معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثورة الشعبيّة و فشل السياسة النيوليبراليّة

 منوبي غبّاش*

 

لا خلاف على أن ما دفع الشاب  التونسي  محمّد البوعزيزي الى إحراق نفسه هو شعوره بالقهر. ارتفعت كومة اللهب في سماء مدينة سيدي بوزيد و ازداد اضطرامها يوما بعد يوم لتعم البلد من أقصاه الى أقصاه. لقد كانت تعبيرا عن كم الغضب الذي يجيش في صدور أغلب التونسيّين الذين عانوا من القهر ألوانا،كل بمقدار.في لحظة صار محمد البوعزيزي رمزا لكلّ من يعاني من القهر و الحرمان و لكلّ من يشعر بالضيم و المهانة و لكلّ من يضيق ذرعا بانسداد الآفاق.

خرجت المظاهرات هادرة في المدن البلدات و الأرياف المحرومة، في سيدي بوزيد و منزل بوزيّان و الرقاب و المكناسي و تالة و القصرين تباعا و بشكل متزامن. و يوما بعد يوم بدأت أصداء الثورة تصل الى مناطق أخرى فيخرج متظاهرون جددا يرفعون نفس الشعارات المندّدة بالفساد و الظلم و المطالبة بالعدالة الإجتماعيّة. ويوم 14 جانفي2011 انطلقت المظاهرة الكبرى من أمام مقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل و اتجهت الجموع نحو وزارة الداخليّة، رمز القمع و البطش الذي عانى منه الكثيرون.هناك ارتفعت الهتافات الغاضبة :"يسقط الديكتاتور"، "خبز حريّة كرامة وطنيّة"،"الشعب يريد إسقاط النظام"...إلخ. يجب أن لا ننسى أن هذه الثورة الشعبيّة، و إن بدات عفويّة، فهي نتيجة  تراكم نوعي لنضالات خاضتها نخب و قوى كثيرة و من أهمها بعض النقابات الذي كان لها الدور البارز في تنظيم و توجيه الإحتجاجات و خاصة منها احتجاجات سكّان منطقة قفصة خلال سنة 2008. و التي تعتبر حقا إرهاصا لثورة 14-1-2011 .

إن المناطق التي تأجّجت فيها الثورة الشعبيّة في تونس هي المناطق الأكثر فقرا و حرمانا،حيث تنعدم كلّ مقوّمات التنمية الإقتصاديّة و الإجتماعيّة التي يمكن أن نجد بعض مظاهرها في الساحل  و بعض مناطق الشمال. إن اتساع نطاق الحركة الإحتجاجيّة و انخراط شرائح اجتماعيّة مختلفة فيها منذ بداياتها يدلّ على أنّ الدوافع الأساسيّة للثورة لا تتمثّل فقط في الفقر و البطالة و انعدام التنمية الإقتصاديّة بل تتمثّل أيضا في انعدام الحريّات الفرديّة و العامّة و انتهاك الحقوق الأساسيّة من قبل نظام مغلق و محمي بجهاز ماديّ و إيديولوجي للقمع. من اليسير إدراك هذه الدوافع من خلال الشعارات التي رُفعت و التي تنادي بالحريّة و الكرامة و العدالة الإجتماعيّة.

 

لقد كان نظام الحكم في تونس يُطبّق بشكل دقيق "إملاءات" صندوق النقد الدولي و البنك العالمي و هو ما يعرف في عرف السياسيين بسياسة الإقتصاد الحر. منذ بداية الثمانينيّات شرعت الحكومة في ما سمّي بالإصلاح الهيكلي او إدراج الإقتصاد الوطني ضمن الإقتصاد العالمي. اقتضي ذلك الإصلاح أساسا التفويت في القطاع العام فتحوّلت مؤسّسات و شركات اقتصاديّة عموميّة إلى مؤسّسات خاصّة. كانت حجّة الحكومة ( و قد كانت غير مطالبة بتقديم حجج نظرا لغياب القوى الفاعلة التي يمكن ان تعترض على سياساتها، فحتى اتحاد الشغل المنظّمة النقابية الوحيدة قبل بذلك التوجّه بل يبدو أنه انخرط فيه و باركه). تمّ  التخلي عن مؤسّسات القطاع العام الذي كان يمثّل عماد الدولة الوطنيّة في ظلّ ظروف سياسيّة تتّسم بالإنغلاق و القمع و التضييق على المجتمع المدني. و هكذا في ظلّ انعدام الشفافيّة و المراقبة القانونيّة تمّ نهب الأموال العموميّة و وهبت مؤسّسات اقتصاديّة كثيرة لمن هم في دائرة الحكم و المقرّبين منه. لقد أدى هذا الأمر الى التزاوج بين السلطة السياسيّة و رأس المال الذي لا يمكن وصفه بأنه "وطني" لسبب بسيط و هو أن رأس المال في إطار عولمة الإقتصاد لا وطن له.

إن ما سمّي بتحرير الإقتصاد كان في الواقع عمليّة سطو منظّمة و مقنّنة على خيرات البلد و مقدّراته الإقتصاديّة من قبل عائلات و أفراد لا يشكّلون طبقة بورجوازيّة حقيقيّة و لعلّه بالإمكان تسميتهم بوكلاء محليّين للرأسماليّة العالميّة. لقد أدى هذا التوجّه الى إلحاق أذى كبير بالطبقة الوسطى التي تعتبر عماد الدولة الوطنيّة و إلى تفقير شرائح كثيرة منها فتوسّعت قاعدة الفقر شيئا فشيئا و انتشر الفساد و انعدمت الثقة في مؤسّسات الدولة و كانت محصّلة كل ذلك هي الإنفصال بين الدولة و المجتمع، الإنفصال الذي تُرجم  بالهيمنة المطلقة للسلطة السياسيّة، ممثّلة في الحزب الواحد، على المجتمع ككل. إن الطبقة الوسطى ،رغم الأضرار التي لحقت بها و رغم تردّي أوضاعها، لم تتآكل و لم تذو.فهذه الطبقة نفسها هي التي حوّلت احتجاجات المحرومين من الثروة  ومن الحريّة إلى ثورة حقيقيّة.إن الثورة الشعبيّة في تونس رفعت شعارات ذات دلالات اجتماعيّة وسياسيّة:الحق في الحياة الكريمة، الحريّة ،العدالة الإجتماعيّة،الكرامة...

إن الدرس الأساسي الذي نستفيده من هذه الثورة هو التلازم بين الحريّة و العدالة الإجتماعيّة.  لقد تمّ إنكار هذا التلازم على صعيد النظريّة اللّيبراليّة الجديدة (مدرسة  شيكاغو و أعلامها مثل فون هايك و ملتون فريدمان) و تمّ تجاهله على صعيد الممارسة. اعتبرت الديمقراطيّة، بالمعنى السياسي، هي الشرط الأساسي لليبراليّة الإقتصاديّة. اعتبر اللّيبراليّون أن الحريّة الفرديّة مقدّسة و هي تكاد تتماهى مع الملكيّة الخاصّة التي هي في نظرهم المحرّك الرئيسي للإقتصاد الذي تُلبّى في إطاره حاجات جميع الأفراد. على المستوى السياسي تُرجمت الديمقراطيّة اللّيبراليّة إلى فصل تامّ بين الحقوق المدنيّة و السياسيّة من جهة و الحقوق الإقتصاديّة و الإجتماعيّة من ناحية أخرى. لقد اعتبرت الحقوق السياسيّة فحسب  هي حقوق المواطنة و أمّا الحقوق الإجتماعيّة كالحقّ في العمل و العيش اللّائق و الحق في الرعاية الصحيّة الكاملة و الحقّ في التعليم الجيّد... فقد تمّ استبعادها من دائرة المواطنة و أُوكل تحقيقها إلى الآليّات العفويّة للسوق الحر. من المؤكّد أن هذا لا ينطبق على مجتمعاتنا التي لم يعرف فيها الأفراد أي صنف من المواطنة أي لم يتمتّعوا بالحقوق السياسيّة أو الإجتماعيّة و لذلك فإن الثورة الشعبيّة في تونس او في مصر إنّما تهدف قبل كلّ شيء إلى تحقيق قيم المواطنة الفعليّة.

إن أي نظام سياسي لا يكتسب مشروعيّته و لا يمكنه بالتالي أن يحظى بالإجماع أو القبول إذا لم يأخذ في الإعتبار مسألة العدالة الإجتماعيّة، أي إذا لم يعمل على التوزيع المنصف للثروات بين الطبقات و الفئات المختلفة، و إذا لم يحقّق التوازن الإجتماعي اللّازم بحيث يتمّ تجنّب الحيف و الظلم و التسلّط الذي يتعارض مع حقوق المواطنة الإجتماعيّة. ينبغي إذن أن لا نفهم المواطنة بالمعنى السياسي و المدني فقط. للمواطنة بعد اجتماعي يتمثّل في الحقوق الإجتماعيّة للفرد و للجماعة (حق العمل، حق الرعاية، حق السكن اللّائق، حق التعليم...) و هي حقوق لا يمكن التقليل من شأنها مقارنة بالحقوق السياسيّة و المدنيّة.

 *أستاذ مبرز في الفلسفة

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي