shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                            علامة الغباء الدامغة

                                 د.عبد الكريم المحمودي

دار نقاش مع صديق مشترك بيني وبين أستاذنا أبي يعرب استأنس برأيه في الشرعيات والعقليات. ورغم علمي بسخف دعاوى هؤلاء الدجالين سألته رأيه في ما يقوله سفهاء موقع الأصلين عند كلامهم على حكم الشرع في من يخالف ما يتصورونه علما وعقائد وعن رأيه في حكم هذا الغبي في ابن رشد وابن تيمية. فـأجابني بكلمتين وجيزتين بعد أن اطلع على آخر هذيان هذا المنتصب للغدر والتدجيل. وهذا ملخص رأيه:

الكلمة الأولى لتفنيد الوجه المتفاقه لكلام هذا الدجال: لا يمثل هؤلاء الدجالون سلطة يمكن لها أن تقضي في أي أمر. ليسوا قضاة ولا علماء. كلامهم في الأحكام مجرد كلام لا معنى له. ولا وجود لأحكام مستمدة من القرآن أو من السنة تقبل التطبيق على كلامنا معهم لإلزامهم بلوازم تخريفهم لعلمنا بأنهم يلغون وهو ما نريد أن نثبته لهم بالتسليم الجدلي دون أن نعتقد شيئا مما يقولون أو مما يتصورونه قولا لنا فيلزموننا بما يلزم عنه: كل اللوازم هي عليهم لا لهم ونفينا لتخريفهم لا يمس أي ثابت من ثوابت الدين ولا حتى متغير من متغيراته لأن ما في الكلام من التخريف هذيان خارج الدين والعقل على حد سواء. فكأن من يدحض أفكارهم قام بتنظيف المكان من الجراثيم. إنه يجازى ولا يلام هذا فضلا على أن المجال لا يصح فيه الكلام لا عن الصواب ولا على الخطأ: الجرم هو تطبيقه على القرآن وبناء الأحكام على خرافاته .

نحن لا نقول بعلم الكلام. والكلام-لا رده أو الرد عليه-هو الذي للقرآن فيه حكم صريح بزيغ القلوب وابتغاء الفتنة. رد الكلام والرد على أصحابه لبيان وهائه من التعبد وهو من ثم كسب لنا وليس اكتسابا علينا: علم الكلام الذي يستمدون منه هذه الأحكام عصيان للأمر بعدم التأويل ومن ثم فهو نوع الفكر الوحيد في ذات الله وصفاته النوع الوحيد الذي يعده القرآن الكريم جرما وله فيه حكم صريح. أما ردنا عليهم فيه مع علمنا بأننا نثبت لغوهم ولا نقول بأي مذهب كلامي فهو أمر لا غبار عليه عقلا ونقلا.

وأنا أعلم أنك تفهم ذلك. كما أنك تدرك مغالطات هذا الدجال. فهو يلعب على مفهوم السنة فيحاول أن يلزمنا بما ينتج عن المبادئ الأشعرية عله يوهم من بقي له من قراء بأن قولنا إننا من السنة تسليم  بأننا من الأشعرية الأولى أو الأخيرة: يسقط علينا سوء فهمه للتسنن لأنه لم يتجاوز الفكر البدائي الذي لا يستطيع الخروج من أوهامه. فنحن نقول إن بعض الأشاعرة تنصلوا من الكلام. وهؤلاء دون سواهم هم عندنا سنة بشرط التنصل بعده وليس قبله: والأشعري نفسه في بعض لحظات حياته تنصل كما هو بين من إمضاء أحد أعضاء هذه الجماعة وما يدرينا فلعله ممن يمضي بعكس ما يفعل تمريرا لشيء. وفضلا عن كونه لا معنى لحكمه فهو يغالط ويحاسبنا على مخالفة الأشاعرة الذين يعتبرهم هو سنة وينسى أننا ننفي عنهم هذه الصفة ما لم يحصل منهم هذا التنصل من الكلام. فليغالط نفسه عله يجد من هو أغبى منه فيصدقه أن دحض خرافاته خروج عن السنة. إنه يحاكمنا بأوهامه فاتركه يفعل ما يريد.

 أعلم أنك تسأل وتعلم رأيي لأنه عين رأيك في هذه البديهيات. وأنت تعلم أنه ليس في القرآن كلام على الحيز والجهة والمكان والحركة إلخ... فهذه كلها أسماء سماها المتكلمون لتصورهم أنها علم وأنها يمكن أن تعطيهم وهم التفلسف. لكنها تبقى أوهام المتكلمين في نظر الفلاسفة والسنة: وكلا الصفين حكمهما فيهم حكم الشافعي. وعلى كل فللقرآن فيهم حكم يقتضيه حكم التأويل الصريح في الآية السابعة من آل عمران إذا لم يكن قولهم بالتأويل صريحا أي إذا كان ضمنيا أما إذا كان صريحا فقالوا كالأشاعرة المتأخرين بقانون التأويل الذي مفاده أن معاني القرآن مثالات من حقائق لا تدرك إلا بالعقل ومن ثم فالغيب صار خرافة والوحي مجرد خيال فإنهم حكمهم نصي وليس مشتقا من النص بالقياس.

لكننا لا نقول إلا بما جاء في القرآن والسنة واصفين الله وأفعاله ونحن نأخذه كما هو دون تكييف لأننا لا ننسى ليس كمثله شيء كما يأمر القرآن. والتكييف بمعناه الفلسفي الحقيقي هو ما فهمه نفاة التكييف من السنة  الحقيقية: أعني تحديد الحقيقة والماهية (لأن السخفاء يتصورون لغبائهم أن الكيف المقصود هو ما يفاد بمقولة الكيف الإضافية للجوهر وليس الصورة المحددة للجوهر).

فإذا طلب منا من هو أهل للكلام معه في ما نعتقد فإنه بوسعنا أن نشرح معاني ما جاء في القرآن كلاما على الله وصفاته بالعودة إلى اللغة العربية لأننا نفهم لغة القرآن كما يفهمها العرب وكما كان المسلمون يفهمونها قبل أن يصاب المتكلمون بلوثة الكلام فيعتبرون تخريفهم علما بالحقيقة الدينية. وبخلاف هذا الفهم لن يكون القرآن بيانا للناس بل مغالط وإبهام لا بيان. لذلك فنحن لا نؤول. ولا نحتاج للحكم على من يؤول. فالله أغنانا عن ذلك لأن الحكم القرآني فيهم واضح. أما رأينا فيهم فهو السخرية من عقولهم لا غير. ونحن لسنا فقهاء فنقضي بحكم على سلوكهم فضلا عن الحكم على عقائدهم: فمن يتصور نفسه أبلغ من القرآن تعبيرا وأقدر تدليلا لا بد أنه مختل العقل والمزاج ولا يستحق إلا السخرية. لن يكون إلا دونكشوت. فدعه يهذي حتى ينفطر.

والكلمة الثانية لدحض الوجه المتعالم من كلام هذا الدجال: فكلام هذا الأحمق على الفلسفة يندى له جبين كل من يستحي فلا يفعل ما يعن. ما أشرت إليه من كلام حول حكمه في الفكر والعلم والمنطق مجرد تخريف لذي عقل سخيف. ومجرد سماع أي عاقل لكلامه على ابن رشد -دع كلامه على ابن تيمية- سيحكم عليه بأنه فعلا قد فقد السلطان على المجاديف كما قال صديقنا حليم. كان الأحرى بهذا الشويخ أن يفتح دكانا لبيع أسلاك الكهرباء فلعله يفلح في صنعته لأنه مجرد فني من الدرجة الدنيا: وأظنه بعد أن فضح جهله ودجله سيكتشف أنه سيخسر حتى ماديا إذا لم يسمع هذه النصيحة لأنه لن يصبح داعية ثريا مثل من يصبو إلى أن يصل إلى رتبتهم في الشهرة. لو كان يفهم العلم ما هو لما اعتبر هذيانه في الكلام أمرا يمكن أن تستمد منه معرفة فضلا عن الأحكام التي لا معنى لها ما دامت لا تصدر عن تشريع إلهي قرآني أو سني.

من يتصور نفسه يفهم الفكر أكثر من ابن تيمية وابن رشد وكل الفلاسفة فأفضل مكان يأوي إليه هو البيمارستان. ولا داعي للرد عليه لأن زاده الابتدائي في الفلسفة يجعل الكلام معه مضيعة للوقت: اتركه ينفجر فهو قد بدأ يأكل بعضه بعضا ولا حاجة للمزيد. لا تحاججه بما يلزم عن قوله إن العالم بنوعه لا يعتبر حادثا إلا إذا سبقه زمان لم يكن فيه موجودا أعني خضوع فعل الخلق للتزمن-ما دام يشترط أن يأتي عليه حين من الدهر لم يكن فيه شيئا موجودا في حين أن القرآن لا يتلكم على الخلق عن عدم بل عن التكوين من أمر سابق دائما- فيرد عليك متهما بأنك لا تفهم الفلسفة التي صار هذا البليد أعرف من ابن رشد بها. سيقول لك غدا إنه اعرف من أرسطو وأفلاطون وديكارت وكنط وهيجل إلخ.. وهذا طبيعي فهو ذو علم لدني فضلا عن كون من فقد عقله لا يسأل عما يفعل فضلا عما يقول.

وحجته الدامغة دائما هو وتابعيه هي أنه ينطلق من التصورات الكلامية التي هي أدق من تصورات الفلاسفة. ولما كنت أنت لا تعترف بالكلام علما ولا بكونه ذا تصورات حقيقية لأنه لا يتجاوز التخيلات والمعاني المبهمة فلا معنى للكلام مع البلداء. ولو لم يكن بليدا لعلم أن "ما حكم كذا؟" مسألة فقهية إذا طرحت في التطبيق وأصولية إذا عولجت من حيث صلتها بالمصدر الشرعي وهي لا تنطبق إلا على ما جاء فيه نص أو يرد إليه إذ قبلنا بالقياس فوسعنا الأمر إلى ما يقاس على ما جاء فيه نص. 

وفي كل الأحوال فإن التوسيع لا يمكن أن يصل إلى حد يشمل تخريف المتكلمين في تحديد ما يقال وما لا يقال في الله ذاتا وصفات وفي أحكامه الشرعية: جعل العقائد مادة لعلم مزعوم هو الجريمة التي يعاقب عليها الله لأنه حرر العقد وألغى التأويل صراحة في قرآنه الكريم. ولو طبقنا عليهم هذا المعيار لمرق كل المتكلمين من الملة لأن كلامهم كله مناف لآيات بينات ومحكمات تنهى عن تكذيب الله.

وكل ما قاله القرآن عن الله تأويله تكذيب لأن مفاد التأويل الحقيقي هو القول إن النبي لم يبلغ ما كلف بتبليغه وإن القرآن لم ينزل بالبيان بل ظاهره الكفران فيكون لمغالطة العامة ولا ينجو منها إلا من خضع لتصورات من يزعمون أنفسهم خاصة. فإذا كان لا بد من تأويل القرآن في كلامه عن الله وعن البعث مثلا كان القرآن كله خداعا وكانت الحقيقة هي ما يقول به هؤلاء الدجالون. فيكون النبي –حاشاه-كاذبا ويكون مسيلمة على حق قصدت فودة.

نحن لا نصدق من يكذب القرآن والسنة بالتأويل الذي وصفه القرآن بزيغ القلوب وابتغاء الفتنه. ذلك هو الخلاف بينهم وبيننا. ولا علاقة لنا بهم في ما عدا ذلك. فليهذوا ما عن لهم. ولا تحاول أن تسمعهم ذكر الله أو أن تريهم برهانه أو أن تفهمهم فرقانه لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون. وطبعا لن أذكرك بما كتبه أستاذنا في مسألة المكان والزمان بوصفهما لا يحسبان في كلام الله على أفعاله حتى لو أخذناه حرفيا.

 فيكفي أن تعلم أن نص القرآن الصريح يعتبر سرعة الأمر نزولا وعروجا أكثر من سبعين مرة سرعة الضوء ما يعني أن ذلك يلغي الزمان والمكان والمادة والأبعاد والأحياز وكل التخريف الذي يعبر عن بلادة أصحابه وليس عن علم بالوجود فيقاس عليه ما يعتبر أحكاما يستند إليها الكلام على الله. فتصور حركة الأمر بسرعة سبعين مرة سرعة الضوء يضعنا في طور من الظاهرات الطبيعية التي لا يصح تطبيق التخريف الكلامي عليها بل وحتى كل العلوم مهما ارتقت. ذرهم في خوضعم يعمهون. وبسخافاتهم يتخرصون.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام