shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

المفارقات المعرفية والقيمية

                في فكر ابن خلدون الفلسفي

                             (1)

                             تمهيد:

اضافة ابن خلدون في الفلسفة[1] من الأمور التي قل أن يجادل فيها أحد  رغم غياب الخصائص التقليدية للخطاب الفلسفي في أعماله بل إن تجديده في الطرق والرؤى يبدو مرادفا لنقد نسقي لشكل التفلسف التقليدي[2]. و قد بات من الواجب أن نحاول فهم فكره بما يتضمنه من مفارقات فلسفية لعل أولها هو العلاج الجديد لقضايا نظرية وعملية لم يسبق إليها. فقد كان نظام الفكر الفلسفي قبله يستثنيها من مباحثه استثناءا مبدئيا. والمعلوم أن الكتابة الفلسفية في التاريخ ونقده لم يكونا من تقاليد الفكر الفلسفي اليوناني أو العربي المتقدم على ابن خلدون لأسباب مبدئية أهمها أن العلاج التاريخي يعد ضربا منهجيا همه الجمع العيني للمعطيات وليس هو من علوم الموسوعة الفلسفية.

لكن الأهم ليس في الحيد الموضوعي أو الأسلوبي اللذين عرفت بهما مباحث المقدمة الحيد عما كان سائدا في التقاليد المدرسية بل هو في ما يتسم به نهجه الفكري من مفارقات نظرية وعملية عند قيس حلوله بحلول التقليدين الفلسفيين الأفلاطوني والأرسطي وما نتج عن الممازجة بينهما في السنن الفكرية التي ولتهما عند أمم الشرق والغرب قبل الإسلام وبعده. وهذه المفارقات تحتاج إلى تحليل وتأويل حتى نفهم طبيعة الثورة الفلسفية التي يمكن أن ننسبها إلى ابن خلدون.

وأيا كانت أهمية ثورته على التقاليد الفلسفية فإنه علينا أن نعترف بدور هذه التقاليد في تكونه ونضوجه الفكري اللذين بلغا الذروة في مقدمة تاريخه. ولعل أعمالا أربعة من أعماله هي التي تمدنا باشارات بينة حول تكوينية الدور الذي ننسبه إلى الفكر الفلسفي في فكر ابن خلدون ومضمونه: 1- لباب  المحصل 2- وشفاء السائل 3- والتعريف 4- والمقدمة. فاللباب[3] يساعدنا على فهم فهم ابن خلدون العلاقة العميقة بين الكلام والفلسفة في الحضارة الاسلامية. إذ نتبين فيه تمكن ابن خلدون من التأليف الأخير لتقاليدنا الفلسفية والكلامية كما صاغها الرازي في محصله صوغا نسقيا. و في شفاء السائل[4] يدرس ابن خلدون العلاقة بين الفلسفة والتصوف دراسة مباشرة وبصورة غير مباشرة العلاقة بين العلم والقيادة الروحية. وهو يثبت عمق الفهم الخلدوني للأساس  المشترك بين الفلسفة والكلام والتصوف.

أما التعريف[5] فيثبت التزام ابن خلدون بحوارات عصره النظرية وخصوماته العملية. وهو يعرفنا برائعتيه سابقتي الذكر وعلاقتهما بالتزامه الشخصي باحداث عصره الفكرية والسياسية. وأخيرا فإن المقدمة[6]  تكشف غاية التكوينيات الثلاث التي ذكرنا واسهام ابن خلدون الفلسفي الأصيل اسهامه الذي يبدو مستحيل الفهم والتأويل بمعايير السنة الفلسفية التقليدية. ذلك أن المقدمة تحدد تحديدا صريحا المهمة التي يعتقدها  ابن خلدون غاية الحكمة الحقيقية: المهمة التأسيسية في مجال معرفة جديد هو مجال علم موضوعه الظاهرات الاجتماعية والحضارية وغايته اصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية. وهذا العلم يعد بديلا في دور العلم الرئيس من الميتافيزيقا التي تستند إليها كل العلوم والأعمال منذ عهد أرسطو[7].

وبوسعنا أن نسمي هذا العلم ب"ما بعد التاريخ" قياسا على تسمية ذلك العلم ب "ما بعد الطبيعة" لأن منظور العلم الرئيس فيه ينسب إلى الظاهرات التاريخية وعلمها الدور الوجودي الذي ينسبه ما بعد الطبيعة للظاهرات الطبيعية وعلمها[8]. وفعلا فإن ما بعد التاريخ يدرس الموجود الاجتماعي التاريخي وعلمه من حيث هو علم يشمل الظاهرات الاجتماعية ومن ثم العلوم من حيث هي نوع متميز من الظاهرات الاجتماعية بما في ذلك علم ما بعد الطبيعة الذي هو ظاهرة اجتماعية كذلك.

لكن فشل الاصلاح الابستمولوجي الذي اقترحه ابن خلدون يبدو أمرا ثابتا كما يتبين من عمله ذاته في علم التاريخ. فيبدو أنه لم يوفق إلى تطبيق منهجه الذي حدد معالمه في المقدمة. أما فشل تجاربه السياسية ذائع الصيبت فإنه ينفي عن ابن خلدون كل فائدة سياسية يمكن أن يكون قد استمدها من علمه رغم أنه لم يزعم قط التطبيق الصريح لنظرته الجديدة التي وضعها بعد أن اعتزل الحياة السياسية المغربية وقبيل هجرته المشرقية.

لكن هذين الفشلين في التطبيق النظري والعملي لا يعنيان ضرورة خللا في علم ابن خلدون الجديد. فيمكن أن يكون ذلك خطأ عرضيا في التطبيق الذي حاول ابن خلدون القيام به في كتابة التاريخ وفي الممارسة السياسية. لذلك فإنه علينا أن نسائل النظرية الخلدونية ذاتها بصرف النظر عن تطبيقاتها الابتسمولوجية والسياسية لكي نفحص تناسقها المنطقي وفاعليتها الابستمولوجية والقيمية.  وستكون نقطةَ الانطلاق في هذا السعي لمحاولة تقويم اكتشاف ابن خلدون صوغٌ فلسفي للمفارقات التي يمكن ان تكون قد كانت مصدر الحصيلة السلبية لتطبيق مشروعه النظري.

وغاية قصدنا  أن نجيب عن السؤال الحاسم التالي: هل يستطيع البديل الذي يقترحه ابن خلدون البديل من النتيجة السلبية المضاعفة التي أبرزها بنقده الفكر الفلسفي والعمل الديني في عصره أعني عقم العلم السياسي الفلسفي[9] وعدم جدوي العمل السياسي الديني[10] أن ينجح في تحقيق الاصلاح المضاعف الذي يسعى إليه مشروع المقدمة النظري والعملي ؟

فرغم غلبة التوجه إلى الاصلاح العملي (السياسي والخلقي) على فكر ابن خلدون فإن جوهر المقدمة محاولة لتأسيس اصلاح معرفي على بديل لنظرية الوجود والقيمة بديل يقطع معرفيا مع الفلسفة التقليدية بنظريتها المعرفية ونظريتها الوجودية ونظريتها القيمية التي يتبين عند التحليل أنها ترجمة فلسفية لمبادئ فلسفة الوجود والتاريخ القرآنية[11]. ذلك أن:

1- اصلاحه المعرفي لنظرية العلم ينسب إلى علم العمران البشري والاجتماع الانساني الوظائف المعرفية والوجودية التي تنسب إلى ما بعد الطبيعة في دورها التأسيسي للمعرفة والوجود[12]. وهذه الرؤية المعرفية تقتضي أن الفلسفة العملية من حيث هي معرفة علمية للسياسيات والتاريخ والفلسفة النظرية من حيث هي معرفة علمية للطبيعيات والطبعية هما من طبيعة ابتسمولوجية واحدة[13]. ومن ثم فهذا الإصلاح يفترض نظرية وجود جديدة (جميع الموجودات آيات وعلمها من طبيعة واحدة) تتأسس في اعادة تحديد التاريخ والطبيعة وعلاقتهما أعني العلاقة بين القيمة والحقيقة شرطا في فعل العقل النظري[14].

2- اصلاحه القيمي لنظرية العمل ينسب إلى التاريخ الفعلي الوظائف القيمية والمعرفية التي تنسب عادة إلى ما بعد التاريخ في دور اضفاء الشرعية على الفعل والقيمة (مابعد التاريخ ليس مفارقا للتاريخ بل هو محايث له والفصل بين الشاهد والغائب أمر ذهني وليس عينيا). وهذه النظرة القيمية تقتضي أن تكون السياسة  من حيث هي فعل تاريخي والدين من حيث هو تأسيس ما بعد تاريخي للفعل متلازمين وكلاهما من نفس الطبيعة القيمية: وهذا هو الموقف الذي يميز الاسلام في رأي ابن خلدون عن الاديان الاخرى[15]. ومن ثم فهذا الاصلاح يفترض نظرية جديدة في علم القيم تتأسس على تعريف جديد للقيمة والقوة وعلاقتهما أعني العلاقة بين القيمة والقوة شرطا في فعل العقل العملي[16].

نحاول في  هذا البحث تحليل مفارقات هذين الاصلاحين المعرفي والقيمي لكي نبرز ذاتيا  وبالقياس إلى نظريات الفلسفة التقليدية خصائصهما ونفهم دلالتهما فنعين حدودهما. ذلك أن تقويم هذين الاصلاحين دون تحيز مدحي لابن خلدون يقتضي ضرورة تحليلا موضوعيا  لهذه المفارقات التي تترتب عليهما بلغة الفلسفة التقليدية:

1- المفارقات المعرفية: تقويم فاعلية العلم المساعد

2- المقارقات القيمية: تحديد منزلة العلوم الإنسانية.


 

[1]  كل تحليلاتنا في النص العربي تعتمد على نشرة الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب تونس 1984.

2 لنقد الفلسفة التقليدية في مقدمة ابن خلدون شكلان. نقد عام لما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ. ونقد خاص لبعض العلوم الفلسفية العلوم التي تستند إلى ما يسمى بالعلوم الخفية مثل السيمياء والتنجيم. ويتقدم عليهما سند نقدي يصعب تمييزه عن النقد بمعناه الكنطي أعني نقد قدرات العقل المعرفية ومحاولة بيان حدودها المشروعة وذلك خاصة في فصل المنطق وفصل الكلام وفصل نقد الفلسفة بمعنى الميتافيزيقا.

[3]  ألف ابن خلدون لباب المحصل وهو دون العشرين.

[4]  وقد جادل البعض في نسبة شفاء السائل وفي تاريخ تأليفه. لكننا أثبنتا في دراستنا التي نشرت سنة 1991 بصورة شبه يقينية هذه النسبة وحددنا تاريخ تأليفه: انظرأبو يعرب المرزوقي محاولة في العلاقة بين السلطان الروحي والسلطان الزماني تعليق على شفاء السائل لتهذيب المسائل لابن خلدون الدار العربية للكتاب تونس 1991.

[5]  التعريف بعبد الرحمن بن خلدون ورحلته غربا وشرقا ألفه في العقد الاخير من حياته تحقيق ابن تاويت الطنجي القاهرة 1371-1951.

[6] ألفت المقدمة بعد مجموعة من التجارب السياسية الأليمة وبعد قرار وجودي نتج عنه تخلي ابن خلدون عن كل التزام مباشر بالحياة السياسة والتفرغ للعلم والواجبات والمهمات الدينية.

[7]  انظر ارسطو مابعد الطبيعة مقالة الالف الكبرى    982 أ  20-982 ب 28.

[8]  وقد تكون هذه المعادلة بين المعرفة النظرية والمعرفة العملية سبيلا إلى تجاوز حصر نظرية الوجود في نظرية القيمة (الحصر الذي هو غاية الرؤية القدرية) أو حصر نظرية القيمة في نظرية الوجود ( الحصر الذي هو غاية الرؤية الجبرية). فلكي نتخلص من هذه المقابلة المستندة إلى المقابلة بين المعرفة العقلية والمعرفة النقلية أزال ابن خلدون المقابلة ذاتها بفضل مفهومه للانسان ( الذي يعد وجوده ذاته قيميا لان الانسان هو عين الشوق إلى التأله الذاتي أو حب التاله). فبمقتضي كونه ما هو يكون الانسان كائنا مقوما من حيث هو إرادة سيطرة بحكم كونها بالجوهر رئاسة مطلقة. وتلك هي علة تأسيس ابن خلدون رؤيتة للقوة التي يعتبرها وجودا قيميا من دونه ليس يمكن للقيم أن تتحقق.  وهو بذلك يترجم بلسان فلسفي الحل الاشعري التي تجاوز الحصر المتقابل  (قدرية جبرية ) بتعريف جديد للسياسة من حيث هي معادلة بين مفهوم الاستخلاف ومفهوم الكسب أو المجاهدة. ومعنى ذلك أن العلم والعمل الانسانيين فردا وجماعة يعدان تحققا للسيادة الانسانية ومن ثم فهما المعنى العيني للخلافة الكلية: الإنسان بذاته خليفة. ونجد في المقدمة كثيرا من النصوص التي تؤكد على هذه المعنى. وأكثرها دلالة النص الذي يلخص النتائج الوخيمة التي تترتبت على التربية التعسفية التي تفقد الإنسان معاني الانسانية من حيث العمران والنص الذي يحدد أسباب انحطاط الأمم وانقراضها بمفعول غياب السيادة أو بمفعول العبودية والسر عنده هو أن الانسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له. وعند تعذر صمود الإنسان الايجابي ضد هذين الاستبدادين (التربوي والسياسي) فإن السبيل السلبية تنتهي في الحالتين إلى تهديم ذاتي معنوي وحتى مادي.

[9]  ابن خلدون المقدمة ص. 368:" وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب. وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه  كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا. ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يمسى من ذلك بالمدينة الفاضلة والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية.  وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع لمصالح العام. فإن هذه غير تلك.  وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع. وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير".

[10]  ابن خلدون ص. 209:" ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء. فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والامر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر  أتباعهم و(المتلبسون) بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يلهلكون في تلك السبيل مأزورين غير مأجورين لان الله سبحانه  لم يكتب ذلك عليهم وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه.قال صلى الله عليه وسلم:  من رآي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه".

 

[11]  ومعنى ذلك أننا نأخذ الإحالات القرآنية في المقدمة مأخذ الجد متبعين في ذلك صاحب بدائع السلك في طبائع الملك الذي قال قولته الشهيرة مستدركا على ابن خلدون عبارته "قل أن يخالف الأمر الشرعي الأمر الوجودي" بعبارة "بل لا يخالفه أبدا".

[12]  والمعلوم أن ارسطو يشير في كتابه أخلاق نيقوماخوس إلى التنافس بين ما بعد الطبيعة والسياسة على وظيفية العلم الرئيس. لكن الرئاسة  التي ينسبها أرسطو إلى السياسة تختلف عن الرئاسة التي ينسبها ابن خلدون إلى علمه الجديد. فلا يتعلق الأمر بالرئاسة على وظائف العلم الغائية التي تقاس عادة بنسبة علم الفارس إلى علم السراج بل هي وظيفة تحديد المنظور الوجودي والمعرفي لأن العلم ظاهرة عمرانية تتحدد بحال العمران فتكون الرئاسة في هذا التحديد وليس في التوظيف السياسي الواعي كما في خطط البحث العلمي التي تعدها السلطة السياسية.

[13]  ابن خلدون المقدمة ص. 71:" وإذا كانت كل حقيقة متعقلة طبيعية يصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه. لكن الحكماء لعلهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات. وهذا إنما ثمرته في الاخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة. لكن ثمرته تصحيح الاخبار وهي ضعيفة. فلهذا هجروه والله أعلم "وما أوتيتم من العمل إلا قليلا"".

[14]  ولاعادة النظر في التعريف هذه  صلة وطيدة بالعلاقة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي في تقاليدنا الفكرية. فالفكر الديني يحضع الطبيعة للتاريخ والحقيقة للقيمة في حين أن الفكر الفلسفي اختار أن يعكس فيخضع التاريخ للطبيعة والقيمة للحقيقة. لكن ابن خلدون حل المشكل في مسار ذي خطوتين. فهو أولا سما بالعلم العملي إلى مرتبة العلم النظري ثم هو ثانيا قلب سلم الشرف بين ما بعد الطبيعة وعلمه الجديد الذي أصبح يؤدي دور ما بعد التاريخ. ما  بعد الطبيعة هي في نفس الوقت ما بعد كل العلوم الطبيعية التي هي علوم نظرية ومستتبعة للعلوم العملية. وما بعد التاريخ هو في نفس الوقت ما بعد كل العلوم الانسانية التي أصبحت نظرية في ثورة ابن خلدون ومن ثم مستتبعة للعلوم الطبيعية التي أصبحت مجرد علوم مساعدة في العلوم الانسانية.

[15]  ابن خلدون المقدمة فصل الباب الثالث فصل في شرح اسم البابا والبطرك في الملة النصرانية واسم الكوهن عند اليهود ص.286:" والملة الاسلامية لما كان الجهاد فيها  مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الاسلام طوعا أو كرها اتحدت فيها الخلافة والملك لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا. أما ما سوى الملة الاسلامية فلم تكن دعوتهم عامة ولا الجهاد عندهم مشروعا إلا في المدافعة فقط. فصار القائم بامر الدين لا يعنيه شيء من سياسة الملك وإنما وقع الملك لمن وقع منهم بالعرض ولأمر غير ديني وهو ما اقتضته لهم العصبية لما فيها من الطلب للملك بالطبع كما قدمناه لا لأنهم مكلفون بالتغلب على  الأمم كما في الملة الاسلامية وإنما هم مطلوبون بإقامة دينهم في خاصتهم".

[16]  تهتم إعادة التعريف هذه بالتصورين السني والشيعي للعلاقة بين الشرعية والفاعلية السياسيتين. فالنظرة السنية آلت إلى تبرير بعدي لكل سلطة فاعلة في حين أن الرؤية الشيعية آلت إلى تتبرير قبلي لشرعية عاجزة. لكن هذين التصورين السلبيين خطران على سلامة المؤسسة السياسية بل هما مهدمتان لكل عمران: فالاولى أرجعت الشرعية إلى المراوحة بين هرج العصبيات وموت العمران الناتج عن الطغيان المادي في حين أن الثانية آلت إلى هرج الثورات وموت العمران الناتج عن الطغيان الروحي. وبذلك فهما قد اشتركتا في المراوحة بين الهرج والموت. ومن ثم فالحروب الأهلية في العمران الاسلامي منذ الفتنة الكبرى هي الثمرة المضطرة للفصل بين هذين المبدأين اللذين ينبغي ألا يفصلا أبدا من المنظور الخلدوني.

 

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام