الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

راسلنا

أرشيف المقالات
فضاء أبو يعرب


فضاء البكالوريا
مقالات ودراسات

منهج وبيداغوجيا

   


دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة


البطل المنتظر أم العمل المؤجل؟         

أبو يعرب المرزوقي[*]


                ليست ظاهرة البطولة عامة والبطولة الفردية التي تعوق الجماعة في قيامها بواجبها خاصة، بخلاف ما قد يتبادر إلى الأذهان، مجرد ظاهرة أيديولوجية سطحية. بل هي أحد المظاهر الدالة على انحراف فكري جوهري يصيب عقول الأمم فيفسد نظرية الوجود والقيمة عند نخبها وعند رأيها العام الشعبي حتى تصبح الأمة عاجزة عن القيام بدورها في التاريخ. ويتعين هذا الداء في أعماق الفكر الديني والفلسفي اللذين ينحرفان عن مقاصدهما الأساسية انحرافًا يقلبهما على عقبهما فيحول رسالة الدين ورسالة الفلسفة إلى نقيض جوهرهما:
فهما ينتقلان من التحرير الروحي والتنوير الفكري إلى الاستعباد الروحي والاستبلاد الفكري.


             ولا شك أنه ما من أمة من الأمم إلا وأساطيرها وآدابها لا تخلو من حكايات عن أعمال تتجاوز سنن التاريخ والطبيعة تنسبها إلى بعض الأبطال الذين يتصورهم الخيال الشعبي قادرين على الخوارق والكرامات. لكن ذلك غالبًا ما يكون متعلقًا بوصف أحوال الماضي السحيق تأسيًا بقصص من نسج الخيال العريق. وهو يصبح أمرًا محيرًا عندما يتحول إلى مرض عضال ينفي دور الجماعة في التاريخ وينكر انتظام العمل البشري وخضوعه إلى قوانين وسنن ثابتة متصورًا التاريخ ومعانيه ثمرة الصدف وخرق العادات.

                  ويحتاج فهم المسألة إلى تحليل ظاهرتين:  أولاهما تبين طبيعة الداء الذي ينخر حضارتنا منذ أن أهملت جوهر قيمها فأصبحت تقدم الخرافة على الحقيقة، الثانية تعلله فلسفيًا ببيان مصدره:

              فالظاهرة الأولى تتعلق بالبحث في ما يجعل الحضارة العربية الإسلامية، بخلاف ما يؤكد عليه دينها الحنيف الذي يقدم عمل الجماعة على بطولة الأشخاص، تصبح حضارة تنسب كل الأفعال إلى أشخاص الأبطال بدلاً من نسبتها إلى العمل الجماعي المنظم.

              والظاهرة الثانية تتعلق بالبحث في طبيعة العلاقة بين نسبة الفعل في أحداث التاريخ الإنساني ومعانيه إلى الإنسان سواء كان فاعلاً فرديًا أو فاعلاً جمعيًا، ونظرية القضاء والقدر المحددة للفعل الإلهي في عاملي الوجود الإنساني الطبيعي والتاريخي أولاً وبينها وبين نظرية الحتمية التاريخية في الفلسفات الغربية الحديثة ثانيًا.

              ويتقدم على هاتين المسألتين شرطًا في دراستهما وصف معالم هذه الظاهرة واستقراء سماتها العامة حتى نتمكن من فهمها وتحديد شروط العلاج المفيد لعواقبها. معالم الظاهرة وخصائصها ليس الانتباه إلى خطر هذه الظاهر ة بالأمر الطارئ في حضارتنا المعاصرة. فقد تصدى لها الفكر الإصلاحي منذ بدايات النهضة التي حاول قادتها تخليص الشعوب العربية الإسلامية من هذه العقلية، مواصلة للإصلاح «الديني الروحي» الذي شرع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية والإصلاح «السياسي العقلي» الذي شرع فيه ابن خلدون، إصلاحهما الذي تصدى لهذه الإشكالية بالنظر في ما أصاب الفكر النظري والممارسة العملية عند المتكلمين والفقهاء والمتصوفة والفلاسفة والمؤرخين، وتأثير ذلك على الرأي العام الشعبي. وكان الهدف من المحاولتين تحرير المجتمع الإسلامي من هذه العقلية المتواكلة التي فرضها غلاة الفكر الصوفي حين عمموا هذه الظاهرة في تاريخ حضارتنا إلى حد جعل خوارق الأبطال والأولياء تكاد تكون المبدأ الوحيد الذي يفسر الماضي والحاضر والمستقبل من تاريخ البشر. فبلغ الأمر بالمسلمين، في بدايات عصر الانحطاط، إلى نفي سنن التاريخ والطبيعة واعتبار كل شيء جاريًا بحسب مصادفات الخوارق والكرامات وتصرف الأبطال الحاضر منهم أو المنتظر.لكن محاولة هذين المصلحين والتصدي السياسي باشرته حركة النهضة بالاعتماد عليهما خلال قرنين كاملين لم يكادا يحققان بعض التقدم في تحرير العقليات من الاستقالة والتواكل وتقديم عمل الأبطال المزعومين على الجهد الجماعي المنظم الذي يؤكده الدين الحنيف ويؤيده الفكر الفلسفي السليم حتى طرأ ما أفسد كل الجهد النهضوي. فقد أعاد شعوبنا إلى موقف مماثل الفكر الشمولي والانقلابي الذي يدعي الثورية ويؤله من يصفهم بالزعماء وأبطال حركة التحرر القومية، فربيت الشعوب مرة أخرى على الخنوع والاستسلام بفكر يدّعي الحداثة الإنسوية والعلمانية السياسية. وها هي ذي الظاهرة تعود من جديد فتطغى في لحظات الانكسار التي يجتازها تاريخنا الحالي لتصبح سيدة الموقف. فالرأي العام الشعبي الذي عادت عقلية التواكل لتسيطر عليه ـ ولا نستثني من ذلك أغلب قياداته الفكرية ـ بات يرهن مستقبل الأمة بانتظار ظهور من يكرر بطولات الماضي (أيوبي جديد). وقد يصل الأمر بالبعض إلى انتظار ظهور بطل يكون مهديًا بالمعنيين الدنيوي والأخروي.

          طبيعة الداء:

                   من ترشيد الناس إلى تبليد هممها طبيعة الداء الذي جعل أمة، يعتبر نبيها " إطراءه" تقليدًا مذمومًا للنصارى وابتعادًا مرفوضًا عن الإسلام، تصبح نظرية البطل الذي ينوب عنها في القيام بالواجب مهيمنة على فكرها فتستسلم لكل دعي يتصور نفسه بطلاً منجيًا سواء كان في الحكم أو في المعارضة؟

                  يمكن، بالاستناد إلى التاريخ العربي الإسلامي، أن نميز صورتين ظهرت عليهما عقلية الاستسلام إلى هذا الموقع الذي كان مستندًا إلى تعليل ديني في أولاهما فصار في ثانيهما مستندًا إلى فكر علماني وأن نستخرج السمة الثابتة في كلتا الصورتين. فالصورة الأولى بدأت منذ الفتنة الكبرى كما يتبين من أدبيات الثورة على الدولة الإسلامية الشرعية في الفكرين الخارجي والشيعي المغاليين وفي سلوك الدولة الرسمية التي اعتمدت على العنف والقوة، فأدى ذلك بالتدريج إلى سيطرة المرتزقة على الحكم المركزي وتفكك أوصال الخلافة. ثم عمت هذه التصورات على الفكر الإسلامي كله بسبب عموم النحل الجبرية والصوفية خلال عصر الانحطاط. والصورة الثانية بدأت منذ الشروع في الانقلابات المرسومة بالثورية ومحاكاة الأنظمة الفاشية والستالينية في أوروبا الثلاثينيات في بناء الدولة الوطنية القطرية والتخلص النهائي من فكرة الخلافة ووحدة الأمة الإسلامية. فأدى ذلك بالتدريج إلى أمر مماثل لما حصل في المرة الأولى وإن كان الفكر المؤسس يدعي أنه علماني بخلاف المرة الأولى التي كان الفكر المؤسس فيها يدعي أنه ديني. وبذلك تكون السمة الثابتة في الصورتين الدينية والعلمانية المزعومتين هي فقدان النخب المتسلطة، سواء كانت في الحكم أو في المعارضة، للشرعية واعتمادها على فنيات العمل السياسي الشعبي العنيف الذي يستحيل فيه تحديد المسؤولية فينسب كل شيء إلى بطل كان من نسيج الأساطير الماورائية التي تستعملها حركات الشعوذة الصوفية فصار من حبك الأحابيل الدعائية التي تستعملها وسائل الاتصال الجماهيرية ومافيات الأحزاب الحاكمة أو المعارضة.

 

تعليل الداء:

           من انتظام الفعل والحرية إلى فوضى الفعل والعبودية تبين إذًا أن ظاهرة الاتكال على الأبطال المنجين مركبة ومعقدة.

            فهي تحدد طبيعة الداء الذي تعانيه حضارتنا وتوضح علاقته بالغفلة عن طبيعة الإصلاح المحمدي للفكر الديني المحـرف منزلاً كان أو طبيعيًا (إذ يبشر القرآن الكريم المنتسبين إلى أربعة أديان ـ اثنان منزلان هما اليهودية والمسيحية واثنان طبيعيان هما دين الصابئة ودين المجوس ـ بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إذا هم عملوا عملاً صالحًا وآمنوا بالله واليوم الآخر). فالإصلاح المحمدي، بخلاف الأديان المتقدمة عليه، اعتبر إعجاز الفعل الإلهي والحكمة في الطبيعة والعالم وفي الشريعة والتاريخ راجعين إلى الانتظام وحسن التنسيق وليس إلى خرق العادات ونظام الطبيعة، وأن الإيمان يعتمد على السعي الجماعي علمًا (التواصي بالحق) وعملاً (التواصي بالصبر) لكون سنن الله لن تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً.

          ومن ثم فلا حاجة إلى خوارق الأبطال وكرامات المشعوذين أو أكاذيب الطغاة وأوهام الأيديولوجيين. وإذا كان التفسير التيمي الخلدوني بداية انطلقت منها النهضة للتخلص من تفشي هذه الظاهرة في المرحلة الأولى من تاريخها السياسي والديني، فإن مؤثرات الفلسفة الشمولية المعاصرة مثلت الغاية التي توقفت عندها حركة النهضة في المرحلة الحالية من تاريخها. وإذا كانت محاولات الإصلاح الديني والفلسفي عند الشيخ ابن تيمية والإصلاح السياسي والاجتماعي عند ابن خلدون قد عللت هذه الظاهرة بخلل أصاب العقل النظري الذي انتهى أصحابه إلى القول بالجبرية، وألمَّ بالعقل العملي الذي انتهى أصحابه إلى نفي شروط علم التاريخ العقلي، فإن عودة الداء تحتاج إلى فحص وعلاج جديدين لكون التفسير التيمي الخلدوني والعلاج النهضوي لم يبقيا كافيين. 

            فالعقل العملي الكلامي الفقهي والفلسفي الصوفي في المرحلة المتقدمة على النهضة أساء فهم نظرية القضاء والقدر، فنفى عن الإنسان الفعل الحر ونسب كل أحـداث التـاريـخ الإنســانـي إلى خوارق وكرامات ينسبها إلى بعض الأفراد الذين يزعم أنهم مؤيدون من السماء.  لذلك سعى إصلاح ابن تيمية إلى تحرير المؤمنين من عبادة الأولياء والأشخاص، وسعى إصلاح ابن خلدون إلى تفسير التاريخ بظاهرة جماعية هي نظرية العصبية والوازع العقلي والديني الجمعي ليحرر حياتنا السياسية من الثورات المستندة إلى الشعوذة والتدجيل الصوفي والديني.

            أما ما حصل في المرحلة الحالية بعد تعثر حركة النهضة وإجهاضها فإن الأمر يتعلق بسوء فهم قيم الحضارة الغربية وحصرها في أدنى صورها أعني الفلسفات القائلة بالحتمية التاريخية والممارسات السياسية الشمولية المعتمدة على التجييش الجماهيري تلاعبًا باللاوعي الجمعي ونفيًا لكل عمل عقلي متزن. فحركة النهضة اعتمدت التفسير التيمي الخلدوني فسعت إلى الإصلاح بسياسة تربوية جديدة تسعى إلى إيجاد المسلم المؤمن حقًا بأن التاريخ عمل جماعي إجماعي متروٍّ لكونه ثمرة التواصي بالحق لعلمه، وتجنب الباطل، والتواصي بالصبر للعمل بالحق وتجنب العمل بالباطل: وذلك هو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعده السياسي فضلاً عن الخلقي.

          لكن الاستعمار المباشر لأغلب الدول العربية وتكون جل النخب المؤثرة على حركة التحرير العربية خلال المرحلة الفاشية والستالينية في أوروبا جعلا الفكر ينتقل من الاستناد إلى الفكر الإصلاحي الذي اعتمدت عليه النهضة إلى فكر مستورد تأثر بصفة خاصة بهذا النوع من الفكر الشمولي خلال ما بين الحربين. فعمت بلاد العرب النظريات القومية العلمانية والماركسية المادية التي تنفي كل تعال للقيم على علاقات القوة والعنف. فصار كل من يستحوذ على أدوات القوة المادية والدعاية الرمزية شبه إله يفعل ما يريد، وأصبحت السيطرة على الأجهزة المستعملة للقوة والدعاية العامتين أداة كل متزعم للحركات السياسية، قومية كانت أو اجتماعية أو حتى دينية: من هنا كان عموم الفكر الانقلابي والدعائي الذي يستهدف التغيير العنيف إلى حد اللجوء إلى الإرهاب.  

          وإذا كان أصل الداء في الحالة السابقة هو سوء فهم نظرية القضاء والقدر فإن أصل الداء في الحالة الراهنة هو سوء فهم ما يزعمون أنه نظرية علم قوانين التاريخ أو المادية الجدلية: فهم يتصورون الإنسان مجرد حيوان تحكمه آليات السيطرة على اللاوعي (بالدعاية) وعلى الجسم (بالعنف). لذلك فهم يعاملونه معاملة الحيوان الذي يروض فيأتمر من خارج مثلما تأتمر الحيوانات الداجنة.

 

خـاتـمة:

              إذا كانت الثورة الروحية التي سعى إليها ابن تيمية في الفكر الديني والثورة العلمية التي سعى إليها ابن خلدون في الفكر السياسي قد أسستا حركة الإصلاح في النهضة وإذا كان التأثر بالفكر الفاشي والفكر الستاليني قد أحبط هذا الإصلاح وكاد يقضي على إرهاصات النهضة فإن المطلوب اليوم هو:  تحليل هذه الظاهرة بعمق والتصدي لها لتخليص نخبنا ورأينا العام الشعبي من هذين الداءين لكي 1/نستأنف دورنا التاريخي الكوني 2/ونستعد للرهانات الحضارية التي تنتظرنا بروح يحدوها شرطا الاستثناء من الخسر، قال تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا* وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ* وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ* وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}  [العصر: 3].


 

[*] نشرت هذه المقالة في "مـجـلة الـمـعرفـة" عدد: 82" (= شهرية تربوية تعليمة، تصدر من وزارة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية).