



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
هذه ورقة الأستاذ أبو يعرب في ملتقى الإصلاح الذي نظمه قسم الدراسات السياسية والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة بالاشتراك مع مؤسسة جولن التركية في مقر الجامعة العربية بين 19 و21 اكتوبر 2009 بداية واعدة للتعاون بين المؤسسات العربية والتركية في مسائل الإصلاح والإحياء الثقافي. وقد حالت الظروف بين الأستاذ أبي يعرب وحضور الملتقى فقدمتها نيابة عنه مشكورة الأخت الفاضلة الدكتورة هبة رؤوف أستاذة الفكر السياسي والعلاقات الدولية في جامعة القاهرة بوصفها المحاضرة الأولى في جلسة الملتقى الأولى بحضور جم غفير من النخبة العربية في القاهرة.
إدراة الموقع
الإصلاح:
العلاج العقلي وصراع الوثنيات
أو في عواقب الفوضى الروحية والعقلية
أبو يعرب المرزوقى
(تونس 09.10.16)
تمهيد:
من المعلوم أن الإصلاح مسألة عملية بل هي ذروة المسائل العملية في الفعل الإنساني. ومع ذلك فليس هذا البعد هو ما يعنيني في هذه المحاولة. ما يعنيني ليس فعل الإصلاح في وجهه العملي كما يراه أصحاب العمل الإصلاحي المباشر سواء كان ذلك في منظومة فكرية أو في فعل سياسي معين بل الشروط التي تحدد نجاح العمل الإصلاحي أو فشله. أعني المسألة التالية: هل يمكن للإصلاح من حيث هو ذورة عملية أن ينحصر في وجهه العملي فيبقى حكرا على أصحاب العمل الإصلاحي المباشر فكريا كان أو سياسيا أم إن كونه ذروة عملية يجعله بالضرورة في آن ذروة معرفة علمية بالفعل الإصلاحي وشروط النجاح والفشل فيه لكون المعرفة العلمية تعد شرط تحديد الغايات والوسائل والعلاقة بينهما في الاتجاهين ومن ثم فهي العمل على علم؟
فرضيتي هي أن ما يحصل في حركة الإصلاح العربية الإسلامية علته خلل يقبل الوصف المنطقي والخلقي والتاريخي والسياسي من منطلق هذا الفهم للعمل على علم. وذلك ما أريد تقديمه لحضراتكم آملا ألا نواصل الخلط الذي كثيرا ما يقع بين الفكر النظري ومجرد التخمين الفكري كما يحصل عادة عند من يخلط بين الخيال العلمي الذي هو جوهر النظر والعلم الخيالي. والفرق بينهما كالفرق بين مجرد التخمين الأدبي للتغلب على حاجزي الزمان والمكان بالسجاد السحري في ألف ليلة وليلة وبين علم قوانين الطبيعة التي تمكن من إبداع وسائل الاتصال والمواصلات. وهو ما يفهمنا مفارقة القول الخلدوني المشهور بأن العلماء أبعد الناس عن السياسة رغم كونه كان يسعى لوضع علم السياسة ما يعني أنه أدرك طبيعة هذا الخلط ومن ثم التمييز بين الخيال العلمي في الإبداع العلمي والعلم الخيالي في الإبداع الأدبي.
وحتى نعالج هذه الإشكالية بهذا المنظور لا بد أولا من وصف الحاصل في مجال الإصلاح الواقع وواجب الحصول الذي يقتضيه مفهوم الإصلاح إذا كان عملا على علم حتى نؤسس لفرضية العمل في هذه المحاولة والقصد من ورائها. وقد اخترنا الاعتماد على منهجية المقارنة الداخلية بين خصائص تجاربنا أولا والمقارنة الخارجية مع خصائص التجارب الأساسية في التاريخ القريب منها لإثبات هذه الفرضية.
ونحن نسعى بذلك إلى تحديد الوضع العربي الراهن بوصفه فوضى لعلها تكون خلاقة حتى وإن غلب عليها حاليا الطابع الهدام عينة من الوضع الإسلامي الذي لا يختلف عنه كثيرا. وقد استعملت هذا المصطلح لأن وضعنا الفوضوي غني عن المفهوم الأمريكي الذي لم يعد مذكورا. وسيتضمن البحث تأملات فلسفية حول معاني الإصلاح في الفلسفة كما يقصها تاريخ المحاولات الإصلاحية وفي الدين كما يقصها القرآن الكريم حتى وإن كان ذلك مما يستهجنه الكثير من السامعين والقراء.
وبين أني لا أنوي مقارنة أعيان التجارب لتقويمها عينيا أو للمفاضلة بينها. فغرضي كما أشرت إلى ذلك في مراسلاتي مع الأخت الدكتورة نادية مصطفى والأخ الدكتور سيف الدين ليس الكلام في ما عينته ورقته الندوة حصرا فيه بل هو محاولة تحديد الصفات العامة المشتركة بين محاولات الإصلاح من حيث هي إصلاح لأفهم الحكم العام الذي يشملها سعيا إلى تعليل صلتها بتحقيق غرضها إيجابا وسلبا مع تسليمي بغلبة الوجه السلبي كما هو بين من حال التخبط التي يعاني منها المسلمون.
والهدف الأساسي هو محاولة تعليل هذا التخبط بأزمة تتجاوز التصنيفات العادية التي تفسر الفشل في عمل من الأعمال بقصور جزئي يتعلق إما بإرادة الأشخاص الفاعلين أو بأخطائهم المنهجية أو بالعوائق الخارجية. فهذه الأزمة لكي نقربها تقبل المقارنة بما يحصل في مجال المعرفة قبل أن تصبح علمية وفي مجال العمل قبل أن يصبح مستندا إلى المعرفة العلمية. وهذه الأزمة سأرمز إليها بنموذجين كلاهما عرف بالاستفهام الساخر:
أحدهما شعري ديني ويمثله إبراهيم الخليل عليه السلام.
والثاني علمي فلسفي ويمثله سقراط عليه التسليم.
ويجمع بين النموذجين المنهج القرآني (الجامع بين الصيغتين الإبراهيمية والسقراطية والمتجاوز لهما ويمكن أن نطلق عليه اسم النموذج المحمدي).
وهذه الأزمة لها أصل صريح في علم الكلام يسمى منهج قياس الغائب على الشاهد في منافاة صريحة لما يدعو إليه القرآن الكريم أعني العكس تماما أي قياس الشاهد على الغائب حتى يبقى العلم الإنساني مفتوحا إلى الأبد فلا يدعي أحد أنه قد قال الكلمة الأخيرة في أي موضوع لما فيه من بعد غيبي. والفرق بين هذين التصورين للعلاقة بين الشهادة والغيب هو عين الأزمة التي تعاني منها كل محاولات الإصلاح بحيث يصبح وصفها بكونها وثنيات وصفا أمينا: فهي ناتجة عن رد المثال الأعلى إلى أحد أعيانه لظنها علمها محيطا ومن ثم فهي تضفي الإطلاق وتنفي صيرورة التقدم العلمي والاجتهاد الدائم.
إن المشروعات الإصلاحية التي تهمني لا تقدم العناية بما كتبه الأعلام المشار إليهم في ورقة الندوة بل هي تؤخره دون أن تهمله لتقدم عليه ما هو فاعل بحق في تاريخنا الحديث أعني المشروعات التي يعبر عنها أصناف النخب الخمسة المستولية على ركح الفعل والمستبدة به (ومنها وثائق الأحزاب الحاكمة ومؤلفات الزعماء من جنس فلسفة الثورة والكتاب الأخضر وتوجيهات بورقيبة إلخ... ).
التمهيد:
الفصل الأول: حال الإصلاح الحاصل والإصلاح الواجب
الفصل الثاني: نموذج نظري لتصنيف محاولات الإصلاح
الفصل الثالث: فرضية العمل والقصد من المحاولة
الخاتمة.
الفصل الأول
حال الإصلاح بين الموجود والمنشود
فلنبدأ بوصف الموجود حتى لا يكون بحثنا من جنس ما يعيبه ابن خلدون على الفكر الفلسفي العربي الوسيط: مجرد كلام حول ما ينبغي أن يكون بدل البحث في قوانين الكائن. بحثنا يدور حول قوانين ما هو كائن حتى وإن كان النموذج النظري الذي نعتمد عليه لا صلة له بما هو كائن -كالحال في طبائع النماذج النظرية-لكونه جهازا نظريا من جنس الهندام في فن العمارة: من طبيعة الهندام أنه يلقى جانبا بمجرد الفراغ من تشييد البناء.
المسألة الأولى: المقصود بالإصلاح الحاصل:
ليست مشروعات الإصلاح الورقية هي التي تعنيني بل حركات الإصلاح الجارية فعليا من قبل من بيدهم السلطة من المستبدين بها بشرعية القوة لا بقوة الشرعية أعني أني سأبحث في ما تقوم به الأنظمة الحاكمة والحركات المعارضة في الوطن العربي بصنفيها عينة من أمثالها في دار الإسلام[1]:
أفعال الإصلاح التي تقوم بها أنظمة حاكمة تسمي نفسها قومية وهي شبه علمانية. ولها فاعليتان: 1-سطحية الاضطراب الفوضوي للعنف الرمزي الناتج عن اليأس مما يجري في مستوى الفاعلية الرمزية أي في التربية والثقافة 2-وعميقة لا يمكن الحكم عليها حاليا لكننا نعلم مجال فعلها ما هو: أعني التوق إلى إحياء الوعي الدنيوي العميق في النخب.
أقوال الإصلاح التي تقوم بها حركات معارضة تسمي نفسها إسلامية وهي شبه دينية. ولها كذلك فاعليتان: 1-سطحية هي الاضطراب الفوضوي للعنف المادي الناتج عن اليأس مما يجري في مستوى الفاعلية المادية أي في السياسة والاقتصاد 2-وعميقة لا يمكن الحكم عليها حاليا لكننا نعلم مجال فعلها ما هو: أعني التوق إلى إحياء الوعي الديني العميق في عامة الشعب.
والفاعليتان المباشرتان تمثلان في ذروتهما المرضية بقايا الحرب الباردة التي حولتهما إلى حركتين جذريتين وظفهما الصراع بين القوتين الأعظمين وبصورة أدق الأنظمة العربية التابعة لهما على النحو التالي:
فالأصولية المفرطة ليست إلا تحولا حصل في أداة الأنظمة الدينية وحليفها الأمريكي خلال الحرب الباردة: وذروتها لا يمكن أن تتعين إلا في الإرهاب المادي لليأس من تغيير الواقع السياسي والاقتصادي.
والعلمانية المفرطة ليست إلا تحولا حصل في أداة الأنظمة القومية وحليفها السوفياتي خلال الحرب الباردة: وذروتها لا يمكن أن تتعين إلا في الإرهاب الرمزي لليأس من تغيير الواقع الثقافي والتربوي.
وذلك لأن الحركات الأولى أنشئت في الأصل لتكون أداة توظفها أمريكا ضد الاتحاد السوفياتي والأنظمة الحليفة معه. ثم تحولت ضدهما لما تخلت عنها أمريكا. والثانية أنشئت لتكون أداة يوظفها الاتحاد السوفياتي ضد أمريكا والأنظمة الحليفة معها. ولما سقط موظفها اضطرت للاحتماء بمن كانت تعارضه فانضمت إلى صفه في المعركة ضد الحصانة الروحية التي بقيت صامدة أمام الغزو الثقافي.
ثم أحيت أمريكا ومن يحالفها من الطائفيين بقايا الحرب التي بردت فجعلتها تصبح حارة بإحياء حزازات الماضي العقدية والإثنية: حرب الطائفيات العقدية (مسلم مسيحي أو سني شيعي) والسلالية (عربي فارسي أو عربي كردي أو عربي أمازيعي أو عربي زنجي).
والمعلوم أن مقارنة بسيطة بين الدفقة الأولى من الإصلاح وما يجري حاليا من إصلاح تبين تردى الفكر الإصلاحي إلى ما يشبه الحلول السهلة المتمثلة في الاستجابة للحاجة الملحة بمحاكاة الحلول الجاهزة سواء كانت مستوردة من ماضينا أو مما يُظن حاضر الغرب وهو في الحقيقة ماض لمجرد كونه قابلا للمحاكاة (إذ لا بد أن يكون قد وقع حتى يكون قابلا للمحاكاة وما وقع بعد ماض وليس حاضرا فضلا عن أن يكون مستقبلا).
المسألة الثانية: توصيف الفكر الإصلاحي بأبعاده التالية:
1-التوصيف المنطقي: الخلاف بين مدارس الفكر الإصلاحي الحالية يدور حول المواقف من موضوع الإصلاح وليس حول العلم بمقوماته وحقائقه. ومن ثم جاء نفي كل إمكانية للوصول إلى فهوم مشتركة بين المتصارعين وأصبح الحوار بينها ممتنعا.
2-التوصيف الخلقي: الخلاف بينها يمكن اعتباره خلافا بين من يرد مشكلات الإصلاح إلى مشكلة العلاقات الشرطية (علاقة غاية بوسيلة ومن ثم حسابات دنيوية خالصة) ومن يردها إلى مشكلة العلاقات القطعية (علاقة قيمة بسلوك ومن ثم حسابات أخروية خالصة). وبالتالي فلا وجود لأي فرصة للصلح بين الصفين وهو ما يقتضي الحرب الأهلية الدائمة.
3-التوصيف التاريخي: الخلاف هو بين التحديث المحاكي للماضي الأجنبي والتأصيل المحاكي للماضي الذاتي. ومن ثم ففي الحالتين يغيب مفهوم إبداع المستقبل. ولما كانت المحاكاة في الحالتين حجابا إيديولوجيا فإن ما يجري هو ترك الأمور تجري على الغارب عند كلا الفريقين والاكتفاء بالكلام على الحداثة والأصالة عندهما للتلهي عن العلاج الفعلي لمشاكل الإصلاح.
4-التوصيف السياسي: يتنكر الخلاف حول إدارة الشأن العام إلى خلاف حول مقابلة زائفة بين الدولة الدينية والدولة المدنية. لكن العلمانيين يقلبون وظيفة الدين التحريرية إلى أداة تخدير للشعب والأصوليين يقلبون وظيفة الدولة المدنية التحريرية إلى أداة تخدير للشعب بما يضفونه على شكلها المتخلف من طابع مقدس لا يقره الإسلام.
والجامع بين الأمرين الأولين: هو المقابلة الزائفة بين العقل المزعوم والنقل الموهوم. والحلول المقترحة هي ما يسمى بالتوسط بين العقل والنقل وهو حل مقيت يلغي العقل والنقل في آن بما يحدثه من مزاج هزيل بينهما: لإغفال طبيعة العلاقة بين الدنيا والدين أعني كونها من جنس العلاقة بين الدليل والمدلول أو بين الجسد والروح.
والجامع بين الأمرين الثانيين: هو المقابلة الزائفة بين الكونية والخصوصية والحلول المقترحة هي ما يسمى بالتوسط بين الخصوصية والكونية وهو حل مقيت يلغي الخصوصية والكونية في آن بما يحدثه من مزاج هزيل بينهما: لإغفال طبيعة العلاقة بين الخصوصي والكوني أعني كونها من جنس العلاقة بين العضو والوظيفة.
المسألة الثالثة: ما تقتضيه طبائع الأشياء:
لا بد لتحديد هذا النوع من الإصلاح أن ننطلق من الكلام على الناطقين باسم هذه المجالات أي النخب المسيطرة عليها وطبيعة وعيها بالعلاقة بين النظر والعمل بصرف النظر عن هذه الحجب المذهبية التي لا تغير من طبيعة الوجه المؤثر فعليا في الإصلاح من حيث هو فعل يقبل التعريف بكونه عمل العمران على علم بقوانينه ومن ثم فهو لا يتغير مهما تغيرت الإيديولوجيات. فكيف نحدد طبيعة هذا الإصلاح تحديدا موجبا يتعالى على المقابلات الإيديولوجية تماما كما نحدد العلاج لأي مرض بصرف النظر عن الإيديولوجيات المتعلقة بالمرض أو بما يشعر به المريض حتى وإن كنا لا ننفي أن يكون لهذه العوامل بعض التأثير وهو في الغالب تأثير نفسي بعده المحبط أكثر فاعلية من بعده المشجع.
لن يتسنى لنا ذلك إلا من خلال المقومات المؤسسية الخمسة التي يتقوم بها أي عمران بشري واجتماع إنساني وعلى رأسها النخب الفاعلة بواسطتها والناطقة باسمها:
نخبتا صورة العمران أي: 1-النخبة السياسية 2-والنخبة التربوية.
ونخبتا مادة العمران أي: 3-النخبة الاقتصادية 4-والنخبة الثقافية[2].
فنقارن الإصلاح الحاصل في هذه المؤسسات بالإصلاح واجب الحصول أعني ما يحصل عندما تصبح عملية الإصلاح العمراني ذاتية الحركة وليست عملا لا يتحقق إلا بتدخل خارجي وتركيب الأعضاء أو استبدال قطع الغيار. ولعل هذا التعريف هو التصور الأقرب لمطابقة معنى الإصلاح الحقيقي.
5- ثم النخبة اللامحددة أو المعين الدائم لتحدي النخب السالفة من النخب الخالفة دون فصل قبلي بين هذه الوظائف. وتلك هي المؤسسة الخامسة أعني الرأي العام أو التعبير العام الذي يمكن أن يكون مقياس شرعية الأنظمة الأربعة السابقة وتمسك الرأي العام الشعبي بها ومن ثم بالشرعية القائمة. ومن جنسها الرأي العام في ضمير كل فرد من حيث دوره مثلا في جعل خالد بن الوليد لا يستطيع أن ينقلب على عمر بن الخطاب لما عزله وجعل أي قائد عسكري في الغرب عاجزا عن القيام بانقلاب: أعني قيم الأمة المجمع عليها إلا في حالات الفوضى والهرج والمرج الظرفية. وهذه الشرعية نوعان فضلا عن كونها ذات تعيين:
مادي في مؤسسات التعبير عن الرأي العام التي لا يمكن أن يخلو منها مجتمع مهما كان بدائيا رغم أنها صارت اليوم أكثر بروزا بفضل التقدم في المؤسسات الإعلامية.
ومعنوي هو ما يحصل في ضمير المواطنين من تقويم صامت في الغالب لكنه مثل الحمى الكامنة ينفجر أحيانا فيكون ممثلا بالهرج العمومي.
فالشرعية بالنسبة إلى صورة العمران بوجهيها أي التطابق بين الوجهين والدليل عليه يمكن اعتبارها بمصطلح أصول الفقه تحقيق حفظ مقصدي النفس والعقل: فإذا كانت صورة العمران أي السياسة والتربية محترمة للنفس والعقل فإن صورة العمران تكون عاملة بشروط الشرعية الممدة لها بالفاعلية القصوى.
والشرعية بالنسبة إلى مادة العمران بوجهيها أي التطابق بين الوجهين والدليل عليه بنفس المصطلح تحقيق حفظ مقصدي الملكية والكرامة: فإذا كانت مادة العمران أي الاقتصاد والثقافة محترمة للملكية والكرامة فإن مادة العمران تعمل بشروط الشرعية الممدة لها بالفاعلية القصوى.
والشرعية الشاملة التي هي ما يعبر عن التناسق بين الشرعيات الأربع دليلها تحقيق حفظ مقصد الدين بنفس المصطلح أعني المعتقد الحر بوصفه حال القيم في أمة من الأمم أو خياراتها الوجودية. فيكون المعنى العميق للمقاصد إذا فُهمت على حقيقتها هو ما بينه ابن خلدون عندما اعتبرها محددة لمهام الفعل العمراني في علمه الجديد: فمقصد الدين أو جعل كل شيء في خدمة الإنسان الخليفة يتألف من المقاصد الأربع الأخرى الضامنة لهذه الشرعيات المال للاقتصاد والكرامة للثقافة والنفس للسياسة والعقل للتربية.
والإصلاح لا يكون إصلاحا إلا بهذه الشروط وهو بغيرها يكون إفسادا. وبهذه المعاني يمكن القول بصورة جازمة لا لبس فيها: حركة الإصلاح الحالية نكصت ليس بالقياس إلى الدفقة الأولى عند نزول القرآن ولا حتى بالقياس إلى ما ولاها من لحظات استفاقة في التاريخ الإسلامي ممثلة بما يسمى بالمجدد على رأس القرن قبل عصر الانحطاط بل وحتى بالقياس إلى بداية النهضة في القرن التاسع عشر.
الفصل الثاني
نموذج نظري لتوصيف محاولات الإصلاح
إن مشكل المشاكل في فهم نظريات الإصلاح[3] ومشاريعه ليس مصدره الإصلاح ذاته بل طبيعة صلته بالفعل العمراني[4]. فكل تصور إصلاحي يتحدد بمقتضى تصور فعل التعمير الإنساني (استعمار الأرض والتنافس على إرثها بما يطابق شروط الاستخلاف فيها وقيمه أو بما ينافيها) طبيعته وآلياته وشروط صحته ومرضه ومقومات حياته وموته. لذلك كانت فلسفة الإصلاح دائما مشروطة بفلسفة التاريخ وفلسفة الوجود. وليس يمكن أن نثبت لأمة فعلا إصلاحيا حقيقيا يعد ثورة في تاريخ البشرية قبل الوعي الصريح بهما ووضع علامة كونية في تاريخهما لا تقتصر على تلك الأمة بل تشمل البشرية كلها[5]: أولاهما تحدد آليات صنع التاريخ والثانية تحدد طبيعة الفاعلية فيه.
ولهذه العلة رأينا أن ننطلق في هذه المحاولة من تصنيف ضروب الإصلاح بصورة النمذجة النظرية علنا بذلك نصل إلى سبل تساعد على تحليل طبيعة الأزمة التي يعاني منها فكرنا الإصلاحي الذي تبدو نتائجه كارثية في كل مستويات وجودنا التاريخي الحالي. سنبني النموذج بصورة مبسطة على النحو التالي. فلنفرض البنية النظرية البسيطة التالية. نميز أولا بين:
1-نوعين بسيطين من الإصلاح ليس من العسير بيان الإجماع على أنهما لا ينطبقان على الإصلاح من حيث هو فعل شامل يعالج قضايا العمران العامة.
أ-الصنف البسيط الأول (ولنسمه الإصلاح الصناعي) هو صنف إصلاح الأجهزة الصناعية المعطوبة حيث يكون الإصلاح فعلا خارجيا ليس للآلة المعطوبة فيه دور بل هي تتلقاه تلقي المنفعل: كإصلاح سيارة معطوبة مثلا.
ب-الصنف البسيط الثاني (ولنسمه الإصلاح العضوي) هو صنف علاج عضو كائن حي أصيب بمرض أو بجرح حيث يكون الإصلاح عملية عضوية: كالشفاء التلقائي أو الاندمال الذاتي مثلا.
2- ونوعين مركبين من الصنفين البسيطين وكلاهما يراوح بين الانطباق السوي فيكون إصلاحا بحق والانطباق المرضي فيكون اسمه إصلاحا وهو في الحقيقة إفساد سواء كان مقصودا أو غير مقصود.
أ-الصنف المركب الأول (ولنسمه الإصلاح العمراني ذا النموذج الصناعي) صنف مزدوج الطبيعة لأنه يمكن أن يكون سويا ويمكن أن ينحط إلى التصور الآلي للإصلاح فيصبح موقفا إصلاحيا يعامل العمران الإنساني بمنطق الصنف الأول. وهو ما يمكن أن نعتبره ممثلا للموقفين اللذين سادا خلال عصر النهضة العربية الإسلامية أعني العلماني والأصلاني في الحكم والمعارضة حيث يعامل العمران الإسلامي معاملة الجهاز المعطوب الذي تبدل فيه القطع مثلما يحصل للسيارة المعطوبة باستيراد قطع الغيار إما من الماضي الغربي أو من الماضي العربي.
ب-الصنف المركب الثاني (ولنسمه الإصلاح العمراني ذا النموذج العضوي) هو صنف مزدوج كذلك لأنه يمكن أن يكون سويا ويمكن أن ينحط إلى التصور العضوي للإصلاح فيصبح عندما ينحط موقفا إصلاحيا يعامل العمران الإنساني بمنطق الصنف الثاني وهو ما يمكن أن نعتبره ممثلا للموقفين اللذين سادا خلال عصر الانحطاط حيث يترك العمران الإسلامي لمسار شبه عضوي يخلو من العودة على الذات استسلاما إما للحتمية الطبيعية فلسفيا أو للقضاء والقدر دينيا.
3-الجنس الذي يتضمن الأصل لا نعلم طبيعته ما هي ويتهدده دائما التحول اليسير إلى أحد هذه الأصناف الأربعة المتفرعة عنه أو إلى مجموعة منها بعضها أو كلها. وهو عين ما يجري من محاولات الإصلاح الذاتي في العمران البشري عامة بل هو عين الفاعلية العمرانية المتردد بين هذه الأصناف دون أن ترد إلى أي منها. ولعل نظرية المجدد على رأس القرن محاولة ترمز إليه باعتباره حصيلة كيفية لـمسار كمي مؤلف من حصائل ما ينتج عن التردد بين العناصر الأربعة السابقة.
ورغم أنه يعسر التحديد الإيجابي لخصائص الانطباق السوي في الصنفين المركبين والذي هو الإصلاح الحقيقي فإننا نستطيع بيسر أن نحدد الانطباق المرضي الذي يجعل الإصلاح إفسادا بما يعتمد عليه من رد لطبيعة الفاعلية العمرانية إلى ما يتنافى مع حقيقتها. فالانطباق المرضي لكلا هذين النوعين المركبين هو رد فاعلية العمران إلى الفاعلية الصناعية (يرد العمران إلى مجرد جهاز آلي ويتعامل معه بهذه الصفة)[6] أو الفاعلية العضوية (يرد العمران إلى مجرد ظاهرة حية ويتعامل معه بهذه الصفة)[7]: وكلاهما يمثل انحطاط الفاعلية العمرانية إما بالخمود العضوي كما حدث في ما نسميه بعصر الانحطاط من تاريخنا أو بالركام الصناعي الميت كما نراه يحدث في ما نسميه بالتحديث الحالي في جل بلاد العرب.
أما الجنس الذي يتضمن أصل أصناف الإصلاح جميعا فهو مجهول الطبيعة لكونه عين منظومة العوامل الفاعلة في العمران أو الفاعلية التاريخية التي تمثل حصانة حضارة من الحضارات والتي تبقى من الغيب الذي لا يمكن تحديد طبيعته الحقيقية تحديدا نهائيا كما تفعل الإيديولوجيات التي تعتمد عليها مدارس الإصلاح كلها[8]. وما يعنينا بصورة خاصة هو النوعان المركبان وبصورة أدق فإن ما يعنينا منهما هو شكلهما المنحط بالنكوص إلى النوعين البسيطين أعني التصور الآلي والتصور العضوي. وهما يحصلان بمنطقين:
منطق التصور الذي يرى أصحابه الإصلاح علاجا ظرفيا سواء كان آليا أو عضويا يقوم به بعض الأفراد في جماعة معينة يطلق عليهم عادة اسم المصلحين لما طرأ على نظام أجهزة مجتمعهم من خلل يهدف إلى استرداد ما يتصورونه الحال السوية.
ومنطق التصور الذي يرى أصحابه الإصلاح فعلا ملازما للقيام العمراني بصورة دائمة لأنه عين فعل الحصانة البنيوية التي تلازم العمران الإنساني من حيث هو عين فعل حياة التاريخ الإنساني المتميزة عن حياة التاريخ الطبيعي بمقومات تمثل فاعلية ذاتية تتضمن القدرة على إبداع ما يجعل العمران يتطور تطورا يمكنه من أن يبقى ذا فاعلية هي شرط بقائه التاريخي الذاتي وشرط إسهامه في التاريخ الكوني.
وبهذه الخاصية التي تضاعف فعل العمران من حيث هو دائم العودة على ذاته لتحصينها ليس بإصلاح الأعطاب فحسب بل وكذلك بالاستعداد لكل الطوارئ وبها خاصة يتميز التاريخ الحضاري عن التاريخ الطبيعي: مبدأ التطور بالعمل على علم بقوانين المعمول. فغير البشر من الحيوانات لها تاريخ طبيعي لا غير: أي إن ما يجري فيها يكون بمنطق الضرورة العضوية التي تتضمن آليات التكيف بالانتخاب الطبيعي مثلا. لكن البشر لهم بالإضافة إلى آليات التاريخ الطبيعي آليات تاريخ حضاري مشروطة بعودة فاعليته الدائمة على ذاته ليستكمل ما لا توفره له آليات تاريخه الطبيعي: أي إن ما يجري فيهم لا يكفي فيه منطق الضرورة العضوية بل لا بد كذلك من منطق الاختيار والروية مثلا.
ومعنى ذلك أن للإنسان ضربين من آليات التكيف أولاهما تنتسب إلى التاريخ الطبيعي الخاضع للضرورة الطبيعية والثانية تنتسب إلى التاريخ الحضاري الخاضع للحرية الخلقية. وقد وصف ابن تيمية هذين المنطقين ليحرر إرادة المسلمين من الاستسلام للجبرية الصوفية والفلسفية بأن سمى الأولى مجال الربوبية والمشيئة والثانية بـمجال الألوهية والإرادة: والإصلاح يتعلق بهذه الأخيرة خاصة دون أن يستثني الأولى بما في ذلك من منطلق المنطق القرآني لأن الإنسان بالعلم يمكن أن يتدخل في الضرورة الطبيعية ليحولها وهو معنى كونها سخرت له وكونه استخلف فيها:
وبين أن النوع الأول رد فعل طارئ على عمل الظاهرة الاجتماعية من خارجها ويقبل المقارنة عند انحطاطه مع العلاج التقني: المصلح هنا تقني يصلح جهازا عاطلا.
لكن النوع الثاني فعل ذاتي لعمل الظاهرة الاجتماعية نفسها ويقبل المقارنة عندما يكون سويا مع العلاج الطبي السوي الذي يفعل مقومات الصحة والحصانة الذاتية للكائن للإبقاء على فاعليتها التطورية: فيكون المصلح هنا طبيبا لا يتدخل في جهاز عاطل بل يفعل كائن حي ليصلح ذاته بشرط علمه بقوانينه.
وهكذا فالإصلاح في الحالة الأولى علاج ظرفي فني لعطل يظن طارئا بصورة عرضية فلا يعتمد على آليات المقاومة الذاتية للمرض الملازم للصحة أو لعوامل الموت الملازمة لعوامل الحياة في كل كائن حي كالحال في الإصلاح بمعناه الثاني. أما في الحالة الثانية فالإصلاح بنيوي خلقي يفعِّل ما في الكائن الحي البشري من قدرة على التكيف الذاتي المقاوم بآليات الإصلاح الذاتي لعلل الموت فيه: ويكون فيه المصلح من جنس الطبيب العالم بشروط الصحة الإنسانية.
ويمكن أن نطلق على هذا النوع الثاني اسم الإصلاح البنيوي الدائم وهو يختلف تماما عن الإصلاح الظرفي أو الطارئ. وبين أن الفرق الأساسي بين النوعين هو من جنس الفرق بين التعامل مع الجهاز الآلي الصناعي والتعامل مع الكائن الحي البشري مع اشتراكهما في شرط التعامل للعمل على علم أعني العلم بقوانين الجهاز الآلي وبقوانين الكائن الحي البشري.
فـالنوع الأول من الإصلاح يتعامل مع العمران وكأنه جهاز صناعي يتم إصلاحه عندما يصيبه عطب ومن ثم فهو رد فعل لاحق وخارجي لحصول العطب وليس فعلا متقدما عليه بوصفه الاستعداد الدائم نظير جهاز المقاومة في الكائنات الحية: السيارة المعطوبة لا تصلح نفسها وليس فيها جهاز مقاومة لا واع ولا غير واع. فتكون محاولات الإصلاح التي هذا نوعها عمليات متوالية بتقطع كلما حصل عطب وقع الإصلاح بتدخلات من خارج الجهاز الصناعي نفسه. ولذلك فهي تقبل العلاج بما يسمى قطع الغيار كما نراه يحصل اليوم من استيراد للمؤسسات والقوانين والممارسات وأنماط الحياة بدائل عند من يعد الهم الأساسي تهديم الموجود واستيراد المنشود بدل تكوين شروط إبداعه: نزيل القطعة التي نتصورها معطوبة ونضع بدلها قطعة أخرى مستوردة نتصورها سليمة فيكون الأمر من جنس تركيب الأعضاء باستيراد قطع الغيار لأن ما نتعامل معه ليس سيارة معطوبة بل هو حضارة مريضة لم نفعِّل حصانتها الذاتية المبدعة للحياة دون الاقتصار على مقاومة المرض. لذلك يحصل الرفض.
أما النوع الثاني من الإصلاح فالعمران فيه ليس جهازا صناعيا يصيبه العطب أحيانا ويكون سويا أحيانا أخرى بل هو كائن حي معرض للمرض من حيث هو حي وصحته هي ما فيه من جهاز مناعة ومقاومة فاعلة وليست مجرد رد فعل إلا في الظاهر.
وليس من شك في أن التصورين يقبلان العمل معا بل إن العمران البشري لا يخلو من تلازمهما حتى وإن كانت الحالة السوية هي التي يغلب عليها التصور الثاني والحالة المرضية هي التي يغلب عليها التصور الأول:
والمعلوم أن تعامل أصحاب العمل المباشر يغلب عليهم طريقة الفنيين الذين يصلحون عطلا طارئا بسبب ما يتميز به فعلهم من عجلة وراهنية مباشرة.
لكن الفكر عامة والفكر الفلسفي خاصة لا يمكنه أن يرضى بذلك ليس لمجرد كونه فعلا غير مباشر فحسب بل لأن الفعل عنده لا يكون إلا عملا على علم ومن ثم فلا بد فيه من العلم بقوانين الأشياء حتى يتمكن من جعلها تعمل بذاتها فيكون تدخله من جنس تدخل الطبيب لا من جنس تدخل الفني.
ويقتضي هذا التمييز أن نوصِّف حركات الإصلاح خلال النصف الثاني من القرن العشرين الذي يعنينا في هذه المحاولة بمميزاتها الداخلية والخارجية لاستخرج المقصود بها وتحديد ما علينا فهمه بمقارنة فكره منها ومن ثم تحديد خصائص الإصلاح في العالم الإسلامي. ويتقدم على ذلك تحديد طبيعة السياق أو نظام الظروف التي حصلت فيها أفعال الإصلاح والعلل التي جعلتها يغلب عليها النوع الصناعي بدل النوع العضوي إن صح التعبير. فالسياق ينقسم إلى بعدين محددين أحدهما يصف المنفعل الذي يراد إصلاحه والثاني يصف الفاعل الذي يعتبر علة العطب المراد إصلاحه:
1-سياق المحدد الداخلي أو سياق المنفعل: بداية هذا السياق هي ما يمكن أن يوصف بكونه الشروع في مقاومة الاستعمار المباشر للإمبراطوريتين اللتين قضت عليهما الحرب العالمية الثانية (الفرنسية والإنجليزية خاصة) والوقوع في الاستعمار غير المباشر للإمبراطورتين اللتين ورثتاهما (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قبل أفوله) ونهاية هذا السياق هي نهاية الحرب الباردة وعودة الاستعمار المباشر ولكن ببعدين أعمق:
الاستعمار السياسي (أنظمة الحكم) والاستعمار التربوي (أنظمة التربية).
الاستعمار الاقتصادي (نظام الإنتاج المادي) والاستعمار الثقافي (نظام الإنتاج الرمزي).
2-سياق المحدد الخارجي أو سياق الفاعل: بداية هذا السياق هي الانتقال من الاستعمار الأوروبي القاري أو الفاعل الأصلي إلى استعمار مستعمرتي ثورتي أوروبا الفكريتين أو الفاعل المشتق:
الولايات المتحدة أي مستعمرة ثورة الإصلاح الديني والروحي في أوروبا الحديثة.
الاتحاد السوفييتي أي مستعمرة ثورة الماركسية أو الإصلاح السياسي والمادي في أوروبا الحديثة.
ونهاية هذا السياق هي الاستعمار المطلق أعني العولمة مع ما يصحبها من محاولات يستعد بها قطبا الغرب الحاليين أي أوروبا الموحدة والولايات المتحدة لقطبي الشرق المقبلين أي الهند والصين. فأين نحن في كل ذلك؟ هل نتعامل مع وضعنا تعامل الطبيب الذي يفعِّل جهاز المناعة بمعنييه أي المقاوم للمرض والمبدع لشكل الحياة القادرة على تحقيق شروط الصحة المقبلة ؟ أي معنى يمكن أن نعطيه لمفهوم الإصلاح في هذه الحالة ؟ الجواب لا يكون من دون عملية استقراء لتاريخ حركات الإصلاح لتحديد الكلي المشترك بينها جميعا بوصفه عين طبيعة الإصلاح.
الفصل الثالث
فرضية العمل والقصد من وراء المحاولة
فلنحاول الجواب عن السؤال الأساسي في إشكاليتنا: ما الذي جعل فكر الإصلاح ينكص من المفهوم المبدع لمعنى السلف الذي بدأ حركة تحرر من التقليد (بوحي من ابن تيمية وابن خلدون) إلى المفهوم المقلد الذي انتهى عبودية لوثنيتين وثنية الماضي الأهلي ووثنية الماضي الأجنبي(عند الأصولية والعلمانية)؟
في مستوى النظر والإبداع الرمزي: في الساحة الثقافية والتربوية.
في مستوى العمل والفعل التاريخي: الساحة السياسية والاقتصادية.
فرضية العمل التي نعتمدها في هذا البحث ذات فرعين:
الفرع الأول يتعلق بما عليه الأمر في فعل الإصلاح:
فالنكوص إلى القومية والدولة القطرية علته محاكاة ما حصل في أوروبا نهاية عصر النهضة التي أنهت أوروبا ذات الوحدة اللاتينية المسيحية أعني العمليتين اللتين مزقتا نسيج الأمة وكل مقومات وحدتها. ذلك أنه بخلاف ما حصل في أوروبا أصبح هذان الأمران عائقي كل نهوض ممكن ليس بسبب حصولهما بل بسبب الاستمرار عليهما تقليدا لما أصبح منافيا لمحددات الظرف في التنافس بين الأمم أو حيلولة دونه للظن بأن الوحدة الإسلامية تستوجب حتما أن تكون من جنس ما كانت وبنفس الشعارات التي لم تعد محركة للتاريخ بدل إبداع ما يحرك التاريخ ليحقق نفس الغايات.
إن أوروبا التي تحاكيها قومياتنا ودولنا القطرية لم يعد لها وجود منذ أمد طويل بل هي تجاوزت ما تحاكيه حركات الإصلاح عندنا لفهمها مقتضيات الظرف العالمي وتسعى إلى بناء الوحدة المماثلة للإمبراطورية الرومانية فعليا منذ الحرب العالمية الثانية في مستوى الواقع المادي ورمزيا منذ عصر التنوير في مستوى الواقع الرمزي علما وأننا بهذا الصنيع قد قضينا على ما كان تجاوزا له منذ نزول القرآن ونشأة الدولة الإسلامية متعددة الشعوب والقبائل المتعارفة.
الفرع الثاني يتعلق بمفهوم الإصلاح المنشود المفقود في ما يجري.
لعل الاعتماد على منهج العلاج التاريخي ومنهج العلاج البنيوي في آن قد يمكن من العلاج الهادئ الرصين. فهذا النكوص بوجهيه العلماني والأصلاني يقبل الفهم التاريخي بصورة تبين أنه قد جعل ما يقدم على أنه إصلاح إفسادا. ولا بد لفهم هذه المسألة العويصة من الانطلاق من مبدأ جوهري: ليس فهم الحضارات عملية أجنبية عن فعلها من حيث هي منظومة مؤسسات صانعة للأشخاص الذين يبدعونها بل هو الجزء الأرقى من كيانها أي إن فهمها لذاتها هو ذروة كيانها وهو نظير وعي المرء بنفسه. وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون مستوردا لا من حيث المضمون ولا من حيث المنهج بل هو يكون دائما زبدة ما بلغ إليه العمران من النضوج الحضاري الذاتي.
وكل استيراد مستحيل لأنه يماثل استيراد المرء لوعيه بذاته: فهل يمكن أن يكون وعي غيري بذاته قابلا للتركيب علي ليكون وعيي بذاتي من دون أحد أمرين إما أن نغير الوعي أو أن نغير الذات ؟ لذلك فقد بات الإصلاح بهذا المفهوم عين هذه العملية التغييرية بالتهديم:
إما تهديم الذات لتطابق ما يزعم الوعي الحقيقي المستورد (وذلك ما يفعله
العلماني).
أو تهديم الوعي المستورد ليطابق ما يزعم الذات الحقيقية (وهو ما يفعله
الأصلاني).
ولما كان كلا الأمرين ممتنعا بات فعل الإصلاح في مأزق لا مخرج منه من دون تحليله بمعنى التحليل النفسي لتحريره من هذا الاستلاب والاغتراب.
لذلك فالفهم الممكن عقلا والذي يمكن أن يكون منطلقا للجواب عن هذا السؤال هو آخر ما بلغه صوغ الفكر التاريخي الإسلامي لوعيه بذاته قبل أن يسيطر عليه الوعي المستورد. وهذا الوعي يتحدد في كل الحضارات بأصناف النخب التي تمثله. ففي اللحظة التي شرعنا فيها في النهوض خلال القرنين الأخيرين كان هذا الوعي تمثله خمس نخب على النحو التالي:
النخبة السياسية الحاكمة سياسيا وهي في الأغلب إما شيوخ قبائل أمية أو مغامرين عسكريين لا يقلون عنهم أمية.
النخبة التربوية الحاكمة تربويا وهي في الأغلب إما فقهاء وعلماء دين في جامعات شبه ميتة أو متصوفة شاطحين في طرق شبه ميتة.
النخبة الثقافية الحاكمة أدبيا وهي في الأغلب شعراء بلاط وأدباء سير وخرافات شعبية.
النخبة الاقتصادية الحاكمة اقتصاديا وهي في الأغلب بعض الإقطاعيين والصناعيين البدائيين والتجار المغامرين مع شيء من القرصنة.
وأخيرا الشعب الصامت الذي يئن تحت العبث الصادر عن هذه النخب التي لا تمثله والذي يعبر بين الحين والآخر عن معارضته بشيء من الفوضى والهرج الذي يمثله أفضل تمثيل الخارجون عن سلطان الدول الهشة التي كانت تحكم مقاطعات العالم الإسلامي حكم من يحلب الشعب لا حكم من يرعى مصالحه: من هنا المقابلة بين ما يسمى بالمخزن والسيبة في المغرب الأقصى وهي ظاهرة عامة حتى وإن لم يطلق عليها هذا الاسم الاصطلاحي إلا في المغرب.
وكل القراءات المستوردة وخاصة الماركسي منها لا تعير أي أهمية لهذه الحالة التي انطلقت منها حركات النهضة العربية والإسلامية الحديثة. لكنها تحاول فرض شبكة للفهم لا يمكن أن تساعد على فهم ما حصل منذئذ إلى الآن خاصة وأمر النخب لم يكد يتبدل كثيرا بخلاف الظاهر:
فالنخبة السياسية ما تزال شيوخ قبائل ومغامرين من العسكر الذي جاءوا إلى الحكم بالانقلابات.
والنخب التربوية حتى وإن بدت قد تحدثت فهي بمقتضى خضوعها للانتخاب المفروض من النخبة السياسية تحولت إلى خدم الأحزاب والأنظمة التي هذه خصائصها,
والنخبة الثقافية صارت من جنس الطحالب التي تعيش حول شعارات التقدمية والعلمانية أو التأصيلية والأصولية ولا تبدع شيئا يمكن أن يؤسس لثورة ثقافية حقيقية.
والنخبة الاقتصادية يكفي لتعريفها أنها صارت عامل التبعية الأساسي لكونها لم تؤسس لاقتصاد قابل للاستقلال بطبيعة الاقتصاد الذي اختارته أولا وبحكم القطرية الضيفة التي تنفي كل إمكانية للتنمية.
لذلك فمنطلقنا ينبغي أن يكون محاولة لتحديد طبيعة الفهم الذاتي الذي يحكم فعل الإصلاح الجاري حاليا بعد أن صار كله فعلا مستوردا مضمونا ومنهجا إما من الماضي الأهلي أو من الماضي الأجنبي وليس علاجا للأوضاع الموجودة بما تستوجبه من حلول يقتضيها الظرف الذي صار كونيا ودرجة المعرفة بما هي عليه وبما نسعى إليه لاستئناف دورنا في التاريخ الكوني.
فالنخب التي بدأت بها النهضة لا يمكن أن تكون مختلفة عن هذه النخب إلا بكونها كانت قلة تحاول التعبير عن إرادة ما كانت تسميه العامة بمنطق ما يمكن أن تستمده من الماضي الأهلي ومما بدأت تتعرف عليه تعرفا شديد السطحية من الحاضر الغربي المعاصر لها. لذلك فهي قد استندت إلى أفضل ما في الماضي الأهلي لإعادة تأويله من أجل تحقيق ما تسعى إليه والقليل القليل الذي فهمته مما يجري من حولها في الغرب لكي تسهم في الحكم السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي.
لذلك ظن الكثير أن هذه البداية واعدة. لكن النتائج التي حصلت ينبغي أن تكون ثمرة لما فيها من عوامل معاكسة لهذا الظن. فهي سرعان ما نكصت إلى ما نراه عليها الآن بفرعيها العلماني والأصلاني. وينبغي أن يكون نكوصها أمرا مكتوبا فيها: في فهمها للماضي الأهلي وفي ما أخذته من الحاضر الغربي وفي هدفها من ترؤس حركة الإصلاح.
وما يعنيني هو أن أفهم هذا النكوص فهما بنيويا بنفس الوجهين فهما يتجاوز اللحظة الراهنة وحتى التجربة العربية. ولا بد لنا بالإضافة إلى الفهم التاريخي من اعتبار النكوص ذاته جزءا لا يتجزأ من فعل الإصلاح نفسه عندما يجري بحسب ما أشرنا إليه من الاستعمال المنحط للنموذج الصناعي. وكما أسلفت فالقراءة التي أقدمها للنكوص ولكيفية علاجه تعتمد على مصدرين:
فلسفة التاريخ العامة (أي دور فاعلية العمران في التاريخ التي تتواطؤ عليها فلسفات الإصلاح الأساسية) والخاصة بالمسلمين (أي ما كتبه ابن خلدون)[9].
وفلسفة الدين العامة (أي دور الدين في الإصلاح دوره الذي تتواطأ عليها فلسفات الإصلاح الإساسية) والخاصة بالإسلام (ما كتبه ابن تيمية)[10].
ولا بد إذن من تحديد مراحل الإصلاح التي عرفتها الأمة لنحدد النضوج التاريخي المعلل لما يجري أمام ناظرنا. ويمكن أن نقترح المراحل التالية بصورة العد العكسي من غايتها إلى بدايتها بعد أن نبرز بالصورة التالية العناصر المقومة لفعل الإصلاح:
1- تصور موضوع الإصلاح ومنهجه التصور الذي تقوم به نخب حضارة من الحضارات (في حالتنا النخب الغربية ونخب المسلمين من تغرب منها ومن لم يتغرب) ؟
2-ما يحصل من التصور في المستوى الفعلي (كل محاولات تحويل موضوع الإصلاح: في حالتنا ما عمله الاستعمار وأنظمة الاستقلال).
3- أثر التصور في الفعل حيث تحول كل العمل فصار مبنيا على فهوم إيديولوجية خاطئة وليس على نظريات علمية محققة للأهداف (في حالتنا تجارب الأحزاب التي وصلت إلى الحكم وما أدت إليه من تهديم نسقي لشروط القيام من دون تحقيق البدائل: أفضل مثال الإصلاحات الزراعية والإصلاحات التربوية ومحاولات التصنيع والتأميم).
4-أثر الفعل في التصور حيث تحول الفكر إلى بروباجندة وأصبحت التربية والثقافة وسائل للحط من مستوى الفكر والثقافة العامة. ولعل أفضل مثال هو أن الجامعات المصرية التي كانت تخرج نخب من مستوى عالمي باتت في ذيل القائمة لفرط ما ساد من تسطيح إيديولوجي ومزاعم حول المساواتية (في حالتنا تقويم تجارب الأحزاب التي وصلت إلى الحكم: أفضل مثال تحول النقاش الوطني إلى تخدير دائم للرأي العام لتصوير الفشل الفعلي نجاحا وخاصة محاولات إطالة نظرية المؤامرة والمقاومة للإبقاء على الأنظمة الفاشلة).
5-القيام الذاتي للفعل العمراني أي أصل الأبعاد السابقة. فهو عين القيام الذاتي من حيث هو ذات إنسانية تدرك ظرفها وتتعامل معه بشرط التعامل العقلي المسبوق والمصحوب والمشفوع بالروية العقلية ومن ثم بالنظر المؤسس للعمل على علم. ومن ثم فالأصل هو الكيفية التي يفهم بها الإصلاح في الفكر والفعل الإصلاحيين في حضارة من الحضارات أعني الوعي الحضاري لأمة حية تبدع تاريخها في كل لحظة ولا تستورده من ماضيها فضلا عن استيراده من ماضي غيرها (وفي حالتنا بمستويات المنظور التالية التي حكمت تاريخنا الفكري والفعلي). وبذلك يصبح بالوسع أن نحدد بصورة شبه علمية مقومات فعل الإصلاح الذي أدى إلى ما نراه من نتائج وخيمة في لحظتنا الراهنة:
التوصيف العلاجي (المنهجي والخلقي):
فبلغة منطقية: يتعلق الأمر بالمواقف القضوية وليس بـالمضامين القضوية. فالصراع في هذه الحالة لا يمكن أن يكون معرفيا بل هو عاطفي يدور حول الخيارات والمفاضلات دون أن يتقدم عليه النزاع المعرفي حول الحقائق والوقائع. وينتج عن ذلك العمل بمقتضى الخيارات دون العمل بما توجبه حقائق الأشياء من مناهج عمل فضلا عن العلاقة بين الغايات والوسائل التي هي جوهر العمل دائما. وقد سبق لابن خلدون أن بين فساد التركيز على المواقف القضوية في مدرستي الفكر السياسي الإسلامي الوسيطتين أي مدرسة المدن الفاضلة (عند الفلاسفة والمتصوفة) ومدرسة الأحكام السلطانية (عند المتكلمين والفقهاء).
التوصيف الغائي (التاريخي والسياسي):
وبلغة الغائية: فالأمر يتعلق بـتوثين المثل العليا وظنها مطابقة لشكل متعين منها تحقق في الماضي الذاتي أو في الماضي الأجنبي. والغريب هو مفارقة تبادل الأدوار بين الموقفين. فلكي يُقبل ما يدعيه الأصولي من مثل عليا حاصلة في الماضي الذاتي لا بد له من أن يحدِّث الماضي الإسلامي بأن يضخ فيه ما يعتبره مثلا متحققة في الحاضر الغربي. ولا يدري أنه بذلك يصبح علمانيا بل هو يزايد عليه بقراءة كل ما في حضارتنا بما يتصوره موجبا في الحضارة الغربية: نوع من التنفيس عن عقدة نقص ليس منها شفاء لأنها ليس لها دواء. والعلماني لكي يُقبل ما يدعيه من تمثيل لمصلحة الأمة فإنه يعتِّق الحاضر الغربي بضخ الماضي الإسلامي فيه فيصبح أصلانيا من حيث لا يدري بل ويزايد عليه بقراءة كل ما في حضارة الغرب بما يتصوره موجبا من حصارتنا: نوع من التبرير الذاتي وطلب المشروعية من التراث.
وفي الحقيقة فكلاهما يقع في نفس الإشكال: توثين المثال بجعله حاصلا في الموجود سواء كان ماضينا أو ماضي الغرب. فأصبح بذلك ابن رشد ثوريا بل ومؤسسا للحداثة الغربية وأصبح التصوف وجودية إلخ... من التخريف. وعلة الظاهرتين واحدة: فمن يجعل الفكر دائرا حول المواقف لا يمكنه إلا أن يظن المثال متعينا في المواقف الحاصلة لتبرير المواقف المطلوبة. وقد سبق لابن تيمية أن بين فساد الردين السيئين للمثل النظرية والعملية إلى وقائع ردا يجوهرها فيوثنها: فالخلط بين المعاني المجردة والوقائع العينية يؤدي إلى جهل المسافة الفاصلة بينهما ومن ثم إلى عدم معرفة مجال الفعل النظري والفعل العملي وهو ما ينتهي إلى الخلط بين عالم الربوبية والضرورة وعالم الألوهية والاختيار فيتم التعامل مع العمران إما بوصفه جهازا آليا ميتا أو جهازا عضويا يقتله التطبب المسمى إصلاحا.
فما الذي يترتب على هذين الخيارين (وهما ليسا مختارين بل مضطران) في خصائص السلوك والتعامل بين الصفين؟
1-امتناع الفكر الرصين والحوار السلمي فيصبح المجتمع في هرج ومرج دائمين حول التغني بالمواقف وليس حول المعرفة بالحقائق ولا ينتج عن ذلك إلا الحرب الأهلية التي يؤدي إليها تبادل التهم وانعدام المرجعية التي يمكن الاحتكام إليها لفض الخلافات بالحجج بدل فضه بالسلاح.
2-إفساد أدوات العمل أعني المؤسسات التي تبدو هينة الدور مثل اللغة ووحدتها والتاريخ ووحدته والمعالم ودورها والمؤسسات العميقة ودورها من دون بدائل مؤثرة[11].
الجنس الأول: الأصناف الأهلية بمعيار التوالي الزماني[12]: تغييب السؤال الذي يرمز إليه إبراهيم الخليل عليه السلام بدعوته إلى التحرر من الوثنية وإخضاع الوجود الإنساني إلى البحث الخلقي الروحي:
1-في نصف القرن الأخير: أي بعد الاستقلال أقطار الوطن العربي.
2-منذ النهضة إلى الاستقلال: من بدء الاستعمار المباشر إلى ثورات التحرير
3-منذ الشعور بأن حال الأمة بدأت تميل إلى الانحطاط: منذ سقوط بغداد خاصة إلى الصوغ النهائي لعلله التي تنتسب إلى فلسفة الدين (ابن تيمية) وإلى فلسفة التاريخ (ابن خلدون).
4- التقويم النهائي لحال الأمة خلال القرن الثامن|الرابع عشر عندما انتقلت النهضة إلى الغرب بصورة واضحة: وهو التقويم التي انطلقت منه النهضة واعتمدته أساسا لعلاجها الوضع الذي كانت عليه حال الأمة: في ذروة وصول حروب الاسترداد إلى استعمار دار الإسلام).
5-صلة ذلك كله بمفهوم الإصلاح القرآني والفلسفي:
أ- عقلا (الدلالة المضاعفة: إما علاج ما فسد للحفاظ على ما كان موجودا أو التعويض الدائم للعلم بأنه لا شيء يمكن أن يدوم).
ب-ونقلا (الدلالة المضاعفة: الإصلاح في معناه القرآني استعادة الفطرة التي فقدت وتحقيق المثال الذي لم يحصل بعد:
فمن سورة التين: (....) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{4} ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ{5} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ{6} (....)"
ثم كل سورة العصر: وَالْعَصْرِ{1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ{2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{3}
أي الحلين يفضل القرآن الكريم؟ طبعا الذي يتوجه إلى المستقبل وليس الذي يتلفت إلى الماضي.
الجنس الثاني: الأصناف الخارجية: تغييب السؤال الذي يرمز إليه سقراط بدعوته إلى إخضاع الأخلاق والحياة الإنسانية للمعرفة العلمية والسؤال الفلسفي.
1-المحاولة الأفلاطونية الأرسطية: التدرج من اليتوبيا إلى خطة العمل القابلة للتنفيذ الفعلي.
2-المحاولة الأوروبية الوسيطة: وجها الإصلاح المقاوم والمؤسس ومحاولات الجمع بين الدين والدين محاكاة للإسلام.
3-المحاولة الأوربية الحديثة: الإصلاح القطيعة في المجالين الديني والفلسفي.
4-المحاولات الأوروبية الحالية: البحث عن شروط إنقاذ الحضارة الأوروبية أمام الهجوم الذي نتج عن نظام العالم الموالي للحرب العالمية الثانية.
5-الإصلاح في المرحلة الراهنة من فكر البشرية الذي اعترف بتقدم العمل على النظر غائيا وتقدم النظر على العمل وسيليا: العولمة أو مشكل وحدة البشرية. وبذلك نعود إلى القضية القرآنية أو المقصود بالرسالة الخاتمة من حيث هي شهادة على العالمين.
أما السؤال في شكله المحمدي[13] فهو إبراهيمي وسقراطي في آن بل هو متعال عليهما بما فيه من مبدأ يحرر من الصراع الدائم بين الدين والفلسفة أعني كل ما أدى إلى إفساد كل محاولات الإصلاح:
فهو إبراهيمي لكونه يعتمد على النبوة المشروطة بالحكم والكتاب معتبرا إسلام الغاية (المحمدية) وإسلام البداية (الآدمية) صلحا نهائيا بين فطرة البداية العرية عن التجربة التاريخية وفطرة الغاية التي تمثل عينة شاملة منها تمثيل خارطة العالم للعالم رغم كونها نقطة منه.
وهو سقراطي لأنه يختم هذا الخيار الأول بما يجعله بخلاف ما يتوهمه الكثير ليس نقلا مقابل العقل بل ضرب جديد من تصور العلاقة بينهما: عدم الاعتماد على المعجزات الناقضة للعادات بل على المعجزات المؤيدة لها ومن ثم بجعل الدين نفسه مستند إلى سلطة الحجة لا حجة السلطة.
والرمز المؤكد لذلك هو تحرير التدين من السلطة الروحية الوسيطة وربط الحياة الروحية غاية لتحقيق القيم القرآنية من حيث هي غاية مكارم الأخلاق الذاتية وما بين البشر المتساوين بالحياة السياسية أداة لتحقيق هذه القيم في حياة الأفراد وفي ما بينهم من علاقات. والمؤسسات البدائل التي تحقق ذلك يمكن وصفها كما وردت باعتبارها شرط الاستثناء من الخسر في سورة العصر:
فهي في مستوى الضمير الفردي الإيمان والعمل الصالح جمعا للبعدين النظري العقدي والعملي الشرعي.
وهي في مستوى الضمير الجمعي التواصي بالحق شرط الاجتهاد الحر من خلال فعل المشاركة في طلب معرفة الحق والتواصي بالصبر شرط الجهاد الحر من خلال فعل المشاركة في طلب تحقيق الحق في التاريخ الفعلي.
وقد بين التاريخ الإنساني للثورات العقلية الأساسية أنها عين المضامين التي سعت إليها المشروعات الإصلاحية في التجارب الأربع التي ذكرنا:
1-فـالتجربة الإصلاحية اليونانية الأولى تمثلها فلسفة الإصلاح الأرفع عندهم أعني جمهورية أفلاطون ونواميسه ورسالته في الحكم من حيث هي بحوث عن شروط القيام المبدع في الحضارة اليونانية : فقد عالج فيها: 1-قضية الحكم 2-وقضية التربية 3-وقضية الاقتصاد 4-وقضية والثقافة 5- الحياة المشتركة التي تحقق التناغم والوحدة المستندين إلى مبدأ العمل على علم حتى وإن كان هذا العمل على علم ليس بالضرورة هو ما توصل إليه أفلاطون من علم.
2-والتجربة الإصلاحية الإسلامية الأولى تمثلها فلسفة الإصلاح الأرفع عندنا أعني القرآن الكريم وسنة الرسول من حيث هما بحث عن شروط القيام المبدع للحضارة الإسلامية. وقد عالجت نفس القضايا لنفس الهدف.
لكن الخاصية المميزة بالقياس إلى الحالة اليونانية هي أن العمل على علم أو الإصلاح المتصل القرآني في هذه الحالة لم يحدد بصورة يمكن لأحد أن يدعي أنه يحيط به بصورة نهائية. ولذلك فهو مفتوح إلى يوم الدين: والعلة هي مفهوم الغيب الثوري. ولعل كل ما حصل في تاريخنا من انحراف عن هذه التجربة علته عدم فهم الطابع الثوري لهذا المفهوم كما يتبين من قلب العلاقة بين الشهادة الغيب. فمبدأ قيس الغائب على الشاهد كفر بالمنهجية القرآنية التي يمثلها الطابع الثوري لهذا المفهوم. ذلك أن علماءنا بدلا من أن يعتبروا الشاهد نفسه لا يمكن أن يُعلم علما نهائيا لكونه يتضمن بعدا غيبيا عكس فكرنا الكلامي والفلسفي والصوفي والفقهي المنهج القرآن فوضع مبدأ يقيس به الغائب على الشاهد ثم أطلقه ليقيس الغيب على الشهادة. ومن ثم فقد تأسس المبدأ الذي قلب كل محاولاتنا الإصلاحية إلى فكر متحجر يطلق العلم النسبي فيقتل الاجتهاد والجهاد المشار إليهما في مفهومي التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
3-والتجربة اللاتينية الأولى تمثلها غايتها أعني فلسفة الإصلاح الأرفع في النهضة الأوروبية الحديثة من حيث هي محاولة للجمع بين السؤال الإبراهيمي والسؤال السقراطي يعترف بالغيب رغم كون الاعتراف به كان لتركه جانبا وليس لأخذه بعين الاعتبار وهو ما أدى إلى كل انحرافات الفكر الحديث. لكن كل من اطلع جيد الاطلاع على فلسفة أكبر فلاسفة الحداثة وعلمائها أعني ديكارت ولايبنتس يدركان أنهما يمثلان الفكر الحديث في ثورتية الدينية (لا يبنتس للإصلاح البرتستنتي وديكارت للإصلاح الجنسيني الأغسطيني) والعلمية (لايبنتس للفلسفة بوجهيها الطبيعي ما بعد الطبيعي من منظور أرسطي خاصة وديكارت للفلسفة بوجيهها ذينك من منظور أفلاطوني) جمعا للسؤالين بخلاف أوهام من تقتصر ثقافته الفلسفية على التقريب الجمهوري في الصحافة الغربية.
وتشترك جميع هذه التجارب في بنية نضوجية يمكن وصفها السريع على النحو التالي. فلعملية الإصلاح صلة بـمحاكاة اللاحق للسابق حتما لكنها لا تكون عملية إصلاح ناجحة إلا إذا أدت إلى التخلص من المحاكاة لتأسيس طور الإبداع الحضاري الموسع للأفق الإنساني: وذلك بالذات ما يدل بعدمه على فشل الإصلاح العربي الإسلامي الراهن. فالأمر الذي يحرر القدرة الإبداعية الواحدة عند جميع البشر ويوسع أفق الإنسانية وكأنه استئناف من منطلق جديد غير مسبوق لم يحصل في فكرنا الإصلاحي الحالي ومن ثم فكل محاولات الإصلاح لم تتجاوز المحاكاة إما للماضي الذاتي أو للماضي الأجنبي بعد أن وثنا للظن أنهما ممثلان للثورة القرآنية وللثورة الحداثية. ويمكن بصورة سريعة أن نقول إن طبيعة هذا الأمر المحقق للنقلة الكيفية من المحاكاة إلى الإبداع تتمثل في علاقة مضاعفة كلا فرعيها مزدوج:
فهي علاقة ذات خالفة بذات سالفة
وهي علاقة بالغير سواء كان الغير غيرا بإطلاق أو ماضي الذات.
وكلتا العلاقتين تجري على مستويين أعني في واقع الأحداث الفعلية أو الوقائع العينية وفي واقع الأحداث الرمزية أو المثل. وفي الحالتين تكون المحاكاة والتبعية للواقعين ولا تتحقق الانقلابة الكيفية إلا بإبداع اللاحق لمثال يتجاوز به السابق برفع الذات إلى الكلية والكونية أعني بإبداع طموح يمثل الكونية الإنسانية بإطلاق: ولولا ذلك لما كان الإسلام ثورة بل لكان العرب قد صاروا مناذرة وغساسنة وليسوا أصحاب رسالة كونية على غيرهم أن يحاكيهم فيها.
إن التجربة الإسلامية الحالية لسوء الحظ تخلو من مما تضمنته هذه التجارب لخلوها من البعد النظري والعمق الديني والفلسفي بسبب ما وصفنا في الفصول السابقة. لذلك فإنه يمكن القول إن علميات الإصلاح قد كانت في الحقيقة علميات إفساد للموجود دون سعي للبديل المنشود. ولعل السر هو أن مشروعات الإصلاح التي لها مؤلف محدد كالتي ذكرت في ورقة الندوة يصح عليها وصف ابن خلدون لما كانت تعاني منه الأمة كما وصف حالها في كتابه المقدمة:
1-فهي إما مشروعات يتوبية لا تهتم بعلم موضوعها بل بالموقف منه ولذلك فابن خلدون يعتبرها من أكبر الأدلة على أن أصحابها هم أبعد الناس عن السياسة بمعنى قيادة شؤون الأمة بمقتضى الصالح العام.
2-أو شعوذات جهلة عبثية من جنس فلسفة الثورة أو الكتاب الأخضر وبرامج الأحزاب الفاشية التي همها الحكم لذاته وليس من حيث هو أداة تحقيق رسالة.
وكلا الأمرين يفسر الهرج الدائم أو الحرب الأهلية الصامتة التي يعاني منها المجتمع المسلم في كل أقطار دار الإسلام. وغياب العلاج العلمي الحقيقي للكشف والتعليل والوصف العلاجي قياسا لفعل الإصلاح على الطب مع فارق أن الإصلاح هو الطب الذاتي أي إن المريض نفسه هو الذي يعالج نفسه ولا يوجد طبيب سوي يعالج مريضا غير سوي ومن ثم فهو يشبه التكيف الذاتي للظاهرة الحية باختراع الحلول للطوارئ وعدم الاقتصار على إعادة المعطوب إلى حالة السالفة. فالحال السوية التي يتم الإصلاح بمقتضاها ليست حالا ماضية حصلت بل هي حال مثالية تفترض حاصلة في المطلق لكنها لم تحصل أبدا وتبقى غاية لا تدرك وتلك هي علة التقدم نحو المثال طريقا إلى التكيف اللامتناهي مع الطوارئ. ومن دون هذا الفهم يصبح ختم الوحي تثبيتا وتجميدا للحياة وليس فتحا لآفاقها التي لن تتوقف إلا يوم يبعثون.
الخاتمة
كان القصد في هذه المحاولة كشف حساب محاولات الإصلاح في قرني النهضة والصحوة لتحديد المعيقات التي ترجعها فرضية العمل التي أبني عليها إلى خلل في تصور مسائل الإصلاح. وقد درست هذا الخلل في ما يجري من الأفعال وليس في المشروعات القولية للمصلحين المشار إليهم في ورقة الندوة. فالعودة الحالية لتقويم ما حدث خلال القرنين الأخيرين من تاريخنا سائلين ما الذي أضافه فكرنا في مجال فهم شروط النجاح لعلاج الشأن الإنساني بالقياس إلى ما حصل في التجارب الأربع التي وصفنا والتي كانت ثورات كونية تقتضي أن نميز بين :
1-التعبير عن المواقف من الشأن الإنساني التي يقتصر عليها فكرنا الحالي بحيث إن كل مدارس الإصلاح تعرف بمواقفها من مسائل الإصلاح وليس بنظريات علمية تتعلق بموضوع الإصلاح ومنهجياته المحققة لغاياته.
2-والعلاج الفعلي للشأن الإنساني والذي آل في كل تجاربنا الحديثة إلى الكوارث التي تسمى إصلاحا زراعيا أدى إلى التبعية الغذائية وإصلاحا تعليميا أدى إلى أن حكامنا يتعالجون في المصحات الأجنبية بعد قرنين من التعليم الحديث وجل أدوات في السلم والحرب مستوردة بحث لا نكاد ننتج شيئا ؟
فنصل إلى التفريق الواضح بين:
3-المواقف التي لها أسس موضوعية أعني ما جعل الثورات التي وصفنا تكون ثورات هدفها تحقيق استعمار الأرض والاستخلاف فيها بدل مجرد العيش والأكل كما تأكل الأنعام حتى ولو بينيا صروحا تناطح السماء لأن لنا مواد خام نبيعها ونحتاج لحمياتها بالقواعد الأجنبية
4-والمواقف المعبرة عن عواطف أصحابها والتي تجعل النقاش العام مجرد هرج ومرج حول تبادل التهم بدل البحث في سر ما نحاول مغالبته؟ ولعل أفضل مثال هو المواقف من التعامل مع أكبر عائق يحول دوننا والفراغ إلى سر الانبعاث: فبدلا من فهم أسرار القوة الفعلية في الحضارة الغربية لتعلمها بشروطها لم نتعلم إلا أنماط العيش الأوربية فصار التحديث الاستهلاكي الذي يوطد التبعية الذي جعلته التقارير العربية الشهيرة شرطا في النهوض حائلا دون التحديث الانتاجي الذي يحقق الاستقلال ومن ثم الدور التاريخي الفعلي
لذلك فلا غرابة إذا كان تقويمي للعلاجات الإصلاحية قد التزم بالمعيار الوحيد المقبول عقلا. لا أقضي في الأمر إلا بالنتائج التي آل إليها فعل الإصلاح سواء تعلق الأمر بعلم الشأن الإنساني أو بالعمل فيه[14]. وطبعا فحكمي كان سلبيا ولعله سوداوي التشاؤم.
ذلك أن الغرض الأساسي هو محاولة فهم ذلك واقتراح تفسير قد يبدو غريبا بعض الشيء لأنه من جنس من يقول إن علل فشلنا في الحروب كلها هي علل تأخرنا في الرياضيات العالية. وطبعا فمثل هذا التفسير سيهزأ منه كل من تسكره في العلم زبيبة قراءة أو من يصبح زبيبا وهو حصرم فيتهم الفكر الفلسفي بكونه أحلاما تعبر عن غفلة أصحابها وبعدهم عن الواقع. فليس أبعد عن الواقع العامي ممن يقول إن الرياضيات العالية هي الواقع الوحيد. لكن ما يمكن أن يزيد في الاستغراب هو القول إن كل محاولات الإصلاح الحديثة لا تتجاوز مفاعيلها المفاعيل التهديمية التي لجنس المؤلفات التي يمثلها كتاب فلسفة الثورة والكتاب الأخضر.
إن منطلقي هو القول إن فكرنا الإصلاحي اقتصر على المواقف من المشكلات بدل العلم بالمشكلات وفن علاجها من ثم فهو قد اقتصر على مواقف غير مؤسسة حكمته فكانت العلاجات كلها بنت النزوات والشعارات ولم تكن عملا على علم سواء في مستوى المعرفة بالشأن الإنساني أو في مستوى العمل فيه. وقد تعجبون لو قلت لكم إن مداخلتي تقتصر على وصف ما يمكن أن نسميه المأساة التي حاول ابن خلدون وصفها في المقدمة والوصية التي ختمها بها وفي التاريخ والعبرة التي سعى إليها وفي سيرته الذاتية جمعا لهذه الوجوه الأربعة. لكني في الحقيقة لم أزد حرفا واحدا على هذه الأبعاد عدا بيان أمرين:
أولهما الانطباق العجيب لهذه المأساة على حالنا الراهنة حتى لكأن الرجل يدرك ما عليه وضعنا أكثر مما ندركه نحن رغم تأخرنا الزماني الذي تجاوز الستة قرون.
الثاني كونية هذه المأساة عند الأمم التي لها دور كوني في التاريخ الإنساني والتي يمكن استقراء تجاربها الإصلاحية لفهم ما يجري عندنا باعتباره عينة من ظاهرة كونية لا يمكن التعامل معها بنجاح من دون إدراك هذا البعد الكوني منها.
فالمعلوم أن القرآن الكريم قد قدم على النبوة شرطين ليس منهما بد في الأنبياء فكيف بغيرهم من محاولي القيام بعمليات الإصلاح: الكتاب والحكم:
والأول يشير إلى الخبرة الحاصلة المتقدمة على فعل الفكر الأنساني في التعامل الإصلاحي مع الوضعيات الآنية.
والثاني هو القدرة على التقدير الذي يناسب بين الخبرة والوضعية الآنية لعزم الأمر والحسم في القرارات
والمحاولات الإصلاحية تكون صائبة بمقدار ما يكون التقدير مطابقا لما في الكتاب ولما في الحدث الآني أعني للخبرة الماضية والوضعية الراهنة وما يمكن أن يترتب على القرارات في المستقبل.
لكن كل الثورات التي حصلت كانت القيادة فيها للعواطف والفكر الغفل الذي ليس له كتاب ولا حكم: بل هو يعمل بالعواطف والأحكام المسبقة وخاصة بالشعارات الإيديولوجية والتأثر السطحي بالأفكار الحديثة وأغلبها كانت فاشية. وكانت الثورات في الحقيقة قضاء على الحاصل من التجارب وتعويضها بالارتجال الذي يجعل من ثاروا بسبب هزيمة فلسطين الأولى أوصلونا إلى هزيمة فلسطين الثانية التي تعد الهزيمة الأولى بالقياس إليها نصرا كبيرا. والمعلوم أن الفوضى العقلية قد حدثت في الحضارة العربية الإسلامية مرتين متشابهتن إلى حد كبير:
أولاهما كانت غاية الحرب الأهلية الأولى وهي قد بلغت الذروة في تعميم الحرب الأهلية على كل أبعاد فكر المسلمين بين من جعلوا الفلسفة حربا على الدين برداء ديني فقتلوهما ومن جعلوا الدين حربا على الفلسفة برداء عقلي فقتلوهما: ورمزها الحرب بين الباطنية والسنة.
والثانية كانت بداية الحرب الأهلية الثانية وهي بلغت الذروة الآن في تعميم الحرب الأهلية على كل أبعاد فكر المسلمين بين نفس الحزبين ولكن من دون تنكر برداء الدين بالنسبة إلى الحزب الأول ولا برداء الفلسفة بالنسبة إلى الحزب الثانيك ورمزها الحرب بين السلفية العلمانية والسلفية الدينية.
والوضعية الراهنة جمعت بين الحربين: لأن الأولى لم تمت بل استؤنفت وتحالفت مع الثانية من أجل نفس الهدف العودة بفكر المسلمين ودارهم إلى ما تقدم على نزول القرآن الكريم. وذلك لأن السلفية الدينية جعلت الدين الكلي ينكص إلى الدين القومي والسلفية العلمانية جعلت العقل الكلي ينكص إلى العقل القومي. فاجتمعت علينا الطائفية الدينية والعنصرية القومية.
وهذان الحزبان يمثلان من رمزنا إليه بالوثنيتين: توثين الفلسفة التي زعمت متحققة في ماضي الغرب (عصر التنوير) وتوثين الدين الذي زعم متحققا في ماضي المسلمين (عصر السلف). إنها حرب بين سلفيتين.
وفوق كل ذي علم عليم.
[1] لن أجادل أحدا في شرعية هذا التعيين. لذلك فسأعتبره مجرد فرضية عمل. لكني شبه واثق من أن ما عليه الأمر في بلاد الإسلام جلها إن لم يكن كلها لا يختلف كثيرا عما يجري في البلاد العربية. ولعل البعض يستثني ماليزيا ظنا منه أنها تختلف عن البلاد الإسلامية الأخرى. وهو استثناء لا أوافق عليه لعلتين: أولاهما مبدئية وهي أنه لا يمكن أن يكون الأمر مختلفا من حيث المبدأ إلا إذا كانت الحجة هي خلو ماليزيا من تعقيدات الإسلام في البلاد العربية لبعدها الجغرافي والتاريخي عنها. لكن ذلك يعكس الأمر لأنه يجعلها دون الحال التي عليها العرب وليست فوقها. أما العلة الظرفية فهي لمعرفتي القريبة بهذا البلد. فهو أشبه بأي إمارة خليجية. أهله الأصليون ليسوا العلة الأولى في ما يجري فيه بل غيرهم (الصينيون والهنود) ممن بيده آلة الإنتاج ولا حاجة للمزيد.
[2] ما يغفل عنه الكثير هو أن مؤسسات المادة بوجهيها ونخبتيها هي المؤثر الأول وهي ذات بعد كوني بالجوهر حتى وإن بدت تابعة لمؤسسات الصورة.
[3] يمكن تعريف مفهوم الإصلاح بصورة فلسفية نسقية لها الكثير من المؤيدات القرآنية والتاريخية عند جل الأمم التي كان لها دور في التاريخ الكوني المعلوم: فالإصلاح هو بالأساس صلح في ذات الإنسان وجوديا بين العقل والإيمان وهو معرفيا الصلح بين النظرية والتجربة وجماليا بين الطبيعي والخلقي وسياسيا بين القوة والشرعية. لماذا فشل إصلاح الغزالي مثلا ؟
1-الصلح بين الظاهر والباطن الشخصي: إحياء علوم الدين أو فضائح الظاهرية لأن البديل من التوظيف الذي جعل الدين ينفصل عن عمل التاريخ لم يكن إلا إطلاقه بتأسيس اللامبالاة بالأمر الواقع.
2-الصلح بين الظاهر والباطن الجمعي: فضائح الباطنية أو إحياء أعمال الدين لأن البديل من التوظيف الذي جعل الدين ينحصر في عمل التاريخ لم يكن إلا بإطلاقه بتأسيس الموقف القابل للأمر الواقع..
مثالان مفيدان: الفاعلية الرمزية الحقيقية (ألمانيا والولايات المتحدة غربا واليابان والصين شرقا) والفاعلية الرمزية الخادعة والفاعلية المادية الحقيقية والفاعلية المادية الخادعة. في الحاضر: توحيد أوروبا ودور النخب ذات السلطان على الفاعليات الخمس: مقومي صورة العمران ومقومي مادته والأصل في ذلك كله الفكر المتعلق بنظريات الوجود أصلا للقيم الخمس.
[4] إنه الموضوع الجديد الذي اكتشفه ابن خلدون وكان عدم وضعه علة الهوة المعرفية الفاصلة بين العلوم النظرية والعلوم العملية في الفلسفة القديمة والوسيطة قبل تأليف المقدمة. وقد بين ابن خلدون مقومات هذا الفعل وكيف يجعل التاريخ ينتقل من منزلة الفن الأدبي إلى منزلة العلم الفلسفي. ولفاعليته مستويان:
مستوى يتحدد خاصة بالتساكن من أجل سد الحاجات المادية ويغلب علية الوجه المادي الاقتصادي أعني استمداد معين الحياة من الطبيعة
والتساكن من أجل الأنس بالعشر لسد الحاجات الروحية ويغلب عليه الوجه الرمزي الثقافي أعني استمداد معاني الحياة من الاجتماع. ولهذه العلة سمى علمه باسم مضاعف: فهو علم العمران البشري (التساكن من أجل سد الحاجات المادية) والاجتماع الإنساني (التساكي من أجل الأنس بالعشير).
ولما كلا التساكنين مقتضيا نظاما يساعد على تحقيق الغرضين بطريقتين: إحداهما تنظيم الفعلين (سد الحاجات المادية والروحية) ومنع العدوان بين المشاركين فيهما بعضهم على البعض (الأمن الداخلي والخارجي) بات من الضروري أن تكون السياسة شرطا في الفعل العمراني ولها وجهان هما التنظيم المادي للعمل وللأمن. لكن هذا التنظيم لا يمكن أن يكون ذا تأثير إذا اقتصر على وجهه المادي. لذلك لا بد للدولة التي هي سلطة مادية بالأساس من سند معنوي يضفي عليها البعد المعنوي وهو دور التربية أو السلطة الروحية التي هي بالأساس خلقية. وبذلك يصبح لفعل العمران خمسة أبعاد اثنان يمثلان صورته (الدولة والتربية) واثنان يمثلان مادته (الاقتصاد والثقافة) والأصل فيها جميعا حيث تتطابق الصورة والمادة هو بالأساس المعتقدات العامة وهي بالأساس دينية.
[5] وبهذا المعنى فإنه يحق لنا أن نقول إن المسلمين قد شرعوا في إدراك معنى الإصلاح باستقراء معانية القرآنية. لكن الوعي بمفهومه الحقيقي يبقى غائما ما لم ينتقل الفكر من مدلوله المقصور على الوجه الديني منه إلى مدلوله الذي يضيف وجهه العلمي. ولم يتحقق ذلك إلا بالتدريج ولعله قد قد وصل الذروة عندما وضعت أسس فلسفة الوجود وفلسفة التاريخ المستندتين إلى القرآن الكريم والمستقلتين عن مجرد المحاكاة لضربيهما اليوناني. وقد حصل ذلك حسب رأيي في غاية الفلسفة العربية الوسيطة خلال القرن الثامن للهجرة في سعي ابن تيمية لتجاوز ما بعد الطبيعة الأرسطية وسعي ابن خلدون لتجاوز ما بعد التاريخ الأفلاطوني.
[6] من هنا مثلا غلبة العلاج الأمني أعني العلاج الذي يعامل فيه الإنسان بوصفه بدنا آليا أفضل طرق التعامل معه التعذيب والسجن بل والقتل حتى يكون بحق جثة هامدة لا يبقى فيها إلا الوجه الآلي المادي . كل المشاكل ترد إلى مشاكل العلاج الأمني بدل العلاج السياسي والتربوي.
[7] من هنا مثلا غلبة الآليات العضوية في التداول: التوريث والانقلاب الذي يصفي فيه اللاحق السابق بدنيا والحكم مدى الحياة.
[8] فالإطلاق الذي يستند إليه العنف والتعصب علته الضمنية هي الظن بأن التصورات الإيديولوجية علم بل وعلم محيط يخول لصاحبه أن يفرض رأيه على غيره وأن يجبره على القول به بما في ذلك حق محاربة المقاصد التي أشرنا إليها باعتبارها أسس كل شرعية ومن ثم شرط الفاعلية الإصلاحية في فعل المؤسسات والنخب.
[9] سندنا الأول هو فلسفة التاريخ عند ابن خلدون وفي فلسفة الدين عند ابن تيمية. لكن العلمين كلاهما يقبل أن يكون مدخلا في الوجه الذي اخترنا فيه نديده. فكيف فهم ذلك ابن خلدون وابن تيمية رغم أن المنطلق مختلف؟ ولم اعتمد الإصلاح عليهما دون أن يدرك مغزى حلولهما حتى وإن كان له شيء من الحدس الغائم بها فكان بسبب ذلك ما حصل من نكوص في حركات الإصلاح التي وثنت الماضيين وأهملت معنى المسافة الفاصلة بين المثال وأعيان تحقيقه في التاريخ الفعلي من حيث هو علاقة متوترة بين التاريخ وما بعده أو فلسفة التاريخ وفلسفة الدين ؟
وفهمنا للقضية بوجهيها الفلسفيين التاريخي والديني يعتبر الصراع الحالي غير جديد بل هو جوهر الحرب الأهلية الإسلامية منذ ما يسمى بالفتنة الكبرى وهو كذلك لأنه عين الإشكالية كما تحددت في الوجود الإنساني عامة وكما تحدده:
كما يتبين دينيا من الفهم العميق لآية خلق آدم واستخلافه كما نبينه إن شاء الله في أحد هوامش هذا البحث.
وكما يتبين فلسفيا من الفهم العميق لكل محاولات التصور المثالي لإصلاح الشأن الإنساني من أفلاطون إلى كل الفلسفات السياسية الحديثة.
[10] نفس ما جاء في الهامش السابق.
[11] وليس من المصادفة أن أصبح بعض الصحفيين الإسرائيليين أعلم باللسان العربي من جل حكام العرب. حتى إني رأيت مرة أحد كبار رجال الدولة في ندوة صحفية مع ممثل إنجلترا في فلسطين فظننت هذا عربيا لسلامة لسانه وذاك انجليزيا في الكلام العربي لفرط ما وقع فيه من أخطاء لغوية.
[12] عدم الإطالة في تحديد طبيعة المعارك المناسبة وأثره في إفساد سبل الإصلاح مقصود لأنه شبه معلوم للجميع: في التجربة الفائتة مسألة القومية والصراع الطبقي قبالة مسألة الإسلام والوحدة الوطنية. وفي ما يجري الآن: مسألة الدولة القطرية والدولة القومية.
[13] لا بد هنا من الإجهاز النهائي على خرافة طالما أسمعها فيقشعر لها بدني: فجل المتفاقهين بغير علم في ما يسمى بالإعجاز العلمي يتصورون أنفسهم يرفعون من منزلة القرآن عندما يزعمون أنهم وجدوا فيه بعض القوانين الطبيعية مستدلين بذلك على صحة النبوة وألوهية القرآن. وهذا لعمري عين الحط من شأن القرآن. والعلة في هذا الحط هي خرافة المعطيين النص والعالم. فيكون القرآن نظير العالم. وهو خلط علته عدم التمييز بين الطبيعي والخلقي في العالم وهما المعطيان أعني عالم الربوبية وعالم الألوهية والقرآن فوق العالمين وليس مناظرا لأي منهما بل هو فوق عالمين آخرين هما أثر العالم الطبيعي في العالم الخلقي أي مراحل التاريخ الروحي للبشرية كما يقصها القرآن أعني العالم الواصل بين فطرة البداية (إسلام آدم) وفطرة الغاية (إسلام محمد صلعم) وأثر العالم التاريخي في العالم الطبيعي أي مراحل التاريخ المادي للبشرية أعني العالم الواصل بين الإنسان في بداية الاستخلاف واستعمار الأرض والإنسان في غايتهما. والتطابق بين التاريخين الروحي والمادي هو الذي يحدد لنا معنى ختم الرسالة: فما كان مجرد قيم روحية يسعى إليها الإنسان بوصفها شبه أحلام أتت الرسالة الخاتمة لتجعله قيما واجبة التحقيق في التاريخ الفعلي وهو معنى أن الإسلام إصلاح دائم غايته تحقيق القيم الدينية وأداته السياسة التي تخضع لهذه القيم والمحررة من السياسة المنافية للقيم الروحية.
[14] قانون تدرج الفاعليات واختلاف أنساق تدرجها:
1-الفاعلية المادية نوعان يغلب عليهما القانون الطبيعي بتفاوت: الفاعلية الاقتصادية والفاعلية السياسة.
2-الفاعلية الرمزية نوعان يغلب عليهما القانون الخلقي بتفاوت: الفاعلية الثقافية والفاعلية التربوية.
3-الفاعلية السياسة أسرع أثرا وأقل ديمومة من الفاعلة الاقتصادية
4-الفاعلية الثقافية أسرع أثرا وأقل ديمومة من الفاعلية التربوية.
5-المعادلة الأساسية لحاصل الفاعليات: تحددها فرضيتان بمقتضى عمل قانون إيقاع الفاعلية وحرية تركه يفعل أعني عدم التدخل المفسد لمجراه بمقتضى طبيعته:
فالسياسي والتربوي يمثلان صورة العمران وأولهما قصير مدى فعله والثاني طويل.
والاقتصادي والثقافي يمثلان مادة العمران وأولهما قصير مدى فعله والثاني طويل.
فإذا عملت كل واحدة منها بمنطقها من دون سيطرة غيرها عليها كانت الحالة حالة سوية وإذا عملت كل واحدة منها تحت سيطرة غيرها عليها كانت الحالة حالة غير سوية.
ذلك أن السياسي يمكن أن يتدخل في الاقتصادي بمقتضى النزوات أو بمقتضى الأخلاق وهذا هو دور حرية الطبقة الاقتصادية. والاقتصادي يمكن أن يتدخل في السياسي بمقتضى النزوات أو بمقتضى طبائع الاقتصادي وهذا هو دور حرية الطبقة السياسية. ونفس الأمر يقال عن علاقة التربوي والثقافي. والحرية في هذه الحالات كلها تعني أن الهيئات التي تدير هذه الوجوه من العمران ينبغي أن تكون مستقلة بعضها عن البعض والمراقبة الاجتماعية هي التي تحافظ على هذا الاستقلال فيكون الطابع السوي للعمران أو هي لا تحافظ عليه فيزول هذا الطابع السوي ويصبح العمران مريضا لكونه يعود إلى الفاعلية الطبيعية إذ يسيطر الثقافي والاقتصادي المتحكمين في النزوات السياسية والتربوية أعني في ما هو خاضع للقانون الطبيعي من سلوك الإنسان ومتحرر من القانون الخلقي: وذلك هو المقصود بالطابع غير السوي.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام