shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 المقاومة بين الفعل المباشر والفعل غير المباشر 

 

             أبو يعرب المرزوقي

                  تونس 09.11.16

تمهيد:

لعل الكثير من القراء سيعجب من جعل المقاومة موضوعا لبحث فلسفي ظنا منهم أن المقاومة ظاهرة عرضية فرضتها أحداث سياسية ظرفية. وهي قابلة فعلا لأن تكون مقصورة على ذلك إذا حصرناها في شكلها الذي توظفه بعض الحركات لجعل قضاياها بضاعة للمزاد العلني  في معترك الصراعات الطائفية والدولية بدلا من أن تكون جهادا حقيقيا يعبر عن الحصانة الذاتية الساعية لتحقيق شروط القيام المستقل كما حصل في حركات التحرير  التي عاصرت قرني الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي قبل أن يحول الاستعمار عملاءه الذين تحالفوا معه إلى بدائل منه يحققون ما عجز عن تحقيقه: وأفضل الأمثلة هو قتل اللغة العربية وتفتيت التاريخ الإسلامي الرمزي (تراث الحضارة الإسلامية) بحسب تفتيت تاريخه المادي (إرث الإمبراطورية الإسلامية أو دار الإسلام.) 

فجل حركات المقاومة العربية الحالية وخاصة ما تعين منها في مثاليها الفلسطيني واللبناني اللذين يخالهما الكثير ممثلين  لذروة المقاومة العربية الإسلامية لا يكاد يتجاوز التوظيف قصير النظر للصراع السطحي الذي يخفي الصراع العميق المتمثل في مغالبة العقبات التي تحول دوننا والسعي إلى استعادة بناء كيان الأمة القادر على المقاومة الرمزية والمادية. لكن الكلام في هذه المسألة بصورة خاصة ليس هذا محله وخاصة ما تعلق منها بما قصدناه باعتبارنا إياها قد أفسدت مفهوم المقاومة. ما سأحاول البحث فيه مباشرة هو الأبعاد الفلسفية لفعل المقاومة من حيث هو فعل موجب يحقق عظمة الأمم بشرطيها  الرمزي والمادي ولا يكتفي برد الفعل الذي لا هم لأصحابه إلا توظيف إحدى القضايا لخدمة برنامج طائفي أو حزبي بدلا من أن يكون في خدمتها من أجل الأمة والإنسانية. والغاية من هذه المحاولة تقبل التفريع إلى العناصر التالية:

العنصر الأول: تحديد فعل المقاومة وبيان دوره المادي والرمزي في استراتيجيات المقاومة وطبيعة التكامل بين الدورين بصورة عامة لكون الأول يمثل الفعل المباشر والثاني الفعل غير المباشر في فاعلية الوجود الإنساني الطبيعي والتاريخي.

العنصر الثاني: تحديد شروط التأليف الفاعل بين البعدين المادي والرمزي في استراتيجيات المقاومة بصورة عامة.

العنصر الثالث: تحديد المعايير التي تمكن من تقويم المقاومات العربية والإسلامية في مرحلتي التحرير المخلص من الاستعمار القديم والساعي إلى التخليص من الاستعمار الجديد.

العنصر الرابع: تطبيق ذلك على المقاومة السلبية للتحرير والإيجابية لتحقيق شروط المناعة.

العنصر الأخير: مقترحات عملية بتحليل أمثلة عينية في الإطارين العربي الإسلامي (مقامة الاستعمار والاستبداد) والعالمي (مقاومة الاستغلال والاغتراب).

فتكون خطة البحث على النحو التالي:

الفصل الأول: ميتافيزيقا فعل المقاومة

الفصل الثاني: إستراتيجية المقاومة وشروط النجاح: بين المقاومة والقيام.

الفصل الثالث: إستراتيجية العدوان: حيل العدوان .

الفصل الرابع: عين من الإشكالية أو الوضعية العربية الإسلامية الحالية

الفصل الأخير: مثال موجب وسالب من استراتيجية المقاومة الناجحة.

 

                            الفصل الأول

                          ميتافيزيقا فعل المقاومة

 

تمهيد:

سأنطلق في هذا البحث من تعريف ميتافيزيقي تقليدي لتصور المقاومة كما يمكن أن يصاغ بالمصطلح الفلسفي التقليدي. فرغم تعدد معاني هذا التصور فإنها تقل الرد إلى معنى جامع هو "القوة المنفعلة من حيث هي صمود أمام القوة الفاعلة في كل فعل يحصل بين متفاعلين". فهي إذن خاصية ملازمة للشيء إذا نظر إليه بمنظور  "أن ينفعل" بمصطلح المقولات الأرسطية في عبارته العربية. ذلك أن ما يصدر عن الشيء من صمود خلال انفعاله بفعل الفاعل يمكن اعتباره مقاومته لفعل الفاعل ومن ثم فهو قوته الانفعالية. وعن هذا المعنى تتفرع دلالتان وجوديتان ودلالاتان معرفيتان تحاكيان الدلالتين الوجوديتين أو ربما العكس هو الصحيح إذ لعل الوجوديتين مجرد إسقاط للمعرفيتين:

1-فالدلالة الوجودية الأولى هي المقاومة أو الصمود الانفعالي في مجال الظاهرات الطبيعية: قوة الصد هي رد فعل بالفعل متناسب مع الفعل بالفعل لكنها يمكن أن تكون أكبر أو أصغر لأنها من حيث الطبيعة ليست إضافية إلى العوامل الخارجية بل هي ذاتية للشيء المقاوم: مثل مقاومة المعادن للوزن أو للضغط المكثف لاجتماع عناصره أو المخلخل له.

2-والدلالة الوجودية الثانية هي المقاومة أو الصمود الانفعالي في مجال الظاهرات العضوية: وهي المقاومة بالمعنى البايولوجي. وهذا المعنى أكثر تطورا من المعنى السابق لأنه يتضمن شيئا من الفاعلية ولا يكتفي بالصمود الانفعالي. فجهاز الحصانة لا يقتصر على المقاومة بل هو وإن بدا رد فعل فهو يتحول مباشرة إلى فاعل أو متفاعل مع العدو المهاجم للكيان العضوي.

3- والدلالة المعرفية الأولى مستمدة من العمل الصناعي وهي دلالة الاستعارة النظرية التي استوحتها الميتافيزيقا القديمة من الوجود الطبيعي فجعلت المعرفة النظرية صراع قوى  مثلها مثل الظاهرات الطبيعية التي اعتبرت وكأنها صناعية ذات مادة وصورة تحيط بهما علة فاعلية وعلة غائية: الصناعوية الأفلاطونية الأرسطية. فالقوة الانفعالية الطبيعية خاصة استعيرت  لوصف ظاهرة التمنع التي تقاوم به المادة عملية التصوير في فعل طبيعة عاقلة  كانت (صناعات) أو طبيعة غير عاقلة (الكون والفساد).

 4-والمعنى المعرفي الثاني مستمد من العمل الخلقي وهي دلالة الاستعارة العملية التي استوحتها الميتافيزيقا الحديثة من الوجود العضوي بتوسط معرفته فجعلت المعرفة العملية صراع إرادات مثلها مثل الظاهرات الحية التي اعتبرت وكأنها عضوية ذات غائيات وتنافس على شروط الحياة: الجدلية الهيجلية الماركسية. والإرادة الانفعالية العضوية خاصة استعيرت لوصف ظاهرة المقاومة للكلام على علاقة التفاعل بين البشر إذا غلبت عليها الخاصية الأولى (في الصراع بينهم) أو الخاصية الثانية (في عملية التربية مثلا).

ومثلما أن المستوى العضوي من المقاومة يختلف عن المستوى الطبيعي في المسألة الوجودية فكذلك يختلف المستوى العملي عن المستوى النظري في المسألة المعرفية. فتكون المقاومة بمعنى القوة الانفعالية ذات مستويات أربعة أدناها قوة الصد التي تبقى دائما انفعالية  وأسماها قوة الرد التي تنقلب إلى قوة فاعلية ثم تعود الدورة لتبين أن هذا التحول هو تحقيق متدرج لما هو كامن في قوة الصد التي تصبح قوة رد: وأولاهما تغلب على العالم الطبيعي والثانية تغلب على العالم التاريخي.

و يمكن التسليم مبدئيا بأن المقاومة في كلتا الحالتين النظرية والعملية- وكلتاهما خاصة بالإنسان- تتميز عنها في الحالة الأوليين الفيزيائية والبايولوجية بالازدواج بين مستوييها المادي والرمزي ومن ثم بمعادلة التناسب بين هذين العاملين معتبرين بوصفهما بسيطين ثم عند التأليف بينهما تأليفا يكون أحدهما أصلا والثاني فرعا ثم العكس بالعكس. ولفهم هذه التأليف المزدوج لا بد من حسم مفارقة ميتافيزيقية قديمة :

1-فالمقوم الذاتي النوعي للكائن يعتبر صاحب الفاعلية الأقوى (حسب القائلين بتقدم الفرق النوعي على الجنس في التقويم الأيسي للكائنات) ومن ثم فالعامل العضوي (المادي) بذاته يكون أقل فاعلية عند الإنسان من المقوم العقلي (الرمزي)

2-لكن المقوم الذاتي الجنسي للكائن الذي هو أكثر أولية يمكن أن يكون أكثر فاعلية لكونه يؤثر بذاته ويؤثر بما له من حضور في المقوم الذاتي النوعي (مبدأ برقلس).

وحل هذه المفارقة هو حسب تحليل الفاعلية المركبة. فأساس المقوم النوعي موجود في المقوم الجنسي. ومن ثم فالثاني لا يخلو من الأول والأول لا يخلو من الثاني أي إن العضوي لا يؤخذ بإطلاق بل بوصفه عضويا مستعدا للفرق النوعي والعقلي لا يؤخذ بإطلاق بل بوصفه نابعا من العضوي. ومن ثم ففاعلية الإنسان تبقى فاعلية مركبة على نحو يقرب من النموذج التالي:

البداية: فاعلية المادي والرمزي الطبيعية: القوى الطبيعية الخارجية والداخلية + الأسطورة والسحر.

الوسط الأول: السلطان على البشر لتكوين الجهاز الأساسي للعمران من حيث هو سد للحاجات العضوية أو شروط السلطان على الطبيعة: دولة الاستبداد المادي والتحرر ودين التحرر الرمزي.

الوسيط الثاني: السلطان على الطبيعة لتكوين الجهاز الأساسي للعمران من حيث هو سد الحاجات الروحية أو شروط السلطان على المجتمع: دولة التحرر المادي ودين الاستعباد الرمزي.

الغاية: فاعلية المادي والرمزي الصناعية: القوى الصناعية الخارجية والداخلية + الأيديولوجيا والتكنولوجيا[1].

 

                     الفصل الثاني

            شرط الحفاظ على المقاومة الذاتية

     الانتقال من المقاومة إلى القيام أو الوجود المستقل

 

ليست المقاومة إلا علاجا استعجاليا أو إسعافا أوليا ناتجا عن عدم توازن ميزان القوى بين طرفي النزاع. ومن ثم فالأمة التي تحدد دورها بفعل المقاومة تعترف بأنها مغلوبة ماديا ولو إلى حين فتنقل المعركة الحضارية إلى بعدها الرمزي. وعلة فقدان توازن القوى المادي هي عدم العمل بالقواعد التي وضعتها آية الردع (الأنفال 60). لذلك فالمقاومة ليست فعلا بل هي رد فعل. ورد الفعل يقتضي بالطبع ألا يكون غاية الحل بل هو بدايته. ورد الفعل يخضع لإستراتيجية محكومة بخمس صفات هن:

1- فغايته إسعافية استعجالية: إسعاف وظائف الأمة المعطلة.

2- وأداته  تعويضية: التعويض عن الأعضاء المفقودة.

3- ومداه  قصير: علاج مؤقت.

4- وعامل فاعليته رمزي: القوة الروحية للذات والتأثير الرمزي على العدو.

5- وأفق عمله سياسي: التفاهم مع العدو وليس القضاء عليه إذ قد يصبح  إلى من هو أعدى منه في مستقبل قريب.

أما إذا بات فعل المقاومة مجرد تعبير عن الغضب والانتقام فإنه لن يتجاوز التهديم. لذلك فهو سرعان ما ينتقل من المقاومة إلى الإرهاب. فبات من الضروري أن نميزها منه بمقابلات هذه المحددات. فصفاتها يمكن أن تنقلب إلى ضدها وذلك هو معنى تحولها إلى إرهاب: فتظن المقاومة علاجا دائما وتعتبر أداة ثابتة ويخال أصحابها أن مداها نهائي وفاعليتها مادية فتفقد الأفق السياسي. والمعلوم أن الإرهاب الذي يسيطر على لحظتنا التاريخية يتكون من جنسين ذوي صنفين:

 الجنس الأول صنفاه موروثان عن تاريخنا الحديث أو عن علاقة قوانا السياسية بالحرب الباردة

والجنس الثاني صنفاه موروثان عن تاريخنا الوسيط أو عن علاقتها بالحرب الأهلية.

فأما الجنس الأول بصنفيه فهو:

1-إرهاب الحركات التي ورثناها عن الحلف بين الأنظمة العربية الحاكمة باسم الدين وأمريكا لمحاربة حلف الأنظمة العربية الحاكمة باسم القومية والاتحاد السوفياتي ولنسمها بالإرهاب الأصلاني.

2-وإرهاب الحركات التي ورثناها عن الحلف بين الأنظمة العربية الحاكمة باسم القومية والاتحاد السوفياتي لمحاربة حلف الأنظمة العربية الحاكمة باسم الإسلام وأمريكا ولنسمها بالإرهاب العلماني.

وأما الجنس الثاني بصنفيه فهو الانحراف الممكن الذي تقع فيه المقاومات عندما تنزلق تحت تأثير الجنس الأول فتصبح مثله لظنها أنه أكثر فاعلية منها متناسية طبيعة فاعليتها. وهذه المقاومات هي كذلك جنسان:

 1-جنس الحركات التي تهدف إلى محاربة الاحتلال الأجنبي السياسي المباشر وغير المباشر وحلفائهما الداخليين: وهي قابلة لأن تكون مقاومة أصلانية أوعلمانية وذلكما هما صنفاها.

2-جنس الحركات التي تهدف إلى محاربة الاحتلال الأجنبي الثقافي المباشر أو غير المباشر وحلفائهما الداخليين: وهي قابلة لأن تكون مقاومة أصلانية أوعلمانية وذلكما هما صنفاها.

ويمكن أن نحرر الحركات الأولى من الإرهاب بردها إلى الحركات الثانية مثلما يمكن أن تنحط حركات المقاومة فتصبح حركات إرهاب كما أسلفنا بانقلاب صفاتها التي أحصينا إلى الضد. والهدف من إستراتيجة القيام هي تأهيل حركات المقاومة لتكون حركات ذات سياسة مؤثرة بالصورة التي نحددها في هذه المحاولة وتخليص الأمة مما ورثته عن الحرب الباردة من حركات إرهابية هدمت الذات العربية وأدخلتها في حرب أهلية بدأت باليمن وانتهت في الكويت وتكاد تعم جل البلاد العربية قطرا بعد قطر لحمق النخب التي باتت تدعو إلى ما يشبه الفوضى العقيم التي تسميها أمريكا بالفوضى الخلاقة: حركة من الثورات على ما بقى من حياة مدنية في الأقطار العربية بزعم الثورة على الطغيان والفساد فيصومل أو يعرقن أو يؤفغن كل الوطن.

ذلك أن مثل هذه الخطة تكون ذات معنى لو حققنا أدوات تحويلها إلى فوضى خلاقة حقا أعني من دون أحزاب قومية مؤثرة قادرة على تحريك الجماهير تحريكا يجعل حرب التحرير من الاستعمار الأمريكي حرب توحيد لتجنب ما حدث في حرب التحرير من الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي الحرب التي تحولت إلى توطيد التجزئية.

والمعلوم أن للإرهاب اليوم وظيفة سلبية قد تفسد حركات المقاومة فتساعد العدو على تحقيق التفاف رأيه العام من حوله ليخوض الحرب المكلفة حرب إخضاعنا والقضاء على كل مقاومة بالعنف المطلق الذي هو قادر عليه. وذلك ما ينبغي أن تتجنبه حركات المقاومة لأن شرط الانتصار في كل مقاومة ذات استراتيجية سياسية هو دائما محاربة العدو رمزيا وخلقيا في عقر داره لفصله عن رأيه العام دون أن يتنافى ذلك مع المقاومة المسلحة ذات القيم التي حددها الإسلام من خلال التعامل مع القتال بحسب حدوده الإسلامية فضلا عن غائيته السياسية.

فمثلما يسعى العدو إلى تيسير شروط نصره علينا بالحرب الأهلية التي يحركها لدينا وهي حرب أهلية دامية لتخلف العلاقات السياسية عندنا فإن على المقاومة أن تيسر شروط النصر عليه بالحرب الأهلية التي نحركها لديه وهي حرب أهلية لا يمكن أن تكون دامية لتقدم العلاقات السياسية عنده. لذلك فهي ينبغي أن تكون حربا أهلية رمزية أو خلقية تجعل رأيه العام يرفض حربه علينا. ذلك هو شرط النصر في كل مقاومة هي كما أسلقنا اعتراف ضمني بعدم توازن القوى المادية لصالح العدو.

                    القيام بدل المقاومة

أما القيام فهو بخلاف المقاومة النظام الصحي المغني عن الحاجة إلى الإسعاف الاستعجالي لأنه علاج الذات المتواصل لذاتها إلا في الحالات الضرورية. وعندئذ يكون العلاج غير استعجالي لأنه مبني على قواعد علمية تتصدى لخلل الصحة المؤقت فترجع المزاج العمراني إلى فاعليته المتصلة لأنها تعالج أسباب الأدواء بدلا من علاج أعراضها.

ولن نستطيع أن نحقق هذه النقلة من المقاومة إلى القيام ما لم نتخلص من التركيز على الإضافيات فنذكر حدودها التي تمكن من فهم الإضافة في حدودها الإضافية.

1- فنحن لا نرى العدو إلا في إضافته إلينا

2- ونحن لا نرى أنفسنا إلى في إضافتنا إلى العدو

3- غير أن العدو له قيام بذاته: من هو (رمزا السلطة الرمزية والمادية الغربية عامة أو العولمة وبصورة عرضية ممثلين بإسرائيل وأمريكا) وما أدواؤه التي تمثل نقاط ضعفه الممكنة؟

4- وغير أننا نحن أيضا لنا قيام بذاتنا: من نحن (المتحررون من السلطة الرمزية والمادية عامة وبصورة عرضية ممثلين بفلسطين والعرب) وما أدواؤنا التي تمثل نقاط ضعفنا؟

5- ومن ثم فتحديد أصل المعادلة يقتضي أن ننظر في أصل كل ذلك إذا أردنا أن ننتقل من مجرد المقاومة إلى شروط القيام بالذات: ما منزلتنا في الكون ولم يترتب عليها أن يصبح العدو عدوا لنا؟

ففي الصراع المادي: لن يتحقق الانتقال من المقاومة إلى القيام إلا إذا أصبح إنتاجنا لأدوات الحرب المادية أو قيم القدرة ذاتيا لنستغني عن اللجوء إلى مساعدة العدو المادية. فلا يمكن أن تحارب عدوا بما يصنع هو ثم تربح الحرب بحق لأنك بفعلك تثبت قدرته المبدعة وتستسلم له رمزيا إذ تبقى تابعا حتى لو انتصرت مؤقتا في حرب من الحروب العرضية.

وفي الصراع الرمزي: لن يتحقق الانتقال من المقاومة إلى القيام إلا إذا أصبح إنتاجنا لأدوات الحرب الرمزية أو قيم الإرادة إنتاجا ذاتيا لنستغني عن اللجوء إلى قيم الخصم فلا نكون محاربين له من أجل أن نخقق ما يريد منا. فأغلب الشعوب التي استقلت تغربت بعد الاستقلال أكثر مما كانت متغربة قبله. ويكفي أن تنظر ما يحدث في المغرب العربي في العلاقة بين اللغتين العربية والفرنسية.

وبعد التحديد المفهومي يأتي التحديد الصادقي بعوامل خمسة تعين ماصدق المفهوم الذي أشرنا إليه في التحديد الأول:

1- المحدد المكاني الجغرافي: وسط المعمورة التي تحدد مسار الحضارة الكونية منذ سبعة آلاف سنة.

2- المحدد الزماني التاريخي: وسط التاريخ الذي نقل البشرية من التاريخين المتقدمين على الوسيط والمتأخرين عنه.

3- المحدد السلمي أو التشريحي المحدد لأجهزة العمران: بنية العمران المتجاوز للأدواء الخمسة.

4- المحدد الدوري أو المحدد لوظائف أجهزة العمران: التحرر من معيقات السلطانين الروحاني والزماني حضاريا ومن معيقات السلطانين الرزقي والذوقي وأصل كل السلاطين بجعل النظر هو الأصل في كل ذلك.

5- المحدد القيامي أو طبيعة الهوية الحضارية والروحية من حيث هي قيام ذو رسالة كونية تحقق التحرر الملي والمذهبي والعرقي والطبقي وتضع مبدأ الأخوة الآدمية.

وذلك هو البعد المادي من القيام وبذلك يتطابق البعد الرمزي والبعد المادي من قيام الأمة لتكون مستعدة فعلا لأداء الأمانة. وذلك ما كان علينا بيانه:C.Q.F.D. .

 

                  الفصل الثالث

 العدوان: حيل تحييد المقاومة في الكائنات                                                                   

 

إن إستراتيجية العدوان التي تعنينا والتي نريد فهم مكوناتها هي الإستراتيجية الشاملة التي تتجاوز آخر مراحل الحرب التقليدية في النظرية الإستراتيجية بمعناها العسكري كما حددها كلاوزفيتس تتجاوزها إلى حرب التصفية الرمزية الساعية إلى ما يشبه التهام الآخر باستيعابه الثقافي بعد فشل حروب التصفية المادية. ومراحل الحرب التقليدية الثلاث تتحدد بغاياتها وهي:

1- نزع سلاح  العدو في ساحة الحرب

2- الاستحواذ على مصادر قوته المادية بعد الهزيمة المادية.

3- إخضاع روح العدو أو قتل إرادة المقاومة لديه لتحقيق الهزيمة الرمزية.

فهذا التحليل لأهداف الحرب لا يصح إلا إذا كانت الحرب محدودة ولا تستهدف قيام العدو أو كيانه ذا الوجود المستقل بكامله أعني إذا لكان القصد فرض الإرادة عليه دون إلغاء وجوده المستقل بالكامل. ولما كانت مصادر القوة المادية والروحية كلتاهما من المال (ما يمتلك ليكون سببا لقيام البدن أو الروح) وكانت من ثم تقبل التحليل قانونيا إلى وجهين هما:

1-الحوز أو التصرف الفعلي (وهو غير شرعي من دون حق الملكية)

2-والملكية أو الحق القانوني (وهو من دون التصرف الفعلي حق مجرد عديم الثمرة)

فإن الفصل بين الرب الفعلي والرب الوهمي يفتح بابا جديدا في إستراتيجيات الحروب تضاعف المرحلتين الأخيرتين من الحرب التقليدية بمعناها عند كلاوزفيتس لتضيف إليها بعدا رمزيا يجعلها حرب مطلقة تستهدف إلغاء القيام المستقل للعدو. فعندما تكون الحرب مطلقة وغايتها استهداف الكيان محوا ماديا أو استيعابا حضاريا لقيام أمة قيامها المادي والروحي تتضاعف المرحلتان الأخيرتان. فتصبح المراحل خمسا لا ثلاثا وتصبح نظرية كلاوزفيتس غير كافية لفهم الحرب في عصر العولمة:

1- نزع سلاح العدو في ساحة الحرب: الهزيمة المادية.

2- الدرجة الأولى من الاستحواذ على مصادر قوته المادية: الاستحواذ المباشر. وذلك هو ديدن الاستعمار القديم أو الاحتلال بالقوة المادية أو بالغزو العسكري والحضور المادي للمستعمر. ومثاله الاستعمار الاستيطاني.

3- الدرجة الثانية من الاستحواذ على مصادر قوته المادية: الاستحواذ غير المباشر. والهدف هو جعلها مصدر ضعف بدل من أن تبقى مصدر قوة. وذلك هو ديدن الاستعمار الحديث الذي يحقق الاستحواذ بالقوة الرمزية أو بالغزو الثقافي فيحول القوة المادية عند العدو إلى عامل ضعف عند أصحابها وعامل قوة عند المستحوذ غير المباشر عليها. ولعل أفضل مثال يضرب في هذا المجال هو البترول والأرصدة المالية العربية.

4- الدرجة الأولى من إخضاع روحه: الإخضاع المباشر. فرض عقيدة المستعمر على المستعمر بالقوة المادية. ومثاله التبشير الديني أو الإيدولوجي. وكلاهما مارسه الأستعمال الفرنسي في المغرب العربي.

5- الدرجة الثانية من إخضاع روحه: الإخضاع غير المباشر. قتل مقومات حصانته الروحية بحيث تصبح عناصر فقدان الحصانة ممثلا بالاختراق القيمي: تحقيق الهدف السابق بتحريف عقيدة المستعمر من خلال تزييف كل تصوراتها لتفسد رؤاه إفسادا يجعل المستعمر لا يجد إيجابيا في عقيدته إلا ما يعتبر إيجابيا في عقيدة عدوه (تصبح قيم السيد مثالا أعلى يذوب فيها العبد وتلك هي الدرجة الأقصى من العبودية). ومثاله التأويل التحديثي لكل قيم الأمة بترجمتها المخادعة إلى قيم العدو الذي صار مثالا أعلى يشرع لكل البشرية في كل المجالات القيمية.

وهكذا فالعلة في ضرورة ازدواج المرحلتين الأخيرتين هي طبيعة الحرب المطلقة التي تستهدف قيام الأمة أو وجودها المستقل سعيا لاستيعابها الرمزي أو الثقافي: منع تحول المقاومة إلى قيام أو جعل جهاز المناعة مقصورا على رد الفعل إذا تكلمنا بلغة الظاهرات العضوية وذلك بتحويلها إلى إرهاب. وهي ظاهرة حدثت عندنا مرتين: الأولى هي تحول السيادة على بحارنا إلى قرصنة فعجلت بنهاية رمز الخلافة والثانية هي تحول أرضنا إلى زعماء حرب التي تكاد تعجل بنهاية حقيقة الخلافة أي دار الإسلام نفسها.

وقد يكون لتجربة أوروبا الأولى في استعمار أمريكا الفضل في نقلة الفكر الاستعماري الأمريكي من تصفية المستعمر المادية إلى تصفيته الرمزية. فبعد أن صفوا الهنود الحمر اضطروا لاستيراد العبيد إذ الأرض الخالية من سكان قابلين للعبودية لا يمكن استثمار ما فيها من ثروات سطحية أو عميقة خاصة إذا كانت بسعة أمريكا. فاستوردوا العبيد من إفريقيا. لكن عمل العبيد بمحرك العنف وحده مناف للغرض من العبودية (أعني استعمال كيانات عاقلة استعمال الآلات) فاضطروا لتحرير العبيد انتقالا من العبودية الصريحة إلى العبودية المقنعة وأفضل أشكالها مواطن الدولة الرأسمالية الأمريكية: فهو مرهون بالقروض المرابية التي تجعله بالقوة يملك كل شيء ولا يملك شيئا بما فيها نفسه فيصبح عبد رب العمل لئلا يفقد كل شيء بمجرد العجز عن سداد الديون.

في هذه الحرب يمتنع تحقيق أي مرحلة من مراحل الحرب النسبية بمعناها التقليدي المكتفي بالتصفية المادية للعدو من دون هذه المضاعفة التي تضيف إلى الحرب المادية الحرب الرمزية أو ما يسميه عدونا بحرب الأفكار أو ربح القلوب والعقول: وهو جوهر الحرب النفسية التي تجمع كل الشرور لأن أساسها الأول والأخير هو تزييف الحقائق والقيم. ذلك أن الاستحواذ والإخضاع المباشرين يقويان بحضورهما المادي الملموس نزعة المقاومة عند الشعوب المستعمرة لأن العدو فيها بين المعالم بخلاف ما هو عليه في الحرب الرمزية: وتلك هي علة نجاح حروب التحرير من الاستعمار المباشر ببعديه المادي والروحي وصعوبة التحرير من الاستعمار غير المباشر. فغرب ما بعد الاستعمار القديم استحدث حيلة الاستحواذ والإخضاع غير المباشرين ليخفي حقيقة العداء فضلا عن كونهما أقل كلفة لأن مفعولهما دائم لعلتين:

فهما تغنيان عن المقاومة في الغالب إذ يبدو العدو فيها وكأنه حريص على تنمية المغزويين ماديا وروحيا (مثال ذلك ما حصل في أوروبا واليابان وكوريا وأغلب التوابع الأمريكية في العالم بالمقابل مع التوابع السوفياتية) فتتوطد التبعية.

وعند التعذر تدخلان الأمة التي يراد إخضاعها في حرب أهلية يحركها العدو. وذلك ماحدث في فياتنام وفي كوريا وهو ما نراه يحدث في العراق ولبنان وفلسطين حيث يصبح الشعب منقسما بين حزبين متقاتلين حول نموذج الوجود الاجتماعي والحضاري ذاته.

ويلجا العدو إلى هذه الخطة عندما يكتشف أن المقاومة لن تتوقف ما ظل قيام الأمة المادي والروحي موجودا القيام الذي يتمثل في سيادة الأمة الفعلية على مصادر قوتها المادية ومصادرها الروحية أعني ما كانت المرحلتان الثانيتان من الحرب النسبية تسعيان للاستحواذ المباشر عليه استحواذا بينا يستفز المستعمر فيثور ويقاوم. حيلة الاستعمار الجديد وهو أمريكي بالأساس (وهو من جنس التبشير الديني الذي حول عبيد أمريكا إلى مسيحيين بعد أن كانوا إما مسلمين أو وثنيين لأنهم من أفريقيا ومثله التبشير الإيديولوجي سواء كان اشتراكيا أو رأسماليا) تتمثل في كونه يستعمل الفرعين اللامباشرين اللذين يعملان بمنطق الحرب المطلقة التي تستهدف القيام والوجود المستقل ذاته لأنها تستبدل مصادر القوة المادية والروحية الفعلية بمصادر وهمية فتفرغ القيام من شروط الإرادة المستقلة ليكون مجرد ظاهر من الوجود: كما هي الحال في الرفاه المادي الخليجي والتعبد الميت في الإسلام التقليدي الذي لا يزعج أمريكا بل يخدمها كما فعل في حربها السابقة على الاتحاد السوفياتي.

فالشعوب التابعة وفاقدة السيادة يبدو تصرفها الظاهر في ثروة أمتها المادية وثروتها الروحية وكأنه تصرف حر. لكنه يمثل دليلا قاطعا على كون الأمة صارت دون السيادة الفعلية على الأولى ودون القدرة الإبداعية في الثانية:

1- من هنا نفهم الاستقلال الوهمي لأن كل الدول التي استقلت باتت أكثر تبعية وأقل قدرة على القرار الحر وعزم أمرها بنفسها

2- ومن هنا نفهم الثروة الوهمية لأن كل الدول التي تملك الطاقة مثلا ليس لها من سلطان فعلي إلا على الحياة البهيمية التي يمكن أن تتحقق بفتات هذه الثروة إلى حين نضوبها.

 

                    الفصل الرابع

           تعيين الإشكالية في ظرفنا الراهن

   في إستراتيجية التأثير المتبادل بيننا وبين تغريب العالم

المعركة  هي بين العضوي والصناعي  أي بين البايولوجي والتكنولوجي

 

إن صاحب القوة البايولوجية الفاقد للقوة التكنولويجية يستمدها من صاحبها (استيراد التكنولوجيا ونقلها) وصاحب  القوة التكنولوجية فاقد القوة البايولوجية من صاحبها (استيراد الإرث العضوي ونقله عن طريق التهجين). وما لم نفهم العلاقة بالغرب في ضوء هذه الإشكالية والكيفية التي يفهم بها الغرب نفسه من حيث هو مقاوم هو بدوره فنحن نخطيء في علاج الأمر. فهو يقاوم المفقود العضوي بالموجود التقني أي إن تاريخه الطبيعي ضؤل أمام تاريخه الحضاري بخلافنا نحن حيث ما تزال آليات التاريخ الطبيعي متقدمة على التاريخ الحضاري. لكنه لا يكتفي بذلك بل يجدد إرثه العضوي باستيراد البشر والتهجين[2].

لن نتخلص من تعريف الغرب الإضافي إلا بالنظر إلى مقومات وجوده الذاتية التي تعلل هذه الإضافة في علاقته بنا لأن الغرب هو بدوره بحاجة في مجالي التجديد العضوي والتعويض التقني لندرة المولود من الأجيال الصاعدة القادرة على تعويض ما كان متوفرا في الأجيال التي بلغت سن العجز والتقاعد. لكن معرفة إضافته إلينا وإضافتنا إليه هي التي تعد لتجاوزها. وتقتضي تلك المعرفة الجواب الشافي على الأسئلة التالية شرطا للوصول إلى تحديد الأدواء التي تنخر الوجود الغربي أدواءه التي يمكن أن تفهمنا تصرف الغربيين العدواني في ما بينهم ومع أي كائن بما في ذلك الكون الطبيعي فتساعدنا على التصرف المفيد معهم بالمعنى الذي أشرنا إليه في ثالثا. فلا يمكن أن نفهم الغرب إذا اقتصرت نظرتنا إليه من خلال ما ننسبه إليه من موقف إزاءنا فحسب:

1- ما المؤثرات التي يحركها العدو لكي يفعل فينا استمدادا إياها من ثقافتنا (أدواؤنا الخمسة التي ورد ذكرها في المسألة السابقة) وكيف نعالجها لئلا نحتاج إلى رد الفعل عليها؟

2- وما المؤثرات التي يستمدها العدو من ثقافته للتأثير فينا بإغراء شبابنا ونخبنا بنسخ ممسوخة منها لكونه لا يقصد معانيها الإيجابية التي هي قيم مشتركة بين الحضارات البشرية؟

3- ما المؤثرات التي يمكن أن نحركها في العدو لكي نفعل فيه استمدادا لها من ثقافته (أدواؤه الخمسة التي سنذكر لاحقا) أو بصورة أوضح ما أدواء العدو التي يمكن أن تمكنا من التأثير فيه وكيف نعالجها لنجعله في موقع راد الفعل ؟ وكيف نستعملها لكي نضطر العدو إلى موقف من يرد الفعل ؟

4- ما المؤثرات التي يمكن أن نحرك بها العدو استمدادا من حضارتنا دون أن نلجأ للخداع كما يفعل أعني معاني الأخوة البشرية في السلم وأخلاق الفروسية في الحرب (كما فعل محرر القدس) ؟

5- في الدلالة على المصير الواحد لأن العدو مهما احتدت العداوة معه يبقى إنسانا يشاركنا في البنوة الآدمية وفي قابلية الاهتداء إلى الخير والحق فضلا عن كون كلتا المجموعتين الإسلامية والغربية في خطر فقدان المبادرة الحضارية لأن نتيجة الحرب بينهما ستكون لصالح الأقطاب المحيطة بالعالم الإسلامي.

إن للغرب بمجالية الأدنى (أوروبا) والأقصى (الولايات المتحدة) أمورا ذاتية تحدد وضعه وصلته بغيره ليس موقفه منا إلا أحد المترتبات عليها فضلا عن كونها ليست مما يؤثر في الغرب بذاتها فحسب بل بما يحدده لها الوضع الدولي في صراع القوى من منزلة: فلعل المسلمين ليسوا الآن إلا مجرد موضوع صراع لأنهم لم يدركوا بعد الحاجة لتكوين شروط القيام ومن ثم الاستقلال الفعلي بسبب التشرذم والتفتت. والمعلوم أن الغرب ليس خاليا من المشاكل الذاتية بحيث نتصوره مجرد عدو ليس له من وجود إلا بصلته بنا. إنما الغرب جماعة مؤلفة من قطبين على الأقل ويمكن مجازا وقياسا على الشرق أن نسميهما بالغرب الأدنى وتمثله أوروبا الساعية إلى الاتحاد ليكون لها دور في الصراع الدولي والغرب الأقصى وتمثله الولايات المتحدة الساعية إلى الحفاظ على مكانتها أمام صعود عمالقة آسيا وحتى العملاق الأوروبي. ولعل الجسر بين القطبين تمثله المملكة المتحدة. فتكون انجلترا في الجسر بين الغربين الأدنى والأقصى كالهند في الجسر بين المشرقين الأدنى والأقصى.

ويمكن أن نرجع أزمة الغرب التقليدي إلى عاملين أولهما بصنفيه ناتج عن حرب التحرر من هيمنة مستعمرتيه المتغربتين عليه مستعمرته الشرقية (الاتحاد السوفياتي) ومستعمرته الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية) والثاني ناتج عن طبيعة النظام الديموقراطي الشعبوي الذي يختلف اختلافا جوهريا عن النظام الديموقراطي الأرستقراطي أو نظام تشريع النخب المتحررة من الحاجة :

صنفا العامل الأول:

الصنف الأول من العامل الأول هو انحصار دوره بعد تحرر مستعمراته التي لم تتغرب بنوعيها انحصارا ليس سببه هذا التحرر فسحب بل افتكاك مستعمرتيه الغربيتين لمستعمراته غير الغربية: مستعمراته الآسيوية والإفريقية ثم الأمريكية الجنوبية وكل الجزائر التي في المحيطين.

والصنف الثاني من العامل الأول هو محاولات توحيد أوروبا بشقيها الغربي والشرقي وتجاوز حزازات الماضي من أجل استرداد الدور الكوني والدخول في معركة تقاسم العالم مرة ثانية.

وفيهما كليهما يؤدي العالم الإسلامي الدور الأساسي. فنحن الذين كان لنا الدور الأول في القضاء على الإمبراطوريتين الفرنسية والإنجليزية لأننا نقود تحرير العالم الثالث. ونحن الذين نتصدى لمستعمرتي الغرب التقليدي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فنساعد على تحرير أوروبا منهما.

يستعد الغرب التقليدي لاسترداد دوره بفضل توحيد أوروبا وتحريرها شرقها من مستعمرته الشرقية دون أن يتمكن بعد من تحرير غربها من مستعمرته الغربية وبفضل محاولات ربط علاقات جديدة مع من تمكن من النمو من مستعمراته القديمة وخاصة في آسيا وأمريكا اللاتينية. ولم يبق له مجال صراع ممكن مع مستعمرته الغربية إلا في آسيا الإسلامية وإفريقيا.

صنفا العامل الثاني:

الصنف الأول من العامل الثاني: فمن نتائج النظام الديموقراطي الذي هو الغارشي متخف أنه في الجوهر ثمرة إستراتيجية السلم الداخلية من أجل الحرب الخارجية في المعركة الوجودية المنتسبة إلى التاريخ الطبيعي حول ثروات المعمورة وأسباب العيش فيها. لكأن التاريخ البشري فيه قد دار دورته ليعود إلى صراع القبائل على الماء والكلأ والهواء.

والصنف الثاني من العامل الثاني: ومن نتائج النظام الديموقراطي الذي هذا جنسه ازدواج المعايير الدائم لأن ما لأجله خلق هذا النظام يقتضي تقديم الأثرة على الإيثار فيكون بالضرورة محتاجا إلى نوع من النفاق البنيوي الذي يقتضي أن يكون القول دائما مضادا للفعل مع الآخرين الذين هم أعداء بالطبع ما دام القانون الحاكم للعلاقات هو قانون التاريخ الطبيعي لا قانون التاريخ الخلقي.

فالنظام الديموقراطي الشعبوي يؤدي بالضرورة إلى نوع من الحرب الأهلية الباردة الدائمة في الداخل أو التعايش السلمي الداخلي من أجل الحرب الخارجية الحارة الدائمة مع كل المنافسين على ثروات العالم ؟ لذلك فأسباب الحروب القادمة هي حروب تقاسم الثروات التي صارت نادرة في العالم بسبب التكاثر وتنافس الموارد ؟  ونتائج النظام الديموقراطي الشعبوي تتحكم الفلسفة التاريخية الداروينية العامة التي لا تقتصر على ضم الإنسان إلى تاريخ الحيوان الطبيعي بل هي لا تستثني تاريخه الخلقي من قانون هذا ا لتاريخ: الصراع من أجل الحياة بقاعدة البقاء للأقوى.

والسؤال الجوهري هو كيف يمكن للعرب والمسلمين أن يستعدوا لهذه الحرب الدائمة التي هي جوهرية للنظام الديموقراطي الشعبوي لكونها علة وجوده كيف يستعدون للفعل في مثل هذه الظرفية التي هي جوهر ظرفية العولمة بدل العيش على رد الفعل على نتائج الحرب التي مرت خاصة إلى ضممنا إلى ما وصفنا أزمتي الوجود الغربي نفسه؟

فالأزمة الأولى هي تعدد المنافسين لما كانت تتميز بها حضارة الغرب من علم وتكنولوجيا صارا شاملين للكثير من القوى الصاعدة ومن ثم العودة إلى عقلية الغزو للحفاظ على السهم الأوفر من ثروات العالم.

والأزمة الثانية هي الفشل البايولوجي أو الخوف من الانقراض ومن ثم نكوص الغرب عن القيم الليبرالية التي تسمح بالحدود المفتوحة والتخاصب الحضاري ومن ثم الاضطرار إلى التنكر لكل القيم الغربية. 

إشكالية المقاومة الغربية أو الاستعداد الناجح للمستقبل

لماذا بات العالم الإسلامي مربط الفرس في الاستراتيجية الغربية للبقاء سيد العالم ؟ الأزمة الاقتصادية الأخيرة: كيف أجبرت أمريكا العالم كله للتخلص من ديونها. 

1-الغاية: خريطة العالم الجديد   التي يستعد لها العالم القديم.

2-الأداة: نوع العبودية الجديدة أو جعل العالم كله يعمل لصالح الامبراطورية

3-أوروبا فهمت ذلك:

4-آسيا فهمت ذلك

5-لكننا نحن بقينا صما بكما عميا لا نعقل,.        

محدد العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب وعلل الهروب من الحل الممكن:

1-المقاومة العائق دون التصدي لخطر الشرق الأقصى.

2- القيام الممثل للخطر المحتمل.

3-توهم إزاحة العائق من دون دفع المقابل كما حصل مع أوروبا في الصراع مع الاتحاد السوفييتي.

4-تقوية الخطر الممكن لأن العالم الإسلامي قد يسقط من يحاول إسقاطه

5-مقترحي: أن يتم الحلف بين الغرب والإسلام لتحقيق التوازن في عالم القرن الحادي والعشرين وما بعده.

 

                         الفصل الأخير

 

             مثال موجب وسالب من المقاومة القيام الناجح

               دور إسرائيل في حكم العرب ومعارضتهم

 

كيف يمكن التغلب على استراتيجيات العدو بعد العلم بأسرارها للتمكن من القضاء عليها ؟

السؤال الذي أريد أقدم له جوابا هو ما السر في سلطان الجاليات اليهودية في  الغرب خاصة ودورها الفكري بكل أبعاد الفكر الصانع للرأي العام وكيف نفهم المعركة الآن بوصفها معركة السعي لأن يحقق اليهود في الشرق الإسلامي ما حققوه في الغرب المسيحي بنفس الخطة المتمثلة في كون الجماعة التي لا تستمد خاصيتها الجماعية إلا من الدين تقدم نفسها على أنها زعيمة الفصل بين قيام الأمم وحصانتها الروحية. فيكون فهم  المراحل التي يقطعها الآن لتحقيق  السيطرة على الشرق بيت القصيد في هذا الفصل الأخير.

 لن أطيل الكلام على ثمرات المقاومة التي دامت قرونا فحققت سلطان الفكر اليهودي على نخب الغرب بأصنافها الخمسة (السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية والجامعة بين كل ذلك في الفكر الفلسفي الديني) وبفضل استعمال القوتين المادية والرمزية سيطرت على مقاليد الأمر فيه. لن أطيل الكلام عليها لأنها معلومة للجميع ولا يكاد يجادل فيها إلا من يريد أن يغفل أن خفاءها هو أيضا من عوامل فاعليتها لأن من شروط الفاعلية الرمزية بقاءها مبهمة شأنها شأن الردع الاستراتيجي. ما سأركز عليه هو أبعاد الدور الإسرائيلي الحالي في المسرح السياسي العربي خاصة وفي مسارح الفاعلية الرمزية والمادية الأربعة الأخرى عامة سواء بين النخب الحاكمة أو النخب المعارضة دليلا ليكون موجبا على ما قدمناه نظريا. وفي مقابله سيكون تقويم  مدى قدرتنا على التعامل مع الرهانات الدولية الحالية مناسبة لبيان الدليل بالمثال المضاد على صحة ما قدمناه مركزين خاصة على المجالين السياسي والاقتصادي (أعني الوجه المادي من صورة العمران ومن مادته).

فحتى نفهم هذا الدور ونقدر على التحرر منه لا بد لنا من هذا السعي لفهم السر الذي يمد العدو بكل هذه القوة والسر الذي يضاعف ضعفنا إلى حد الشلل شبه التام في المجالين السياسي والاقتصادي.  ولعل كيفيات التعامل العربي والإسلامي مع إسرائيل هو العلامة المائزة بين النضوج الموضوعي الذي يفصل بين القدرة الفعلية المادية والرمزية ومجرد التعبير العاطفي عن الإرادة التي تقتصر على الكلام الأجوف الخالي من الفاعلية الحقيقة في العمل السياسي ماديا ورمزيا. فالقدرة الفعلية تتميز بما تطلبه من توفير لشروط الإمكان المحدد والتي هي شروط مادية ورمزية حتما. أما مجرد الإرادة التي تستبدل القوة الرمزية الفعلية بالقوة الرمزية الوهمية مع فقدان القوة المادية فيستغني عن هذه الشروط تجاهلا لمبدأ الواقع وشروط التعامل معه بحكمة و نجاعة.

وهذه المقابلة تصدق على من هو في هذه الوضعية بحسن نية فضلا عمن هو فيه بسوئها. ولعل المعترفين بفقدان هذه الشروط أقل استهانة بالمصلحة القومية من ناكريها. ففضلا عن كون الكثير من المتعنترين يتجاهلون علل ضعفهم تجدهم أشد الناس اعتمادا على إسرائيل في جوهر وجودهم لأن المطاولة في التعنتر غير المصحوب بالفعل المحرر منه أعني شروط الاستغناء عنه (لأن القوي الفعلي في غنى عن التعنتر: بدليل أن من لم يصنع بعد قنيبلة نووية واحدة يهدد باستعمالها لمحو من يملك منها المئات الذي لم يعلن حتى مجرد الإعلان عن امتلاكه إياها) تحول دون الاستعداد للتحرر منه للانتقال من المقاومة التي هي رد فعل إلى القيام الذي هو فعل مشروط بالندية مع العدو.

فلا يمكن أن تزعم محاربة العدو ثم تنتظر منه أن يكون إنسانيا معك فلا يستعمل كل ما لديه من أسلحة لم تفعل شيئا لتكون ندا له فيها. إنك بذلك لا تكتفي بالتسليم بتفوقه المادي بل أنت تتطوع لتشهد له بالتفوق الخلقي: فلكأنك تقول بصنيعك هذا له اتركني اكذب على شعبي وحافظ علي في منزلة المتعنتر المانع من الفعل الموجب الموصل للندية بأدواتها الفعلية. وإذا حصلت مناوشات فعليك ألا تذهب إلى الغاية فتفرط في استعمال القوة لأنك بذلك ستبدو همجيا وتنهي اللعبة من أصلها متناسيا أنها لصالحنا معا أنت لتظهر بمظهر العدو المهادن وأنا بمظهر المقاوم العنود.

إن الوعي والإرادة المجردين يطلبان ما يشتهيان من دون توفير شروط ما يسعيان إلى تحقيقه بل هما يحولان دون المرء وهذا السعي. وهذا هو ما يبدو غالبا على تعاملنا حكما ومعارضة مع إسرائيل. فبدلا من تحقيق شروط القيام المغني عن تحويل الحياة إلى رد فعل دائم مع عدو ليس هو ندا لنا لو كنا مدركين لما لدينا ول سعينا إليه بشروطه ترانا نرضى بوهم المقاومة التي لا يمكن أن تتعدى مجرد التبعية حتى في هذا الشرف: فمجرد الاقتصار على رد الفعل يجعلك دائما متأخرا بزمن على العدو فتكون بمقتضى الحد تابعا. أما النضوج الموضوعي والقدرة على الفعل فهما يقدمان تحقيق الشروط على السعي إلى المشروط: فالصين التي أدركت سر القوة صارت في غنى عن التلويح بالقوة لتحرير ما بقي مستعمرا من أرضها لأن الجميع يعلم أنها قادرة فعلا وليست متعنترة. ولعل كيفية تحقيق إسرائيل لأغراضها بتقديم تحقيق الأسباب وعجزنا عن تحقيق أدنى شرط من شروط ما نسعى إليه في صدامنا معها كافيا لفهم الفرق بين الإرادة العرية عن فن التعامل العلمي مع محددات الفعل والقدرة المدركة لشروطه.

لم نفهم ما فهمته أوروبا بعد فقدانها لمستعمراتها وخروجها منهكة من حروبها الناتجة عن انقساماتها إلى قوميات متناحرة. فهي قد أدركت أنها خرجت من الحرب العالمية الثانية فاقدة لشروط الدور العالمي الذي كان لها قبلها فصارت مستعمرة يتقاسمها القطبان. وكذلك كان مآل المستعمرات الأوروبية ومنها نحن. اختارت أوروبا الصف الرابع وسعت بمنهجية إلى الوحدة المحققة لشروط القوة الفعلية فصارت ثاني قوة في العالم. واخترنا الصف الخاسر وتفرقنا فصرنا في ذيل العالم. ولا زلنا في عنادنا مع الصف الخاسر.

ولعل مثال واحد يساعد على فهم القصد من الصف الخاسر الذي اختاره العرب الحاليين بسبب عمى البصيرة. فيكفي أن تقارن ما يحدث في دبي بما يحدث في سنغفورة. فسنغفورة جعلها صينيوها-مثلها مثل تايوان وهونج كونج- مصاصة لرأس المال الغربي بهدف تمويل اقتصاد أمتهم وهي على مقربة من أن تصبح ثاني قوة اقتصادية في العالم . ودبي جعلها أعرابها-مثلها مثل كل قبائلنا العربية- مصاصة لرأس المال العربي بهدف تجفيف الاقتصاد العربي وتحويله إلى شواهق من الاسمنت المسلح في صحارى العرب وتمويل اقتصاد أعداء أمتهم التي هي على مقربة من الإفلاس المطلق بمجرد أن ينضب زيت الحجر. والدليل حجة لجوء أوروبا لهذه المصاصة فهم يفضلونها على الصين وروسيا في التمويل الخارجي لعلتين: فليس لأصحابها القوة الممكنة من حمايتها ولأنهم لا يملكون سياسة مالية تسعى إلى تحصيل التحكم في الشركات بل هم مجرد تجار في المضاربات المالية يخضعون لإرادة البلد الذي يهربون إليه ثروات بلادهم لأنهم ينوون الهجرة إليه.

إذا كانت إسرائيل تعمل بأدوات تمكنها من تسخير القدرة الدولية بأدواتها الأساسية (المال والإعلام والاستعلام والقوة السياسية والقوة العسكرية) لما تريده, فمعنى ذلك أنها مهدت لذلك بالعلم بأسرار الأمرين وإجراءات التأثير فيهما وبتحقيق التوافق بين ما تريده وما يسعى إليه من بيده القدرة الدولية بحسب الظرف الدولي المواتي. ومراكز القدرة على الفعل الدولي التي تستند إليها إسرائيل اليوم فتستعملها لأغراضها ضربان:

إحداهما في أمريكا التي بيدها شروط القدرة المادية الأولى في العالم الحالي وتسعى إلى تحقيق شروط القدرة الروحية بمنافسة أوروبا التي ما تزال محافظة عليها. لذلك فإسرائيل تستعمل أمريكا خاصة لتوفير شروط قيامها المادي, دون أن تهمل استعمال طموح أمريكا إلى القدرة الروحية.

والثانية في أوروبا التي بيدها شروط القدرة الروحية في العالم الحديث وتسعى إلى تحقيق القدرة المادية التي ما تزال بيد أمريكا. لذلك فإسرائيل تستعمل أوروبا خاصة لتستمد شروط قيامها المعنوي, دون أن تهمل استعمال طموح أوروبا إلى القدرة المادية.

فالأولى تسلحها وتمولها لتستعملها أداة في سيطرتها الإمبراطورية الفعلية. والثانية تمدها بشرعية من عقدتي ذنبها إزاءها (كل التاريخ المسيحي ثم النازية) وتغذيها لتتخلص من أخطائها الخلقية ورمزا لسيطرتها الروحية. وكلا بعدي إسرائيل هذين يعلمهما النافذ من النخب العربية علم اليقين بل ويستعملونهما كلما دعتهم الحاجة إلى ذلك فيتوسلون إسرائيل ولوبياتها ليرضى عنهم الرأي العام الغربي: يتوسلونها لتبييض صفحتهم في الرأي العام الغربي أما الرأي العام العربي فهو آخر همومهم. ومثل هذا غني عن التمثيل, إذ لا وجود لنظام عربي واحد يقبل الاستثناء من مثل هذا السلوك. ولعل ذلك يصدق خاصة على الأنظمة التي تجاهر بأكبر عداء لإسرائيل: إنها أكثر الدول العربية لجوءا لمثله. رغم العنتريات اللفظية.

إن إسرائيل تسهم مباشرة مع أمريكا في حماية الكثير من الأنظمة العربية عامة والأنظمة التي تجاهر بالخروج عن خرافة الإجماع العربي في الموقف من إسرائيل ماديا وذلك في المشرق والمغرب على حد سواء. وإسرائـيل تسهم بصورة غير مباشرة مع أوروبا في حماية الكثير من الحركات التي تدعي التحديث وذلك في المشرق والمغرب على حد سواء.

وحتى الحركات التي تدعي الأصولية فأغلب زعمائها يعيشون في حماية أوروبا وأمريكا وبالتالي في حماية سلبية من إسرائيل التي ترضى لوبياتهما عن بقائهم تحت أعين الاستعلامات الغربية توظف منهم من تشاء ومن سلم من هذا التوظيف مضطر حتى لمجرد العيش السليم أن يهادن الصهيونية ولوبياتها. وما لم نتخلص في الحالتين من الحاجة إلى مثل هذه الحماية يبقى دور إسرائيل ولوبياتها المنتشرة في العالم, دورها في سياستنا العربية رئيسيا وجزء لا يتجزأ من المعادلة العربية الداخلية.

ويجتمع كلا الإسهامين في صيرورة أمريكا وأوروبا بالذات وإسرائيل ولوبياتها فيهما بالوساطة الجسر الضروري والكافي في كل مبادلات الدول العربية الاقتصادية مع العالم بضائع وخدمات وخبرات وأدوات تبادل استثمارا وتمويلا وتسويقا. ويصح ذلك على حركات رأس المال الخليجي الذي هو سيولة مالية لا يمكن أن تعمل حقا إلا بتوسط أرباب البنوك في العالم وعلى حركات البضائع والخدمات (كالسياحة مثلا) في بلاد المغرب العربي والتي هي بيد يهود فرنسا ممن هاجر من المغرب العربي.

أما دورها في وسائل تكوين الرأي العام الدولي فإنه من البين أنها قد صارت الجسر الذي تمر به إيجابا أو سلبا كل الأنظمة والحركات العربية لتسويق ذاتها في دوائر صنع القرار وفي الرأي العام الغربي النافذ. لذلك فكل من يتحدث عن معركة المقاطعة والتطبيع من دون أخذ هذه الأمور في الاعتبار لا يغالط إلا نفسه: وهو يكذب على الشعب العربي.

 

                            الخاتمة

لعل رمز المقاومة السلبية التي ترتد على صاحبها هو المقاطعة من دون شروطها التي تجعلها مؤثرة فعلا. فالمعلوم أن المقاطعة تتحول إلى معركة خاسرة إذا صار الفاعل المزعوم يخسر فيها أكثر من المنفعل الموهوم كالحال في المقاطعة العربية لإسرائيل. فهذه المعركة قد خسرها العرب-تسليما جدليا بأنهم قد خاضوها فعلا وهو ما لا يمكن أن أصدقه لعدة علل ليس هذا محلها حتى وإن كان مجرد الإشارة إلى تنفذ إسرائيل في كل أوجه الحياة الغربية كافيا- بمجرد أن نبين أن الرهان غير مقصور على إسرائيل الجغرافية. فالرهان في العلاقات الدولية متجاوز الحيز الضيق بين العرب وإسرائيل حتى وإن أصبح الاعتراف بذلك من البديهيات بمقتضى العولمة إلى كل الشبكة التي بيد من يأتمر بأوامر اللوبيات ذات الصلة الوطيدة بإسرائيل في مجالات الفاعلية الخمسة: مجالي صورة العمران أي السياسة والتربية ومجالي مادته أي الاقتصاد والثقافة ثم المجال الجامع والمحدد الشامل لمناخ الفكر أي الفكر الديني الفلسفي المتعلق بالخيارات الوجودية والروحية في الثقافة الغالبة.

وهذا أمر لا يمكن لأي عربي صادق أن ينكره خاصة والإنكار حائل دون الفعل الحقيقي الوحيد القادر على الصمود أمامه قصدت توحيد العرب وتكوين كمنوالث إسلامي قادر على التعامل الندي مع اللوبيات العالمية التي تعمل لصالح إسرائيل. فمن عدم الحكمة مواصلة هذا التصدي السلبي بالأسلوب التقليدي الذي عهدناه حتى لو سلمنا بحكمة الشروع فيه من الأصل وبأن حاصل كما يدعي أصحابه وليس وسيلة من وسائل التكاذب والتلاوم المتبادلين بين الأنظمة العربية: إذ لا يمكن أن تقاطع العالم كله لتقاطع إسرائيل مقاطعة يكون ضررها عليك أكبر من ضررها عليها خاصة وأنت تابع في وجودك اليومي بدءا بالأنظمة وختما بما أدت إليه سياساتها من استتباع لشروط حياة شعوبها لدورة اقتصادية وهمية مشروطة بأن يكون العرب أقطارا  منفصلة حتى تكون جميعا قابلة للابتزاز. والبديل الذي نقترحه يحقق أمرين:

فهو أولا يغنيك عن المقاطعة لأنه يعطيك الندية في العلاقة فيكون التهديد وحده بالمقاطعة أقوى حتى من الكذب بمقاطعة مستحيلة. فيمكن للعرب إذا كانت مجموعة اقتصادية فعلية أن يكون لتهديدها بالمقاطعة فاعلية. لكن أي بلد عربي منفرد لا يمكنه أن يقاطع لأنه مدين ببقاء نظامه الهش للحماية الأوروبية والأمريكية فضلا عما آل إليه وضعه الغذائي والدوائي والدفاعي من تبعية مطلقة.

وفهم هذا الأمر ثانيا يقلل من كثرة الكلام عما يسمى بسلاح البترول العربي أو سلاح الأموال العربية بصرف النظر عن عوائق استعمالهما الأخرى وخاصة شرط الإجماع فضلا عن كون المرء الذي يعيش من مورد واحد لا يمكن أن يستعمله سلاحا إلا بقتل نفسه لأنه أحوج لبيعة من شاريه لشرائه.

والفرق الوحيد بالنسبة إلى الأنظمة التي تتكلم باسم القومية هو أن دور إسرائيل في سياساتها لا يبرز للعيان رغم كونه لا يقل عنه في سياسة الأنظمة التقليدية, ورغم كون البعد الجامع بين دوريها هذين لا يقبل الإخفاء كما يتبين من أمثلة الصدام بين الأنظمة القومية والحركات الدينية غير التقليدية الصدام الذي يفضح كل الدعاوى والمغالطات كما حدث في الكثير من المناسبات داخل نفس القطر أو بين الأقطار العربية أو حتى بين بعضها وبعض الأقطار الإسلامية.

ويصبح اعتماد الأنظمة العربية وكذلك حركات المعارضة على الوساطة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة أوضح من فلق الصبح في حالة الحكومات والمعارضا العلمانية حتى وإن كانت الحكومات والمعارضات الإسلامية نفسها باعتمادها على الهجرة إلى الغرب تكاد تكون في نفس الوضعية. فالمعارضة العلمانية لا تستمد ما يمكن أن تتمتع به من نفوذ وحرية نسبية في بلادنا إلا بما تضمنه لها أوروبا والإعلام الغربي (وهنا يكمن دور إسرائيل النافذ) من حماية.  والمعارضة الدينية لا قدرة لها على الفعل في الخارج الذي هاجرت إليه إلا بشروط الفعل في الغرب ومن ثم بشروطه التي للعامل الصهيوني فيه دور مهم ومن ثم فهي مضطرة لمراعاة هذا الشرط حتما.

وحصيلة القول هي أن إسرائيل قد أصبحت لاعبا أساسيا في المعترك العربي الإسلامي بجميع أبعاده في مستوى الحكم والمعارضة على حد سواء وفي كل المجالات الاقتصادية والثقافية وحتى الاجتماعية (التحركات النقابية وكل تنظيمات المجتمع المدني مثلا) مما يوجب التعامل معها على هذا الأساس من موقع التمييز بين البحث عن شروط القدرة المستعملة للموجود سعيا لتغليب المقبول منها على المرفوض عند الصادق من النخب ومجرد التعلق بأوهام الإرادة عند الديماغوجيين.

لذلك فلا بد من الاعتراف بأنه لا يمكن للمرء أن يعالج القضايا الأربع الأولى من دون حسم هذه المسألة. فهي يمكن أن تكون العائق الجوهري ويمكن أن تكون المحفز الأساسي بحسب التعامل الناضج المستند إلى القدرة الفعلية الحاصلة والمخططة لتطوير نفسها أو التعامل المراهق المستند إلى مجرد التنديد والوعيد: لا يمكن أن نواصل التعامل مع إسرائيل في ظرف الشرق الأدنى خاصة إذا كنا نطلب شروط الحد من هذا الدور في مستقبل منظور وكأنها ليست من العناصر الأساسية المؤثرة في كل وجوه الحياة العربية فضلا عن قوميات الشرق الأوسط غير العربية.

ففي الحكم لا واحد من الأنظمة التقليدية بقابل للاطمئنان للأنظمة غير التقليدية وجلها إن لم تكن كلها تعتبر إسرائيل الرادع الوحيد دون الأنظمة القومية التي تشعر بأنها تهدد عروشها ومصالحها بناء على تجارب يصعب أن نشكك في دلالاتها: وبهذا وحده يمكن فهم الاصطفاف المسمى صف الاعتدال وصف التطرف أو صف الصمود وصف الاستسلام بحسب مصطلحات الصفين المتقابلين.

وفي المعارضة لا واحدة من الحركات التحديثية العلمانية بقابلة للاطمئنان للحركات التأصيلية الدينية. لذلك فهي تتناسى الأنظمة التي تهدد حريات أفرادها مكتفية بالاحتماء الإعلام والرأي العام الغربي لها وهي حماية ذات صلة وطيدة بإسرائيل حتى وإن حاول البعض إخفاء ذلك لتتفرغ للحرب على الحركات الأصولية وقيم الأمة.

ولسوء الحظ فإن هاتين الحقيقتين من الأمور التي لا شك فيها: وهي من ثم علامتا الدور الأساسي لإسرائيل في السياسة العربية حكما ومعارضة. ومن ينفي ذلك يكذب على الأمة ولا يريد الكشف عن الداء الذي أوصلنا إلى هذه الوضعية لئلا نعالجه العلاج الشافي. والتصريح بهذه الحقائق رغم ما فيه من آلام يمكن أن يخلص السياسات العربية الحاكمة والمعارضة من الازدواجية فيحررنا من العنتريات الزائفة. وطبعا لن ننتظر أن ينزل وحي جديد يخصلنا من المآل الذي كان عليه عرب الجزيرة قبل نزول القرآن: فقد كان دور اليهود فيهم أشبه بدورهم اليوم في الغرب أعني أنهم كانوا المسيطرين روحيا وماديا على النخب العربية قبل نزول القرآن الذي افتك منهم الريادة الروحية فتمكن العرب من تأسيس الإمبراطورية الإسلامية.

 


[1]  وسأكتفي بهذا لأن الميتافيزيقا ليست مما يستحب. وقد أواصل البحث في النص الذي سينشر فأدرس المسالة في المستويات التالية استنادا إلى بعض الفلاسفة خاصا بالذكر منهم ابن خلدون:  فأنظر فيكيف يبرز ذلك وكيف يعلله ابن خلدون؟ 1- في المستوى النفسي  ( منزلة المثقف  ودور الرمزي في فعل المقاومة)  2-وفي المستوى الاجتماعي (ظاهرة الحرب ودور الرمزي فيها).  

 

[2]  وحتى في المستوى التكنولوجي فإن الغرب بحاجة إلى العالم القوي عضويا ليس باستيرادها بل باستيراد القادرين عليها من شبابه المتعلم وتلك هي علة  القبول بهجرة المتعلمين وتشجيعها وجعل الهجرة انتقائية حتى تحقق الغايتين: التجديد العضوي والتعويض التقني في العمالة وفي صناعتها (التعليم التقني).

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام