معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإبداع في علاقته بعقيدة التوحيد

الأستاذ: سعيد الشبلي

بسم الله الرحمن الرحيم

    I.            تعريف الإبداع

جاء في لسان العرب: بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه أنشأه وبدأه. وبدع الركيّة[1] استنبطها وأحدثها.

البديع والبدع: الشيء الذي يكون أولا. وفي التنزيل : قل ما كنت بدعا من الرسل أي ما كنت أول من أرسل، قد أرسل قبلي رسل كثير. والبدعة الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال. ابن السكيت: "البدعة كل محدثة ..والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها وهو البديع الأول قبل كل شيء ويجوز أن يكون بمعنى مبدع أو يكون من بدع الخلق أي بدأه . والله تعالى كما قال الله سبحانه "بديع السماوات والأرض"  أي خالقها ومبدعها .. قال أبو إسحاق: يعني أنه أنشأها على غير حذاء ولا مثال. ورجل بدع وامرأة بدعة إذا كان غاية في كل شيء كان عالما أو شريفا أو شجاعا. وعرفه الراغب الأصفهاني بقوله "الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء  واقتداء، ومنه قيل ركية بديع: أي جديدة الحفر، وإذا استعمل في حق الله تعالى فهو إيجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولا مكان وليس ذلك إلا لله، والبديع يقال للمبدع نحو قوله "بديع السماوات والأرض" ويقال للمبتدع نحو ركية[2] بديع، وكذلك البدع يقال لهما جميعا بمعنى الفاعل والمفعول. وقوله تعالى "قل ما كنت بدعا من الرسل" قيل معناه بدعا لم يتقدمني رسول. وقيل مبدعا فيما أقوله. والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة. وروي كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"[3]. والإبداع بالرجل الانقطاع به لما ظهر من كلال راحلته وهزالها"[4].

يتبين من خلال التعريفات اللغوية أن مصطلح الإبداع يقصد به الإنشاء والتكوين والتخليق والصنع على غير مثال سابق كما يقصد به الإتيان بما لم يأت به الأوائل. أما الخلق والتكوين على غير مثال سابق ودون الحاجة إلى مادة أولية (الهيولي)، أو إلى صورة (العلة الصورية) يتم بناء عليها تصوير هذه المادة، فهذا شأن الله تعالى وحده الذي لا شريك له في الخلق والذي يقول للشيء كن فيكون. يقول سبحانه: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون"[5] ويقول مؤكدا على تفرّده بالخلق "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون"[6] ويقول سبحانه "والله خلقكم وما تعملون"[7]. فنبّه إلى أن فعل الخلق ليس بنفس معنى العمل، حيث أن الخلق إنشاء وتكوين في حين أن العمل مباشرة للأسباب بالأسباب وترتيب للنتائج على المقدمات. لذلك فإن المؤمنين يأنفون حقا من إضافة فعلي الخلق والإبداع إلى الإنسان باعتبارهما اختصاصا إلهيا لا يخالف فيه مؤمن، ويكتفون بإطلاق ألفاظ الصنع والاكتشاف والاختراع والتأليف على كل مجهود إنساني يأتي فيه صاحبه بما لم يسبق إليه من أنواع المخترعات والمبتكرات سواء أكانت أجهزة وآلات مادية أم أفكارا وفلسفات وأطروحات فكرية. ثم إن القرآن الكريم لم يضف خاصية الخلق والإبداع إلى الإنسان بل نفاهما عنه إلا في موضعين. الموضع الأول عند كلامه عن عيسى المسيح عليه السلام الذي كان يعرض آيات ربّه على الكافرين فذكر منها ما جاء في قوله "إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله.."[8]. ومعلوم أن فعل الخلق هنا لا يعني الإبداع ولا التكوين من عدم، وإنما يعني الصنع وتخليق هيئة خصوصية (هيئة الطير) من مادة سابقة (الطين). أما الموضع الثاني الذي ذكر فيه فعل الخلق منسوبا إلى الإنسان في القرآن الكريم فهو قوله تعالى في سورة "العنكبوت" على لسان ابراهيم الخليل عليه السلام مخاطبا قومه "إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون"[9]

فهذا العمل الذي قام به المشركون متمثلا في صناعة الأوثان وهي التماثيل التي تستصنع من الأخشاب والحجارة ونحوها، يساوقه تخليق لمعنى وهمي باطل هو اعتبار هذه الأوثان "آلهة". فهذا الاعتبار الباطل، وهذه الدعوى الكاذبة هي الإفك الذي اقتدر الإنسان على تخليقه، فكان الخلق هنا فعلا سلبيا وعملا ضالا وإضافة "بالوهم" لمعنى كاذب "إفك" لا يقبله الوجود. إن الإنسان لا يخلق إذن، فإن فعل فإنه لن يخلق سوى الإفك والباطل أي الأوهام التي يرسمها في خياله ولا يكون لها أيّ مصداق في الواقع. وهذه الملاحظة القرآنية جديرة بالاعتبار والانتباه حيث أكدت على أن الإنسان ما كان خالقا وما ينبغي له، فإن أريد على أن يكون كذلك، فليس أمامه إلا الخيال يؤلف فيه بالوهم معاني باطلة ويقلب فيه المفاهيم، وهذه الخاصية هي بالأصل خاصية إبليس الذي تصوّر بـ"الوهم" أنه "خير من آدم" لمّا ادعى أن عنصر النار خير من عنصر الطين[10]، فكان بهذا لادعاء أول خالق من المخلوقات، وكان بهذا "الخلق" أشقى الكائنات حيث ما خلق إلا وهما وما ادعى إلا باطلا.

إن فعل الخلق إذ ينسب إلى المخلوقات إذن يحيل إلى "الشيطاني" وإلى أبعاد "الكفر" و"الإيهام" وليس إلى ما يقصد به عادة من الإتيان بالجديد أو اكتشاف ما لم يكتشف من قبل. لذلك كان الفرار من ادعاء "الخلق" ومن الإتيان بـ"البدعة" علامة راسخة من علامات الإيمان القائم على الاعتراف بالبنية التأسيسية للكون على أنها بنية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فهل معنى ذلك أن الإنسان ليس جديرا بأن ينسب إلى الفعالية والابتكار والإتيان بكل ما هو جديد؟ والجواب بالنفي، فالإنسان مخلوق آتاه الله قدرات التركيب والتأليف والتحليل والاختراع والإنتاج، بها يمتاز الألمعيون والنوابغ من بني جنسه على بعض. فإذا حُمل الإبداع على أنه بنفس هذه المعاني فإنه يصبح عندئذ مفهوما. وقد يكون من الأليق بالمؤمنين وصف المجدّدين بصفات المؤلّفين والمخترعين وما في حكمهما فذلك أولى من وصفهم بكونهم مبدعين.

II.            القراءة التوحيدية القرآنية لمعنى الإبداع

تبين لنا أن الإبداع إذا تنزل ضمن المجال الإنساني يقصد به التأليف والترتيب والتوحيد وجمع شظايا أو قضايا بعضها إلى بعض. فمجموع الشظايا المادية تركيب مادي جديد ولا شك هو آلة أو بناء أو ما سواهما. ومجموع القضايا إذا ألّفت فتآلفت، نظريات جديدة ومفاهيم مبتكرة وفلسفات جديدة تحاول في "علم المعنى"، وترقى بـ"الفهم" إلى حيث لم يكن يخطر بالبال أن يرقى.

لذلك نؤكد أن المفهوم الأساسي والمركزي الذي وصف به القرآن الكريم الإبداع الإنساني كونه عملية تأليف لمتناثرات وتوحيد لمتفرقات، ودمج بالوعي لمختلفات كلّ ذلك ضمن منهجية توحيدية هي أيضا منهجية علمية بامتياز.

ومن خلال تدبر آيات القرآن الكريم تبين لنا أن نظرية الإبداع الإنساني" تتأسس على مبادئ ثلاثة جديرة إذا ما تمّ الوعي بها ثم التفاعل معها وتوظيفها بأن تمكّن من تفعيل القدرات والكفاءات الإنسانية، وأن ترقى بهذا المخلوق نحو آفاق بعيدة من الإنتاج والعمل والإنجاز. وهذه المبادئ الثلاثة هي:

مبدأ الفضل الإلهي أوّلا، ومبدأ العلم ثانيا ثم مبدأ الفهم ثالثا ومكمّلا

1)   مبدأ الفضل الإلهي

يقول تعالى في سورة هود مخاطبا البشر "وأن استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولّوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير"[11].

تشير هذه الآية الكريمة إلى أن ما تفضل الله سبحانه به على الناس حيث هيأ لهم عطاء محسوبا هو عطاء ربّك الذي أمدّ بع الكافرين والمؤمنين على السواء "كلاّ نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا"[12]. صحيح أن هذا العطاء هو بالنسبة للمؤمنين "متاع حسن" يحسن بإيمانهم المقتضي لرؤيتهم لنعمة الله تعالى عليهم، ولاستمتاعهم بها طيبة خالية من خبث الشيطان، في حين أنه بالنسبة للكافرين "عطاء" يأخذونه غافلين عن مصادره وعن وجه الحق فيه، إلا أنه في كل الأحوال عبارة عن تمهيد أول مهّد الله به للإنسان أسباب الحياة والبقاء، وهيأ له من دواعي المتعة والراحة ما لا ينكره منكر. إن فضل الله تعالى على هذا المستوى يستوعب النعم التي تتنزل من السماوات وتخرج من الأرض وما يتوزع بينهما. تلك النّعم التي تتحد ضمن نعمة واحدة لتؤهل الإنسان وتضمن له حياة كريمة فوق الأرض.

ذلك هو معنى "المتاع الحسن" المذكور في الآية الكريمة، فإذا انتقلنا الآن إلى قوله تعالى "ويؤتي كل ذي فضل فضله"، فسنتبين من خلاله الوجه الثاني للفضل الإلهي على الإنسان، وهو ما أهّله به سبحانه من القدرات وما فطره عليه من الكفاءات، فأصبح عالما بعد أن خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا، وأصبح صانعا عليما بأسرار المادة وكيفية الصناعة والزراعة وغيرها بعد أن كان لا يعلم من كل ذلك شيئا، باختصار إن المخلوق الذي خلق من نطفة أمشاج أصبح قادرا بعد جعله الله سميعا بصيرا على علم ما لم يكن يعلم، وعلى فعل ما لم يكن يقدر أن يفعل. إلا أن الله تعالى إذا كان تفضل على نوع الإنسان مطلقا بعطائه، فإنه قد خصّ كل فرد من أفراد هذا النوع الكريم بفضل أو أفضال خاصة لم يجعلها في غيره هي له كالبصمة الخاصة التي لا يحملها معه مخلوق آخر من بني جنسه. فالله تعالى خص هذا الإنسان بكفاءات علمية يندر أن تتوفر في غيره، فإذا سلّطها ضمن مجالاتها المطلوبة واستعملها على وجه نافع صحيح أثمرت له معارف وعلوما ما كان يعلمها، وآلت إلى أن تنفعه وتنفع بقية أفراد نوعه. أما الفرد الآخر من بني البشر فقد خصّه الله تعالى بكفاءات ومهارات عملية يقتدر إذا وظفها أن يؤثر في كل ما يحيط به، وأن يجعل الأرض الجرداء جنات خضراء،واليباب عمرانا...وهكذا فلو دققنا النظر لوجدنا أن الله سبحانه قد وضع في هذا من الأسرار ما لم يضعه في ذاك، وأنه سبحانه قد سبق في علمه وقضائه أن يكون فضل هذا غير فضل ذاك، وهي أفضال لئن تغايرت من حيث النوع فإنها تلتقي في كونها مواهب ومهارات هي عطاءات أولية من عند الله سبحانه ما على الإنسان إلا أن يحسن استثمارها وتوجيهها واستعمالها فيما جعلت له ليتبين نفعها وتظهر فائدتها. إن مواهب الجليل لم تكن في أيّ يوم من الأيام لعنة على الإنسان بل كانت ولا تزال مِنَنًا من الرحمن إلا أن أكثر الناس يضيّعونها بكفرهم ويسيئون استخدامها باستكبارهم وضلالهم فتضيع ثمرتها وقد تصبح وبالا وما أريد بها إلا أن تكون نِعما وأفضالا. يقول سبحانه "ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار"[13] .

لقد مكّن الله تعالى  إذن كل إنسان من بعض الكفاءات والمواهب الخاصة فهذا أوتي قوة التحليل،وهذا أوتي قوة التأليف،وهذا أوتي صوتا حسنا، وهذا أوتي بسطة في الجسم ...والمطلوب من كل واحد منا أن ينظر بعمق في نفسه وما أهّله الله تعالى له. ذلك أن تحديد الإنسان لكفاءاته الذاتية واقتداراته الخاصة أي معرفته بالفضل الذي فضّله الله تعالى به، يسمح له بأن يباشر استخدام ذلك الفضل وأن يبني حياته الدنيوية على قاعدة الاستثمار له والانتفاع به وبما يؤهله له من آفاق وإمكانات هي عسيرة المنال على من لم يؤت مثلما أوتي هو. إن تحديد الإنسان لكفاءاته الخاصة تحديدا إيمانيا قائما على رؤية نفسه بالحق وليس تحديدا استكباريا قائما على الأوهام والادعاءات يسمح له بتحقيق أفضل النتائج ويمكّنه من أن يؤسس لنجاحه الذاتي والاجتماعي على قاعدة متينة.

إن ما نشهده في فترات الانحطاط الحضاري من انهيار شخصيات البشر ونزولهم إلى هاوية الإسفاف والادعاء والضحالة وكل أنواع العطالة، إنما منشؤه الغفلة عن مباشرة ما أهّلهم الله تعالى له والتلهي عوضا عن ذلك بما لم يُمكَّنوا فيه ولا جعلوا له. ولنلق نظرة إلى ميادين الحياة والعمل المختلفة إذا شئنا، فإننا سنجد أن أغلب البشر قد انتهوا وبفعل الإضلال والتزيين والكبر الشيطانية المصدر، إلى التلهي بما كان يجدر أن يبتعدوا عنه، وإلى ادعاء الكفاءة في ميادين هم أبعد الناس عن إتقانها ناهيك عن ادعاء الإبداع فيها. كم من حامل قلم يزعم أنه كاتب لا يجارى في كفاءات التحليل والتأليف وكان الأجدر به أن يكون تاجرا أو فلاحا حيث لم يوهب من كفاءات الكتابة شيئا، وكم من تاجر يزعم أنه بأسرار التجارة فاهم وبفنونها خبير، وليس له من قوله سوى الادعاء، وكم من سياسي يريد أن يسوس الناس ويصبح وليّ أمرهم وهو عن سوس نفسه عاجز وعن تدبير شأن أهله أعجز..حقا إن الغفلة عن الوعي الحقيقي الإيماني بفضل الله تعالى كفيل بتضييع ثمرة الاجتماع الإنساني، وبأن يحيل حياة الإنسان إلى الدمار وأن يحلّه دار البوار، وكان قادرا فيم لو صدق على أن يجعل سعيه مشكورا وعمله ناجحا ورزقه موفورا. لذلك نؤكد على أن الشرط الأول والقاعدة الثابتة التي يقوم عليها الإبداع تنهض على وعي الإنسان بكفاءاته ومهاراته ومواهبه وعيا إيمانيا صادقا واقعيا لا ادعاء فيه ولا ضلال. إن الله تعالى الذي خصّ هذه الأرض بنعمة الماء، وخصّ الأخرى بنعمة الأنهار، وخص أرضا أخرى بنعمة الثروات الباطنية المعدنية وسواها.. قد خصّ كلّ إنسان أيضا بنعمة متميزة. وإذا كان ساكن الصحراء القاحلة الذي وهبه الله تعالى أرضا غنية بثرواتها الباطنية يصبح جاهلا لو تغاضى عن كل تلك الثروات، وأصر في المقابل على أن تكون أرضه مثل الأراضي التي تنزل عليها الأمطار ليل نهار، فإن من أوتي نعمة العلم مثلا يصبح  جاهلا أيضا إذا أصرّ على أن يصبح تاجرا من أخطر التجار لا لشيء إلا لأنه استهوته شهوة جمع الأموال وتحقيق المكاسب.

لقد تحدث مالك بن نبي عن التراب (الأرض)، باعتباره أحد عناصر ثلاثية صانعة للحضارة هي الإنسان والوقت والتراب[14]؛ وفي تقديرنا أنه يقصد به ما قصدناه بالفضل الإلهي مع فارق توسعنا في فهم المسألة من خلال ما جاءت به الآيات القرآنية الكريمة.

كيف يحسن الإنسان استثمار ما فضله الله تعالى به؟ وكيف يفعّل طاقاته النظرية والعملية، ويحيي قواه الروحية والجسمية فيصبح من أهل الاستجابة والإبداع ويتخلص بالتالي من أدران النكوص والتقليد والإتباع؟ سرّ ذلك يكمن في وعيه ثم في تفعيله لمبدأين أساسيين يؤلفان في تقديرنا نظاما واحدا هو ما يمكن أن نسميه النظام التوحيدي في الفعالية والإبداع والتحضر.

 2مبدأ العلم:

يقول تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جُدَد[15] بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور"[16].

تكشف هاتان الآيتان من سورة "فاطر" عن"فطرة" الكون التي فطره الله عليها، وعن نظام الخلق الكوني الذي انتظم العالم بحسب خطة إلهية بديعة محكمة. والقاعدة التي يقوم عليها هذا النظام الكوني المحكم هي قاعدة: الاختلاف والتعدد الظاهر الذي تحكمه وحدة الأصل والباطن. فالله تعالى أنزل من السماء ماء وهو عنصر واحد لا لون له أودع فيه سبحانه سرّ الخلق، فلا يمرّ بشيء إلاّ أحياه ولا يخالط شيئا إلا ويظهر أسراره وما أودع الله تعالى فيه من حقائق وخواض تميزه عن سائر موجودات العالم الأخرى. هكذا يخالط الماء تراب الأرض فيخرج منه ثمرات مختلفة الشكل واللون والطعم رغم أنها تلتقي جميعا في كونها ثمرات وطيبات. هنا أيضا تستعاد آلية التنوع الظاهر القائم على وحدة الباطن، والتعدد الذي أساسه مبدأ واحد. ولو تأملنا للاحظنا أن الثمرات مختلفة الألوان والتي تنشّأت من الماء، قد خُلقت بحيث تكون مسخرة للإنسان يتغذى منها بدنه بسائر أجزائه وأجهزته، فيأخذ كل جهاز ما يحتاجه من مواد هي وحدها غذاؤه المحيي ويترك الباقي لبقية الأجهزة، وهكذا في دورة حياة فريدة ومنهج محكم لا يخلّ . إن الثمرات مختلفة الألوان والتي هي مجلى لوحدة الأصل رغم تنوع المظاهر وتعددها تحيل  كما تنبه الآية الكريمة على نفس النظام والترتيب ولكن ضمن مجلى آخر هذه المرة: إنه الجبال. فالجبال أيضا منها جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب[17] سود. هنا نحن أمام المادة الصماء التي قد توحي صلابتها بالثبات وعدم الخضوع لأي تعديل أو تحويل، إلا أن الله تعالى ينبه إلى أن هذه الجبال العظيمة الكتلة يحكمها نفس النظام: وحدة الأصل الترابي مع التنوع في الأشكال والألوان والأحجام وسائر الصفات الأخرى ما علمنا منها وما لم نعلم.

وبعد أن يجلي الله سبحانه وحدة قانون الخلق الكوني القائم على وحدة الأصل وتنوع الظاهر ضمن مجالي الثمرات ثم الجبال، يوسّع سبحانه من مجال الرؤية بالحق لينبه إلى أن فعالية هذا القانون وحتميته لازمة وقائمة في عالم البشر والدواب والأنعام "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك". هكذا يتجلى نظام الخلق الكوني: ثمرات مختلف ألوانها متعددة أشكالها، تؤوب جميعا لو حققنا إلى أصل واحد هو الماء. وجبال حمراء وجدد بيض وغرابيب سود لئن اختلفت لونا فهي من أصل ترابي واحد، ثم وضمن مجلى كوني آخر هو الإنسان، تستعاد نفس الآلية التكوينية، فمن الناس الأبيض والأحمر والأسود وهم جميعا يرجعون إلى نفس واحدة "الذي خلقكم من نفس واحدة"[18]، لا بل إن هذه النفس الواحدة لئن تشكل نسيج بدنها من خلايا متعددة وأجهزة مختلفة، ونظم عجيبة هي آيات مذهلة ضمن نظام الخلق الإلهي، تؤوب في الحقيقة إلى أصل واحد يجمعها مع الجبال هو التراب، ومع الثمرات هو الماء. فمن نفس طين الأرض الذي تشكلت منه الجبال، ومن ذرات الماء الذي أحيا الله به كل شيء، خلق الله الإنسان ليكون أحد عناصر هذا الكون ينتمي إلى نفس مادته وإلى نفس قانونه، على أن الإنسان ليس وحده المخلوق من طينة الكون التكوينية الأصلية، فالدواب والأنعام بكل تشكلاتها إنما خلقت من نفس الطينة ونسجت خلاياها من ذات المعين الأول. إنه المبدأ الواحد الذي يفسر كل شيء في الكون ما ضؤل منه وما كبر، وما خف منه وما ثقل، ما لطف منه وشفّ، وما تكثّف منه. وعندئذ، فإن العلم بالكون مهما لجّ في العمق، وشارف أقطار الذرات التي لا ترى، أو تطلّع إلى النجوم الضخمة التي تملأ أجواء السماء، لن يخرج أبدا عن تأكيد هذه الآلية: وحدة الأصل المؤسسة للكثرة الظاهرة ولكل أشكال التنوع الذي اصطبغت به المخلوقات. إن هذا النظام الذي يؤول بالكثرة إلى الوحدة هو المبدأ الأساسي الجامع، وهو المفتاح الذي يسمح بفكّ شفرة النظام الكوني، وهو بالتالي قاعدة تأسيس العلم لمن أراد أن يكون من العالِمين. إن العلم بالأكوان بما فيها الوجه الكوني للإنسان، مهما تنوعت فروعه وتعددت مجالاته الرياضية والفيزيائية والفلكية وغيرها..ينبني على هذا المبدأ الرئيس وهذه الحقيقة التي لا يمكن أن ينكرها إلا جاهل، و"إنما يخشى الله من عباده العلماء" أما الجُهّال الذين لا علم لهم فأمرهم إلى الله يتولى من شاء منهم بعزته فيهلكه ومن شاء منهم برحمته فيعفو عنه.

إن قاعدة الوحدة الجامعة للكثرة والمؤسِّسة لها، والتي هي روح عقيدة التوحيد، هي المبدأ المؤسس لأي إبداع إنساني على مستوى العلاقة بالكون فهما، وعلما، واستفادة واستثمارا. فلا مجال أبدا لولوج هذا الكون والتفاعل مع ما خلق الله فيه والتطلع إلى أسراره إلا من خلال استعمال الكلمة المفتاح: وحدة الأصل المكوّن الذي هو سرّ تعدد ما تعدد وتنوع ما تنوع. فكل كثرة إلى الوحدة تؤول، وكل الألوان إلى الأبيض تؤوب.

 3مبدأ الفهم

قال تعالى: "أمن هو قانت[19] آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب"[20].

تبين لنا أن أساس العلاقة الإنسانية الصحيحة مع الكون والمحققة للتفاعل مع ما خلق الله تعالى في السماوات والأرض والاستفادة مما سخر فيهما، هو اعتماد مبدأ العلم الذي يقوم على عقيدة واحدة أصلية هي أم الحقائق الأخرى ومنبعها وهي جوهر كل فهم وأساس كل قانون يمكن اكتشافه بعد ذلك تلك هي عقيدة التوحيد ومضمونها: كل كثرة إلى الوحدة تؤول، ومختلف الألوان والأشكال سواء أكانت ضمن مجلى واحد أو ضمن مجال مختلفة، تنبع من أصل واحد وتلتقي في بنيتها التأسيسية عند سر تكويني واحد.

فإذا عرف سر التكوين ولا يكون إلا واحدا، انفتح باب الفهم وتأسست الرؤية العلمية المنتجة لمختلف التفاعلات الإيجابية والتي هي سرّ الاستثمار الفعلي والجباية الناجحة لثمرات الكون.

هذا المبدأ المؤسس لنظام العلم لئن أمكن من التفاعل مع الكون والنفوذ إلى أسرار المخلوقات البديعة التي بثها الله تعالى في السماوات والأرض والانتفاع بما أودع الله فيها من خيرات وثمرات، ليس كافيا لإتمام مسيرة الإنسان الوجودية بنجاح، لأنه لئن أدى إلى العلم بالأكوان فهو يحتاج إلى نظام آخر يدعمه ليهدي إلى العلم بالمبدأ الأصل، مبدأ كل شيء ومنتهاه، أصل كل شيء كان ويكون، خالق كل الأكوان من دق منها وضؤل وما تضخم منها وكبر، ذلك رب العالمين.

ويقوم مبدأ الفهم في الحقيقة على أساس علمي متين، فالإنسان العالم (بعلوم الأكوان) عندما يستيقن مبدأ العلم الذي ذكرنا، ثم يفكر ويتدبر حقيقة ما وعى بوعي جمعي تأليفي، يستنتج أنه إذا كان كل مجلى كوني تؤول كثرته إلى أصل واحد، ثم إذا كانت كل المجالي الكونية وعوالم المخلوقات مهما تنوعت ترجع إلى أصل واحد، فلابد أن هذا الكون كله "السماوات والأرض" ترجع إلى خالق واحد هو رب السماوات والأرض. ذلك ما اهتدى إليه وعبر مسار تأملي منهجي إبراهيم الخليل عليه السلام الذي لم يملك عندما اختبر الأكوان ضمن مستويات مختلفة إلا أن يصرخ في النهاية مسلّما "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين"[21]

والحقيقة أنه إذا كان نظام العلم (مبدأ العلم)، يكشف عن العلة الصورية للكون، فإن نظام الفهم يكشف عن العلة الغائية لنفس هذا الكون، أي عن الهدف الذي من أجله خلقت الأكوان وسخرت لهذا النوع المكرّم الشريف الذي يطلق عليه اسم الإنسان. واكتشاف العلة الغائية من وجود الموجود لمّا كان هو الهدف المنشود، فإن الله تعالى لم يترك الإنسان يعاني هذه المهمة وحده ويختبرها بدون سند ولا معين، بل نزّل عليه هدايات من عنده هي آياته وكتبه السماوية التي أكد من خلالها الخالق العظيم على أنه خالق السماوات الأرض وما بينهما، وأنه هو خالق الإنس والجان، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليعبده وأنه سوف يبعثه  بعد موته ليحاسبه على مسيرته وإنجازه على مستويي العلم والفهم معا.

إن مبدأ الفهم ينطلق بعد الإسراء الكوني ضمن مبدأ العلم، ليكون بمثابة المعراج نحو السماء، نحو الإله الأول الخالق مبدأ كل مبدأ وغاية كل مسعى. فإذا ربط الإنسان الأرض بالسماء، والحياة الدنيا بالآخرة، ووجوده بالتالي بربه، فإنه سيلتزم بالموقع الحقيقي الصادق الذي عليه أن يلتزم به وهو موقع العبودية لله تعالى. ولا معنى للعبودية سوى كونها طاعة وخضوعا أي سجودا بكل الكيان لهذا الإله وطلب مغفرته ورضاه.

إن نظام الفهم المتضامن مع نظام العلم والذي يهدي الإنسان إلى عبوديته بعد أن هداه نظام العلم إلى كرامته، هو الكفيل بتحقيق أقصى طموحات الإنسان فوق الأرض وأعظمها قدرا تلك هي عزة الإيمان.

ذلك أن كرامة الإنسان التي يهتدي إليها إذا نظر في الأكوان بعين العلم فرأى أنها تؤول بالتسخير إليه وتجبي ثمراتها فتجعلها بين يديه، تحتاج لكي تصبح حقيقة راسخة إلى موقع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الموقع بالنسبة للإنسان واحد وحيد هو موقع العبودية، ولا عبودية إلا بالإيمان بالله الواحد الديان الذي سوف يبعث الإنسان ويحاسبه محاسبة الرب العظيم للعبد الفقير.

فإذا انتظم الإنسان ضمن هذا الفهم وانخرط في نظامه، فإنه سيجتهد في ممارسة العبودية والقيام بأعبائها وأخطرها إقامة الصلاة. تلك الصلاة الساجدة الخاشعة التي يؤديها عبد وعى عبوديته واستيقن أنه محاسب في آخرته، هي أرقى ما يمكن أن يصل إلى بشر من الفهم، فهم يجعله يفارق الأكوان ليناجي ربّ الأنام، ويركب حصان الزمان (الليل والنهار) ليتطلع إلى الأبدية والخلود باعتباره منتهى دورة الزمان. عندئذ تصبح الرحمة، رحمة الله تعالى ، أعز مطلوب وأغلى مرغوب. تلك الرحمة التي مضمونها هداية وتوفيق ثم وهذا هو الأهم، النجاة، هي أعظم وأعز ما يطلبه الإنسان ويرجوه من ربه إذ لا معطي له سواه.

هكذا، ومن خلال ضمّ نظام الفهم الذي قوامه التعلق بالخالق الديّان،إلى نظام العلم الذي مضمونه التعلق بالأكوان، يحقق الإنسان نوعين جوهريين من التفاعل، تفاعل أول مع الأكوان وتفاعل ثان مع الله تعالى (رب الأكوان) فتصبح فعاليته الكونية والوجودية أرقى الفعاليات، ويتمكن من تحقيق أعظم الإنجازات: صلاح الدنيا، و النجاة في الآخرة.

إن الإبداع ضمن الرؤية التوحيدية لا يمكن أن يكون سوى هذا التوحيد الناجح بين نظامي العلم والفهم ضمن معتقد واحد ومسيرة واحدة و فهم واحد. ذلك أن اكتشاف مفتاح العالم الذي يمكّن من الولوج إلى أسراره والاستفادة من ثمراته وخيراته ليس كافيا، فقد بقي على الإنسان أن يخرج من هذا العالم خروج الناجين لا خروج المدمَّرين ، ولا سبيل له إلى هذا الخروج الآمن إلا عبر استعمال نظام الفهم؛ ولا فهم إلا من خلال ربط الحياة الدنيا بالآخرة والزمان بالأبدية.

يقول تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"[22]

إن فعالية الإنسان واستثماره لطاقاته وكفاءاته وقواه وقدراته، لتبلغ القمة عندما يستوعب مبدأي العلم والفهم كليهما، فينفذ بالعلم إلى الأكوان يأكل من كل الثمرات، ثم يعرج بالفهم إلى رب الأكوان فيقنت خاشعا طائعا خاضعا، فيحيا بالعلم والفهم معا جسمه وروحه معا.

فما أشرفه من توحيد، و ما أعظمه من اجتهاد لا يبلغه إلا من ألقى السمع وهو شهيد، أما سائر الناس فهم إما منهمك ضمن مبدأ العلم يسعى إلى استهلاك ثمرات الكون مكتفيا بها، مستغنيا بها عن الآخرة، فهو لا يلبث أن يسقط صريع انحصاره هذا وضيق أفقه، فينغلق عليه هذا الكون ويطويه التراب ليؤول إلى التراب. فإذا بعثه ربه يوم القيامة فلم يسعفه الفهم بشيء وهو الذي ضيّعه فعندئذ يقول "يا ليتني كنت ترابا"[23]. وأما من ادعى الفهم بدون علم، فيوشك أن يغلب على دعواه، وأن يبدي ظاهره بفقر باطنه فهو على خطر عظيم، وكيف لا يكون على خطر من ادعى الفهم بدون علم، وهل الفهم سوى علم هو أرقى أنواع العلوم وأشرفها؟ إن الذين يفهمون هم وحدهم في الحقيقة الذين يعلمون، لذلك قال تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون".

غلام حليم وأخ له عليم

لقد وهب الله تعالى أبانا إبراهيم الخليل عليه السلام غلامين أولهما حليم هو إسماعيل  الذي قال فيه سبحانه "فبشرناه بغلام حليم"[24]، و ذلك بعد أن دعا ربه قائلا "رب هب لي من الصالحين"[25] و الثاني عليم وهو إسحاق عليه السلام الذي قال فيه سبحانه " قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم"[26] و قال أيضا "قالوا لا تخف و بشروه بغلام عليم"[27]

وبالحليم والعليم معا اكتمل ميراث الخليل عليه السلام الذي جعله الله للناس إماما، فكان العلم في ذرية الغلام العليم يفتحون من أبوابه على أقدار، وكان الخطر الذي تهددهم دائما أن يأخذوا بالعلم ويغفلوا عن الفهم فيضيعوا إيمانهم بأيديهم. أمّا وقد فعلوا، فإنهم غرقوا في المادية، ولم ينفعهم العلم الذي ورثوا مفاتحه إلا كما نفعهم الكتاب الذي نسبوا إليه[28] ولم يأخذوا بثمرته. فلما رأى منهم الحق سبحانه ضلالا في الفهم حرمهم ميراث النبوة، وجعل الكتاب في الأمة الأمية من ذرية إسماعيل الغلام الحليم عليه السلام. فكان لهذه الأمة من بركات الحلم والعلم معا نصيب وافر اطمأنت به الأنفس وتحضرت فيه الإنسانية وتقدمت البشرية في مراقي الحق والخير والجمال أطوارا. تلك أمة وصفها الله تعالى بقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون"[29]

فتبين أن بلوغ مرحلة التحضر التي هي مرحلة الإبداع بامتياز سواء على مستوى الأنفس الفردية التي تتأهل لمراتب النفس المطمئنة، أو على مستوى الحياة الجماعية التي ينتظمها مسمى "خير أمة أخرجت للناس"، إنما يتم بالجمع بين وصفي العلم والحلم معا مع مركزية وأولوية الحلم. إن "الحلم" صفة جامعة لمكارم الأخلاق، وهو أقرب الصفات الدالة على الرشاد والفهم ونضج ملكة العقل. وأهم ما يميز الحليم إحسانه معاملة الخلق، وهو لا يكتسب هذا إلا من إحسانه معاملة الحق سبحانه. فدل الحليم بحلمه على علمه وفهمه معا. فكان ظهور الحلماء بذلك أكبر تعبير عن النضج النفسي والعقلي الذي يهيئ لتحقيق كل أنواع الإبداع والفعالية، ويسمح باستثمار كل الطاقات والإمكانات، وتوظيف كل الكفاءات

والأفضال التي تفضّل الله بها على عبيده.

وإذا كان العلم يرتبط باستثمار خيرات الأرض وما أودع الله في الأكوان من خيرات وأخصها مادة "الحديد" التي أودع الله فيها بأسا شديدا ومنافع للناس،[30] فإن الحلم صفة تقوى وتزداد بإقامة الصلاة. فكلما ازدادت صلة الإنسان بربه قوة، ازداد اقتدارا على ممارسة الحلم  مصداقا لقوله تعالى: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون "31. لذلك كان أخصّ ميراث أمة الحلم وهي الأمة الأمية، من أبيها إبراهيم عليه السلام "إقامة الصلاة"؛ حيث دعا قائلا "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة"32، فتأكد أن معادلة الحضارة وبالتالي معادلة الإبداع هي معادلة الحلم والعلم. وأن الحلم هو المؤسس لكل بنيان العلم، وهو الذي يمكّن من نيل الثمرات إذا توفر. ولنتأمل دعاء الخليل عليه السلام " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون"33.فما هوت إليهم أفئدة الناس إلا لعزتهم و ما رزقوا من الثمرات إلا لكرامتهم فنالوا بالحلم أغلى ثمرتين يسعى الإنسان إلى اكتسابهما: ثمرة العلم المحققة لكرامة الإنسان و ثمرة الحلم المكسبة لعزة الإيمان.

إن الأمّة الأمية التي تسعى اليوم بعد أن فقدت بدورها شروط الإبداع وانهارت، وأصبحت مراقي التحضر دونها العقبات الكؤود، وضمر حظها من الفعالية، وأصبح الناس فيها أمواتا أو كالأموات،إلى استعادة الفعالية الحضارية، وإلى إعادة تنشيط الإنسان وتحريك سائر قواه ليبدع ويعمل وينجز، مضطرة إلى إعادة قراءة شروط الإبداع على أساس قرآني لتفقه أن معادلة الإبداع بالنسبة إليها تكمن في كلمتين: الحلم الناشئ عن إقامة الصلاة والعلم الناشئ عن النظر في الأكوان والتفاعل معها بروح التوحيد.

أما أخطر ما يتهدد المسلمين اليوم فهو توهم أن الإبداع نتاج مبدأ العلم وحده ونسيان مبدأ الفهم الذي يربط الإنسان بعالم الغيب ويصله بالحقيقة في مطلق أبعادها، عندئذ تصبح الأزمة مضاعفة والجهل مركّبا، وتفقد هذه الأمة لا فضيلة الحلم وحدها بل فضيلة العلم أيضا، فقد قضى الله أنها لا تعلم حتى تحلُم، وتلك حكمته، و ذلك ميراثه يقسمه كيف يشاء.

وفيما يلي تفصيل هندسي لنظريات الحلم والعلم ثم لنظرية الإبداع على وجه الإجمال.

v  نظرية الحلم:

  

 

 

 

 


 

v  نظرية العلم:

 

 

 

 

v  نظرية الإبداع:

الصورة عدد1:                 عالم الغيب

                                                     

Text Box: مراتب ودرجات مفتوحة للترقي

  

 

 

 


 

الصورة عدد2:

الثمرات

الصلاح – الفلاح - النجاة

 

              مبدأ العلم                                       مبدأ الفهم

 

 

 

 

v  الخلاصة  نخلص الآن  إلى تعريف الإبداع على النحو التالي: الإبداع هو استثمار الفضل الإلهي بهمة عليّة.

أمّا الفضل الإلهي فقد أوضحنا معناه، وبقي أن نوضح المقصود بالهمة العليّة فنقول إن الهمة العليّة هي إحدى ثلاث همم تتوجه على القصد الإنساني فتصرّفه وهذه الهمم الثلاث هي: الهمة الدنيّة والهمة المادية والهمة العليّة.

وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الهمم الثلاث في سورة الجمعة في قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين" 34 .

إن أهل الهمة الدنية هم أهل اللهو الذين استهوتهم شهوات الحياة الدنيا فشغلوا بها عن ذكر الله وعن الصلاة. أما أهل الهمة المادية فهم أهل التجارة من طالبي الغنى الساعين إلى كنز الأموال والاستكثار منها. وهم لئن بذلوا في سبيل مطلبهم هذا شتى الجهود، فإن جهودهم لا تغني عنهم من الله شيئا إذ تدنّت همتهم ورضوا بالحياة الدنيا وفضلوها على الآخرة فآل أمرهم إلى إحباط عملهم، إنهم باختصار "الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". وهذا التقييم القرآني لئن صدق على طالبي الأموال فهو على طالبي الشهوات أصدق. وقد يمكن أن نقول إن أصحاب الهمة الدنية وأصحاب الهمة المادية نوع واحد في الحقيقة لأنهم جميعا أهل دنيا لا التفات لهم إلى الآخرة. أما أهل الهمة العليّة فهم الرجال الذين يقدّمون ذكر الله تعالى على ذكر ما سواه، وهم الذين مدحهم الله تعالى في قوله :" في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب" 35. وقال فيهم أيضا :" من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "36

34 سورة الجمعة :الآيات 9- 11

35 سورة النور : الآيتان 36_37

36 سورة الأحزاب: آية 23

هل نحن الآن بحاجة إلى القول إن شرط الإبداع الأهم والأخطر ظهور الإنسان ذي الهمة العليّة الذي تجاوز بإيمانه (الفهم)، وعلمه (العلم)، هاوية الانحطاط والتخلف العقلي والنفسي وبالتالي الاجتماعي والحضاري، الذي لامناص منه لمن كانت همته دنيّة مادية.


 

[1] - الركية: البئر

[2] - ابن منظور – لسان العرب – بيروت – دار صادر – مجلد8: ص ص 6-8 (مادة بدع)

[3] - الحديث روي بطرق مختلفة ومنها : عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن أفضل الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة – سنن الدارمي : 1/236

[4] الراغب الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن: ص ص 49_50

[5] - سورة يس : آية 36

[6] - سورة لنحل – آية 17

[7] سورة الصافات – آية 96

[8] - سورة آل عمران: آية 49 ،وفي سورة المائدة "وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طائرا بإذني: آية 110

[9]- سورة العنكبوت –:آية 17

[10] - قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين: سورة الاعراف : آية 12

[11]  سورة هود : آية 3

[12] - سورة الإسراء :  آية 20

[13] - سورة ابراهيم : آية 28-29

[14] - أنظر مالك بن نبي – شروط النهضة : ص 45

[15] - جدد: الجدد : الخطط والطرق تكون في الجبال خطط بيض وسود وحمر كالطرق واحدتها جُدّة، لسان العرب – مجلد 3ص 108

[16] - سورة فاطر – آية 27-28

[17] - غرابيب: قيل جمع غربيب وهو ضرب من العنب شديد السواد وهو من أجوده" سميح عاطف الزين – معجم تفسير مفردات القرآن الكريم – بيروت الدار الافريقية العربية -2002 :ص 641

[18] - سورة النساء : آية 1

[19] -القنوات: لزوم الطاعة مع الخضوع- سميح عاطف الزين – معجم تفسير مفردات ألفاظ القرآن : ص 739

[20] - سورة الزمر : آية 10

[21] - سورة الأنعام – آية 80

[22] - سورة فصلت – آية 39

[23] - سورة النبأ – آية 40

[24] - سورة الصافات : آية 101 والحلم الأناة والعقل-لسان العرب 12/146

[25] - السورة نفسها : آية 100

[26] - سورة الحجر :آية 53

[27] - سورة الذاريات :آية 28

[28] - –إن أبناء إسحاق هم أهل الكتاب المذكور في القرآن الكريم ثم انضاف إليهم النصارى لما آمنوا بعيسى عليه السلام

[29] - سورة آل عمران : آية 110

[30] - ليس من المصادفة  أن نجد أهل الكتاب يستقوون اليوم بالحديد وقد نفذوا إلى ما أودع الله فيه من بأس ومنافع فسخروه للسيطرة على البشرية واستنفاد ثمرات  الكون بكيفية استهلاكية مريعة، وهيمنوا بالاستكبار على الناس، ناسين ما توعدهم الله به في آخر سورة الحديد نفسها حيث قال سبحانه: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. سورة الحديد الآية 28

31 سورة الذاريات : آية 13

32 سورة ابراهيم : آية39

33 السورة نفسها والآية

 

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي