



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
العبور الثاني: خط بارليف الرمزي
الدكتور عبد الله الراجحي
هذه محاولة أبني فيها على بعض ما بينه أستاذي أبو يعرب المرزوقي حول تحليلات بعض الاستراتيجيين العرب المزعومين لأواصل التساؤل عما يجري بين نخبنا التي يزعمونها مفكرة ومقاومة في اتجاه يفرضه علي ما صار فعلا شبه ملزومة عند المعلقين العرب الذين يكثرون من الكلام في أمرين يدلان بصورة قطعية على أحد وهمين أو كليهما. وبنائي على بعض تحليلات الأستاذ أبي يعرب لا يعني أني ألزمه بما أنتهي إليه في تحليلي الشخصي: فلا أزعم أنه يمكن أن يوافق على كل استنتاجاتي التي أوصلتني إليها اجتهاداتي.
إن كلام هؤلاء الإستراتيجيين المزعومين هي التي استفزتني لأصدع بما أراه واجبا على الأقل للتاريخ. إني أزعم بأن المعلقين التلفزيين خلال جريمة إسرائيل في غزة يوجدون بين أمرين. فإما أنهم لم يفهموا شيئا مما يجري في العالم الحديث وخاصة من تحولات الغرب استعدادا لما يحصل في العالم الشرقي ومن ثم ما يجري في الرحى التي نوجد بين ضرسيها أو أنهم مأجورون بصورة أعمتهم عن استنتاج ما ينبغي استنتاجه أو هم على الحالين-وهو الأدهى والأمر:
فأما الوهم الأول فهو حجة أن العدو هو إسرائيل وليس إيران بحيث يتهمون كل من ينبه للخطر الإيراني بأنه عميل لإسرائيل يسعى إلى استبدال العدو الحقيقي بعدو وهمي متناسين أنه يمكن الرد عليهم بنفس الحجة إذا تبين أن إيران فعلا عدو. لكن الأهم من ذلك كله هو عدم سؤالهم أنفسهم: هل يوجد قانون قاطع يفيد أن الأمم لا يمكن أن يكون لها أكثر من عدو واحد أو أن العداوات من جنس واحد؟ فماذا لو تبين أن أعداء الأمة أكثر من هذين: ذلك أن فكي الكماشة التي تحيط بالعالم العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة لم تعد إيران وإسرائيل فحسب بل هي كل أقطاب العالم التي توجد الآن في ظرف سيعيد المعمورة إلى ما يشبه القرن التاسع عشر أعني عصر تقاسم المعمورة بين قوى العصر الاستعمارية. ولم يبق في العالم للتقاسم إلا العالم الإسلامي الذي ليس له من حام بعد عودة من يتصورونهم يحققون الانتصارات إلى أساسي ضعفه: القومية العرقية والطائفية.
وأما الوهم الثاني فهو الكلام على انتصارات إيران بذاتها وانتصارات من يعتمدون عليها وبالتعيين انتصار حزب الله وحماس في المناوشتين الأخيرتين اللتين يتصورونهما حربا متناسين أن الحروب لا تكون إلا بين الدول ولا تكون بمجرد التباكي على عدم التوازن: فلو كنا قادرين على الحرب فعلا لما لجأنا للمقاومة ولو كانت إسرائيل تحارب دولا لحسمت الأمر في لحظات. لكن لا شيء يقتلني ضحكا إلا سماعي للمعلقين العرب وهم يباهون بانتصارات إيران في التسلح العسكري والمجال العلمي بل وغزو الفضاء. وما من أحد عنده ذرة من العقل يمكن أن يعتبر ما يحصل أكثر من كوميديا هزلية يستمتع بها ساسة الغرب فضلا عن علمائه ويستعملونها ليبقوا المسلمين على ما وصفنا في الوهم الأول.
فإيران أقل من أن تخيف أدنى دويلة غربية تسليحا فضلا عن أن تنافسها علما: ومن يقول غير ذلك لا يعرف شيئا عن الغرب والعلم ما هما ويجهل خاصة أن ميزانية أدني المعاهد العملية المحترمة في الغرب أكبر من ميزانية إيران كلها. لكن الغباء والأوهام ليس لها حد: والذين يفهمون معنى القوة ما هي يتصرفون كالهند والصين واليابان وكوريا وعماليق أمريكا اللاتينية ولا يرقصون رقصات الهنود الحمر كجنود المآتم الذين يريدون الانتقام من يزيد وكل الراشدين من الخلفاء قبل التفرغ للأعداء.
هيكل رمز الجوق المتكلم باسم الأوهام
وقد كان حسنين هيكل في تخريفه المزعوم استراتيجيا الزعيم الأول لهذا الجوق المتكلم باسم هذين الوهمين. وقد سبق لأستاذي أبي يعرب أن علق على تحليلاته التي يزعمها البعض إستراتيجية-وهي في الحقيقة تهويمات ساذجة تنفس عن غيض شخصي وحقد على من وضع حدا للأضرار التي سببتها نصائحه لصاحب القرار في مصر طيلة الحكم الناصري وهو أعرف الناس به لأنه كان مراقبا صامتا طيلة تلك الحقبة-فبين أنها مما تجاوزه الحدث والفكر فضلا عن كونها خالية من الفكر الإستراتيجي وحتى التكتيكي: إنما هي ارتسامات شخصية لا تستند إلى الشروط الدنيا في تحديد مقومات قوة الأمم.
والمهم بالنسبة إلى هي أني أريد أن أعرف طبيعة الأزمة التي لم يفهمها هيكل فظل يخرف ومثله كل تلامذته من المشيدين بـالقومية والطائفية التي يسمونها ممانعة ومقاومة. وهدفي هو الجواب عن السؤال التالي: هل كان هيكل يفهم حقا طبيعة المآزق التي آلت إليها مواقف قيادات الشرق الأدنى بدءا من محمد علي ومرورا بعبد الناصر وصدام وانتهاء بالانتصارات الوهمية لنجاد؟ وبصورة أدق ما طبيعة الملهيات التي عرفتها منطقتنا فأبعدتها عن العلاج السليم لشروط الاستئناف الفعلي لدور الحضارة الإسلامية في التاريخ الكوني: أليست كلها راجعة إلى محاولة الدخول في لعبة الكبار دون التمييز بين دور الوهم الذاتي عند القيادات التي لم تكن تعلم أنها كانت مجرد أدوات في اللعبة الدولية رغم تصورها لاعبة بين اللاعبين لكونها لم تنتبه إلى الشروط الدنيا للدخول في مثل هذه الألعاب؟ هل يمكن لمحمد علي وعبد الناصر وصدام ونجاد أو أي كان أن يلغي الشروط الموضوعية للقيام بدور في اللعبة الدولية بمجرد العنتريات والأوهام ؟ وما الفرق بين هذه القيادات الساذجة وما حصل في اليابان والصين والهند وبعض البلاد الأخرى التي شرعت في النهوض تقريبا بالتزامن مع شروع المسلمين في النهوض؟
بعض الأسئلة المبدئية
لم أجد أدنى مقدمة واحدة في كلام هيكل ذات تأسيس يمكن مناقشته بمعايير إستراتيجية. وتلك هي علة تذكيري بما قرأته في تحليلات أستاذي أبي يعرب السابقة تحليلاته التي أوافقه فيها مائة في المائة دون أن أزعم العكس: فقد لا يوافقني أستاذي في الكثير مما أقدمه لكني أفعل لأن الكأس فعلا فاضت وصرت أضيق ذرعا بكاذب الإستراتيجيين المغررين بالأمة. فسرعان ما ترى هيكل يتخلى عن منطلقات يعلن عنها في بداية مسامراته وتنتظر أن يبين علة كونها منطلقا فلا تجد شيئا لأنه ينتقل من استطراد إلى استطراد ليستمتع بسماع ذاته تمضغ ما يتصوره تعبيرا عن الفطنة وهو عين الغفلة التي كانت ربما علة الكثير من أخطاء عبد الناصر الذي كاد يخرج مصر من التاريخ لكونه يعيش وهم لعب دور فيه بالبروباجندا أعني من دون شروط الدور الموضوعية تماما كما فعل محمد علي وصدام وكما يفعل نجاد: صار صوت العرب والخطب بديلين من شروط القوة الموضوعية بحيث إن من كانوا يتصورون أنفسهم زعماء يعملون التاريخ لم يكونوا إلا دمى يعمل بهم تاريخ الأمم التي لها القدرة على لعب دور فيه. فانهار نظام التعليم لصالح محو الأمية وانهار نظام الإنتاج لصالح الديماغوجيا الشعبوية وأصبحت مصر عالة على المعونة الدولية بعد أن كان يمكن أن تكون نواة الوحدة العربية لو تخلص زعيمها من الحرب بين العروبة والإسلام المجانية.
تراه يناوس بين تشبيك الوثائق والمعلومات دون رابط استراتيجي يصل بينها ليضفي عليها المعنى المستفاد منها حتى كدت أتيقن من أن الهدف هو في كل الحالات ومباشرة نوع من رد الاعتبار الذاتي للتغطية على دوره المشؤوم في ما آل إليه دور مصر بسبب ما حدث في النصف الأخير من القرن الماضي أو لإرضاء أعداء مصر لأن المستفيد الوحيد من محاولاته تقزيم دور قياداتها الحالية هم إيران وإسرائيل لظنه أن الدور الواجب هو النكوص إلى شطحات الخمسينات والستينات للتنافس مع إيران التي تزايد على كل العرب في قضاياهم لتوريطهم حتى باسم قضاياهم لتتقاسمهم كعكة بينها وبين إسرائيل: وهذا قد تحقق لها في لبنان وسورية ويكاد يتم في فلسطين والخليج العربي.
وقد دأبت قناة الجزيرة على اللجوء إليه وكأنه ذو علم لدني لتحليل الوضعيات الحرجة التي يمر بها الوطن العربي في العقد الأخير بأسئلة ساذجة يطرحها صحفي تونسي ما يزال يعيش على "بصراحة" وكأنها وحي يوحى. ولم يسأل أحد عن مدى جدية تصوراته التي تمت تجربتها. والتاريخ سيشهد أو هو بعد شاهد بأن القيادة المصرية لم تتمكن حقا من القيام بقفزة نوعية وتاريخية إلا بعد طرد الروس ومعه المستشارين الذين من نوعه. لكن مصائب الدهر شاءت أن يصبح بعض الأميين من الصحافيين إستراتيجيين يفهمون في ما يمكن أن يكون تحليلا لمصائر الأمم بثقافة الخبر الخلب الذي يخفي أكثر مما يظهر من محددات المجري الفعلي للأحداث.
والحق أقول أني لم أكتشف أعماق التحليلات التي عرضت في ثلاث حلقات كتبها أستاذي أبو يعرب وصدرت في القدس خلال مقامه بكوالالمبور إلا بعد أن خصصت بعض الوقت لمشاهدة استعراضات هيكل المداورة والمتكررة والفاقدة للعقد الناظم وللسند العلمي عدى سرد معلومات لا شيء يثبت صحتها أو أمانته في عرضها مع عدم المقابلة بالمصادر التي تختلف عن رؤيته-أعني أدنى شروط البحث العلمي في مثل هذه الأمور-ومن دون دلالة بنائية عدا ما وجدته فيها من قصد شبه ملازم هدفه الأول والأخير ليس الحقيقة بل الهدم ومنع كل مصالحة بين الأنظمة الحاكمة في الوطن: نكأ الجراح بين العرب للحيلولة دون أي تفكير في بناء المستقبل المشترك بين الأنظمة وحتى الشعوب. لكأنه يجهل أن الأوروبيين لو فعلوا بتاريخهم الحديث ما يفعل هو بتاريخنا لبقيت ألمانيا وفرنسا في حرب إلى يوم الدين. ولعلي أجد له عذرا وحيدا هو أقبح من الذنب: فحسب رأيي لا يفهم كلامه إلا بهوس الدفاع عن المرحلة المشؤومة التي يمثلها فكره. ذلك أن هذا السلوك جعل تحليلاته معول هدم في خدمة المشروع الإيراني مباشرة والمشروع الإسرائيلي بصورة غير مباشرة.
عينة من فهم هيكل للأحداث
وحتى أبين ذلك بوضوح تام ولئلا يظن بي أحد أني أتهم الرجل سأتخذ أحداث غزة الأخيرة عينة أدلل بها على أنه قد أصبح بقصد عجيب من المساعدين على تقزيم دور مصر وقياداتها رغم كونه يبدو متباكيا على دورها: لكأن عنتريات الفترات التي كان فيها الناطق الرسمي أو "بصراحاتـ"ـه تعد دورا حقيقيا في تاريخ الأحداث فضلا عن معانيه المؤثرة على تطوره الموجب أو لكأن عنتريات نجاد يمكن أن تعتبر دورا في بلد لا يساوي وزنه وزن شركة متوسطة في العالم الذي يتحداه مع علمه بأن ذلك لمغالطة شعبه وليس الإستراتيجية الغربية التي هو فيها مجرد بيدق سواء كان يعلم أو لا يعلم: فلا يمكن للغرب أن يستعد للشرق الأقصى (الصين والهند واليابان وكوريا) في تقاسم ما بقي من العالم إلا بتفجير العالم الإسلامي ولا معول أفضل للتفجير غير القوميات والطائفيات أعني دائي إيران بامتياز.
لقد ذهلت لما سمعت الأستاذ هيكل يذهب إلى حد اعتبار ما حصل في القمم الأخيرة التي أشرف عليها الرئيس مبارك مجرد تحويل مصر إلى ممر للسند الأوروبي لإسرائيل. فلا تكون مصر مخلصة للأمة إلا إذا باتت سياستها تتحدد في طهران بأدوات عربية تدعي الممانعة بدم الفلسطينيين واللبنانيين فضلا عن كونها معارضة لاستراتيجية أجمع عليها كل قادة العرب في أكثر من قمة. وهبنا شككنا في شرعية هذه القيادات أفتكون الجماعات التي تحركها طهران أكثر شرعية ؟
هيكل يكاد يتهم قيادات مصر-وأكثر من 90 في المائة من العرب بالخيانة لأنهم لا يرون رأيه ورأيه جماعات هامشية لا تمثل إلا دمى تتلاعب بها طهران لغاية في نفس يعقوب-يتهمهم بالخيانة والتواطؤ مع إسرائيل في الحرب على حماس متصورا أحد أبطال العبور مجرد طرطور يقبل بأن ينظم قمم عالمية في مصر من أجل عيون ليفنني. والخوف كل الخوف أن تصبح القضية الفلسطينية بعد نصف قرن من النضال مجرد ورقة تساوم بها ملالي طهران على حماية نظامها الآيل إلى السقوط بمقتضى حتمية التاريخ الكوني: فحكم البابوات الشيعية زائل حتما زوال البابوات الكاثوليكية رغم أن الفهم السوي للقرآن قد تخلص منه منذ اليوم الأول من تكون الدولة الإسلامية اعتمادا على ما يسميه ابن خلدون والغزالي –كما بين ذلك أبو يعرب في العديد من بحوثه-الاختيار بمقتضى المصالح العامة قبالة الوصية التي هي من أوهام مؤسسي الكنيسة في الإسلام.
ولأهمية الأمر سأخصص خمس حلقات لبيان وهاء تحليلات هيكل بصورة نسقية. فكل ما يذكره هيكل ويعبر فيه عن فهمه لما جرى في غزة يمكن أن يكون عينة من كل فكره الاستراتيجي المزعوم. وستكون هذه الحلقات مراحل متكاملة أبدؤها بتحليل دلالة أحداث غزة كما أفهمهما ثم أردفها بالمراحل الأربع الباقيات التالية إن شاء الله :
1-تحليل ما يتصوره فهما لمجريات السياسة الدولية وهو مجرد إسقاط لتصورات الحرب الباردة دون اعتبار لما أدى إلى ما آلت إليه.
2- تحليل ما يعيبه على العرب المعتدلين ظنا منه أن إستراتيجية السلم التي تبنوها خطأ وليس هي أقوى الأسلحة ضد إسرائيل: لا يفهم أن الدولة التي تقوم على الحرب تفقد كل قوتها بمجرد وضعها في حالة لا تستطيع فيها القيام بأي حرب حقيقية. لكأنه لم يقرأ الفرق بين شروط المطاولة وشروط المناجزة في الحروب.
3-تحليل ما يقوله عن القيادات العربية عامة والقيادات المصرية خاصة ومدى أهميته عند من يميز بين عرضيات الحدث واتجاهات القوى في مجال الصراع المكون للوحدات القومية في التاريخ الإنساني عامة وليس عند العرب وحدهم: فمن يعرف ما حصل في الوحدات السابقة يدرك أن ما يوليه الأستاذ هيكل الأهمية هو مجرد مفاعيل السطح.
4- تحليل تجاهله للتجارب التي بدأت مع محمد علي ومحاولة لعب دور الكبار من دون الشروط الممكنة من ذلك. فتاريخ الشرق الأوسط الحديث كله يكرر أخطاء محمد علي الذي كان يتصور أن الدور الدولي يكفي فيه أن يكدس السلاح وليس هو مشروطا بما فهمته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية: تحقيق الحجم المناسب والثورات العلمية والفنية فضلا عن شروط السلم الاجتماعية والسياسية الدنيا.
ما يغيب عن مزعوم الإستراتيجيين
لم يفهم هيكل وكل الجوق الإستراتيجي الذي يعتبر حركات نجاد سياسة أن قيادات أوروبا فهمت بعد الحرب العالمية الثانية بعد صراع مرير على اقتسام العالم وبعد أن فقدت مستعمراتها أنه لا يمكن أن يكون لأمة دور في السياسة الدولية إلا إذا كانت بحجم لاعبي الأدوار فيها: أعني عندئذ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وأنها ازدادت توسعا بعد نهاية الحرب الباردة لتصبح من حجم العماليق المقبلين أعني الصين والهند وعماليق الأمريكتين وروسيا. سعى قادة العدوين اللدودين ألمانيا وفرنسا لتحقيق شرط العودة للقيام بدور في التاريخ لما التقى دوغول وأدناور ولم يبق مؤرخوهم فضلا عن صحافييهم المتفلسفين يرددون حزازات الماضي وجراحاته كما يفعل هو عندما يتكلم على آل سعود أو على الأسرة المالكة في الأردن أو على ملك المغرب. لست أدري ما الذي يمكن أن تفيده الأمة من شهادته بوطنية زيد وخيانة عمر حتى لو فرضناها صحيحة غير نكأ الجراج.
عينة ما جرى في غزة
أكتفي بالكلام في هذه المحاولة الأولى على المسألة المباشرة والأولى عينة من معاني الأحداث رغم الترابط المتين بين المسائل الخمس: فما الذي حدث في غزة وأساء الأستاذ هيكل تأويله فآل به الأمر إلى تقزيم دور أحد أبطال العبور الرئيسيين العبور الأول بحيث لم ير أنه قد أصبح بما فعل في المعركة الأخيرة القائد المباشر لعبور ثان لا يقل أهمية عن العبور الأول ؟
سيعجب الكثير من إستراتيجيي عقاب الزمان من هذا الوصف للرئيس مبارك الذي يمثل الحكمة بحق في عصر تكالبت عليه الزعامات الوهمية في مشرق الوطن ومغربه. لكني أقول ذلك ولا أخشى في الحق لومة لائم مع علمي بما يمكن أن يجره ذلك على من بلاوي عند النخب المسيطرة على ساحة العنتريات وأغلبهم بات في خدمة الملالي. فالكثير منهم لسطحيته لا يزال يتصور السادات خائنا ولم يسلم بعد أنه من أكبر أبطال العرب على الأقل في العصر الحديث لعلتين على الأقل:
فهو قد حررهم من الخوف من الخوف وهزم هزيمتهم النفسية وقضى نهائيا على أسطورتي إسرائيل أعني: جيشها في الحرب ودعايتها في السلم.
وهو بذلك جعل كل التعلل بالحرب على إسرائيل لعدم القيام بشرطي النهوض أعني الإصلاح الداخلي والتوحيد على المنوال الأوروبي حجة لم يعد يصدقها أحد.
والدليل على ذلك مضاعف: فكل من انتسب إلى جبهة التصدي عندئذ لمناكفة مصر بعضهم آل ببلده إلى النكبات والبقية بات يطلب أقل مما كان يمكن أن يحصل عليه لو فهم خطة الرجل العبقري الذي خونوه. إن الأستاذ هيكل كان دائما يقزم السادات وها نحن نراه الآن يستخف بما فعلته القيادة المصرية قبل أحداث غزة بل ويهزأ مما نبهت إليه قيادة حماس معتبرا ما جرى كان سيجري بصرف النظر عما كان يمكن أن يحصل لو استمعت هذه القيادة للنصائح المصرية. وهذا الكلام قد يقبل من عامي أما أن يقوله من يتصور نفسه مفكرا فهذا من العجائب: هل يتصور الأستاذ هيكل أن القيادات المصرية كانت من السذاجة بحيث تجهل أن إسرائيل كانت تسعى لفعل ما فعلت وأنه هو الوحيد المتفطن لمثل هذه الحقيقة التي يدركها حتى الأغبياء لكون خطط إسرائيل بينة حتى للعميان ؟
ما أعجب له هو ظن هيكل وجوقه من الناعين على مصر أن الفعل مطلق المعنى والدلالة بصرف النظر عن كيفية حدوثة وظروفه. فالقيادة المصرية كانت تعلم أن إسرائيل مبيتة على الشر وكانت تريد أن تجبرها على أن تفعل ما كانت تعلم أنها ستفعله في أسوأ الظروف وليس كما أراد من يوظفون القضية لصالح العنتريات عند بعض العرب والمؤامرات عند إيران لجعل العرب كلهم جنوب لبنان تفاوض باسم أهله إسرائيل وأمريكا ليقاسموها النفوذ في ما صار رزقا بلا أصحاب: كل الوطن العربي بل وكل العالم الإسلامي كما نراها تفعل في المفاوضة المساعدة على أفغانستان والعين على باكستان التي هي القوة السنية الوحيدة التي تريد القضاء عليها قبل الالتفات إلى تركيا.
ما حدث وكان بخلاف ما أرادت القيادة المصرية أبقى لإسرائيل على بعض ما يمكن أن تقنع به العالم -على الأقل العالم المؤثر لأن الإستراتيجيات لا تتحدد إلا في ضوء حساب المؤثرين لا المثرثرين- أنها صبرت على حماس أكثر مما ينبغي ويحق لها أن ترد بدليل ما نراه اليوم يتحقق أمام ناظرينا أعني جعل حماية إسرائيل صراحة وليس ضمنا جزءا من برنامج الحلف الأطلسي: أعني أن العرب لم يستطيعوا بعد الخروج من مأزق الخلط بين المقاومة والإرهاب الخلط الذي بدأ منذ الحادي عشر من أيلول والذي استعرت له اسم خط بارليف الثاني.
لكن ما يتغافل عنه هذا الرجل الذي ينهى عن خلق ويأتي مثله في مسألة أعمار القيادات العربية -لكأنه ما يزال كهلا- هو أن أحد قادة العبور الأول بعد أن تحقق من أن القيادات الفلسطينية في حماس رهنت القضية بيد الملالي-حتى صار قادتها وخاصة من كان منهم خارج الوطن يحاكي إلى حد التقليد القردي زعيم حزب الله في انتفاخ الأوداج الكاذبة- وأن إسرائيل لا زالت تستفيد من تهمة العرب كلهم بالإرهاب لا الفلسطينين وحدهم أراد أن يقود عملية تحقق العبور الثاني.
لكن العبور هذه المرة ليس من خط برليف المادي شرق القنال بل من خط برليف الرمزي في العالم كله أعني خط الحادي عشر من أيلول: إذا كان لا بد للحرب من أن تقع فينبغي أن تكون بصورة تنزع كل أسلحة إيران وإسرائل في آن. ولا أحد يشك أن مصر لو أرادت لأوقفت الحرب فعلا إذ كان يكفي أن تهدد بالكثير من الأفعال والكل يعلم أن إسرائيل لم تكن مستعدة لحرب شاملة. لأنها تكون قد خسرت كل ما تصورت نفسها ربحته منذ كامب داود. لكن القيادة المصرية كانت تريد أمرا أهم هو ما سمحت لنفسي بتسميته تحطيم خط برليف الرمزي.
إنه القضاء على أسطورة الإرهاب الإسلامي بالإرهاب الصهيوني مع فضح عنتريات نجاد وحزب الله وكل من كان يريد أن يورط الفلسطينيين ليجعل قضيتهم ورقة يساوم عليها. وما حدث في غزة وقد امتنع منعه كان ينبغي أن يؤدي إلى توريط إسرائيل في ما يشبه الـ "كش مات" أو الضربة القاضية ومعها أصحاب العنتريات الذين لم يحركوا ساكنا بل هم تبرؤوا حتى من إطلاق الشماريخ والفوشيك في جنوب لبنان. والجميع يعلم أن مصر لو كانت حقا معارضة للمقاومة الحقيقية لحالت دون دخول أدنى خرطوشة إلى غزة.
والمعلوم أن العبور الأول كما أسلفت قد مكن العرب من التغلب على الخوف من الخوف بما حققوه من نصر نفسي على إسرائيل لم تخرج ولن تخرج منه لأن الهزيمة النفسية صارت إلى جانبها بدليل الاحتماء الصريح بالحلف الأطلسي والقبول بالحلول الوسطى التي تعلم أنها تؤول في الغاية إلى ما يريده بناة النهضة الحقيقيين: عدم حصر هم العرب في الصراع مع قزم هو إسرائيل يكفي أن نشغله بالمقاومة الفلسطينية الذكية حتى يقبل بحلول وسطى تمكن من المطاولة يتم خلالها الاستعداد لاستئناف الدور العالمي للأمة وهو ما يقتضي الفراغ للإصلاح وضم إسرائيل إلى محيطها كأقلية تذوب بالتدريج في الوطن العربي بعد أن يكون قد صار قوة عظمى في قلب العالم.
وطبعا فهذا يعني أن القيادات العربية بدأت تفهم سر الأخطاء التي بدأت مع محمد علي وأنهاها السادات فجعلت همها ما بدأه هذا العبقري الاستراتيجي: التركيز على نزع سلاح العدو العسكري والدعائي للفراغ إلى البناء الصبور والبطيء ولا بناء إلا بطيء كما فعلت جميع البلاد التي بدأت مع مصر في القرن التاسع عشر وصارت نسورا بل وعمالقة. ومهما حاول نصر الله أن يجعل مناوشات 2006-التي يسميها انتصارا وهي عودة الاستعمار الأوروبي المباشر للبنان-يجعلها بديلا من حرب أكتوبر فإن الحقيقة هي أن مصر تبقى سيدة الموقف كلما تعلق الأمر بالمنعرجات الأساسية في قيادة الأمة.
فلولاها لكان ما تحقق في العراق بعد 2003 قد تحقق منذ حرب الخليج الأولى لأن العراق كان سيصبح كما هو الآن مستعمرة الملالي بعد هزيمة جيشه الذي ساعده السادات الذي حاصره صدام. ولولاها لتم لإيران وإسرائيل وتركيا تقاسم كل الشرق الأوسط برعاية أمريكية. كما أن كل العنتريات الإيرانية هواء: فمن حيث شروط النهضة العلمية والحضارية لا وجه للمقارنة حتى بين تونس وإيران فضلا عن مصر. لكن المشكل هو أن ذهنية الغوغاء ووهم المعلقين العرب الذي يخلطون بين خوف النظام الإيراني على بقائه والتحدي الفعلي للغرب: فما يضخمونه من إنجازات بدائية في الميادين التي يتصورونها تخيف إسرائيل فضلا عن أمريكا يعد لعب أطفال إذا قيس بما يحققه العلم في الغرب. ولست أدري كيف يتصور أحد أن إيران يمكن أن تخيف من قضى على ألمانيا واليابان والاتحاد السوفياتي ويستعد للصين والهند ومعه أوروبا كلها ؟ إنها والله لمن المهازل خاصة إذا علمنا أن الشرط الوحيد لقوة المسملين أعني التحرر من النزعات القومية والطائفية المتطرفة هي السبيل الوحيد لبقاء إيران حتى من حيث وجودها المادي لعلمنا بأنها فسيفساء من الأقليات والطائفيات والعصبيات.
وإذا كان مفعول العبور الأول أعني تحرير العرب من مرضيهم المكبلين للإرادة والفعل التاريخي الرصين أعني الخوف من الخوف ورد الفعل عليه بالقوة الكاذبة حتى صارت ليبيا تسمي نفسها عظمى وهي أضعف من بلدية صغرى حتى في إيطاليا فإن العبور الثاني الذي أحاول وصفه الآن هو عبور خط بارليف الرمزي الذي ألب علينا العالم كله. وعبور هذا الخط الرمزي الذي يعيق النهضة ويؤلب العالم كله على الإسلام والمسلمين هو ما سيمكن مصر من تحرير العرب بل والمسلمين من آثار غباوات بن لادن -الذي اعتبره عميل الولايات المتحدة وإيران التي تحميه وتحمي تسليح جماعته في أفغانستان والعراق للقضاء على الإسلام السني وتشويه صورته في باكستان والوطن العربي- وما آل إليه استغلالها من تبرير كل البشاعات باسم الحرب على الإرهاب إلى حد كبل العرب والمسلمين الصادقين حتى إن فتح ذراعي المستخدمين للإسلام من أجل الهيمنة والكلام باسمه مع تهديمه والتعاون مع أمريكا في حربها على المسلمين من الفيلبين إلى الشيشان: إيران تتلكم باسم الإسلام في العنتريات لكنها تتعاون مع محاربيه جميعا أعني الهند وروسيا وأمريكا وإسرائيل في كل ميادين الحرب المعلومة حتى إنها تحاول الآن أن تقايض بقاء نظامها مقابل خدمات في كل هذه الساحات.
دلالات العبور الثاني
كيف كان هذا العبور ؟ قبل تحديد ما سعى إليه أحد قادة العبور الأول الأساسيين في إدارة المعركة الأخيرة ومن ثم لتحقيق أهداف العبور الثاني فلنعرف ما يسعى إليه أولئك الذين يسمون أنفسهم بالممانعين من العرب ببيان مقدارهم بالقياس إلى بقية العرب وطبيعتهم بالقياس إلى النهضة العربية: إنهم أقلية لا تتجاوز خمسة في المائة من العرب تريد أن تحمي مصالحها الآنية ضد المصلحة القومية بعيدة المدى وبدوافع طائفية لا لبس فيها. وهذه الأقلية التي تعلم أن نهايتها قربت تريد أن تحدد السياسة العربية العليا بعد أن حصل إجماع العرب على مسألتين لا يخالف فيهما إلا من كان جاهلا بأدنى معاني الإستراتيجية في الصراعات الحديثة:
الأولى هي أن قوة إسرائيل لا تكمن في قوتها العسكرية ولا حتى في النسب بين القوة الموجودة بالفعل بينها وبين العرب بل هي في ما توهم به الغرب كله من أنها شعب صغير متحضر لم يخرج من الهولوكوست إلا بشق الأنفس ويهددها شعب همجي من حولها تعداده ثلاثمائة مليون من الوحوش يريدون إتمام مهمة هتلر بشرب دمهم وطردهم من الخارطة. وكنا نتصور أن هذه الصورة التي ساعد على تركيزها نعيق صوت العرب قد ولت بعد أن فهم العرب سر الحرب الحديثة وانتصروا نفسيا في العبور الأول. لكن ها نحن نرى الآن أصوات العرب المستفرسة والمتطيفة تعود إلى نفس القصة لتورط العرب في حرب لا تبقى ولا تذر حتى تحافظ إيران على نظامها وتستفيد بالتفاوض باسم من حولوا قضاياهم إلى أوراق تفاوض بيد الملالي لعل إيران تعود فتصبح القوة الإقليمية الأولى بعد القضاء على عمود العرب الفقري على مثال مع فعلوا بالعراق: مصر والسعودية.
الثانية هي أن مجرد تحول العرب إلى قوة فعلية أعني إذا اهتموا بالتنسيق في ما بينهم لتحقيق شروط الحجم المناسب للعصر وتجاوز التجزئة كما فعلت أوروبا ينهي المعركة مع إسرائيل من الأساس من دون أدنى حاجة للحرب لأن الأمر سيكون بنفس الصورة التي آل إليها مع الصين. فبمجرد أن أصبحت الصين قوة معتبرة في الموازين الدولية بات الغرب يتودد إليها وتخلى عن كل مستعمراته من الأرض الصينية خاصة إذا صاحب ذلك نفس السياسة الذكية التي اتبعتها الصين: لم تسع إلى القضاء على أهل هذه المستعمرات بل هي توددت إليهم وضمتهم إليها وأبقت لهم عن بعض الاستقلال.
وحتى يجمع العرب بين هاتين الخطتين أعني نزع سلاح إسرائيل الأقوى سلاحها المعتمد على إيهام الغرب بأن كل العرب يجهزون لرميهم في البحر وبناء سلاح العرب الأقوى أعني شروط التنمية كان لا بد لهم من اختيار ما أطلقوا عليه إستراتيجية السلم التي يسخر منها إستراتيجيو عقاب الزمان متصورين أنفهم ذوي ذكاء خارق عندما يرددون أن العالم تحكمه القوة لا السلم: لا يدرون أن القوة أصناف وأهمها عند النظر إليها سلبا هي تحييد قوة الخصم الرمزية لأن قوة إسرائيل ليست عسكرية بل هي رمزية أعني ما تمثله للغرب وما يمثله أي تهديد لها بالنسبة إلى الضمير الغربي المريض.
وهذه الإستراتيجية الفعالة التي اختارها العرب هي ما تريد إيران إفساده بكل الوسائل لأن قياداتها تعلم أن تحقيق شروط القوة العربية يعني في الغاية عودة إيران إلى حجمها الطبيعي: مجرد دويلة متوسطة لا يكاد دخلها القومي الخام يتجاوز دخل بعض الإمارات العربية فضلا عن كل الأمة خاصة إذا نزل ثمن البترول إلى ما دون الخمسين دولارا بحيث تكون ثروة إيران غير كافية حتى لتغذية شعبها. والمعلوم أن القوة التي تعتبر في الموازين الدولية ليست مقصورة على الطموح والسلاح بل لا بد من القوة الاقتصادية والعلمية: فإذا كان الاتحاد السوفياتي قد أفلس في تسابق التسلح رغم ما لديه من قوة وعلم فكيف بدويلة أكثر من نصف سكانها أميون وجوعى ؟ إن العنتريات التي من جنس حركات نجاد ليس إلا دليلا على السخف وهي أشبه بما رأيناه عند من تصور بلده قوة عظمى بمجرد المظاهرات الغوغائية.
ومع ذلك فمن حق العرب أن يفيدوا من هذا السخف إذ لا بأس من أن يجعلوه منشطا للوحدة لأن تخويفه للخليج يمكن أن يقرب الشقة بين أهله فيجعلهم يلجأون إلى التوحد والتعاون ومن ثم إلى الالتفات إلى من كانوا يتصورونهم طامعين في ثروتهم إذ يكتشفون أنهم في الغاية ملجؤهم الوحيد أمام الغول الذي يريد أن يحقق وصية الشاه الأول للشاه الثاني: استرداد الضفة الغربية من الخليج بعد أن ابتلع الضفة الشرقية.
بلد بانت من أهله العظام لفرط الجوع تدعي قياداته أنه قوة عظمى لمجرد استعراض مليشيا أو رمي صاروخ أو صاروخين ويتناسى أن من يهددهم يملكون الآلاف فضلا عن الفرق النوعي بين السلاحين: وكل من يتصورون أنفسهم ممانعين إنما هم يمانعون ضد الإستراتيجية العربية التي تنزع سلاح إسرائيل لصالح إستراتيجية إيران وإسرائيل ويتهمون كل من يقاوم بحق بأنه خائن لأنهم يخلطون بين من يريد تحقيق شروط القيام ومن يقتصر على رقصات الهنود الحمر خلال استعراض المليشيات الفاشية التي بمجرد أن تنتهي مهمتها تحول بلدها إلى بلد يحكمه أمراء الحرب كما حصل في الكثير من البلاد الإسلامية لأن الثمرة الوحيدة لمثل هذا السلوك هو القضاء على مفهوم الدولة وعلى الشرعية القانونية للاستعاضة عنها بشرعية البندقية.
فأما كون ذلك لصالح إسرائيل فهو أمر بين: فيكفي أن يكون ذلك مساعدا للإبقاء على خرافة الثلاثمائة مليون من الهمج يتراقصون لأكل لحوم المتحضرين الوحيدين في الشرق الأوسط حتى تكون إسرائيل الغانمة.
وأما كون ذلك لصالح إيران فقد بينت الأيام أخيرا ما لم يصدقه الغافلون أو المباعون من المحللين الاستراتيجيين الذي كانوا يتصورون إيران حقا تريد محق إسرائيل بقنيبلة لم تصنع بعد يمكن أن تضارع الـ200 قنبلة التي تتمتع بأفضل تقنيات الغرب: إيران لم تحرك ساكنا طيلة الأسابيع الثلاثة من عربدة إسرائيل لأنها تعلم أنه لا يمكن أن تستعمل أقوى ما عندها من سلاح وتعتمد على أخلاق عدوك حتى لا يرد عليك بأقوى ما عنده خاصة وإسرائيل تنتظر الفرصة والتبرير لإرجاع إيران إلى القرون الوسطى.
ولعل عنتريات حسن نصر الله مما يؤيد كلا الأمرين. فكل خطبه تسعى لتأبيد هذه الصورة التي تساعد الدعاية الإسرائيلية في الغرب لتحافظ على ما نزعته إستراتيجية السلم التي أجمع عليها العرب. ولست أفهم كيف يمكن لواحد في المائة من العرب حتى لو سلمنا بأن قلبهم حقا على القضايا العربية يحق لهم أن يحددوا إستراتيجية الأمة بديلا من البقية. والجميع يعلم أن حرب نصر الله الأخيرة كانت ورقة في ملف إيران النووي وأن ما يدعيه من انتصار كان هزيمة نكراء ولا تكفي شهادة فينوجراد التي يتذرع بها ليغالط العرب عامة واللبنانيين خاصة: ففينوجراد لم يقل إن حزب الله قد انتصر بل قال إن إسرائيل لم تربح الحرب. وليعلم نصر الله والكاذب من المحللين الاستراتيجيين أن النصر والهزيمة لا يخضعان لمبدأ عدم التناقض: فحزب الله انهزم وإسرائيل لم تنتصر وليس في ذلك أدنى تناقض. إسرائيل لم تنتصر بالمعنى الذي كانت تريده جامعا بين الوجهين العسكري والسياسي فاقتصرت على السياسي دون العسكري: فهي قد جعلت لبنان محمية من محميات الحلف الأطلسي بحيث إن أي حركة ثانية من حزب الله ستجعل الحرب مع الحلف وبذلك حققت إسرائيل على المدى البعيد أكثر مما كانت تحلم به أعني بقاء حزب الله لإيهام الغرب بوجود التهديد ثم إلزام الغرب بالتصدي المباشر للتهديد الكاذب.
وليس بالصدفة أن حزب الله بخلاف ما حصل في حرب غزة الأولى لم يكن بوسعه أن يفعل شيئا في جريمة غزة الثانية. وهو لن يستطيع أن يفعل شيئا بعد ما ذكرنا إلا إذا أمرته إيران بإشعال حرب على سورية حتى تحقق ما حققته في العراق فتصل إلى البحر الأبيض المتوسط وتصبح منافسا لتركيا في حاجة الحلف الأطلسي لدولة ممثلة للإسلام. وبذلك فسلاحه الذي يكدسه لم يعد له إلا أحد دورين لا ثالث لهما إذا ما استثنينا حماية القيادات في مخابئهم:
فإما مساندة إيران عند الحاجة حتى لو دمرت لبنان بالكامل وأصبحت الأمة العربية في حرب مع الحلف الأطلسي لأجل إيران.
أو تدمير لبنان بنفسه ليستحوذ على الحكم فيها بقوة السلام كما شرع بعد في الأيام الأخيرة قبل ما يسمى توافقا وهو في الحقيقة محاولة للبقاء تحت مظلة الدولة اللبنانية حتى لا يصبح في الواجهة مباشرة.
ولو كنت لبنانيا لدعوت إلى ترك الدولة له حتى يتبين لكل اللبنانيين إلى أي مآل سيؤول بهم اتباع عنتريات نصر الله. فستصبح لبنان صومال جديدة.
إستراتيجية العبور الثاني
ولنأت الآن إلى إستراتيجية العبور الثاني إستراتيجيته الخفية لأن فاعلية أي إستراتيجية مشروطة بأمرين:
أن تكون خفية فلا يدرك العدو أغوارها مهما حاول الغوص إلى نوايا صاحبها.
وأن تكون بصورة تجبره العدو على الوقوع فيها حتى لو أدرك بعض أسرارها.
فكيف فعلت القيادة المصرية لتحقق هذا الهدف في أحداث غزة؟ ينبغي أن يتحرر القارئ من الظن الزائف بأن الأمم لها عدو واحد أو أنه عليها أن تركز في صراعها مع الأعداء بالتوالي الواحد بعد الآخر. والأمة العربية لها اليوم كثير من الأعداء ولها خاصة عدوان: أحدهما يعاديها على ما يقبل التفاوض والتأجيل لقابليته للرجع والثاني يعاديها على ما لا يقبل التفاوض ولا التأجيل. وإذن فهذا هو الأخطر (مثلا: الإسبان خرجوا من أمريكا اللاتينية لكن اللغة والثقافة الاسبانية عمت وقس عليه استعمار إسرائيل يمكن أن يزول لكن تشييع العالم السني سيكون بلا رجعة).
على القارئ أن يعلم إذن أن الأمة أمام عدوين أحدهما علني وقريب الغايات والثاني خفي وبعيد الغايات وأن الثاني أخطر من الأول: فتهود المسلم شبه مستحيل لكن تشيع السني ممكن وذلك هو الخطر الذي لا رجعة فيه إذا حصل أما إخراج إسرائيل من الأرض فأمره يسير بمجرد أن يحقق العرب ما نصف في هذه المحاولة بدليل التجارب الماضية مع الحروب الصليبية ومع الاستعمار عندنا أو عند غيرنا من الأمم. والغريب أن المتاجرين بالقضية عند إيران يحاولون بشتى الوسائل ستر عوراتها حتى عندما تعلن قياداتها عن أطماعها الصريحة في بعض إمارات الخليج وفي العراق وفي كل الوطن العربي: العدو المباشر هو إسرائيل والعدو غير المباشر هو إيران أو عدو علني وعدو خفي. وغير المباشر والخفي هو دائما أخطر من المباشر والعلني عند كل من يفهم في الفن الإستراتيجي.
فإسرائيل وإيران هما إذن العدوان -وليسا الوحيدين- وإذا كان الأول خطيرا فالثاني أخطر لأن الثاني هو الذي يمد الأول بأقوى أسلحته فضلا عن كونه ينافس العرب في مبدأ قوتهم وحصانتهم ولا يكتفي بالصراع على الأرض مثل إسرائيل: أما الجامع بين العدوين فهو ما وصفته بخط برليف الثاني الذي يكبل العرب خاصة لأن من قام بفعلة الحادي عشر من أيلول كلهم عرب. فكيف يمكن أن نهدم خط برليف الثاني فننتصر على العدوين المباشر وغير المباشر في آن علما وأن القيادات المصرية حاولت تجنيب غزة الحرب ما استطاعت إلى ذلك سبيلا لأنها ليست ممن يتاجر بدم الأطفال كغيرها ممن لا يعلم الحرب ما هي ويتكلم على الرجولة ونصفها.
ولنبدأ بالعدو غير المباشر: إذا حصلت حرب وحشية سيتبين أن المتعنتر الذي يدعي نصرة المقاومة ويتهم مصر بخذلانها سيكون أمام أحد حلين كلاهما ينهيان عنترته:
إما أن يتقدم لنصرة المقاومة فيقضى على نفسه نهائيا لأنه يكون قد أمد أمريكا وإسرائيل بما تبحثان عنه من مبرر.
أو هو يحسبها صح فلا يتدخل وعندئذ تكون مصر قد برهنت بأن المتخاذل الحقيقي هو الذي يفعل عكس ما يقول وليس من قدم النصائح بعدم التهور.
والدليل القاطع على حقيقة المأزق هو الجنون الذي أصاب نصر الله: فقدْ فقدَ صوابه وصار بكل وقاحة يدعو الشعب والجيش المصريين للثورة لأنه رأى أن آخر ورقات التوت قد سقطت عنه (إذ هو تبرأ من الصوريخ الذي رمي البعض من جنوب لبنان) وعن حاميه ومموله.
ولنثني بالعدو المباشر: إذا حصلت حرب وحشية وتركت إلى غايتها فإن إسرائيل ستفقد كل ما كانت تدعيه من الحرب النظيفة والسلوك الخلقي ومن ثم كل مزاعم الحرب على الإرهاب لأنها هي التي أصبحت في أعين الجميع إرهابية إلى أبعد الحدود وعند الجميع. لم يعد أحد اليوم في العالم يستطيع أن يدافع عن زعم إسرائيل أنها تدافع عن نفسها وأنها معتدَى عليها بل الجميع بات يعتبرها قوة احتلال واستعمار وتمييز عنصري.
وبذلك تكون محرقة غزة التي لم يكن أحد من القيادات العربية العاقلة يريدها شرا لا بد منه للقضاء نهائيا على أسطورة الحرب على الإرهاب ومن ثم فقد عادت عقارب الساعة إلى ما تقدم على الحادي عشر من سبتمبر. ويمكن الآن لمصر أن تتحرك حركة قوية في كل الجهات لتستعيد دورها خاصة إذا وجدت من أغنياء العرب عامة والسعودية خاصة ما يساعدها على حماية البيضة كما فعل الرئيس مبارك في لفتته بعد تخريف مستشار رئيس الملالي حول البحرين. وذلك ما كان علينا بيانه. وسنعود إن شاء الله إلى المسائل الأربع في محاولات لاحقة.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام