلوله وصح عندهم رأي أهل المنطق
في التركيب العقلي ووجود الماهيات الطبيعية وكلياتها في الخارج
قضوا بأن المنطق غير مناف للعقائد الإيمانية وإن كان منافيا
لبعض أدلتها بل قد يستدلون على إبطال كثير من تلك المقدمات
الكلامية كنفي الجوهر الفرد والخلاء وبقاء الأعراض وغيرها.
ويستبدلون من أدلة المتكلمين على العقائد بأدلة أخرى يصححونها
بالنظر والقياس العقلي ولم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنية
بوجه. وهذا رأي الإمام والغزالي وتابعهما لهذا العهد.." نشرة
دار ابن حزم بيروت 2003 ص. 391.
[38] من أهم العلامات الجامعة بين البعدين الوجودي والمعرفي هو
الانتقال من تصور الجوهر جوهرا فردا (كلام المتقدمين) إلى
تصوره مؤلفا من صورة ومادة بمعنى الهيلومورفية الأرسطية (كلام
المتأخرين). فمن هنا يأتي التركيب في الحد وفي المحدود
والتمييز بين الصورة الجوهرية والأعراض في حين أن كل الصورة
كانت أعراضا في التصور الأول للجوهر. ومنه يأتي كذلك نظرية
المعرفة التي تيسر استعمال منطق الحدود المسورة في مرحلة
الكلام الثانية بدل منطق حساب القضايا في مرحلته الأولى. ولولا
هذين التحولين لامتنع استعمال المنطق الأرسطي في علم الكلام
خاصة وفي علوم الملة عامة.
[39] وطبعا فحمار الشيخ ليس فيه تحقير للجبائي الأب. فالأشعري
على خلق ولا يتكلم على شيخه بسوء أدب بل الحمار هنا هو رمز
العقل الذي لم يجد حلا لمعضلة الأخوة الثلاثة بمبدئه الأساسي
أعني عدم التناقض. فالعقل حمار في المسائل الماورائية بما لم
يفهم أنها ليست من مجاله: وبصورة أوضح فلكأن الأشعري قال ما
قاله الصديق بعبارة سلبية أي إن من لم يدرك أن العجز عن
الإدراك إدراك لحدود الإدراك حمار. فرحم الله الشيخ الذي أخرج
السنة من الحمارية فعاد بها إلى السنة بما ترمز إليه هذه
العبارة لولا ما طرأ من تحريف على فكره من بعده.
[40] ابن خلدون شفاء السائل ملحق ب "دراسة تحليلية للعلاقة بين
السلطان الروحي والسلطان السياسي" لأبي يعرب المرزوقي الدار
العربية للكتاب تونس 1991 ص. 214.
[41] أبو يعرب المرزوقي النخب العربية وعطالة الإبداع في منظور
الفلسفة القرآنية الدار المتوسطية للنشر تونس 2007 ص.175-179
والكتاب يبحث في حلل العقم الذي تعاني منه حضارتنا منذ عصر
الانحطاط رغم قرنين من محاولات النهوض والصحو نورد صوغه للمشكل
لأنه هو عين ما لأجله كتبنا النص الأول على خطر علم الكلام
باعتباره مصدرا للفتن والحرب الأهلية:" هل من تعليل معقول
لعطالة الإبداع عند النخب العربية العطالة التي طغت على كل
المجالات سواء كانت متعلقة بالذوق أو بالرزق أو بالنظر أو
بالعمل أو بفلسفات الوجود الطبيعية والدينية؟ أيكون الصراع بين
تياري النخب العربية العلماني والأصلاني كافيا للإيقاع بهم في
حرب أهلية تلهيهم عن المسائل الجوهرية وتبعدهم عن الإبداع
والتجديد في مجالات اختصاصهم؟ ولعل تناول الحالة بالمنظور
القرآني يساعد على الحد من أسباب الحرب الأهلية فيزيل أسباب
العقم عند كلا الحزبين شرطا ليس منه بد ليحقق الفكر العربي
نهضة عربية مبدعة من جديد"
[42] البديل من المجتمع الرمزي الصوفي في الغرب هو الفنون
الجميلة بكل أصنافها (وخاصة الآداب) مع الثقافة ومنها يتكون
المجتمع المدني الرمزي أو صراع القيم في المجتمع الغربي
والبديل من المجتمع المادي الفلسفي في الغرب هو الفنون التقنية
بكل أصنافها مع الاقتصاد ومنها يتكون المجتمع المدني المادي أو
صراع المصالح. وكلاهما أمر شبه معدوم عندنا. وعلى كل فهو معدوم
التأثير والفاعلية ومن ثم فكل حديث عن حقوق الإنسان يبقى من
الأوهام: إذ إن الحقوق التي ليس لها من يحميها لا يمكن أن
توجد.
[43] نميز بين المجتمع المدني المادي ويمثله صراع المصالح في
المجتمع والمجتمع المدني الرمزي ويمثله صراع القيم فيه.
[44] ابن تيميه مجموع الفتاوى الجزء التاسع عشر ص. 117:"
فهؤلاء هم ولاة الأمر من بعده (الرسول صلعم ) وهم الأمراء
والعلماء. وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الأيمة كالإمام أحمد
".
[45] أبو يعرب المرزوقي النخب العربية وعطالة الإبداع في منظور
الفلسفة القرآنية الدار المتوسطية للنشر تونس 2007 ص.181-185
[46] والغريب أنه مدرك لأهمية العامل الرمزي في موازين القوى
المادية كما يتبين من دراسته لدوره في الحرب ولظاهرة الشائعات
والشهرة
[47] ابن خلدون المقدمة دار القلم بيروت ط 11, 1992 : الباب
الخامس الفصل السادس ص391- 392: " فلذلك قلنا إن الخضوع
والتملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصل للسعادة والكسب وإن
أكثر أهل الثروة والسعادة بهذا التملق ولهذا نجد الكثير ممن
يتخلق بالترفع والشمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في
التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. واعلم أن هذا
الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة وإنما يحصل من توهم الكمال
وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحر
في علمه والكاتب المجيد في كتابته أو الشاعر البليغ في شعره
وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده فيحدث له
ترفع عليهم بذلك وكذا يتوهم أهل ألأنساب ممن كان في آبائه ملك
أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبرون به بما رأوه أو سمعوه من
حال آبائهم في المدينة ويتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم
إليهم ووراثتهم عنهم فهم مستمسكون في الحاضر بالأمر المعدوم
وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالأمور قد يتوهم بعضهم
كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه وتجد هؤلاء الأصناف كلهم
مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم
ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس فيستنكف أحدهم
عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا وسفها ويحاسب الناس
في معاملتهم إياه بمقدار ما يتوهم من نفسه ويحقد على من قصر له
في شيء مما يتوهمه من ذلك وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان
من تقصيرهم فيه ويستمر في عناء عظيم من إيجاب الحق لنفسه أو
إباية الناس له من ذلك ويحصل له المقت من الناس لما في طباع
البشر من التأله وقل أن يسلم أحد منهم لأحد في الكمال والترفع
عليه إلا ان يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة وهذا
كله ضمن الجاه."
[48] ولعل من أكبر دلالات التنافي مع التصور الحضاري الإسلامي
اعتبار البداوة موطن الأخلاق والشجاعة بخلاف ما يؤكد عليه
القرآن الكريم الذي يجعل البداوة موطن النفاق والخداع والجبن.
[49] نفسه الباب السادس الفصل الثاني والثلاثون ص.540:" ومن
كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم
سطا به القهر وضيق عن النفس انبساطها ودعاه إلى الكسل وذهب
بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر
بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه
المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني
الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية
والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت
النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى
إنسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين. وهكذا حصل لكل أمة حصلت في
قبضة القهر ونال منها العسف".
[50] نفسه الباب الثالث ص.160- 161:" ثم اقتدى بهذا العمل
كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما
يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم
ومآل أحوالهم. والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن
كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا
هرجا وإما إذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين . وقد
ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داع له
وليس هو مع ذلك على علم من أمر الفاطمي ولا ما هو. وأكثر
المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون
بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل
إليها بشيء من أسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الأسباب
البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه
من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة وتسوء
عاقبة مكرهم".
[51] لأنه بعد رد الطليعة نشر كذلك ما يمكن أن يعتبر رد القلب
وها هو الآن ينشر رد المؤخرة.
[52] فقد واصل هذا الغر تخريفه في دعواه فلم يكتف بالزعم أني
تلميذ الجابري فحسب بل هو زعمني تلميذه في ما ينسبه إلينا
كلانا من الحرب على الأمة التي صار يمثلها أصحاب الرؤوس
الملتهبة الذين يؤفغنون كل بلاد الإسلام من أجل فهم مشوه
للإسلام والغرب معا لأن ثقافتهم طالبانية حتى ولو قرأوا بعض
الترجمات المشوهة وبحال قارئ الجرائد المتعجل ! ولعل هذا وحده
كاف للدلالة على أنه لم يقرأ لا الجابري ولا المرزوقي وأنه إذا
قرأهما فقد قرأهما وهو في غيبوبة. ولا يمكن لأحد أن يرد على
هذيان فتى موتور.
[53] النص بعنوان هون عليك أيها الشيخ وهو منشور في موقع فلسفة
وفي موقعكم الأصلين.
[54] ولما كان منجما فينبغي له أن يقرأ برجه فيتوقع أحوال
مستقبله كما يتوقع أحوال المستقبل لغيره وسيكتشف أن كل صادق
ممن يوجدون حوله إذا كان طالب علم حقا فسيتركه بمجرد أن يفهم
ما يجري في الفكر الحالي وطبيعة الرهانات التي تتحدى الأمة
وأنه لين يبقى دائرا في فلكه إلا من كان منافقا يتكلم في كل
شيء وهو دون الفطام في أوليات كل شيء وأساسيات لا شيء. والشيخ
يحتاج إلى هذا النوع لأنه لا يمكن أن يتحمل المناظرات من دون
جمهور يصفق له ويشهد له بالخلق والرصانة لكأن النصوص وحدها لا
تكفي لتبين ما لا يحتاج إلى شهادة كلها نفاق. والمهم أني لا
أكاد أصدق عيني عندما أقرأ لشباب عربي مسلم في القرن الحادي
والعشرين يريد أن يحدد تصورا وحيدا مطابقا لما قصده الله عند
كلامه على الاستواء على العرش أو يحاول إثبات الخلق من عدم أو
حدوث العالم أعني كل المسائل التي من نوع عدد أجنحة الملائكة
أو جنس الشيطان إلخ من السخافات التي عاش على مضغها المتكلمون.
لم أفهم كيف لم يفهم أي مسلم أن القرآن قد نهى عن ذلك واعتبره
دالا على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة. وهب ذلك ممكنا بالمطلق
فهل يمكن أن يعالجه بنجاح عقل بلداء المنافقين الذين استحاطهم
الشيخ بنفسه وقد عجز عنه كل عباقرة البشرية من أفلاطون إلى
الغزالي إلى الرازي حتى نكتفي بالماضي فلا نصل إلى الفلسفة
النقدية وما بعد النقدية !؟
[55] لذلك فإني أشعر بالأسف لما أرى بعض النابهين من شباب
الأمة قد زج بهم في أخطبوط الكلام في حين أن مؤهلاتهم يمكن أن
تكون أجدر بما هو أسمى. ولست أشك لحظة واحدة في أن بعض
المشاركين في هذا الموقع سيدركون بعض الحقائق بعد هذه الأحداث
فيتحررون خاصة إذا قرأوا بقلب مفتوح وعقل مستنير. وحتى لو
انحصر ذلك في واحد من المائة لكانت النتيجة جيدة لأن الظلام لا
ينقشع إلا رويدا رويدا وخاصة إذا كان من جنس ما يرين على
الألباب: فلا بد من صحوة وهي لا تحصل إلا بعد تمل يحرر مما
يحول دون تقديم طلب الحقيقة على طلب الغلبة.
[56] نعم اعتبر صيغ العقائد خروجا عن الإسلام وتأسيسا لكنسية
جديدة لأنها تجعل فهم الدين بحاجة إلى وسطاء ليس لفهمه بل
للاقتناع بأن فهمه لا يمكن أن يستغني عن هؤلاء الوسطاء. وهي
آلت إلى الوثنية لأنها صارت أصل التعبد العقدي والشرعي ومن ثم
بديلا من القرآن والسنة فصارت الحواشي مغنية عن المتن !
[57] نعم ما اضطر إليه ابن تيمية من صوغ للعقائد لم يكن من جنس
ما أشرنا إليه في الهامش السابق بل هو كان بهدف تحرير الأمة من
صيغ العقائد والعودة بها إلى العلاقة المباشرة بالقرآن والسنة
لأن التدين هو الممارسة الخلقية لقيم القرآن في الحياة اليومية
وهو أمر ينبغي أن يتحرر من كل الصيغ المعقدة التي جعلها
المتكلمون بديلا من القرآن والسنة بأدلة يزعمونها عقلية وهي
سفسطات لا يرضى بها حتى الصبيان. وإذا فرضناه قد صاغ عقائد من
جنس ما أرفض فهذا شأنه لأن مواقفه وآراءه لا تلزمه إلا هو ولست
تابعا إلا للقرآن وما اعتقد في صحته من سنة الرسول.
[58] نعم كل متكلم إذا كان حقا صادقا في وصف تجربته الوجودية
وتجربة صوغها العقلي سينتهي حتما إلى واحدة من خليتين: إما أنه
يواصل الكلام بصدق فيصبح قائلا بوحدة الوجود ويلحد أو يصبح
مموها بصيغ العقائد أو يتخلى عنه وبدلا من أن يكتفي بعقيدة
القرآن السمحة التي لا تحتاج إلى صيغ يرتد إلى إيمان العجائز
لأنه يكون قد فقد الثقة بالعقل حتى في مستواه السليم العادي.
[59] نعم الصالح ممن تسمونهم علماء أقل من الكبريت الأحمر وهم
شواذ أو نوابت في بيئة المؤسسات الدينية. وهو أمر كوني وليس
خاصا بالنخب الدينية الإسلامية. ولهذه العلة حرم القرآن
الكنسية والرهبنة وكل سلطة دينية كما هو بين من آل عمران
وغيرها فضلا عن كون القرآن نفي أن يكون للنبي نفسه سلطان (لست
عليهم بمسيطر) ومن باب أولى لمن يزعمون أنفسهم ورثته ألا يرثوا
ما لا يملك. ولا تخلو من ظاهرة فساد النخب كل النخب الأخرى
دينية كانت أو غير دينية بمجرد أن تصبح فوق المساءلة وتدعي
العلم المتجاوز للنقد. وإذن فليس فضل النوابت ناتجا عن كونهم
من نخبة المؤسسات التعليمية الدينية بل هو لذواتهم. وهؤلاء
القلة التي تعد على أصابع اليدين على أكثر تقدير في تاريخنا لا
يمكن أن يكونوا مبررا كافيا للقبول بمؤسسة وظيفتها وصفها
القرآن الكريم في آل عمران فاعتبرها آيلة حتما إلى الحلف بين
الاستبدادين ومن ثم إلى أن يصبح بعضنا للبعض أربابا.
|