shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  

علامتا التمام الكاراكوزي[1]

                                                  هادي حليم

لما تكلمت على علامات الكاراكوز اكتفيت بما ظهر منها إلى حد كلامي عليها في التعليق السابق. وكنت انتظر أن يدعم الكاراكوز اتصافه بها حتى يتأكد للجميع أن وصفه مطابق فلا يظنوه مظلوما. وإذا كنت قد جعلت العلامة الثالثة (الطابع البهلواني) جامعة للعلامتين الأوليين (خاصية الدراويش وخاصية المهابيل) فإن من قرأ المقال قد يكون اعتبر الموسَّم  بها هو الذي اختار الميسم  ليكوى به فكان منه فعلا إراديا لأداء دور.

فالبهلواني عادة ما يكون مشخِّصا لدور مسرحي وليس هو بذاته متصفا بالبهلوانية حتما. فلا تصح عليه الصفتان الأوليان إلا صحتها على مؤدي الدور –علما وأن مترجم كتاب الشعر الأرسطي كما درسنا ذلك عند الأستاذ المرزوقي في درس الفلسفة اليونانية- قد سمي مؤدي الدور بالمنافق. لذلك فالقارئ قد يعتقد أن قصدي كان وصف الولد سعيد بكونه منافقا لا غير بحيث لا تكون تلك الأوصاف مترجمة عن حقيقته في حين أن الدروشة ومن باب الأولى الهبل هما عين جوهره. وكذلك النفاق: فالعادة إذا رسخت صارت طبعا.

انتظرت حتى يقدم لنا الولد سعيد بنفسه الدليل على الاتصاف الجوهري لئلا أظلمه. وهو قد فعل: كل تلك العلامات سمات ذاتية لصاحبها. فقد تأكد الآن أن الولد سعيد لم يكتف بتقمص دور إلى حد التصديق بالتطابق معه فحسب كحال المهابيل بل هو فعلا كذلك: فالدرويش يتصور نفسه مدرك حقائق الوجود والأهبل يعتبر نفسه ممسكا بصلابة الواقع. وبذلك فهو مهرج بالطبع وليس بالوظيفة. والعلامتان اللتان نشير إليهما واللتان تؤيدان باجتماعهما هذا الحكم:

فأما العلامة الأولى-وهي التي كنت انتظر ظهورها فهي التشهير بالذات وعدم سترها: فقد نشر تعليقي الأخير بعنوان الكاراكوز صار بوسعدية بنفسه ظنا منه أنه يشهر بما يسميه المرزوقية وهو في الحقيقة لا يشهر إلا بنفسه. والمعلوم أنه لا أحد غير الأهبل يمكن أن ينشر فضائحه متصورا ذلك دليلا على عدم التأثر بانكشاف حاله للغير. ولا أحد غير المهرج يبحث عن الأسواق لأداء دور التهريج. ولا أحد غير الدرويش يتصور الشطح نطقا. وصاحب الفضيحة عندما ينشر فضيحته بنفسه يتصور ذلك كافيا للدلالة على اللامبالاة بها. لكنه يدري أنه بالأحرى أقوى الأدلة على عدم المبالاة عامة. وتلك هي علامة فقدان الحياء أعني الاتصاف بالكلبية دون علم فلاسفتها كما تعلمنا في الفلسفة.

وأما العلامة الجامعة وهي سابقة فهي المنبر الذي يواصل النبر فيه. وهذه العلامة ليست دالة بمفردها بل بانضمام العلامة السابقة إليها لأن الكثير ممن دخل هذا المنبر خرجوا منه بعد أن فهموا طبيعته أو طردوا بعد أن فهم أصحابه أن خدعهم بدأت تنكشف إما لأن الأسئلة صارت محرجة أو لأن الأجوبة انتقلت من التصفيق إلى التصفير. فالمنبر الذي يختاره هذا الولد لم يختره إلا لأن مبدأ أجندته الخفية هو الكلبية: الدجل الديني أو علم الكلام.

فالكلام دفتر صكوك خال من الرصيد في تصرف سفيه: صرف بغير حساب في كل مجال يعن له. من الإفتاء في عقائد الناس إلى  التفلسف في نظريات الوجود بحساب فاضٍ لا يفضي إلى شيء كما بين الأستاذ المرزوقي في مسك الختام. ولا عجب في ذلك فالشيخ زامر إذ هو يتكلم في كل العلوم لكل العصور بدون أي خجل أو حياء أو أدب. ولا ضير من ذلك مادام جاهلا بها وناسيا للغاتها فضلا عن مضامينها ومتصورا الناس جميعا ممن يمكن أن يبهتوا من ترديده بالمصطلحات الفلسفة لا يفهمها. يكفي أن يجزم بما يريد كأن يدعي أن الفكر متقدم على اللغة أو أن أبا يعرب كنطي أو مستشرق أو أنه سيرد على كل المتأثرين بالفكر الغربي كما فعل المتكلمون القدامى في ردهم على الفلاسفة ولا يدري أنه يمضغ فضلات هؤلاء الفلاسفة الذين اتهموا في الماضي بهذه التهمة لأنهم أدخلوا الفلسفة إلى الفكر العربي: اعني ما يتجول الآن في مصب فضلاته دون رقيب لما يمكن أن يعود به من جراثيم وخبائث ليدعي أنه عالم بالعقليات  !

وهل يمكن لعاقل أن يعجب من كلام الزامر  عن المنطق العربي الذي فاق حتى المنطق الغربي الحديث؟ وعن ابن تيمية بوصفه جاهلا بالمنطق؟ أو أن الوجود متواطئ إلخ..؟ بعد أن بين الأستاذ المرزوقي العلل في ذلك كله. إن جهالات هذا الشيخ التي بينها أستاذنا أبو يعرب حفظه الله بالوضوح التام مع الكثير من الإنصاف لمن رأى فيه من رواد الموقع فهما ونباهة كالشيخ بلال والأخت شفاء وبعض الشباب الذي سألوا أسئلة ذكية في المنطق والإلهيات كافية لكل ذي عقل سليم لإدراك الفرق بين السعي إلى هداية الشباب والسعي إضلاله كما يقول سقراط.

وبخلاف ما قلته سابقا مدعيا خطأ الأستاذ المرزوقي بمداخلاته في هذا الموقع. فقد تبين الآن أنه كان على صواب في مخاطبة من اغتروا بدجل الشيخ وبعض دروايش الموقع. فها أنا أرى الكثير من الشباب بدأوا يتحررون بالتدريج من حبائل الباطنية ليعودوا إلى النهج القرآني السوي الذي ينهى عن الخوض في المتشابهات والغيب ويدعو الناس إلى النظر في الآفاق والأنفس لتحقيق الجمع السوي بين شروط إرث الأرض والاستخلاف فيها والعبادة الصالحة كما أكد على ذلك الأستاذ المرزوقي في سجاله مع بعض أهل هذا الموقع.

وسأسمح لنفسي بتقديم نصيحة للأخ فراس الذي أراه أكثر رواد الموقع المواظبين أهلية للتحرر رغم حماسته للذود عما لا يمكن حقا أن يكون مؤمنا بصحته إلا إذا كان ما يكتبه في بحوثه الجدية  ليس من تأليفه. وليكن الكلام معه خطابا بدل الغيبة: فقد يا أستاذ فراس لاحظت أنك على قدر محترم من الفطنة والمعرفة وأنك لا بد مدرك لحقيقة ما يجري فلم تكابر ؟ فمن كان طالب علم بحق لا يمكن أن يخلو من الإنصاف حتى وإن كان الظرف لا يسمح له بإعلان رأيه.

لذلك فاسمح لي أن أعجب من سماحك لاسمك أن يتلطخ بالاختلاط مع اسم هذا البهلوان. هل يمكن أن تكون حقا طالب حق ثم  تواصل البحث عن حقيقة فكر المرزوقي بمجرد التكهن والرجم بالغيب فتعتبره مرة باطنيا ومرة مستشرقا وأخرى وجوديا إلخ... لم لا تصبر على القراءة فتطبق المناهج الحديثة التي لك منها النصيب الوافر وسترى أن المرزوقي الذي نعرفه خلال عشرة طويلة شخص يسعى إلى الفهم ما أمكن للإنسان وأنه يفعل ذلك دون أن يدعي التشيخ على أحد. كيف لم تر من جواب الأستاذ المرزوقي للأخ المغربي إلا ما يدل على أنك صرت تخاف نفسك: فلو جمعت دراستك على الكلام ودراستك على الوجودية هل كنت حقا تواصل على ما أنت عليه في لسانك التي لا يمكن أن تطابق ما في لسان حالك ؟

كيف يدور بخلدك أنه وجودي متأثر بالفكر البروتستنتي ؟ ألم تطلع على شروط نهضة العرب والمسلمين المخصص لدحض أسس هذا المذهب والفلسفة التي بنيت عليه أعني الكنطية وكل المثالية الألمانية ؟ إني أراك في بحثك الكلامي وفي كلامك على الوجودية متلمسا الطريق لتجاوز الانحياز والتحيز لأنك بذلك خطوت الخطوة الأولى نحو المنهج القرآني المنافي للمنهج الكلامي: كيف تكون مؤمنا بقيم القرآن ولا تصدق مع نفسك ؟  اللهم إلا إذا كنت تفصل بين طلب العلم والصدق فيه. فالعلم الصادق يترتب عليه الالتزام بالإنصاف أو على الأقل السكوت كما فعل بعض النبهاء من الجماعة !  

أنا واثق من أن الأستاذ المرزوقي لم يكن يريد أن يجرحك بملاحظته حول تعليقك على سؤال الأخت شفاء ولعل ما ورد في نصك لم يكن معبرا حقا عما تقصد أو لعله سقط منه ما جعله يبدو غير قابل لأن يكون مفهوما أو دالا على الفهم. ذلك أني دون أن أدعي الاختصاص في الميتافيزيقا أعجب ممن يتكلم فيها كلام العلماء ثم يعتبر "مفهوم" تصور الوجود بالمعنى الاصطلاحي لكلمتي مفهوم وتصور في المنطق القديم يعتبره حاصلا في الوجود الخارجي؟ أفتكون قائلا بالمثل الأفلاطونية فتعتبر الكليات هي الحقائق القائمة في الخارج وتعتبر الأعيان التي يتكون منها ماصدق المفهوم نسخا لا وجود لها إلا في وهم الإنسان وفي مداركه الحسية؟ وإذا كان هذا قصدك أصبح الخلاف بينك وبين الأستاذ المرزوقي خلافا في الخيار الميتافيزيقي بين الاسمية والواقعية. فهل ترى هذا كافيا لأن تلطخ اسمك مع بوسعدية ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  لم يقع استبدال اسم سليم باسم سعيد سهوا ولا خطأ بل هو إشارة إلى أن الكاراكوز الصغير ليس إلا نسخة من الكاراكوز الكبير. فاعجاب الصغير بالكبير وترك الحبل على الغارب من الكبير للصغير علته التماثل الجوهري بين الكاراكوزين تشهد عليه الدلالة الضدية لاسميهما . فليفهم القارئ دلالة الإشارة.