العولمة
أم استعمار الأرض؟
أبو يعرب المرزوقي
تمهيد:
حددت ورقة الندوة
المطلوب من علاج مسألة العولمة.
ففصلته إلى تحرير المفهوم واستعراض الآراء السائدة ومتابعة تاريخها
في الأذهان وتاريخ موضوعها في الأعيان سواء سلم الباحث بجدتهما
أو بعدم جدتهما مع
الموازنة بين وجهيها الخير والشرير. وهذا من جوهر العلاج الوصفي
لكل تدرج معرفي حول أي ظاهرة ومنطق المدارس التي حاولت تأويلها
وتعليلها مع شيء من تاريخها الفعلي
ومحاولة ترتيب
المقومات الواقعية التي مثلت موضوع التأويل والتعليل. والمعلوم أنه
لا يختلف اثنان في ضرورة هذا التمشي. لكن العلاج ينبغي أن يتجاوز
الوصف المجرد لما يقال في الظاهرة ولما
فيها فيطلب المبدأ
العام الذي يمكن من إرجاع مقوماتها وأعراضها إلى بنية عميقة تبرز
العلاقات المنطقية بينها لئلا تبدو مجرد صدف تاريخية فيكتشف منها
النظام الباطن:
فإذا أطلقنا على المستوى الأول من العلاج اسم
العلاج التحليلي لظاهرة العولمة
كما ترد في الأدبيات "السياسية-الاقتصادية" أو
"الاجتماعية-الثقافية" أو فيهما معا وأطلقنا على المستوى الثاني من
العلاج اسم
العلاج التأويلي لما وراءها
الذي تعد العولمة من مفاعيله السطحية في فلسفة
التاريخ وفلسفة الدين
(=كيف يتصور الإنسان نفسه وعلاقته بالمطلق؟)
أصبح من البديهي أن نقدم عليهما مدخلا تمهيديا نعلل
فيه التمييز بين مستويي العلاج والحاجة إلى عدم الاقتصار على
أحدهما دون الآخر. ذلك أننا ما كنا لنحتاج إلى النوع الثاني من
العلاج لو لم يكن مستوى الكلام الأول في العولمة يؤول في الغاية
إلى طريق مسدودة
ما لم نحسم مسألة مجراها ما الحتمي فيه وما
الاختياري منه.
فإذا كانت العولمة مشروعا قصديا وإراديا آل مرجعها
إلى الإرادي من أفعال البشر ومن ثم فهي تنتج عن صفات خلقية فيهم
خيرة أو شريرة فتكفي الموازنة بين الوجهين والتسوق لنشتري ما نشتهي
منها ويغدو الجميع بما لديهم فرحين. والكلام عندئذ يكون كله ذا سجل
خلقي يدور حول كيفيات تنمية الوجوه الخيرة منها بتنميتها وتطويرها
ومعارضة الشر فيها بأفعال من جنس الثورة الرومانسية على شرور
العولمة. ومثاله دون شك الاحتجاج الموازي لقمم البلاد التي ينسب
إليها شرورها
(اجتماع الثمانية الكبار)
على أهميته من حيث الدلالة على الوعي الخلقي لبعض أهل العصر.
أما إذا كان الغالب على العولمة هو طابع المجرى
Process
الحتمي فلا يكاد
الاختياري فيها يذكر لم يكن للاحتجاج الخلقي عليه من سبيل فضلا عن
قابلية الاحتجاج إلى الانقلاب ردَّ فعلٍ إرهابيٍ عند فراغ الصبر.
وقد يبين التأويل الفلسفي أنها في غياب الفهم الاستراتيجي لكيفيات
العلاج كما هي الحال عندنا نحن العرب والمسلمين
تبقى العولمة آلية جهنمية تسحق أصحاب المواقف الرومانسية فتؤول بهم
في الغاية إلى اليأس من الفهم فضلا عن الحل ليصبحوا من القائلين ب"داوني
بالتي هي الداء"
كما عبر عن ذلك أبو القاسم الشابي في صرخته الشهيرة:
لا عدل إلا إذا تعادلت القوى ***** وتصادم الإرهاب
بالإرهاب
المسألة الأولى
تعليل الحاجة إلى مستوى العلاج الثاني
قل أن تجد ظاهرة إنسانية لا يتلازم فيها الوجهان
اللذان يتجلي فيهما ازدواج الوجود الإنساني من حيث هو إنساني:
تجليه من حيث هو حدث
بخصائص الطبائع وتجليه من حيث هو حديث
بخصائص الرموز.
فقد يتوالى الوجهان وقد يتساوقان في مجرى الحِدْثان.
لكنهما متلازمان دائما ولا ينفصلان. فما أن يحصل أحدُهما حتى نطلب
الثاني. ذلك أن الإنسان يبدع الحضارة الرمزية إذ ينسج الحدثَ
بهندام فني يُؤَسْطِرُهُ. وهو يصنع الحضارة المادية إذ يزرد
الحديثَ بنسق علمي يُتَقْنِنُهُ. فتتساوق عنده الترجمةُ المتبادلة
أو تتوالى بين الفعل المتعين في الأحداث والأفعال والوعي المتعين
في الأحاديث والأقوال إلى غير غاية مادتين أحدهما للآخر وصورتين
بالتناوب:
وتلك هي الدورة الحضارية المبدعة لذاتها فعلاً
يتوعَّى ووعياً يتفعَّل.
وهذان الوجهان هما علة ازدواج معنى
"التاريخ-التأريخ"
في جل اللغات كما نفعل إذ نترك الهمز للحدث أو نهمز للحديث:
فهو حدث
Geschichte
وحديثHistorie
.
والعرب جمعت بينهما في أصل يوحد بينهما تسميه ديوانها أعني الأدب
عامة والشعر خاصة حتى إن ابن خلدون الذي يدرك الأعماق جعله غاية
نظريته التكوينية في الظاهرة العمرانية.
ويشترك الأمران في
الحدوث
أو التجدد الدائم الذي هو علة التلازم بين
تجربة الحال
و
معاناة الخيال.
ولولاهما لما تعالى الإنسان ليصير وجوده عين السؤال حول مراحل
النزول والترحال
(بداية علم التاريخ)
وحول رمز المبدأ والمآل
(بداية علم الأساطير).
ذلك أنه ليس لأي منهما معنى بمعزل عن ضدِيدِه الذي هو في الحقيقة
نَدِيدُه. فحال الحدث وخيال الحديث يتجردان فيتعاليان ليسقط المضاف
إليه منهما ويبقى التفاعل بين المضاف فيهما أعني جوهر الوعي
التاريخي ومادته من حيث هما أفق السؤال الوجودي الذي يعبر عن
التلاحم بين المضافين:
ممكنُ الإنسان ومُحاله في واقعه ومخياله حول أفق
تِسْآلِهِ: وتلك هي الصلة الجوهرية بين فلسفة التاريخ وفلسفة الدين
الصلة التي تُعد العولمةُ أحدَ أعراضها.
ومن هذا الأفق ينبغي أن تفهم العولمة إذا كنا نريد
أن نكتشف علل تعثر العرب والمسلمين فيها إذا كان هذا هو القصد من
إدراج المسألة بين محاور الندوة. ومعنى ذلك أن العولمة باتت الآن
وقبل كل شيء-عند
الجميع وليس عندنا وحدنا-توليفة
تاريخية تلاحَمَ فيها معلومُ المسير ومجهولُ المصير فتقدم
الافتراضيُ والرمزيُ منهما على الحقيقي والفعلي ليُخْفِيَ بما يشبه
الدوار مفاعيل الاستعمار في كل الديار حيث زالت الحدود فاختلط
الأهل والأغيار:
مفاعيل العولمة ليست بين الدول والأمم فحسب بل هي
في الدول والأمم كذلك.
وهي ليست من مجال
العلاقات الدولية والأممية مقصورةً عليها بل هي تمتد من قلب أدنى
جماعة محلية إلى أقصى الجماعة البشرية بل هي قد استقرت حتى في
ضمائر الأفراد واستحوذت منها على الشوق والفؤاد. وهذه الخاصية التي
تتميز بها الظاهرات الإنسانية هي جوهر العولمة لأن الإنسانية تبدو
فيها قد بلغت تجربتُها غايةَ الكلية ومعاناتُها غايةَ العينية في
كل خاصية وجزئية.
فبات من الواجب أن نفهم:
1-
حدث العولمة ما هو وكيف حصل؟
2-
وحديث العولمة ما دلالته وكيف وصل؟
المسألة الثانية
عرض وتحليل وصفيين للظاهرة
من المعهود في هذا
المستوى من العلاج عرض المعضلات التي ترتب على التعريف من منظور
اللغة والحضارة التي تسميها إما بالتركيز على آثارها الجغرافية
السياسية في وجهي علاقات الدول السياسة وأقوى أدواتها الدبلوماسية
والعسكرية
أو بالتركيز على آثارها الجغرافية الثقافية في وجهي علاقات الشعوب
وأقوى أدواتها التواصلية والتعارفية
أو بالجمع الجدلي بين المنظورين
عند الربط بالرهان في كل هذه العلاقات أعني المحرك الأساسي في
العولمة:
العلاقات الاقتصادية بكل درجاتها المادية
واللامادية وفيها تتحد الجغرافيا السياسية والجغرافيا الثقافية بل
الجغرافيا عامة إذ إن الأرض هي معين الحياة والعلاقات من توابع سد
الحاجات والسلطان عليه وبه.
فإذا صغنا المعادلات صوغا يعين وجهة الفاعلية
المعولمة وأدواتها
بمصطلحات ابن خلدون أمكن لنا أن نستخرج هاتين
العبارتين شبه الرياضيتين:
أولاهما تتعلق بالمعادلات
من حيث صلتها باستعمار الأرض بوصفه عمرانا والثانية تتعلق
بالمعادلات من حيث صلتها باستعمار الأرض بوصفه اجتماعا كما يتبين
من الجدولين التاليين:
1-الشكل
الأول يعرضها بمنطق من يقدم التاريخ الطبيعي على التاريخ الخلقي
للبشرية أي عندما يكون التنازل لقضاء الحاجات مقدما على التنازل
للتآنس بلغة ابن خلدون.
المسألة الثالثة
التأويل الفلسفي العام
ليس القصد الكلام على العولمة كلاما أكاديميا
يطلعنا على ما يدور حولها من أقاويل فحسب بل الهدف هو تحديد
طبيعتها الذاتية لفهم صلتها بنا نحن العرب والمسلمين إذا تصورناها
كما أسلفنا مجرد عرض لأمر أعمق منها أو بصورة أدق مرحلة من مراحله.
لذلك فلا بد أن نجيب عن هذين السؤالين من منطلق هذا العمق الخفي
الذي تعد العولمة وجهه السطحي بعد تعيينهما بالصورة التالية:
تحرير السؤال الأول:
هل من دلالة لكون سيدي العالم في الغرب بوجه السيادة المادي
(الولايات المتحدة)
وبوجهها الروحي
(إسرائيل)
أصبحا يعتبران المشكل الرئيسي في استعداداتهم للقرن الحادي
والعشرين هو إعادة استعمار أرض العرب والمسلمين وإخضاع إرادتهم
لمنعهم من التحرر والنهضة باسم قيم التحرر والنهضة ؟
ولا يعني ذلك أننا
نعتبر أمريكا وإسرائيل ممثلتين للشر وننسب إلى أنفسنا تمثيل الخير
لأننا لا نطرح المسألة في مستوى الأخلاق بل في مستوى الصراع
الوجودي ومناظيره تقديما وتأخيرا لقانون التاريخ الطبيعي وقانون
التاريخ الحضاري في ما يسميه ابن خلدون استعمار الأرض والاستخلاف
فيها.
تحرير السؤال الثاني:
هل في صلتنا بالتاريخ الكوني نحن العرب خاصة
والمسلمين عامة ما يجعلنا نمثل حقا دمل العالم الذي يكاد أهله
يجمعون على أننا العائق الوحيد أمام العولمة أم نحن في الحقيقة
وبفضل هذه الصلة نمثل أمل العالم لتحرير البشرية من مرض الكونية
مرضها المسمى عولمة بمقتضى تصورنا لطبيعة استعمار الأرض والاستخلاف
فيها ؟
كما لا يعني هذا أن العرب والمسلمين يمثلون الخير
وأن اعداءهم يمثلون الشر بنفس تعليل الاحتراز أعني أن المطلوب في
البحث ليس أخلاقيا بل هو طبيعة المعركة الوجودية ومناظيرها
الفلسفية تقديما وتأخيرا لقانون التاريخ الطبيعي وقانون التاريخ
الحضاري.
والسؤال يكون أدق لو صغناه بهذه العبارة:
هل نحن العرب
والمسلمين دمل العالم لأننا نسعى إلى استئناف دور تاريخي لا يؤمن
بالكونية كما يزعم الأعداء أم لأننا نتصدى لما يحول دون هذا
الاستئناف لتحقيق كونية الأخوة البشرية بديلا من العولمة
الداروينية ؟ أو بصورة أدق هل نحن دمل لأننا نرفض العولمة أم نحن
دمل لأننا نمنع من شروط المساهمة فيها بمنظور يحررها من سلطان
القانون الطبيعي ويضخ فيها ما هو ممكن إنسانيا من سلطان القانون
الحضاري
؟
لذلك وجدتني مضطرا إلى إضافة هذا المستوى الثاني
المضاعف من العلاج وفيه نبين أن العولمة عرض سطحي لظاهرة أعمق
يقتضيها الوجود الإنساني هي الكونية المكتوبة في كيان الإنسان
العضوي
(الأرض هي معين معاشه)
والنفسي
(واستكشاف محيطه شرط اطمئنانه)
سوية كانت أو فاسدة. وهي عندما تَفسد تُفسد معها
مقومي الوجود الإنساني المتلازمين سواء كان التوازن بينهما سويا
وهو الصحة الحضارية أو منخرما وهو المرض الحضاري:
أعني تنازع قانون التاريخ الطبيعي (الصراع على
المعاش) وقانون التاريخ الحضاري (الاستكشاف للاطمئنان) في تحديد
منزلة الإنسان الوجودية أو بعبارة أدق هل نلحق التاريخ الحضاري
بالتاريخ الطبيعي فنقبل بفلسفة في التاريخ داروينية أم علينا أن
نتحرر منها وكيف ؟
وهذان التاريخان بقانونيهما أعني قانون الضرورة
وقانون الحرية يؤدي استبدادُ أحدهما بمنزلة الإنسان وإلغاء الآخر
عند أحد صفي المعركة التاريخية الأظهرين والعكس عند صف آخر إلى حرب
أهلية مضاعفة عند الشعوب المغلوبة أولا وفي الشعوب الغالبة ثانيا
ثم في الإنسانية كلها حتى وإن طغى على المعركة صفان يخفيان وجوهها
الأخرى:
فتبدو المعركة وكأنها تجري بين صفين هما الصف الذي
يمثل ذروة العولمة الفاعلة أو آثارها المتوحشة والصف الذي
يمثل قاع العولمة المنفعلة التي تقاومه في شروط تمثيل
الذروة كما هي الحال في علاقة العرب والمسلمين بالولايات المتحدة
وإسرائيل.
لكن ذلك يخفي أن كل جماعة تنقسم إلى صفين بحيث إن
منطق الاصطفاف ليس بين الجماعات فحسب بل هو في الجماعات كذلك:
أي إن هذه المعركة يخفي وجهها الخارجي وجهها
الداخلي رغم كون الوجهين من طبيعة واحدة.
وهذه الظاهرة الأعمق هي طبيعة الجدلية الجارية بين ميلين في السلوك
الإنساني:
ميل أول يقدم منطق التاريخ الطبيعي على منطق
التاريخ الحضاري.
وميل ثان مقابل يعكس فيقدم منطق التاريخ الحضاري
على منطق التاريخ الطبيعي.
فتنتج عنهما جدلية ثابتة لا تتغير في كل مستويات
العلاقات البشرية سواء أخذناها في الجماعة الواحدة أو بين الجماعات
وحتى في ذات الوجود الشخصي للفرد الإنساني. فيكون كلا الصفين
مسؤولا على الحرب الأهلية الدائمة التي تعيشها الجماعة البشرية:
أي إن صاحب الميل
الثاني لا يقل مسؤولية عن صاحب الميل الأول بما نفى أحد مقومي
الوجود السوي لأن إهماله دور التاريخ الطبيعي في التاريخ الحضاري
يجعله منزوع السلاح أمام الموقف الأول فيكون علة الفساد مثله.
وحتى يتبين القارئ معنى هذا الكلام يكفي أن نبين أن
الأعراض جوهرية حتى في ما يعد من محامد العولمة أعني قيم شكلها
السياسي المغرية أعني:
الديموقراطية وحقوق الإنسان التي لا يمكن لأي عاقل
أن يجادل في كونيتها وطابعها الخلقي.
لكن كلام العرب والمسلمين على ازدواج الخطاب القيمي في الغرب وظنهم
أنه ثمرة سوء نية أو فساد أخلاق عند الساسة والمفكرين يعني أنهم لم
يفهموا طبيعة العولمة على حقيقتها. فليس الازدواج أمرا عرضيا بل هو
أمر بنيوي للنظام الذي تتعرى طبيعته بمجرد أن يصطدم بمحك الكونية:
لذلك فإنه من الظلم أن نتصور السياسيين والمفكرين
الغربيين يعملون ذلك لسوء نيتهم أو لفساد طويتهم أو لعدوانيتهم.
فالنظام الديموقراطي مبني على إيديولوجية حقوق
الإنسان وحريته ليس في ذلك شك. وازدواج المعايير أمر لا شك فيه
كذلك. والخطأ هو في تصور ذلك أمرا اختياريا دون أن نسأل لحظة واحدة
عن شروط إمكان الكونية في تطبيق هذه القيم. والغوص إلى ما نطلبه
يبين أن هذه القيم ممتنعة التطبيق الكوني:
أي إنها لا تقبل أن تعم البشر بل لا بد من أن تكون
خاصة بالبعض دون البعض وذلك هو جوهر مفهوم الندرة وأساس علم
الاقتصاد الندرة الفعلية أو الناتجة عن العادات الاستهلاكية.
ويكفي أن نحلل آليات الحكم الديموقراطي حتى نفهم
هذا الحكم القاطع الذي قد يتصوره البعض جائرا في حين أنه بمنأى عن
التقويم الخلقي:
Value free.
فآليات الديموقراطية ألغارشية بالطبع حتى وإن تخفت برداء
الديموقراطية في الداخل. لذلك فهي لا تستحي بإظهار الوجه
الاليغارشي في الخارج أعني وجهها الحقيقي. لذلك فالعولمة التي ألغت
المقابلة
"خارج-داخل"
نزعت عنها الرداء الإيديولوجي. أليس أساس هذه الآليات التي يستمد
منها الحكم في هذا النظام هو منطق الأحزاب المتداولة على الحكم ؟
وهل منطق التحزب الذي تستند إليه آليات الحكم أمر تحكمي كما قد يظن
السطحيون أم هو محكوم بقوانين ؟ والقانون الثابت الذي لا يتغير
نابع من طبيعة الخصائص الأليغارشية الحقيقية للنظام الذي يتنكر تحت
اسم الديموقراطية :
فلا يمكن أن يحقق هذا النظام السلم في الداخل إلا
بفضل الحرب في الخارج بالقوة أو بالفعل ولا فرق.
وهو ما يجعله بالذات
وبالجوهر لا يقوم إلا بالتلازم مع النزعة الاستعمارية بمقتضى
الظاهرة العميقة التي ننوي الكشف عنها هنا. ومن ثم فهو لا يختلف في
شيء عن نظام القبيلة البدائية التي تستمد ازدهار الداخل من رؤوس
رماحها أعني من غزو الخارج
ما ظل التاريخ الإنساني محكوما بقانون تاريخه الطبيعي:
فجميع الأحزاب ذات الإيديولوجية الليبرالية وخاصة
الجديد منها في كل جماعة تقدم
قانون التاريخ الطبيعي
ممثلا بالعلاقات الاقتصادية ومنطق التنافس على
قانون التاريخ الخلقي
ومنطق التعاون وتطلق على ذلك اسم الحرية متصورة أنه أفضل السبل
لتحقيق الرفاهية المادية ومعتبرة العدالة وهما لا يؤدي إلا إلى
المساواة في الفقر.
وهي بذلك أكثر صدقا من الأحزاب الإشتراكية لأنها
تخفي أقل مما تخفي بخصوص العلاقة بالمجال الحيوي المشروط في الوعود
الانتخابية.
وجميع الأحزاب ذات الإيديولوجية الاشتراكية وخاصة
الجديد منها في كل جماعة تقدم
قانون التاريخ الخلقي
ممثلا بالعلاقات الاجتماعية ومنطق التعاون على
قانون التاريخ الطبيعي
ومنطق التنافس وتطلق على ذلك اسم العدل متصورة أنه أفضل السبل
لتحقيق الرفاهية النفسية معتبرة الحرية وهما لا يؤدي إلا إلى أكل
القوي للضعيف.
وهي بذلك أكثر كذبا من الأحزاب الليبرالية لأنها
تخفي أكثر مما تخفي بخصوص العلاقة بالمجال الحيوي المشروط في
الوعود الانتخابية.
لكن كلا الصنفين من الأحزاب لا يمكن تصوره حاكما
للمعمورة لأنه عندئذ سيفقد شرط وجوده أو شرط ما يسمى باللعبة
الديموقراطية:
فهي مستحيلة التصور مع الكونية إذ ليس في الأرض ما
يكفي لتحقيق ما يرضي الناخبين.
فما يعيش به ناخب أمريكي متوسط يعيش به ربما ألف هندي مثلا:
فكيف سيرضي المترشح ناخبيه إذا لم يوجد هنود يقبلون
الاستعباد ؟
وإذن فمن دون مجال حيوي خارجي لا يمكن تصور بعض البلاد متمتعة بما
يسمى مزايا الديموقراطية الغربية ليس في الحقوق المادية فحسب بل
وكذلك في الحقوق المعنوية. وإذن فحكم المعمورة بالديموقراطية على
الأقل بمنطقها الحالي أمر متناقض بالجوهر:
اللهم إلا إذا قبلنا بالتمييز بين ديموقراطية
السادة في الولايات المتحدة ديموقراطية العبيد في الهند.
فحتى يحقق أي حزب من
صنفي أحزاب
أي نظام ديموقراطي شرط وصوله إلى الحكم وبقائه فيه رغم ما في تصور
النوع الأول من منفرات لفقراء الشعب وما في تصور النوع الثاني من
منفرات لأغنيائه فلا بد لهم من مجال حيوي خارجي يأخذون منه ما
يرضون به ناخبيهم الذين لهم بعض الحقوق في مقابل سكان هذا المجال
الخارجي الذين تسلب منهم كل الحقوق عدا رمق العيش الذي يحتاج إليه
العبد ليكون في خدمة السيد:
فتكون السلم
الداخلية في كل نظام ديموقراطي مشروطة حتما بالحرب الخارجية وهذا
من ثوابت النظام الديموقراطي القديم عند اليونان والحديث عند
الأوروبيين وعندما تتصادم الأنظمة الدبموقراطية حول المستعمرات
تضطر لأحد حلين لا ثالث لهما إما أخذ الشكل الفاشي أو الدخول في
حروب كونية.
والمعلوم أن المجال
الحيوي الذي هو بقية العالم المنفعل بالإضافة إلى من بيدهم مقاليد
العولمة الفاعلة مثله مثل الاستعمار الذي يحميه ذو شكلين:
الأول هو الشكل البدائي الذي احتاج إليه الاستعمار
والعبودية المباشرين وهو شكل انتهي مع الحرب الباردة. وفيه كان
المستعمِر ينتقل إلى المستعمَر لأخذ ثروات أرضه والإبقاء على
السكان لأنه يحتاج إليهم عبيدا فيها بعد أن اضطر غزاة أمريكا إلى
استيراد العبيد لأنهم تورطوا بإفناء الحمران ولم يجدوا من يستعبدوا
فاستوردوا السودان.
الثاني هو الشكل المتطور الذي احتاج إليه الاستعمار
والعبودية غير المباشرين وهو شكل بدأ بعد الحرب الباردة. وفيه ينقل
المستعمر معامله إلى المجال الحيوي ويمول طبقة تجعل البلاد
المستعمرة مجالا مفتوحا لرأس المال ولاستعباد أهلها وهم في عقر
دارهم مع وهم إدارة أنفسهم بأنفسهم. فيستفيد المستعمر أضعافا:
أنت تكون العمال والخبرة وهو يستخدمهم بدون كلفة
وبأبخس الأسعار ثم يبيع لك من أنتجته أبناؤك بأغلاها مع تصدير
التلوث وعدم فتح بلاده لقدومك إليه فتلوثه بوجودك !
فلا تكون آليتا الاستعمار والاستعباد أمرا يوجد بين
الأمم فحسب بل هما موجودتان في كل أمة بين طبقاتها ثم بين الأمم
والقضية تتجاوز الجغرافيا السياسية ببعديها السياسي والاقتصادي
والجغرافيا الثقافية ببعديها التواصلي والتعارفي إلى ما هو أعمق في
حدث الكيان الإنساني كما صوره حديثه عنه:
حديثه عن كيانه العضوي وكيانه النفسي جعلا حدثهما
ينكص به إلى قانون التاريخ الطبيعي بدل السمو إلى قانون التاريخ
الخلقي.
المسألة الأخيرة
التأويل الفلسفي الخاص
نحاول فهم هذا
المعين الغائر في الأعماق علنا ندرك طبيعة الموقف العربي الإسلامي
من مسألة استعمار المعمورة وما يتبعها في الكون.
وذلك هو المطلوب في مثل هذه الندوة. ذلك أننا نريد تفسير الظاهرة
من منظور علاقة فلسفة السياسة والتاريخ بفلسفة الدين في الفكر
العربي الإسلامي لأن مقابلاتها الغربية لا تفسرها إلا بآلية واحدة
لا تميز بوضوح بين معنيي الاستعمار:
المعنى التحريري من قضاء الحاجات من أجل التآنس
وشكله المنحط أي الاستعمار العبودي الذي يجعل الإنسان عبد
اللامتناهي الفاسد بالمعنى الهيجلي للكلمة فيمررون الثاني بتوظيف
قيم الأول توظيفا إيديولوجيا بل ويتهمون الموقف المقابل بأخص خصائص
موقفهم فيصبح المدافع عن حريته إرهابيا والساعي إلى الأخوة
الإنسانية غير متسامح ومتعصب وغير مؤمن بثقافة السلام.
فتسأل ولا تكاد تصدق عينيك وأذنيك وكل حواسك:
هل الأساطيل التي تمخر المحيطات عربية وإسلامية !؟
وهل جيوش المسلمين هي التي تحتل أوطان الغربيين !؟ وهل القرآن هو
الذي ينكر جميع الأديان الأخرى؟! أليس هو الكتاب الوحيد الذي يشترط
على المؤمن به الإيمان بها جميعا والقبول حتى بالأديان غير المنزلة
مثل الصابئية والمجوسية بل ويرجئ حتى المشركين !؟ كيف يمكن للحروب
الجارية على أرضنا أن تسمى عدوانا منا على الآخرين وهي لا تجري على
أرضهم ؟!
نستأنف المسألة إذن من رأس. لم يبق الأمر قضية
فكرية عامة تطرح للجميع بنفس الصورة فيردد فيها ما يُخرَّف حولها.
ففيها من المقومات الدالة على محددات فلسفة التاريخ الإنساني ما
يقتضي وصلها بمنازل الرؤى المتعلقة باستعمار العالم. ذلك أن
العولمة هي غاية تطور الإنسان في السعي إلى تحقيق وحدة المعمورة
سلما أو حربا حول رهانين لا ثالث لهما هما عين مقومي الوجود
الإنسان اللذين بنى عليهما ابن خلدون فلسفته في التاريخ من حيث
صلتها بفلسفة الدين القرآنية:
رهان قيامه العضوي (الرزق والسلطان عليه عدلا أو
ظلما) ورهان قيامه النفسي (الذوق والسلطان عليه سموا أو سفولا) وما
يترتب عليهما من سلطان بهما ومن أجلهما (قانون التاريخ الطبيعي)
وعليهما ومن أجل غاياتهما (قانون التاريخ الخلقي).
وهذان الرهانان يحركان السعي إلى استعمار الأرض
الموصل إلى توحيدها التحريري أو الاستعبادي فيكونان ذوي صلة بفلسفة
التاريخ وبالأدوار التي تؤديها المحركات الخفية لتطور النوع
الإنساني أعني الحضارات والأمم. وإذن فهو في حقيقته عمل آليات خفية
الاسم
Anonymesليس
فيها لاختلاف الحضارات الشكلية التي تشغل المعمور من الأرض دور
محدد إلا بصورة عرضية بخلاف ما يذهب إليه القائلون بالحرب بين
الحضارات من حيث هي حضارات.
وهذه الآليات الخفية تبدو قد أسندت لنا دورا معينا
في لحظة التاريخ الكونية التي تتصف بصفات العولمة نحن الأمة التي
تصورُها للتاريخ نقلا وعقلا كان ولا يزال كونيا ومبينا على استعمار
الأرض والاستخلاف فيها فيكون موقعها الحالي وكأنه منزلة قدرية
علتها التقابل بين رؤيتين للكونية نراهما في صدام حرج ينبغي فهم
دلالاته. فنسأل السؤال الخلدوني:
ما الآليات التي تسند الأدوار إلى الأمم وما الدور
الذي أسند إلينا في لحظة التاريخ الراهنة ؟
ذلك هو همي في هذه المحاولة وليس الكلام المتعالم
أو الرواية بدل الدراية حول العولمة الذي شبع حتى الموت كلاما
وسلاما. ما يعنيني في هذه المحاولة هو منزلة العولمة في محددات
فلسفة التاريخ وعلاقة ذلك بدور الأمم التي لها فلسفة تاريخ كونية
فيها وذلك لئلا ننسى مسألة السنن التي تحكم الأمر في نفسه والتي
يساعد فهمها في علاج الظاهرة نظريا وعمليا.
وتلك هي علة عودتنا إلى الفارابي بداية وابن خلدون
غاية في هذه المسألة الأخيرة. فأما العودة إلى الفارابي بداية
فعلتها أن فلسفة التاريخ الضمنية في فلسفة السياسة اليونانية
مقصورة عل الكلام في المدينة لأنها ظلت فلسفة أساسها التصور الإثني
للحضارة في أقصى ما بلغته المحاولات الأفلاطونية
(محاورة الكريتياس)
والأرسطية
(الدساتير اليونانية).
فكان أول من أضاف الفارابي مبدأ صريح في حضارته التي رسالتها تعتبر
المطلق يخاطب العالمين بمعنيين توزيعي
(لكل أمة رسول بلسانها)
وكلي
(الرسالة الخاتمة للجميع)
ما به يتجاوز التحليل الديني الرسالة الإثنية والتحليل السياسي
المدينة الإثنية ليصل إلى المعمورة الكونية قائلا:"...
فيجتمع ما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في
قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذا كثرت أشخاص الإنسان فحصلوا في
المعمور من الأرض فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية. فمنها
الكاملة ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث:
عظمى ووسطى
وصغرى. فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة. والوسطى
اجتماع أمة في جزء من المعمورة والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من
مسكن أمة."
.
لكن الفارابي اكتفى بالتنبه إلى المبدأ الكلي دون
أن يؤسس عليه علما للظاهرة التي هي
استعمار المعمورة أو العمران البشري
بلغة ابن خلدون رغم كونه أول من وضع مفهوم
العلوم الإنسانية
وصلتها بالمنظور الوجودي في كتاب مبادئ الوجود وفي تحصيل السعادة.
لذلك فغاية هذه المحاولة هي المقدمة التي جعلت استعمار الأرض
موضوعا للعلم الجديد:
علم العمران البشري والاجتماع الإنساني.
أشرنا في المسألة الثانية إلى أن العولمة تفهم
بتقديم وتأخير للفواعل التي ميزنا بينها وصغناها بمصطلح ابن خلدون
ولما كانت الفواعل من جنسين كما بينا في الجداول وكانت الأحزاب
تتمايز بهذا الترتيب في الجماعة الواحدة وبين الجماعات فإن المعركة
تصبح ذات صفين على النحو التالي:
ومعنى ذلك أن الانتساب إلى هذا الصف أو ذاك ليس
أمرا إراديا أو اختيارا واعيا بل هو نوع من القضاء والقدر التاريخي
لكن تحمل مسؤولية ذلك الانتساب والقيام بأعبائه إرادي وهو جوهر
الانتقال من الانفعال إلى الفعل:
فالعرب والمسلمون لم يختاروا أن يكونوا الوسط
المطلق في جل ما يتعلق بالمعمورة. فجل الطاقة في أرضهم وجل الممرات
فيها وكل المشاعر الدينية فيها فضلا عن نزولهم في ملتقى القارات
الثلاث التي صنعت التاريخ الإنساني قديمه وحديثه فكان تاريخهم لذلك
متوسطا بين القديم وما قبله والحديث وما بعده.
لكنهم اختاروا أن يبقوا على ما لديهم من طموح
لاستئناف دورهم التاريخي الكوني وهم يقاومون لاسترداد هذا الدور
وتلك هي علة الحرب عليهم واعتبارهم من عوائق اكتمال العولمة
الإمبريالية. فيكون خيارهم هذا هو العائق وليس مجرد منزلتهم
القدرية.
لذلك فالحرب الحالية ستكون محددة لمستقبل العولمة
بمعنيين كلاهما محكوم بنتيجة حرب المطاولة بينهم وبين سيدي العولمة
الحاليين:
الأول: في حالة الذهاب بالحرب إلى غايتها ستكون
نهايتنا ونهاية سيادة الولايات المتحدة وإسرائيل على العالم لأن
الأقطاب الأربعة المحيطة بالعالم الإسلامي تكون قد وجدت الفرصة
لاقتسامه وإخراج الولايات المتحدة منه ونعود نحن إلى مستعمرات هذه
الأقطاب الأربعة: اثنان شرقا هما الصين والهند وإثنان غربا هما
روسيا المتحدة وأوروبا المتحدة.
الثاني: في حالة الوصول إلى حل وسط بين الصفين
تتحقق الكونية التي يتوازن فيها القانونان قانون التاريخ الطبيعي
ممثلا بالأقوى ماديا والأضعف روحيا (الولايات المتحدة وإسرائيل)
وقانون التاريخ الروحي ممثلا بالأضعف ماديا والأقوى روحيا (العالم
الإسلامي والعرب) فيعم السلم ويرتدع الأقطاب المحيطة بالعالم
الإسلامي فلا يتقاسمون السلطان عليه كما هو متوقع في الحالة
السابقة.
لم يكن الهدف من هذا العلاج الثاني عمليا رغم غلبة
الوجه العملي عل دوافعه. إنما هو ذو منظور نظري خالص:
الهم العملي هو الدافع لكنه ليس الغرض المباشر
للبحث حتى وإن عدنا إليه بصورة غير مباشرة للعلاج المستند إلى
النظر.
ما يعنينا بالأساس هو إثبات القضيتين التاليتين وما
يترتب عليهما في المستوى العملي:
1-أن
آليات العولمة والكونية متقدمة على الآليات الداخلية والخصوصية في
التاريخ الإنساني من البداية إلى الغاية وأنها ليست أمرا اختياريا
بل شبه مصير قدري. لذلك فهي ذات صلة بفلسفة التاريخ وفلسفة الدين.
2-أن آليات العولمة هي عينها آليات القيام الوجودي
للإنسان سواء كان فردا أو جماعة. ومن ثم فهي التي ينبغي أن نفهم
بها كل مستويات العلاقات البشرية وخاصة أحداثها وأحاديثها أي
مجرياتها ومجريات قص أصحابها لها.
أما ما يترتب على هاتين القضيتين بخصوص العلاقات
بين الأمم ودور الأمم في التاريخ الكوني فيمكن أن يكون مادة لبحث
آخر منطلقه ما توصلنا إليه من نتائج أهمها أن فعل الأمة الإرادي لا
يتعلق بمحددات قيامها أعني منزلتها في الأحياز الوجودية المشتركة
مع الأمم الأخرى أعني في ما يوحد المعمورة
(الزمان والمكان والدورة الاقتصادية من حيث مجراها
الفيزيائي والدورة الاقتصادية من حيث شروط مجراها التواصلي
والاتصالي)
بل هو يتعلق بفلسفتها الوجودية:
أي ما تؤمن به من قيم تجعلها تعتقد أنها ذات رسالة
في التاريخ الكوني أم مجرد كائنات على هامش التاريخ.
الخاتمة
تلك هي الإشكالية التي حاولنا فهمها ما استطعنا
إليه سبيلا منطلقين من تحليل ضمائر الخطة التي اقترحها المركز
وتلقيتها منه بدعوة خاصة من رئيسه الصديق والأخ الأكبر الأستاذ خير
الدين حسيب. ولما كان هذا الإطار شديد السعة ويدخل إلى المسألة من
هموم الحاضر التي يغلب عليها الوجه الجغرافي السياسي فإني بدأت
بتحليل سريع أردته منصة تحقق النفاذ إلى جوهر الإشكال في العولمة
لذاتها لنفهم علل ما تتصف به في هذا المستوى الجغرافي السياسي الذي
هو أحد أعراضها وليس من عللها. وقد تضمنت الخطة ما ساعدنا مساعدة
فعلية في تحرير المفهوم إذ يمكن أن نستخرج منها العناصر التالية:
فرعين سياسيين روحيين متعارضين:
1-"إدراك ما يتزاحم عليه من معان في الجدل السياسي
الدائر الآن والكشف عما يلتبس به من معاني التقدم والرشد والأخوة
الإنسانية.
2-وما يلتبس به أيضاً ويستخدم فيه من معاني السيطرة
للدول القوية على الشعوب المغلوبة،
فرعين ثقافيين اقتصاديين متعارضين كذلك:
3-كما يشمل التمييز بين ما يشكل تقدماً إنسانياً
عالمياً وبين ما يعتبر سيطرة للثقافات على ثقافات أخرى. مع تبين ما
يصاحب السيطرة الثقافية الحضارية من إحاطة بالضغوط الاقتصادية
وتهديد بالقوى العسكرية،
4-وكذلك تبيّن نقيض ذلك من مقاومة لأدوات السيطرة
وانفتاح على الإنتاج العلمي والثقافي الحديث".
فكان ذلك منطلقا جيدا لطلب الأصل
الموحد بين هذه الفروع ما هو أعني ؟
5- لماذا حصلت العولمة الآن ؟ ولماذا هي على هذه
الصورة ؟ وما علاقتنا بها ؟ والجواب عن هذه الأسئلة هو الذي سيبين
أن العولمة لا يكفي أن تدرس من مدخل السياسة الدولة والعلاقات بين
الدول ولا حتى من حيث العلاقة بين الشعوب. فهي من أعرض الكونية
التي هي جوهر الوجود الإنساني وأصل العلاقات بين البشر سواء كانوا
داخل نفس المجموعة أو بين المجموعات تنبع من هذا الأصل.
فالكونية من حيث هي قيمة خلقية: تنتسب إلى تاريخ
الإنسان الخلقي في كل الحضارات:
فقد كانت ولا تزال حلما إنسانيا يدل عليه أمران متعلقان بحد
الإنسان نفسه قصدت النطق: فأسطورة اللغة الأصلية الواحدة وهم وضع
لسان كوني للبشر ل يفارقا الذهن الإنساني بل هما يمثلان معنى مفهوم
الإنسان نفسه.
والكونية من حيث هي واقعة تاريخية: تنتسب إلى تاريخ
الإنسان الطبيعي:
فقد كانت ولا تزال شبة تحقيق متدرج للتوحيد
بالإلغاء: أي إن الأقوى يستوعب الأضعف بآليات معلومة لعل أفضل
أمثلتها الحية التي عشناها مرتين هي تكون الولايات المتحدة
الأمريكية وإسرائيل.
والسؤال:
هو كيف التوفيق بين مجرى التاريخين من حيث تعبيرهما عن الكونية
بمعنييها؟ وهل يكفي لتحقيق ذلك الرد على العولمة بمقابلة
إيديولوجيا العولمة بإيديولوجيا تناقضها أم إن العولمة من حيث هي
واقعة تاريخية لا علاج لها إلا بما هو من جنسها فيكون التاريخ
صراعا لا يتوقف بين القوى يبقي البشرية خاضعة لقانون التاريخ
الطبيعي فيمنع كل تقدم خلقي ؟ الجواب هو في بيان صلة معنيي استعمار
المعمورة الموجب والسالب أحدهما بالآخر وبه نختم القول في المسألة:
فلا تستطيع أي جماعة معينة أن تختار سياسة تخصها إلا إذا
عادت إلى الحماية لأن كل فعل صار تفاعلا عالميا. والعودة
تخرجها من السوق فتكون النتيجة عكسية. وهذا أمر تعاني منه
سياسات البلاد النامية في مشكلة الدعم والبلاد المتقدمة في
مشكلة الحقوق الاجتماعية بسبب التنافس عامة ومنافسة البلاد
الآسيوية التي غلبت الجميع بكلفة العمل المتدنية مع
الكفاءة المساوية لما في الغرب. ولعل الاحتجاج على
الليبرالية الجديدة (بالمعنى الاقتصادي الأوروبي لا العقدي
الأمريكي) دليل على عدم إيلاء هذه الظاهرة ما تستحق من
اهتمام. فنقد بورديو لهذا التوجه يبدو دفاعا عن الحقوق
الاجتماعية -وهي امتيازات بالقياس إلى ما يجري في العالم
الثالث-ضد المفعول الآسيوي: وهذه الحقوق صارت عبئا على
اقتصاديات أوروبا بمقتضى التنافس المفتوح: أنظر
مثلا هذا النص المنتخب من أحد أعماله ينقد
فيه السياسة الليبرالية الجديدة في أوروبا الغربية وصلتها
بالحقوق الاجتماعية:Bourdieu’s
criticism of the neoliberal Philosophy of Development,
the Myth of Mondialization and the new Europe (An Appeal
for the Renewal of Critical Sociology) in Facta
Universitatis
Series: Philosophy, Sociology and
Psychology Vol. 4, No1, 2005, pp. 37 - 49
من الإستراتيجيات الفعالة ما فهمته قادة
أوروبا القارية بعد الحرب العالمية الثانية. فهموا أن
أوروبا خرجت من التاريخ العالمي الذي تعولم لأنها فقدت
شروط الفعل المؤثر فيه بالقياس إلى القطبين اللذين ربحا
الحرب ولم يبق مؤثرا سواهما. لم تعد قادرة على حماية نفسها
فضلا عن مستعمراتها وعن مقاسمة القطبين الفريسة اعني باقي
العالم. فلم يحتجوا خلقيا أو يستعملوا الإرهاب غاية
للاحتجاج بل شرعوا في تحقيق شروط العودة للفعل المؤثر في
التاريخ: التحرر مما أوصلهم إلى هذه الوضعية وبناء الكيان
ذي الحجم القادر على تحقيق شروط الفاعلية التي بحجم
القطبين أعني الفاعلية التي تمسح العالم كله وأولها
المشروعات العلمية التقنية والاقتصادية والعسكرية التي من
دونها لا معنى للفعل في التاريخ.