shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

 

 

 

 

 

 

                            الإسلام و الفلسفة : أية علاقة و أي مستقبل ؟

د .  محمد  مـــــزوز  (باحث من المغرب) :

 

   مات الرسول .. انقطع الوحي .. صمت الإله : ثلاث لحظات مأساوية في تاريخ المجتمع  والوعي الإسلاميين . لم يكن المجتمع الفتي مهيأ لتلقي مثل تلك الصدمات ، فاجأته اللحظات الثلاث بعيد قليل من الألفة معها . و بخاصة عندما ندرك أنها لحظات ذات بعد ميتافيزيقي ، تنظم السلوك و تحدد الرؤية . لم يلبث هذا المجتمع أن خرج من طور إلى آخر حنى باغته الغياب : غياب فعلي و رمزي في الوقت نفسه . ما يزال الصراع في بدايته حول إرساء دعائم النظام الجديد ، و ما يزال دم الغزوات ينزف ، و لم يحسم ميزان القوى  إلا  بالكاد .. حتى حلت واقعة الوفاة . هي واقعة و لكنها سوف تتحول إلى رمز ، سيتأجج خيال المسلم بعدها  و من جرائها . ستحدث تحولات جذرية في صيرورة الدولة ، و في مسار العقيدة . ستظهر أحزاب و تنشأ فرق، ستتصارع مذاهب فقهية و سياسية . ستسيل دماء كثيرة في الداخل و الخارج ، ستقع فتوحات     و انتصارات .. و ستتلوها انحسارات و انكسارات . ما تزال الدولة و الأمة تعيشان على وقع تلك اللحظات إلى اليوم ، و ما يزال المسلم يعيش ماضيه في حاضره ، و كأن التاريخ  يلتوي على نفسه و كأن الزمن يسير وفق حركة دائرية . فما دلالة هذه اللحظات الثلاث ؟ و كيف لعبت دور المفاتيح التي تسمح بالنفاذ إلى ذهنية المسلمين ، و تتحكم في خارطة المجتمع الإسلامي ؟

   1 ـ دلالة  وفاة الرسول :

  الوفاة تعني اليتم ، تعني الحرمان ، تعني خسارة القدوة . لذا طرح السؤال البديهي فورا : من هو الإمام بعد الرسول ؟ لا أحد يملك الجواب ، فالنصوص صامتة لا تفصح . و إن أفصحت فهي تتكلم بلغة مجازية تحتمل أكثر من معنى ، أي تحتمل التعيين و التنصيص كما تحتمل ترك أمر الإمامة شورى بين المسلمين . أما الأحاديث فهي و إن أفصحت ، فذلك يؤدي إلى الاختلاف الشديد الذي يقود إلى مشارف الصراع . لأن كل فريق يسوق أحاديثه ، إن نصا و تعيينا أو اتفاقا و اختيارا . و هنا نعثر على جذور المشكلة ، أعني في مسألة الاختلاف . فهذا الأخير قد يكون حافزا على نوع من الممارسة الديموقراطية ، و شكلا من التفكير يقوم على الاعتراف بالآخر، كما قد يكون حافزا على الإقصاء و النبذ أي الاستفراد بالحقيقة و الانفراد بالحكم .

  يصف الشهرستاني لحظات الخلاف الأولى بين المسلمين حول مسألة الإمامة ، حيث كان يتأرجح ذلك الخلاف بين القطبين السابقين . يقول : " أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة .. فاختلف المهاجرون و الأنصار فيها . فقالت الأنصار : منا أمير و منكم أمير ، و اتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري . فاستدركه أبو بكر و عمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة . و قال عمر : كنت أزّور * في نفسي كلاما في الطريق ، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم ، فقال أبو بكر : مه** يا عمر ، فحمد الله و أثنى عليه و ذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب . فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته     و بايعه الناس ، و سكنت الفتنة . إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه .  فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين ، فإنهما            تغرّة ***يجب أن يقتلا " (1) .

  لا ندري ما نوع الكلام الذي كان عمر يعده في نفسه و ينمقه ، ليتفوه به أمام الأنصار قبل أن ينهره أبو بكر . كما لا ندري أيضا لماذا جاء كلام أبي بكر مطابقا لما كان يدور في نفس عمر ، رغم أنه لم يتفوه بشيء منه بعد . هل دار نقاش سابق بين الرجلين قبل مجيئهما إلى السقيفة ؟ هل رتبا أمورهما قبل الحضور ؟ لا نعلم عن ذلك شيئا . ما نعرفه أن التطابق حصل بين تصور الرجلين ،  لذلك بادر عمر إلى مبايعة أبي بكر . و ذلك قبل أن يبدأ الأنصار في عرض تصورهم عن شكل الحكم الذي يدافعون عنه : " منا أمير و منكم أمير " . ما الذي حصل بالضبط ؟ هناك حلقة غير مفهومة في سلسلة الأحداث ؟ خصوصا و عمر يعترف بنفسه أن المبايعة كانت         " فلتة " تاريخية ، لا يجب أن تتكرر . لكن متى انتبه عمر إلى هذه الزلة التاريخية : هل أثناء المبايعة ، أم بعدها ؟ إن كان أثناءها فهذا نوع من الحدس السياسي و الإدراك المستقبلي الذي ينم عن عبقرية القيادة ، أما إن كان بعدها فهذا استنتاج للعبرة من حصول الفتنة  . و بذلك يمكن أن نلخص التاريخ الإسلامي في العهد الأول في كلمات ثلاث ، بينها علاقة ترابط : مبايعة ←     فلتة ← فتنة .

  يبقى هناك سؤال ملغز : لماذا بايع الأنصار أبا بكر ، و تخلّوا عن تحقيق مطلبهم في الحكم ؟ فبعد احتدام الصراع بين الجانبين ، تبخر أحدهما لصالح الآخر هكذا بدون مقدمات و لا      أسباب !!! من غير المفهوم أن يرفع الأنصار شعار " منا أمير و منكم أمير " ، و لكن أثناء التنصيب يبايعون أبا بكر إسوة بعمر ( و هما من المهاجرين معا ) . هل الخلل يوجد في الرواية أم في الواقعة ؟ هل عدم الفهم نابع من الحكاية التي رواها الشهرستاني أم من مجريات الأمور التي حصلت آنذاك ؟ كيف يعقل أن الدولة الإسلامية الناشئة تأسست في بلد الأنصار و في مدينتهم يثرب و بسواعد أبنائهم ، ثم يحرمون من خلافة القائد الأول لهذه الدولة أي النبي ؟

  إذا خرجنا من الرواية إلى الواقع ، سنجد أن العلاقات القبلية هي التي يمكن أن تفسر ما حدث . يرى  هشام جعيط في كتابه " الفتنة الكبرى " أن الانقلاب المفاجىء في موقف الأنصار يجد تبريره في الصراع القديم الذي استيقظ بين قبيلة الأوس و قبيلة الخزرج . حيث لم يكن الأوسيون يواقفون على أن يكون الأمير الذي يمثلهم من الخزرج ، لذلك سارعوا إلى مبايعة أبي بكر ، ناهيك عن كون كل من أبي بكر و عمر تربطهما علاقة مصاهرة مع الأنصار . إن ما فشلت في تحقيقه العلاقات السياسية ، نجحت فيه  علاقات القرابة . و هذا دليل على فتوة الدولة الحديثة النشأة ، و صعوبة تجاوز العلاقات البدائية التي عرفها المجتمع الجاهلي و التي ما تزال تفعل أفاعيلها.

  لنترك البحث عن الأسباب و المسببات للمؤرخين ، فهذا ليس غرضنا بالقصد الأول . إن غرضنا بالذات هو البحث فيما يجري أمام أعيننا اليوم ، أعني مسار الثقافة و المجتمع   الإسلاميين ، و هل لذلك علاقة بما حدث في الصدر الأول ؟ يقول الشهرستاني في هذا الصدد :  " إن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك  الشبهات التي وقعت في أول الزمان .. و إن خفي علينا ذلك في الأمم السالفة ـ لتمادي الزمان ـ فلم يخف في هذه الأمة " (2) . و رغم أن الشهرستاني يربط الشبهات هنا بالنفاق و الخديعة و الرياء .. و غيرها ، إلا أن في قوله جانبا من الصحة . و هو أن المجتمع الذي لا يتطور و لا يعرف فكرة التقدم ، فإن محنه و مشاكله      و عوائقه تتشابه  و تتكرر . ألسنا نشاهد اليوم نفس الصراع بين الدولة من جهة  و الجماعات الأصولية التي تنازعها شرعية السلطة ؟ ! فقط يوجد هاهنا فارق : الجماعات الأصولية لا تبايع السلطان و لا تريد اقتسام السلطة " منا أمير و منكم أمير " ، بل هي تقول : " الأمير منا " !      و من هذه الجهة يمكن للمرء أن يستنتج الخلاصة التالية : الأصوليات بمختلف ألوانها ليس لها أصل في التاريخ السياسي الإسلامي بل هي بدع أي حالات طارئة ، لأن تاريخ الإسلام لم يعرف سوى تجربتين فيما يتعلق بالإمامة و الخلافة : الشورى (السنية)  و التعيين ( الشيعي ) .

   لم يكتب لتجربة الأنصار أن ترى النور ، و لم تخرج فكرتهم إلى الواقع . فنحن لا نعلم الشيء الكثير عن تصورهم للحكم ، و لم يتبق لدينا من ذلك التصور سوى الشعار " منا أمير و منكم أمير " . و لنا أن نحرك مخيلتنا بغية تبين معالم هذا الشعار : هل ربطوا ذلك بالزمن مثلا ؟ كأن يقولوا : " يحكم أميرنا عددا من السنوات ثم يحكم أميركم عددا مثلها " ، و يتم إجراء القرعة لمعرفة من يبدأ ممارسة الحكم . سيكون الأمر أشبه ما يكون بالتناوب على السلطة ، و اقتسامها بنوع من التساوي . هل ربطوا ذلك بالمكان مثلا ؟ كأن يقولوا : " يحكم أميرنا منطقة و يحكم أميركم منطقة أخرى ، نتفق فيما بيننا على الحدود و لكننا نتشاور في أمر الإدارة السياسية ،      و اتخاذ القرارات العليا بالتراضي و التوافق " . سيكون ذلك نوعا من الحكم الفيدرالي أو الكونفدرالي أو سمه ما شئت ، فلا مشاحة في اللفظ إذا ظهر المعنى كما يقول الغزالي . و لكن لن تكون تجربة الأنصار ديموقراطية على كل حال ـ كما لم يكن غيرها كذلك ـ نظرا لغياب التصويت و الاقتراع العام آنذاك . فالشورى لم يكن يقصد بها أصوات الناخبين ، و إنما هي اتفاق النخبة على تعيين فرد لتولي منصب الإمام . و عندما تضيق دائرة النخبة يتحول الأمر إلى استبداد ، فنحن نعرف كيف تحولت الشورى و البيعة إلى ملك عضوض ابتداء من العصر الأموي . و عمر نفسه قبل بمبايعته من طرف أبي بكر ، و هو الذي اعتبر المبايعة " فلتة " يستحق فاعلها القتل . ناهيك عن احتجاج بعض الناس على أبي بكر حين قالوا له : " قد وليت علينا فظا غليظا "(3) .

  إلا أن هذا كله لم يمنع من تكوين دولة و إنشاء امبراطورية امتدت أجنحتها غربا و شرقا ، فالتاريخ كفيل بتكييف الفكرة مع الواقع . في ظل هذا النمط من الحكم ، ظهرت علوم و آداب     و فنون .. باختصار نشأت حضارة و خصوصية ثقافية أثرت على غيرها كما تأثرت بغيرها . لكن العبرة بالنتائج كما يقال ، فمآل هذه التجربة بعد خمسة عشر قرنا من الزمان يبين لنا اليوم أننا ما برحنا القرن الأول للهجرة ، و بخاصة عندما يتقدم غيرنا و يتراجع حالنا . هاهنا سؤال يطرح نفسه على الباحث : كيف سيكون حال هذه الأمة اليوم ، لو سار التاريخ الإسلامي على طريق آخر كان ممكنا آنذاك ، ألا و هو طريق تجربة اقتسام الحكم و التي اتخذت لها كعنوان     " منا أمير و منكم أمير " ؟ فرغم أن أصل الفكرة يعود إلى نعرات قبلية و صراعات قديمة ، إلا أن التاريخ كفيل بتشذيبها و تقويمها بل و تطويرها كذلك . ألم تكن البيعة " فلتة " تاريخية ،       و رغم ذلك رأت طريقها إلى النور ، و حملت في جوفها دولا بكاملها ، و ولدت من رحمها امبراطوريات ؟! فما بالك بفكرة هي أقرب إلى المنحى الديموقراطي ، منها إلى استبداد الملك العضوض ؟!

  التاريخ  الإسلامي ليس إسلاميا ، بل أصبح كذلك : يقع الاختلاف في البدء ، تتصارع الرؤى  و المصالح و الأفكار ، يتم حسم  الصراع في هذا الاتجاه أو ذاك ؛ ثم بعد ذلك تلجأ السلطة  (  أو المعارضة على السواء ) إلى تبرير شرعيتها بالعودة إلى التقعيد و التأصيل . الفكرة تصبح إسلامية فيما بعد ، و لا تولد في أذهان أصحابها بلون العقيدة . و إلا فما الحاجة إلى تقعيدها  ؟! هكذا ظهرت الدولة الإسلامية في البداية ، كفكرة تأرجحت في أتون الصراع  القبلي بين لون الإمارة ثم لون الخلافة ثم لون الإمامة . المجتمع الإسلامي اليوم هو مجتمع ممكن و ليس قدرا محتوما ، إنه شكل من الأشكال التي أفرزها الصراع حول الأفكار و الرؤى : هو ابن الخلاف .  إنه مجتمع لم ينشأ دفعة واحدة بل نشأ بالتدريج ليس فقط أثناء زمن النبوة ، حيث جاء الوحي على مراحل لتنظيم هذا المجتمع ( أسباب النزول ) ، بل أيضا بعد انصرام زمن الوحي . صحيح أن القرآن أعلن اكتمال الدين الجديد ، كما أعلن ختم الرسالة ؛ لكن المشكلة لا تقف عند هذه الحدود . إن المسألة هي مسألة خلاف و ليست مسألة اتفاق : هاهنا مشاكل ستسجد و تحتاج إلى حلول . فمن سيدير مفتاح الحل بيديه , و يقبل به الجميع ؟ 

   2 ـ دلالة انقطاع الوحي :

  عندما اقتنع المسلم بأن الرسول غاب و لن يعود مرة ثانية في شخص آخر ، و أن الرسالة ختمت بشكل لا رجعة فيه ،  لم يجد أمامه سوى النص المقدس كملاذ أخير . صحيح أن النص واحد ، و لكن الطرق المؤدية إليه مختلفة ، و النوايا متباينة ؛ لذا جاءت التأويلات غير موحدة ، و التفسيرات غير متطابقة . هكذا تم تأصيل الخلاف بدوره ، و تم تعبيد الطريق أمام ظهور المذاهب . معنى ذلك أن نمط  المجتمع الذي سيظهر لم يكن معطى سلفا ، بل يتم حسمه على مستوى التفسير و التأويل أولا . فالتأويل يدور حول المعنى ، و المعنى يتعلق بمصائر الناس ،   و من يتحكم في المعنى يتحكم في الرقاب . لهذا السبب يظهر الصراع أحيانا على مستوى الخطاب الأصولي باعتباره مجرد خلاف لغوي أو مناظرة كلامية ، أو تباين فقهي ، في حين أن الأمر يتعلق بإعلان حروب : إنها حروب بالكلمات . فالمجتمع لا تحكمه النصوص اللغوية من خلال قواعدها النحوية فقط و ما ينتج عن ذلك من معنى يتحكم في مصير الإنسان ، بل إنه محكوم بعلاقات قرابة و بنيات قبلية  و ذهنيات  متجذرة . و تحت ضغط سلطة هذه العلاقات     و قوة هذه البنيات ، تولد المذاهب الأصولية و الفقهية ، و يتم انتقاء هذا المعنى دون غيره ،        و التركيز على هذه الآية دون سواها ، و يميل التفسير إلى ترجيح هذا الرأي و ليس ذاك .. إلخ . النصوص الدينية لوحدها لا تنطق ، و الآيات لا تفصح بجلاء لأنها تحمل الظاهر و الباطن ، تحتمل المعنى الأولي و المعنى المؤول ، تحتوي على الحقيقة و المجاز .. إلى غيرها من الإكراهات التي تفرض اختيار مسلك ما للخروج من حالة اشتراك الدلالة و اشتباه المعنى .       و الاشتباه  يثير الشبهة كذلك ، لأنه يؤدي إلى الخلط  و يثير البلبلة .

  يورد الشهرستاني نماذج من الشبهات التي أثارها النص الديني مباشرة بعد انقطاع الوحي ،    و في زمن الخليفة الأول ، منها : " مسائل ميراث الجد ، و الكلالة ، و في عقل الأصابع ،        و ديات الأسنان ، و حدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص " (4) . إنها قضايا تشريعية تتعلق بالأحكام ، و من ثم فهي المسؤولة عن شكل التنظيم الاجتماعي الذي ستسير عليه الأمة . فالمسألة ليست إيمانية / نظرية ّ، بل هي مسألة عملية / تطبيقية . ليس هاهنا مجال للدخول في تحليل مثل هذه القضايا الفقهية و بيان علاقتها بالواقع الاجتماعي ، سنكتفي بإيراد مثال واحد طلبا للإيجاز   و الاختصار ، ألا وهو مثال " الكلالة " . و الكلمة لها علاقة بمسألة الإرث ، فماذا تعني هذه الكلمة الغريبة ؟

   تقول الآية القرآنية : " و إن كان رجل يُورَث كلالة أو امرأة ، و له أخ أو أخت ، فلكل واحد منهما السدس . فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دَين غير مُضارﱟ , وصية من الله و الله عليم حليم "(5) . في تحليله لهذه الآية يرى محمد أركون أنها تثير صعوبات جمة ، منها أن النص ورد " بصيغة المجهول ، و هذا ما يزعج المفسرين و يسبب لهم الإرباك ، لأننا لا نعرف العلة في استخدام صيغة المجهول هنا " (6) . كما أننا نواجه أيضا  " مشكلة نحوية تخص تركيبة الجملة ، ذلك أننا كنا ننتظر أن يقول و لهما أخ أو أخت بصيغة المثنى ، لأن هناك فاعلين لا فاعل واحد . و لكنه استخدم صيغة المفرد . هكذا نجد أنفسنا أمام مأزق صعب "(6) .

  يورد الطبري ـ أحد كبار مفسري القرآن و هو محترم من طرف معظم المدارس بما فيها المدرسة الشيعية ـ قراءة أخرى للآية مختلفة عن الأولى ، تقول : " إن كان رجل يورِث كلالة أو امرأة ، و له أخ أو أخت .. " . يعلق أركون على هذه القراءة الثانية قائلا : " أما إذا استخدمنا القراءة الثانية أي صيغة المعلوم "يورث" (بالكسر) ، فإن الأمر ينعكس تماما . هذا يعني أن المحتضر قد ترك وصية و حدد وارثه أو ورثته ، إذا كانوا أكثر من شخص "(7) . و جاء في الآية الأخيرة من سورة النساء أيضا : " يستفتونك ، قل الله يفتيكم في الكلالة ، إن امرؤ هلك ليس له ولد و له أخت ، فلها نصف ما ترك و هو يرثها إن لم يكن لها ولد .. " . يعلق أركون على هذه الآية    بالقول : " إذن يوجد في القرآن نفسه تساؤل عن معنى الكلمة بدليل قوله : يستفتونك في الكلالة    ( أي أنهم يسألونك يا محمد ما هي الكلالة) ، و لكن القرآن لا يقدم جوابا محددا . ماذا نفعل أمام مشكلة كهذه ؟ كيف نحلها ؟ "(7) .

  يخبرنا أركون أن أحد المستشرقين أمضى وقتا طويلا في دراسة هذه الكلمة و بحث عن جذورها ، و أخيرا اهتدى إلى الحل : الكلالة هي كلمة أكّادية ، و بالضبط تنتمي إلى اللغة القانونية الأكادية ! و هي تعني : الكنّة ( امرأة الإبن أو امرأة الأخ ) . هنا يتوقف المنهج الاستشراقي ، لكي يبدأ المنهج الأنتربولوجي و الاجتماعي . و يعتقد أركون أنه " إذا كان القرآن يورث الكنة ، فإن ذلك يعني أن كل نظام القرابة و الضبط الخاص بانتقال الأملاك و الثروات في المجتمع القبلي ، قد انهدّ و انهار . هذا يعني أنها آية ثورية انقلابية بالقياس إلى كل النظام الاجتماعي السائد ، و نظام القرابة السائد في شبه الجزيرة العربية آنذاك ؛ بل و الذي ما يزال سائدا حتى الآن . لأن الفقهاء قد فسروا الأمور ، و تدبروها بشكل تستطيع معه المحافظة على النظام السائد قبل الإسلام ، و بطريقة تنقذه فلا يحصل انقلاب كامل في المجتمع " (8) . و حفاظا على بنية المجتمع التقليدي ، و تجنبا لانهيار نظامه ، لجأ الفقهاء إلى التطبيق الصارم لقواعد تنظيم الإرث وفق قواعد حسابية لا تسمح بوقوع خلل في هذا النظام . هذا ما نعثر عليه في سورة النساء بوضوح لا يحتمل التأويل و لا التشكيك ( الآيات من 8 إلى 11 ) ، أي الآيات المعتمدة في قواعد الإرث حاليا . أما الآيات التي تفسح المجال أمام الوصية بطريقة حرة ، كأن يتصرف الموصي في أمواله كيفما شاء , فقد تم إبطال مفعولها من طرف الفقهاء بدعوى أنها منسوخة       ( مثال الآية 240 من سورة البقرة ) .

  نقرأ في تعليق أركون على القول بالنسخ ما يلي : " هذه فتوى تحمّل أصحابها مسؤولية ثيولوجية ضخمة ، لأنهم أخذوا ببعض كلام الله و تركوا بعضه ، بحجة أنه منسوخ . و لكنهم في الواقع فعلوا ذلك لأنه يناسب أهدافهم ، و حاجيات المجتمع الذي عاشوا فيه . إنه يتلاءم مع نظام القرابة السائد قبل الإسلام و بعده " (8) . إنها فعلا مسؤولية جسيمة ، لأن الفصل بين الآيات المنسوخة و الآيات الناسخة ، يحتاج إلى قول إلهي أي إلى ملحق إلهي ينضاف إلى القرآن . ذلك أن الناسخ هو الله ، و هو أعلم بما نسخ و ليس الفقهاء . فمن يدعي أن آية نسخت أخرى معناه أنه اطلع على الأسرار الإلهية و كشف عن الحكمة من وراء الخطاب الإلهي . شخص واحد يحق له ذلك هو الرسول ، و ما عداه فهو مجرد اجتهاد بشري خالص . قد يفهم الاجتهاد في مجالات معينة كأسباب النزول مثلا لأن مضامين بعض الآيات يحيل أحيانا على وقائع تاريخية أو اجتماعية . و ليس لقائل أن يقول إن الناسخ و المنسوخ يمكن تفسيره بأسباب النزول ، لأن العلاقة إما أن تعمم أو لا يعتد بها . و ذلك باعتماد قاعدة السابق و اللاحق مثلا : اللاحق ينسخ السابق .   و كما ترى فهذا يؤدي إلى إقصاء جزء كبير من الكلام الإلهي ، نتيجة إبطال مفعول الآيات المنسوخة . ناهيك عن التساؤل المحرج التالي : ماذا تفعل الآيات المنسوخة هنا ؟ ما الذي يبرر استمرار انتمائها إلى جسم الخطاب الإلهي ؟ ثم إنها تثير مسألة الاختلاف و الخلاف من جديد : لو كان القرآن من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .

  إنها قضايا تتجاوز العقل الفقهي ، و ليس بإمكانه الجواب عنها , عكس العقل الكلامي الذي يملك جرأة ما تجعله يدفع بالأمور إلى أبعاد أكثر تجريدا في بعض الأحيان . الفقهاء براغماتيون، يشتغلون بطريقة عملية : يحددون أهدافهم و ينصرفون إلى الاشتغال . فهم لا يهتمون بالقضايا ذات البعد الميتافيزيقي أو الوجودي ، لأنهم منشغلون بالتشريع ، أي ضبط السلوك الفردي        و الجماعي على مقاس النظام الاجتماعي . أما الانشغال بالمناظرة و المجادلة فهو متروك لعلماء التوحيد , أي علماء الكلام . و الأسئلة المحرجة السابقة هي التخوم الفاصلة بين عالم أصول الفقه   و عالم أصول الدين : الأول يريد أن يستنبط الأحكام الشرعية من أجل الإمساك بالمفاتيح التي تدير سيرورة المجتمع و التحكم في مداخله و مخارجه ، أما الثاني فهو يريد أن يقعد الإيمان على أسس صلبة لكي لا ترتج الأركان في نفسية المؤمن . و لكن لعالم أصول الدين حدوده و تخومه القصوى أيضا ، يلزم أن يتوقف عندها . و ذلك عندما يتعلق الأمر بالمقصد الإلهي ، أي بالهدف من وراء فعل أو خلق ما . فهو ليس مفوضا من طرف الإله ليتكلم باسمه ، و ليس من حقه بيان مقاصد الإله في الفعل أو القول الفلاني ، و إنما من واجبه أن يبين معاني النص و مقاصد   الشرع .. و ذلك أن الحديث خارج النص و تمطيط المعنى ليخرج من اللفظ و يكتسح مساحة أنطولوجية جديدة ، بدعوى أن الإرادة الإلهية تسير في ذلك الاتجاه ؛ هذا النوع من الخطاب هو اعتداء على حدود الله ، و فتح جديد لملف الرسالة الذي طوي إلى الأبد . لا يحق لأحد أن يتجاوز حدود النص ( بالحرف و المعنى ) ، لسبب بسيط هو الصمت الإلهي ( ويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) . فكيف يعقل إضافة كلام إلى كلام في الوقت الذي عزف فيه المتكلم عن الكلام ؟

  2 ـ دلالة الصمت الإلهي :

  لماذا قرر الإله أن يدخل في صمت أبدي ، و عزف عن الكلام بشكل مطلق ؟ يخبرنا تاريخ التوحيد أن التدخل الإلهي في العالم كان يتم عندما يقع انحراف في تاريخ العقيدة ، و من ثمة تأتي الهداية الإلهية بإرسال الرسل مبشرين و منذرين ؛ انسجاما مع العناية الإلهية التي ترأف بالبشر . إذن فالعالم ليس متروكا لحاله ، و لم يخلق سدى : هناك هداية و عناية  و رأفة بالعباد . فالمراقبة الإلهية تقتضي إعادة الناس إلى الطريق كلما زاغوا عنها ، و تذكيرهم بالمعالم الهادية كلما حادوا عن الصواب و الحق و الخير و العدل .. و غيرها من القيم السامية و النبيلة . عندما جاءت الآية القرآنية معلنة ختم الرسالة السماوية " اليوم أكملت لكم دينكم " ، كان ذلك إعلانا عن قرار إلهي بالدخول في صمت أبدي . فما دلالة هذا القرار ؟ و ما مغزاه ؟ هل معنى ذلك أن مشاكل الإنسان انتهت أم استفحلت ؟ هل معنى ذلك أيضا أن الإنسان وضع على الطريق القويم أم أن تقويمه ميؤوس منه بناء على التجارب السابقة ؟ فقصص الأنبياء تقدم لنا تاريخ الإنسانية كأسنان المنشار ( يشبه التاريخ الخلدوني ) : في المرحلة الأولى يسود الكفر و يعم الشرك ، إلا فئة قليلة معدودة على رؤوس الأصابع هي التي تظل متمسكة بعقيدة التوحيد ، و هذا ما يبرر التدخل الإلهي لتقويم الوضع و ذلك بدحر مظاهر الانحراف ( الكفر و الشرك ) . و يتخذ القضاء على تلك المظاهر عدة أشكال ، إلا أنها تشترك في أساس واحد هو تسخير ظواهر الطبيعة بما تحتويه من قوة تدميرية لدحر أعداء التوحيد ( الرياح / الزلازل / الطوفان / الصواعق .. ) . و بعد تطهير العالم من بذور الانحراف حماية للمؤمنين بالتوحيد ، يستمر الأمر على هذا الحال مدة زمنية ثم يعقبه الانحراف من جديد أي العودة  إلى الشرك و الكفر ، مما يقتضي تجديد الرسالة .. و هكذا حتى نصل إلى خاتم الرسالات . لكن لماذا تم ختم الرسالة ؟ لماذا تم طي ملف النبوة نهائيا ؟ ألم يحدث ما يبرر التدخل الإلهي بعد وفاة الرسول مباشرة؟ ألم تُسلّ السيوف من أغمادها بسبب مشكلة الإمامة ؟ ألم يكن عصر الخلفاء الراشدين عصرا دمويا ( اغتيال ثلاثة خلفاء ) ، و هو أرقى العصور الإسلامية على الإطلاق بل يعتبر عصرا ذهبيا أي مثالا أعلى و نموذجا يحتذى ؟ ألا تستلهم الجماعات الإسلامية ( السنية ) ذلك العصر بدون تحفظ ، و تحن للعودة إليه ؟

  يقال عادة إن ختم الرسالة يجد تبريره في كون الإنسانية وصلت مرحلة متقدمة من الناحية العقلية و الفكرية ، و لذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يتحمل الإنسان مسؤوليته بعد أن زوده الله بالعقل و النقل معا . إن كان الأمر كذلك ، فهذا يعني أن الإسلام هو الديانة السماوية الوحيدة التي ستحتضن العلوم العقلية و على رأسها علوم الحكمة ، لأن الصمت الإلهي سيفسح المجال أمام الكلام الإنساني : صمت الإله ليتكلم الإنسان ، انقطع صوت الوحي ليستمر صوت العقل ! فبعد انفصال العقل عن الأسطورة في الحقبة اليونانية ، بزغ فجر الفلسفة فولدت المذاهب                و النظريات . و لكن بمجيء الديانات السماوية ، بدأ الاستماع لمصدر آخر من الخطاب هو الكلام الإلهي . و بعد توقف هذا الكلام و ختم الرسالة السماوية ، من المفروض أن تتم العودة مرة أخرى إلى الكلام الإنساني و الاستماع لصوت العقل .

  إن العقل الفلسفي يشتغل بطريقة موازية للنص الديني ، و لا يتدخل فيه تأويلا ( كما يفعل علم أصول الدين ) أو تشريعا ( كما يفعل علم أصول الفقه ) . و لذلك يقول ابن رشد في " فصل المقال" إن الحكمة أخت الشريعة بالرضاعة ، لأنهما تؤمان غاية واحدة هي طلب الحق ؛ و الحق لا يضاد الحق بل يشهد له . إن تأويل المتكلمين للنص المقدس هو محاولة منهم للاستحواذ على المعنى ، و المعنى هو الدلالة الناتجة عن الجمع بين الدال و المدلول : إنها وظيفة العلامة . المساس بوظيفة العلامة اللسنية سيؤدي إلى تكسير العلاقة التي يقوم عليها الخطاب برمته ، لأنها علاقة تقوم على المواضعة . و ليس لمعترض أن يدفع بالقول إن الخطاب الإلهي من جنس آخر لا ينطبق عليه هذا القانون ، لأن المواضعة بشرية و لو كان المصدر إلهيا . فالإله تحدث إلى الناس بخطاب يفهمونه ، و لا يمكن للفهم أن يتم إلا من خلال ما تواضعوا عليه . اعتقد عالم أصول الدين أنه يشرح الكلام الإلهي عندما يؤول ، في حين أنه كان يعمل على تكسير علاقة    المواضعة ، مما سيؤدي إلى استغلاق الفهم الديني السليم . 

  افتح  أي كتاب في علم أصول الدين لدى القدماء و ستعثر في بدايته على هذا التكسير للعلاقة ، و الخروج بالوظيفة الدلالية عن سياقها . يقول الإمام الجويني مثلا في السطر الأول من " كتاب الإرشاد" في بابه الأول ما يلي : " أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعا ، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم "(9) . هذا واجب ! من أوجبه ؟ لا ندري . نحن نعلم أن النظر الصحيح وفقا لعقيدة التوحيد هو الإيمان بالخالق و بخلقه للعالم ، أما اشتراط الحدوث فهو من ابتداع المتكلمين . الحدوث يعني الخلق المسبوق بالعدم ،     و هذا الشرط من إضافة علماء أصول الدين . لذلك يرى ابن رشد أن " استعمال لفظ الحدوث     و القدم  بدعة في الشرع ، و موقع في شبهة عظيمة تفسد عقائد الجمهور "(10) . إن عملية إيجاد العالم أو صنعه ، أطلق عليها لفظ الخلق و لفظ الفطور و ليس لفظ الحدوث . هذا بالإضافة إلى حديث المتكلمين المطول عن الذات و الصفات ، و تحليلاتهم المستفيضة لطبيعة الذات و علاقتها بالصفات أهي زائدة أم غير زائدة ؟ أهي قديمة أم حادثة ؟ أهي معنوية أم غير معنوية .. إلخ . عندما يقول المتكلم إن الإله يمتلك سمعا ليس كسمعنا ، و بصرا ليس كبصرنا ، و كلاما ليس ككلامنا ، و حياة و قدرة و علما .. غير مشابهة لما لدينا ؛ فماذا يقصد بكل هذا الكلام ؟ من سيفهم هذا النوع من التحليل ؟ ألا تتجاوز هذه الأمور أفهام الناس ؟ و السبب في ذلك يعود إلى تكسيرهم لقاعدة المواضعة  التي تتأسس عليها العلامة اللسنية ، و خروجهم عن نطاق التداول اللسني المتعارف عليه . هكذا نفهم لماذا يرفض ابن رشد الخطاب الكلامي برمته ( أشعريا كان أم معتزليا ) ، و يطرح بديلا بسيطا لكل هذا الركام الهائل الذي أنتجه المتكلمون ألا و هو دليل العناية و الاختراع .

  افتح أي كتاب في علم أصول الفقه ، و اذهب إلى "باب الناسخ و المنسوخ" ، لتجد اضطرابا كثيرا و اختلافا بينا . فهذا الإمام الآمدي في كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " ، يضع عنوانا للمسألة الأولى في باب النسخ كما يلي : " في إثبات النسخ على منكريه " . المسألة الثانية تبدأ كما يلي : " اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز حكم الفعل بعد خروج وقته ، و اختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت " . المسألة الثالثة : " اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد .. خلافا لشذوذ من الأصوليين " . المسألة الرابعة : " مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل ، خلافا لبعض الشذوذ " . المسألة الخامسة : " و كما يجوز نسخ حكم الخطاب من بدل كما بيناه ، يجوز نسخه إلى بدل أخف منه .. و مذهب أكثر أصحابنا و جمهور المتكلمين و الفقهاء جوازه ، خلافا لبعض أصحاب الشافعي و بعض أهل الظاهر .. " . المسألة السادسة : " اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم و بالعكس ، و نسخهما معا ، خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة " . ثم تتلو المسائل الأخرى المتعلقة بنسخ الأخبار ، و نسخ السنة بالقرآن ، ثم نسخ القرآن بالسنة ، و نسخ السنة بالسنة ، و نسخ الحكم الثابت بالإجماع ، و نسخ حكم القياس .. إلخ ، و هي كلها مسائل فيها المؤيد و فيها المعارض . معنى هذا أن مسائل النسخ و قضاياه لم يقع عليها إجماع ، و هي قضايا و مسائل تتعلق بالمجتمع . الخلاف في مسائل الناسخ و المنسوخ ليس خلافا بسيطا ، ليس خلافا لفظيا و حسب ، بل هو خلاف يتقرر فيه مصير   الأمة ، يتقرر فيه مصير المرأة ، يتقرر فيه مصير الثروات و الأموال .. إلى غير ذلك من المسائل الجوهرية . و إذا كان هذا التقرير يعود إلى اجتهادات بشرية خالصة يتم فيها تعطيل آيات بكاملها و الأخذ بآيات أخرى ، فمعنى ذلك أن وسم مجتمع معين بكونه إسلاميا أو غير إسلامي فيه إشكال و فيه نظر . و ذلك لسبب بسيط ، و هو أن الأمر يعود إلى اجتهاد بشري و ليس إلى نص مطلق واحد و حاسم . يضاف إلى ذلك أن هذا الاجتهاد البشري ، لم يقع حوله اتفاق بل إن الاتفاق لم يحصل حتى على مستوى القبول بآلية  الاشتغال و بمنطقه أي القبول بعملية النسخ في حد ذاتها .

  وبالمقابل، افتح أي كتاب في الفلسفة لدى المفكرين المسلمين ، فإنك ستعثر على تصنيف للأقاويل و تصنيف للعلوم و تصنيف للخطابات ، أي التمييز بين ما هو علمي و ما هو ديني و ما هو فلسفي محض . إن أمور المجتمع و قضاياه من اختصاص العلم المدني أو السياسة المدنية     و هي علم عملي ، بينما تختص الفلسفة بالأمور النظرية سواء تعلق الأمر بجانبها الميتافيزيقي أو بجانبها العلمي الخالص . إن القول في الاجتماع البشري هو قول بشري و ليس قولا إلهيا ، فأمره متروك لاجتهادات و آراء و مواقف أصحاب النظر و المشتغلين بأمور الفكر عموما . يلزم أن نتحدث عن المجتمع بلغة سياسية و ليس بلغة دينية , مادام الاجتماع البشري محكوم بمصالح   و بصراع القوى و بمنافع اقتصادية . العمران له طبائع ـ كما يقول ابن خلدون ـ هي عبارة عن قواعد و قوانين تحكم علاقات الناس ، و المطلوب هو الكشف عنها بغية عقلنتها لئلا يساق المجتمع إلى المجهول . و أخطر أنواع الجهل أن تترك قضايا العقيدة و الشريعة بين أيدي    العوام : يؤولون و يفسرون على قدر جهلهم . و أنكى من كل هذا أن يقدم هذا التأويل و التفسير باعتباره مسلكا وحيدا لإصلاح المجتمع ، و سبيلا للخروج من حالة التخلف . يساق المجتمع نحو المجهول ، عندما ترتدي فكرة التقدم لباسا عقائديا و دينيا . لنتذكر القرون الوسطى في أوربا     و غيرها من البلدان ، لنتذكر النازية و الفاشية .. لنتذكر ما حدث و ما يحدث باسم الدين في سبيل السياسية .

  عندما نعود إلى الأئمة الكبار ، نجد لديهم وعيا بهذا المشكل الشائك . فهذا الإمام الغزالي ينهى عن نشر التأويلات العقائدية بين الناس ، لما في ذلك من خطر التشويش على الإيمان الفطري السليم . يقول عن عامة الناس : " فهؤلاء ينبغي أن يتركوا و ما هم عليه ، و لا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم . فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب أجلاف العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق ، و لم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان و عقد تقليدي أو بقين برهاني ، و هذا مما عُلم ضرورة من مجاري أحواله في تزكية إيمان من سبق من أجلاف العرب إلى تصديقه ببحث و برهان بل بمجرد قرينة و مخيلة سبقت إلى قلوبهم فقادتها إلى الإذعان للحق و الانقياد للصدق ؛ فهؤلاء مؤمنون حقا فلا ينبغي أن تشوش عليهم عقائدهم . فإنه إذا تليت عليهم هذه البراهين و ما فيها من الإشكالات و حلها ّ، لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة من المشكلات   و تستولي عليها و لا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل . و لهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض في هذا الفن لا بمباحثة و لا بتدريس و لا تصنيف ، بل كان شغلهم بالعبادة و الدعوة إليها و حمل الخلق على مراشدهم  و مصالحهم في أحوالهم  و أعمالهم  و معاشهم  فقط " (11) .

  هذا هو الموقف السليم فيما يخص علاقة الدين بالمجتمع : علاقة تقوم على أساس "عقد تقليدي". و معناه أن يؤمن الناس بطرق بسيطة ثم ينصرفون إلى " مصالحهم في أحوالهم         و أعمالهم و معاشهم فقط " . أما إذا انتشرت بينهم التأويلات ، فقد يحتفظون بمسألة واحدة أو مسألتين و يختزلون الدين بمجمله فيما علق بأذهانهم ، و من ثم يتصرفون على ضوء ما فهموه فقط . و هذا هو عين التطرف ، أي الاختزال و الاختصار . و المتطرف هو ذاك الشخص الذي ينظر على العالم من ثقب صغير ، و لذلك يريد أن يصبح العالم على مقاس رؤيته . المتطرف ينتمي بطبعه  إلى " الأجلاف" و لا يصلح حاله سوى ﺑ "عقد تقليدي" ، لأن العالم الذي يراه لا ينطبق مع ما علق بذهنه من فهم لما ينبغي أن يكون أي لما يعتبره حقا و عدلا و خيرا .. لذا فهو لن يقبل بالعيش في عالم مضاد للقيم التي انحسرت في مخيلته ، و انحصرت في الثقب الذي يراقب من خلاله كل ما يجري حوله . إن "الحقيقة" لديه لا توجد في هذا العالم و لا توجد فيما يراه ، بل فيما يتخيله ، و فيما علق بذهنه . و بما أنه لا وجود سوى لحقيقة واحدة ، فالحل يكمن في "قتل" إحداهما لكي تحيا الأخرى . و القتل هنا ليس طبيعيا و لا رمزيا بل هو إرادي ، و من ثم فهو تقتيل و تفجير . تفجير الحقيقة المضادة يعني تفجير العالم الذي تستوطنه ، بما فيه الذات الحاملة لفكرة التفجير .  و هكذا تنقلب الأمور رأسا على عقب : تصبح الحقيقة هي فكرة التفجير في حد ذاتها ! و بعد أن تنفجر الحقيقة و يتصاعد دخانها ثم يهدأ رمادها ، تنجلي الأسباب         و المسببات : من وراء كل هذا ؟ من يوقد النار ؟ من يثير النقع ؟ تكثر الأجوبة و تتناسل التحليلات و التعليلات ، لكن وراء الكثرة توجد الوحدة : هناك سبب واحد لا غير ألا و هو فكر الأجلاف . إنه الفكر الذي منع أسلافنا تدريسه و مباحثته أثناء الصدر الأول ، بينما عملنا نحن على نشره في جامعاتنا و مدارسنا و معاهدنا ، و سمحنا بتداوله على نطاق واسع و عبر وسائل متعددة  ( أشرطة / أقراص مدمجة .. ) .

  لا يمكن أن ينتشر فكر الاختلاف في ظل سيادة فكر الأجلاف ، لأن أحدهما يقوم على التنظير   و ثانيهما يقوم على التفجير . كان الغزالي يدعو إلى "إلجام العوام عن علم الكلام" ، حفاظا على عقائدهم و صونا لإيمانهم . أما اليوم فنلاحظ أن الدعوات و الندوات و اللقاءات .. التي تعمل على نشر هذا العلم لا تعد و لا تحصى ، و مصادرها شتى ( قنوات فضائية / كتب / مجلات /     جرائد .. ) . و لا يبدو من حل لهذا الوضع سوى قيام الدولة بدورها أي أداء وظيفتها المتمثلة في "إلجام" المتكلمين في هذا المجال : صد أجلاف الفكر و نهرهم عن سوق العوام نحو المجهول .

  من الصعب أن يولد فكر فلسفي في مجتمع يسيطر فيه الأجلاف على كل مناحي الثقافة ؛ إذ يلزم إلجام هؤلاء أولا نظرا لكونهم يشكلون عائقا أمام تطور المعرفة العقلانية و التفكير الحر . فالقيم التي ينشرونها بين الناس تصد عن الإيمان بقيمة العقل ، و الاعتماد على ما ينتجه من أفكار      و مبادىء و قيم . هؤلاء يعتبرون العقل عاجزا و محدودا، يرون فيه طريقا للشرك و الكفر . إنهم يضعون العقل على الطرف المناقض للإيمان ، و يجعلون من التسليم و الخرافة طريقا منيرا يقود إلى النجاة . قدمت الفلسفة تضحيات كثيرة خلال تاريخها الطويل ـ بدءا من اليونان ـ لكي تجد لنفسها موطىء قدم على أرض ثقافية معاكسة للمبادىء التي تدافع عنها . تكرر هذا الأمر في العصور الوسطى و الحديثة ، و ما يزال يتكرر اليوم أمام أعيننا بصور و أشكال مختلفة . هذا هو الشرط الأول لإمكانية  ولادة التفكير الفلسفي في بلاد الإسلام ، أما الشرط الثاني فيكمن في محاربة الكيتش Kitsch . و الكيتش معناه : " الحاجة إلى النظر في مرآة الوهم للتعرف على الذات قصد تحقيق نوع من الإشباع المؤثر "(12) . و ما يصدر عندنا من مؤلفات يشبه أن يكون نوعا من إرضاء الذات ، و نوعا من الوهم الذي يغذي عواطف جمهور القراء العريض . الضرر الذي يلحق بالفلسفة يأتي أحيانا من أهلها ، أي من أولئك الذين ينتسبون إليها و ينطقون بلسانها . من بين مظاهر الكيتش فيما يخص علاقة الفلسفة بالدين عندنا ، ما يقال و يتكرر بدون كلل عن العلمانية . فهذه الأخيرة منتوج غربي بامتياز أفرزه الصراع بين الكنيسة و السلطة ، في حين أن مجتمعنا لم يعرف الكهنوت أي لم يعرف مؤسسة دينية تؤدي وظيفة  مشابهة للكنيسة . و من ثم يصار إلى استنتاج مفاده أن الإسلام لا يقتضي عملية الفصل بين الدين و الدولة ، كما حدث في الغرب . لا أحد يجادل عندنا اليوم في هذه "البداهة التاريخية" ، و لا أحد يجرؤ على وضعها موضع تساؤل ، في حين كان معظم الفلاسفة المسلمين ينبهون باستمرار على كون مبادىء الدين مباينة  لمبادىء الفلسفة . و يبدو أننا عدنا إلى الوراء ما يزيد عن ألف سنة ، عندما نلوك اليوم مثل هذا الكلام عن عدم حاجتنا إلى الفصل بين الدين و الدولة و من ثم بين الدين و الفلسفة ، أي بين مبادىء الإيمان و مبادىء العقل . لا يمكن أن يتحرر القول الفلسفي في ظل أي وصاية كيفما كان نوعها ، و مهما تكن المبررات التاريخية التي يتم تقديمها في سبيل ذلك .

  من بين مظاهر الكيتش أيضا أن يصار إلى القول إن الحداثة منتوج غربي خالص ، ارتبطت بتحولات تاريخية و من ثم يستحيل تكرار تلك التجربة . و من تلك المظاهر أيضا أن الديموقراطية ولدت بالغرب و هناك ستموت ، لأن أبواب أثينا الشرقية لم تفتح في وجهها . من مظاهر الكيتش كذلك القول إننا نتوفر على فكر أصيل و تراث مشرق ( مثال المعتزلة في علم أصول الدين ، و الشاطبي في الفقه ، و ابن رشد في الفلسفة ، و ابن عربي في التصوف .. ) .   و يكفي أن نطور تلك التجارب اليوم لنخلق حداثتنا .. مظاهر الكيتش عديدة في تصوراتنا و رؤانا حين نقوم و حين نقعد ،  فكيف يمكن أن نفكر فلسفيا ؟

  الفلسفة هي بداية ما ، هي بناء يضع  الفيلسوف أساسه على أرضية صلبة . إنها أرضية غير مستعارة من أي مجال آخر غير مجال التفكير الحر و العقلاني ، هي أرضية يتم إنشاؤها إنشاء . لا يمكن للفيلسوف الحقيقي أن يستعير لسان غيره كي ينطق ، و لا يسمح لنفسه أن يقطن في مسكن غيره أو المرور عبر الطريق العام . الفيلسوف شخص يجاهد في خلوته ، لكنه لا يحارب أشباحا بل يحارب الداء الذي يسري في جسم الثقافة : داء الكيتش .

            

                                ـ   ا لــــــــهــــــــوامــــــــــــــش :

الشهرستاني : الملل و النحل ، دار الفكر، بدون تاريخ ، ص : 22 ـ 23 .

 * أزور : أنمق و أقوم و أحسن .  

** مه : اكفف ، اصمت . 

*** تغرة : من غرر يغرر تغريرا ، أي التعرض للهلاك . 

2 ـ نفس المرجع السابق ، ص : 19 . 

3 ـ نفسه ، ص : 24 .  

4 ـ نفس المرجع و الصفحة .

5 ـ سورة النساء ، الآية 12 .

6 ـ محمد أركون : الإسلام و الحداثة و التاريخ ، مجلة الوحدة ، عدد 52 ، السنة 1989 ,        ص : 21  . 

7 ـ نفسه ، ص : 22 .

8 ـ نفسه ، ص : 23 . 

9 ـ نفسه ، ص : 25 .

10 ـ الجويني : كتاب الإرشاد ، مكتبة الخانجي 1950 ، ص : 3 .  

11 ـ ابن رشد : الكشف عن مناهج الأدلة ، مركز دراسات الوحدة العربية 1998 ، ص : 172 . 

12 ـ الغزالي : الاقتصاد في الاعتقاد ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1983 ، ص : 8 ـ 9.

13 – Kundera (m) : L’art du roman , Gallimard 1980 , p.160 .