


الحالة الليبية وأهمية اعتبار النصر الرمزي للثورة العربية
محمد سراج
1-حقيقة تعدي الحالة الثورية الرمزية لحدودها
لماذا هي اللحظة الراهنة حالة ثورية فعلا؟ لعلها لكونها ربطت بين الظرفي والمتعالي، بين النظرية والفعل على جميع المستويات والأصعدة، لكن شمولها هذا لا يجعل من جميع الأصعدة على نمط واحد من التغيير. فالثورة انقلاب على للأوضاع كلية، بدءا بالسياسي الفعلي ووصولا إلى الثقافي الرمزي، فكيف ستنقلب الأوضاع ضمن هذين المستويين الأقصيين؟
إن الثورة فعل ذو اتجاهين سالب وموجب، فهي تقصي المثور عليه وتنهي نسقه القيمي، وذلك هو الوجه الهادم من الثورة؛ كما أنها تجعل من الثائر في موقف الفراغ الذي لابد له من شاغر، والفراغ هنا بالمعنى الطبيعي الذي تأباه الطبيعة ذاتها، ولكنه بالمعنى الثوري استبدال العنصر بعنصر آخر في ذات المجال، فالفراغ ليس حاصلا إلا نظريا، في الطبيعة كان ذلك أم في المجتمع.
حيث الفراغ الثوري غير حاصل فقط على المستوى المؤسساتي والأمني، فهو يحصل في المستوى الاجتماعي ضمن فضاء الحرية الذي ينبثق ليس من الذات التي كانت حرة حتى قبل الثورة، إذ المسؤولية الثورية تصير ملأ ذلك الفضاء البكر بما يتيح الحياة فيه من جديد ويفتح عليه آفاقا لم تكن منظورة.
فإذا كان المجال السياسي لا يقبل الفراغ بالمعنى الزمني والمجالي معا، فإن فضاء الحريات الفردية وبفضل طبيعته الرمزية قائم على أساس التفكير ضمن الفواصل الزمنية تمكّن من أن يكون الأمر قابلا للتروي والتريث من أجل تحديد قضاياه الأساسية وأولوياته.
فالفضاء الثوري الرمزي أوسع بكثير من المجال السياسي الفعلي المباشر، وهذه السعة تشمل آفاق المناورة والخيارات المتاحة وكذا المجال الجغرافي، أعني تجاوزه للحدود القطرية، وذلك ما تقرره القوانين النفسـإجتماعية في تعدّي الحالة النفسية للجماعات، التي هي حالة من حالات تعدي الوعي أيضا. فالوعي الثوري لم يبق حبيسا للأقطار التي تم فيها بل هو سار ضمن أوسع المجالات إن بشكل أو بآخر.
2-خصوصية النموذج الليبي في الثورة
إن ما يحدثه القذافي ونظامه اليوم بالثورة العربية في تجليها القطري بليبيا ليس إلا حالة غير تقليدية في الثورة المضادة بعد انتصارها الرمزي، ذلك أن ليبيا أولا وأخيرا قد حققت نصرها الرمزي على القذافي ونظامه، وذلك هو الأهم بغض النظر عن كل التفاصيل والظواهر الشكلية، وذلك ما تشي به عبارة أن القذافي انتهى سياسيا.
فالهاجس السياسي على الثورة العربية في نموذجها الليبي يصح أن يبقى ضمن المجال الفعلي ولا يتعداه إلى الرمزي منه، وهو ما تعبر عنه فعليا دماء الشهداء الذين سقطوا على يد كتائب النظام المتهاوي.
فالغلبة الرمزية للثورة العربية هو الذي سيمكنها من جني ثمارها اليوم أو غدا، وذلك في جل الأقطار العربية وبأشكال مختلفة، فالصورة القائلة بأن الثوار الليبيين يواجهون النظام المعسكر بـ"اللحم الحي" هي أفضل دلالة على هذا النصر، إذ اللحم الحي ليس إلا التجسيد الفعلي لـ"الوعي الحي" لهذا الشعب الذي تعادل ثروته المادية (أجود أنواع البترول وأكثرها احتياطية) ماله من ثروة رمزية (أكثر النخب العربية التي يغلب عليها طابع الأصالة والتمسك بالهوية).
ففي ليبيا الرابطة بين مشرق العرب ومغربهم ستتشكل أخصب الولايات العربية ثروات مادية (البترول) ورمزية (الثقافة) والتي لم تكن لتكون ما عليه من وعي آني ومستقبلي يتجاوز حدود المثال المرغوب لولا تواضعها الخلقي الذي تجلى في العزوف عن الظهور طيلة مرحلة الاستقلال وإلى الآن، فمما لا غبار عليه هو أن سياسية العزلة الثقافية الاختيارية ـ حتى وإن بدت في ظاهرها إجبارية ـ ما كانت لتكون أيضا لولا نزوع الليبيين نحوها.
فالقول بأن ما يقوم به القذافي ونظامه ثورة مضادة على ثورة منتصرة رمزيا سيكون مآلها كما كان مآل الثورتين المضادتين في تونس ومصر من انهيار شبه نسقي غايته انهيار "النظام البوليسي" و "الحزب الحاكم" (أو على الأقل هذا ما يبدو أوما هو مأمول) لصالح حكم الشعب، وذلك ما تسعى إليه النخب الحية على الأقل على مستوى الحفاظ على نقاء الثورة في الضمير الشعبي.
فإذا لم يكن لليبيا نظام بوليسي بمعناه التقليدي، بفعل دعوى حكم الشعب لنفسه، فإن في هذا الادعاء سر الأسرار في خصوصيات الثورة العربية عامة والليبية خاصة، فالثورة الليبية وإن كانت تابعة زمنيا لثورتين سابقتين في تونس ومصر، فهي ستكون من المنظور الرمزي الثقافي الرائدة، وسند ذلك هو تركز الرفض كله في شخص واحد هو القذافي، أعني أنه يصعب لحاظ اختلاف أيديولوجي داخل صف الثوار، ولعل سند هذا القول كذلك هو الشعور العام بضرورة التدخل الخارجي في سبيل حلحلة الأمور ـ بغض النظر عن صوابيته ـ.
فالدماء التي سالت في ليبيا إلى حد اليوم أضعاف أضعاف الدماء التي سالت في تونس ومصر معا، وقد كان يقتضي ذلك وفقا للدوكسا السائدة أن يحدث التدخل الدولي بحزم وسرعة وهو ما يتأخر كثيرا وفقا للرأي السائد دائما. وتفسير ذلك أن التدخل الدولي في الحالتين السابقتين إما بالتخلي (حالة ابن علي) أو بالضغط (حالة مبارك) استند إلى وجود بدلاء محتملين، أما في ليبيا فإن الذي يعوق الغرب من أجل حلحلة الأزمة هو عدم توفرها على أوراق بديلة مطمئنة بالنسبة له، مما جعل الثورة الليبية تعاني من أمرين بداية وغاية:
1- البداية: استقدام السفاح الخارجي المتمثل في المرتزقة بكل أشكالهم بفعل الوحدة المعنوية التي تجلت في انشقاق الكثير من المقربين عن النظام، وهو ما غيب البلطجة كما تجلى في حالتي مصر وتونس
2- الغاية: قدوم الغرب بنفسه لضمان ما لم يجد في مكونات الشعب الليبي من يعوضه في خدمة مصالحه عن القذافي، كما قد يكون وجده من نخب مستلبة في تونس ومصر
فليبيا ستكون أخيرا نموذجا للتلاحم الشعبي النافي لأية وصاية خارجية، تلاحم على المستوى الإثني (عربا وبربرا) نموذجا يحتذى في العلاقة السوية مشرقا ومغربا (عربا وكردا مثلا)، إذ الغاية أننا ما سمعنا صوتا قوميا نشازا عن الوحدة الليبية رغم المسار الصعب لتطور الثورة في ليبيا والذي كان يسمح بذلك، وهو ما راهن عليه النظام الليبي ذاته، ومن ثم فإن عدم حدوثه يعد ضربة قاصمة له ولمن يسنده من الخارج. وكذا المستوى المذهبي (مالكية وإباضية) نموذجا يحتذى في العلاقة المذهبية السوية مشرقا ومغربا أيضا (السنة والشيعة مثلا)، إذ الغاية أننا ما سمعنا صوتا مذهبيا نشازا كذلك الذي حدث ويحدث في المشرق شامه وخليجه. والله أعلم
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |