
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



المؤتمر الإسلامي يا قاسم؟
رسالة مفتوحة إلى الدكتور فيصل القاسم وقناة الجزيرة
محمد عمر سعيد(*)
أن يصل الحد بأحد أكبر البرامج شعبية في العالم العربي إلى المساس بما يمكن أن يشكل آخر القلاع التي يتوحد عليها المسلمون، والتي ينتظر منها أن تحمل راية الانبعاث الإسلامي المأمول، فذلك ما لم نكن نتمناه أن يحصل، حتى أن الضيف الذي حضر للدفاع عن منظمة المؤتمر الإسلامي في حصة الاتجاه المعاكس التي بثت بتاريخ (15/12/2009) اضطر إلى توجيه سؤال مباشر لمقدم البرنامج يستفسر عن أهداف القناة ذاتها، وآخر يشكك في أن أمر الحصة قد دبّر بليل مع الضيف المقابل الذي لم يخطئ الضيف الوقور بوصفه بالظاهرة الصوتية، مختتما برفضه المشاركة في شهادة الزور التي يراد لها أن تمرر عن قصد أو غير قصد من خلال البرنامج.
وأما أن يُشاهَد الدكتور القاسم على تلك الصور المحرجة التي يسكت فيها أمام كلام يثقل على أي إنسان أن يسكت عنه فضلا أن يكون إعلاميا ذو سمعة فذلك مما ينقطع نظيره، والسبب الأرجح لاستسلام الدكتور القاسم للمأزق الأصعب كان سمعة محدّثه ربما، والموقف الذي اتخذه بعد أن شاهد ما شاهد من مجون صوتي هو في الحقيقة ليس بالغريب على هذا البرنامج.
وبه فلعل الحصة تكون منعرجا إيجابيا لمستقبل البرنامج كله، فقد توضحت أسسه بقوة بموقف الدكتور الرفاعي، خاصة وأنها تلت خطوة إيجابية قام بها معد البرنامج وهو تغيير وجوه البرنامج، فقد صار البرنامج الأكثر ديمقراطية صالونا تتداوله وجوه مكررة صارت تحترف الجلوس على كرسيه؛ هذا وإن غايتي من هذا المقال أن يكون رسالة مفتوحة إلى مقدم البرنامج وإلى كل من يسهر على إعداده ومباركته أيضا، وجوهر الرسالة سيتركز على بيان فداحة الخطأ الذي ارتكبه البرنامج بأن يضع رمز الإسلام المستقبلي، الذي كانت وراء إنشائه أفكار كبار المفكرين المسلمين في العصر الحديث ومشوار جهادي مدني متواصل، على كف ظواهر صوتية نحييها على حرقتها إزاء قضايا الأمة بالقدر الذي نشد فيها على أيديهم لنبين لهم الفرق الشاسع بين العاطفة الصادقة والعمل الاستراتيجي المبني على فقه الموازنة بين مقتضيات الواقع وإلزامات الشرع، وفي كل الأحوال قد حمدنا الله كثيرا على أن الضيف الذي جيء به للدفاع عن المؤتمر الإسلامي كان قد خفف الضرر كثيرا بهدوئه وحكمته.
فأي فائدة ستنتج عن تراشق لفظي ليس في موقف من مواقف المنظمة فحسب، وإنما في وجودها لذاته؟ وما الهدف من تحجيم شأن المنظمة إلى أشكال عدة تصغر كثيرا عن الأهداف الحضارية الكبرى التي من أجلها قامت؟ وأول التقزيمات التي مورست على المنظمة أن تكون عرضة لرأي شخصي متحمس ولو كان صادق العاطفة، ولسنا هنا بصدد الرد على أن حق إبداء الرأي والرد عليه أمر مقدس في الإسلام، ولكن من الواجب القول بأن حقيقة "الرأي والرأي الآخر" وجب أن ترسو على أسس مشروع سوسيو-إستراتيجي واضح المعالم، وإلا فإن أي رأي تحكمي غير "علمي" سيكون وبالا على الأمة.
وبعيدا عن جلد الذات، وعملا على نفخ الوعي في أوصال هذه الأمة نقول بأن المسلمين اليوم أبعد الناس عن تخطيط استراتيجية توحد لهم أهدافهم، وربما كانت المنظمة الإسلامية تعمل على تحقيق ذلك بل إن ذلك يقع على عاتقها، وإن جاز لنا أن نحاسب المنظمة على ذلك لكان الجدال في الكيف والوسيلة التي تسرع القيام بذلك أفضل موضوع يطرقه الإعلام، ليكون الإعلام بذلك همزة وصل وليس قطع بيننا وبين مرتكز من مرتكزات النهوض الرمزية الكبرى للإسلام، لكننا وللأسف مسحورون بقريب الأمور دون بعائدها، ويكفي في ذلك أن نقرأ فكرة الكومنويلث الإسلامي لمالك بن نبي لنعلم مدى استعجال المطلب الوحدوي لدى المسلمين الذي هو مطلب حضاري وارتباطه بحياة الأمة أو موتها، وذلك أمام أمم بمحاذاتها رفعت التحدي وهي اليوم تسير ضمن مخططاتها تمتلك إعلاما رصينا ومسؤولا في حدود المشروع الذي أسس من أجله.
ومن فلا يكون التجسد السياسي والاجتماعي للوحدة الإسلامية إلا نتيجة ترتجى من شروط وأسباب تسبق، كما ولايكون مطلب الوحدة منطلَقا يصادم حقيقة الضعف الحضاري الإسلامي الراهن الذي لا يجوز بحال أن تلهينا عنه مزاجية سياسات إسلامية متذررة هنا وهناك في العالم الإسلامي، هذه المزاجيات التي هي الصورة الأكبر عن تقزيم المؤتمر الإسلامي، إذ هي أيديولوجيات حازت تقدما جماهيريا لا يستأنس بأي تقدم فكريا كان أم اجتماعيا.
فما بال محدّث الرفاعي يتحدث عن الجزيرة وكأنها كوبيرنيك أو غاليليو العصر، إذ أن أخذ هذا الكلام بجدية يعني تجاهل الكثير من الحقائق العلمية والموضوعية، فأولا لا يملك أي منبر إعلامي إلا أن يكون جزءا بسيطا جدا ضمن التقدم الحقيقي للأمة نحو النهوض والانبعاث، هذا في حالة وجد مشروع أمة، أما في حالة عدم وجوده كما هو واقعنا فلن نتحدث إلا عن إعلام "علمي" عله يحقق خلخلة مفيدة في الوعي الاجتماعي، في وقت تدعي فيه النظرية الإعلامية أن الإعلام ليس سوى مرآة عاكسة لأيديولوجيا ما، تكون حتما أيديولوجيا دون القيمة الحقيقية للأمة التي تفقد الخطة.
وهنا تحضر مسألة العلاقة بين العلم ومشروع الأمة الحضاري، مسألة تعادل بين البرود العلمي والحماس الفطري للإنسان في سبيل التضحية والعمل، فكيف يحصل التوافق بين الأمرين بأن أرى الأمور بعين الموضوعية في نفس الوقت الذي يكون فيه حماس الأفراد خاضعا لسنن الطبيعة التي هي المربي الحقيقي للبشر، ومجال التعليم والتأديب الإلهي لهم؟
إن الكلام التبسيطي حول إما أن تكون منظمة المؤتمر الإسلامي أو لا تكون إنطلاقا من منطق الأسود والأبيض يؤكد غياب وعي سنني لدى الأمة بما هو وعي يدرك أن سنن التدرج والإصلاح لا تخضع إطلاقا لطبيعة الإنسان العجول، فإذا نبذنا منظمة المؤتمر الإسلامي فأين يمكن أن ينشأ ذلك الجهاز العلمي الذي يبحث للأمة كيف يمكن لها أن تحقق الخلافة في عالمنا المعاصر، خلافة لا مركز قومي ولامذهبي فيها، في وقت يشهد فيه الداخل الإسلامي صراعا قوميا ومذهبيا رهيبا يريد فيه كل واحد أن يتزعم دينا جاء أصلا لمحاربة الطبقية الاجتماعية والإقطاع الديني فضلا عن نظرية الشعب المختار.
ولا مجال هنا للمزايدة في أمر الفصل بين المنظمة ومن يمثلها لأن ذلك صار عنوانا لاستباحة كل الوسائل الحضارية التي حصلت لدى بني البشر بعد طويل الصراع ومريره والتي تتيح للإسلام بأن يسود ضمن المنطق السلمي المبني على الحجة والإقناع العلميين، إذ صار القفز على فكر المؤسسة أمر في غاية البساطة ضمن حدود الوعي الإسلامي الشعبي والنخبوي على سواء، فأن أتحدث عن إزالة منظمة المؤتمر الإسلامي فإن ذلك يعني أن أتحدث عن اختزال تاريخ وجهود بل وأفكار هي رغم الزمن مازالت قادرة على إعطاء الكثير من الإشعاع، فما جاء في تجديد التفكير الديني مع إقبال لا يمكن أن يختزله أشباه المتعلمين في "بلاطوهات" تلفزيونية لا تبالي إلا بالنجاح الإعلامي، لأنها أفكار نبعت من الواقع وتعيش في الواقع ولكنها خذلت، ولابد من يوم يأتي لتحيا فيه في جو نقي غير ملوث.
وأخيرا لم يبق إلا القول بأنه من السهل جدا إطلاق فضائيات تطلق بثها من قطعة أرض صغيرة بعدد أشخاص لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة وحجز للقمر الصناعي بدراهم معدودة، لكن من الصعب جدا العمل في مشوار تاريخي متواصل بين أجيال وعلى مساحة تعدل مساحة العالم الإسلامي بما ينيف عن ملياري مسلم، فافقهوا يا أولي الألباب.
ـــــــــــــــ
(*) باحث في علم الاجتماع