
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
العقبات الحقيقية في فعل الترجمة
تبين الآن أنه يوجد بين الحل الذي نقترحه للتغلب على معضلات الترجمة ( مسألة لسانية ) وحلنا لمعضلة التعالي على النسبية الثقافية (مسألة فلسفية ) ترابط واضح. فنحن نشترط في الحل الأول الفصل بين الدال والمدلول لنجاح الترجمة سواء كانت داخلية أو خارجية لأننا لا نبحث عن المدلولات التي تكون ذات خصوصية تجانس خصوصية الدال. ذلك أن خصوصية المدلول مثلها مثل خصوصية الدال لا تقبل الترجمة[1]. وتلك هي علة الموقف القائل بالنسبوية الثقافية. لكننا نعتبر البشر متواصلين بأمر متعال على ما في الدال والمدلول من خصوصية: فالدال إذا كان صوتيا يعود إلى الكلية بمجرد تحرير الصوت مما يجعله كلاما خاصا بشعب دون شعب فتبقى مادة الصوت حاملا للحركة الصوتية أو الموسيقى مع محلها أو الزمان ومتلقيها أو السمع وإذا كان شكليا يعود إلى الكلية بمجرد تحرير الشكل مما يجعله صورا خاصة بشعب دون شعب فتبقى مادة الشكل حاملا للحركة الشكلية أو الرسم مع محله أو المكان ومتلقيها أو البصر.
ومن ثم فنحن نتصور المدلولات المترجمة متحررة من النسبية الثقافية التي تخضع لها الدوال والمدلولات المناسبة لها باعادتهما إلى البنى الكونية للحركة الصوتية والزمان والسمع وإلى البنى الكونية للحركة الرسمية والمكان والبصر. ويعني ذلك أننا لا نعتقد الترجمة ممكنة من دون التعالي على الخصوصيات الدالية والمدلولية حتى في حالة الترجمة الداخلية بالاستناد إلى قوانين السمع والبصر في ادراك حركة الصوت في الزمان وحركة الرسم في المكان وسيطا يمكن من الجسر بين الدوال والمدلولات: فهذا هو العالم الذي يقيم فيه المترجم خلال بحثه عن البدائل المدلولية عند القراءة والدالية الكتابة لانه قارئ نص وكاتب نص يبحث في عمليتي القراءة والكتابة عن التشاكل بين تطابقين مختلقين للدال والمدلول في لغة البداية ( المترجم منها ) ولغة الغاية ( المترجم إليها) .
ذلك أنه لو يقى المدلول خاضعا لخصوصية الدال لبات الانتقال من عبارة إلى عبارة اخرى عن نفس المدلول أمرا مستحيلا لان المدلول عندئذ يكون هو بدوره خاضعا للخصوصية التي تجعله مؤلفا من منفصلات مثل الدال. فإذا كان الجسر بين منفصلات الدال مستحيلا فينبغي أن يكون الجسر بين مدلولاتها مستحيلا إذا تصورناها من جنسها للتوازي التام بين الدال و المدلول في النسبية الثقافية. انغلاق النسبية الثقافية ليس حقيقة فلسفية بل هو موقف عقدي علته تصور هذين الضربين من الجسر تابعين للسان بدل تصور العكس. الموسيقى والرسم هما مصدر اللسان وليس العكس. لكننا لا ننفي أن اللسان بعد أن يصدر عنهما يصبح محددا لاعيان التحققات الموسيقية والرسمية بتأثير من الموقف العقدي القائل بالنسبية الثقافية التي يزعم أصحابها في البداية أنها كونية.
ففي البداية يتصور كل شعب غناءه ( حركة الصوت التي تراكمت بحسب مصادفات التاريخ ) ورقصه ( حركة الرسم التي تراكمت بحسب مصادفات التاريخ ) أمرين كونيين إلى أن يكتشف أن غيره من الشعوب له مثله غناء ورقص يدعيان نفس الدعوى. عندئذ يدرك أن الشعب الآخر لم يختر نفس العناصر لتكون مقومات ما ميزه من حركة الصوت وحركة الرسم ليجعله داله ومدلوله لهذه الدعوى. فيتمكن من فهم وجهي هذه الدعوى: فلها وجه سلبي هو محاولة الجزئي أن يكون كليا بنفي الجزئيات الأخرى ووجه إيجابي هو محاولة الجزئ إدارك عموم الجزئية للكل ومن ثم سعي الجميع إلى كلي يتعالى عليهم جميعا. لذلك فالتعالي هو إدراك الكلية المشتركة من حيث هي قيمة يسعى إليها البشر وليس من حيث هي أمر تعين في حضارة دون حضارة. وإذن فالوعي بالتعالي لا يتحقق بصورة تامة إلا عندما يبلغ العقل الانساني إلى مرحلة يعتبر فيها الخصوصية مرقاة للكلية بمبدأ التدافع الوسيلي ( شريعة العمران المساعد على تحقيق الاستخلاف أي الإنسانية التي تتخلق بأخلاق القرآن ) لتحقيق نفس الغايات ( عقيدة الاستخلاف أو التخلق بأخلاق القرآن )[2].
وذلك هو ما يسميه الاسلام بالفطرة التي هي أصل الأخوة البشرية رغم الفروق الثقافية والتعدد الاجتماعي لكونها شرط التواصل العملي ( قيم تنظيم الحياة الجماعية السياسية وأدوات تحقيقها ) وشرط التواصل النظري ( قيم تنظيم الحياة الجماعية الفكرية وأدوات تحقيقها ) وشرط التواصل الذوقي ( قيم تنظيم الذوق العام وأدوات تحقيقها ) وشرط التواصل الرزقي ( قيم تنظيم العيش العام وأدوات تحقيقها ) وشرط التواصل الوجودي بين البشر ( قيم أساس كل تلك القيم أعني التصورات الدينية والفلسفية لحقائق الوجود ومعانيه ) [3]. وكل هذه التواصلات متعالية على الخصوصيات اللسانية دالا ومدلولا وهي شرط الترجمة التقريبية التي تتمكن من تحقيق بعض التشاكل بين الخصوصيات الدالة والمدلولة بفضل الوحدة بين الكليات المقصودة وراءها أعني القيم المقومة للفطرة.
ومعنى ذلك أن الدال والمدلول ليس مصدر دورهما في عقبات الترجمة طبيعة الدال ( كون الترجمة بين هذه اللغة او تلك أو العكس ) ولا طبيعة المدلول ( كون المدلول المنقول هو هذا المدلول أو ذاك بحسب الاختصاصات ) إلا سلبا إذا قسناه بالاضافة إلى علم المترجم باللسانين وبالاختصاص. ومن ثم فبمجرد توفرهذين الشرطين في المترجم يزول الدور السلبي فيصبح البحث في طبيعة العقبات الحقيقية للترجمة صادرا عن مجال آخر هو المجال الذي أشرنا إليه. وعلامته أنه موجود حتى في الترجمة الداخلية لمعنى واحد بعبارتين من نفس اللغة احداهما شارحة لاخراهما. عندئذ يتبين للجميع أن مصدر العقبات في كل ترجمة منحصر في مشكل فلسفي عميق يحدد طبيعة التعبير اللساني ماهي[4]. ويمكن أن نصوغ هذا المشكل من مدخلي التعبير اللساني الدالي والمدلولي: كيف يمكن أن يتطابق دالان في الدلالة على نفس المدلول أو كيف يمكن أن يكون لدالين مختلفين نفس المدلول؟
فهل الترادف التام بين المفردات والمؤلفات منها ممكن في نفس اللغة فضلا عنه في لغتين مختلفتين؟ أم إن الترادف الحدي والتأليفي هو في الحالتين ترادف تقريبي دائما. ومن ثم فالترجمة تقتضي عملية من جنس استنفاذ الفضل بين مقدارين يتقاربان بتدرج في توجههما أحدهما نحو الآخر يتقاربان من غاية لا يمكن البلوغ إليها أبدا. فالدال الثاني الذي نجربه يتقارب من الدال الموالي ( أي إنه أقرب إليه من الدال الأول ) لافادة مدلول يتقارب من مدلول الدال الموالي للمدلول السابق. وهكذا دواليك في كل المحاولات المتوالية لاستفاذ الفضل بين الدالين وبين المدلولين بالتثبيت المتناوب: نثبت الدال لتخيرالمدلول الأنسب أو نثبت المدلول لتخير الدال الأنسب. ونفس الأمر يحصل عندما نحاول فهم قصد المخاطب فنجيبه بحسب ما فهمنا من قصده دون أن نكون متأكدين من أن ما فهمناه هوما قصده مائة في المائة بدليل الاستدراك المتبادل وبدليل سوء التفاهم الغالب في التخاطب بين الناس. بل إن المرء لا يمكن أن يفهم ما بدر منه إلا بنفس الطريقة وبشرط الرضى بفهم تقريبي لمعنى "نفس المعنى" عند تكرار التعبير عنه بعبارة اخرى غير الأولى.
ولعل السر في ذلك هو أن التواصل الفعلي لا يكون بنظام رمزي واحد ( اللسان في حالة الترجمة ) بل بالتكامل الذي تحققه منظومة من الأنساق الرمزية عواملها المؤثرة في التواصل لا تكاد تحصى: ومعنى ذلك أن كل إنسان يتكلم عدة لغات واللسان ادناها قدرة عن التعبير. وتلك هي علة فرق التبليغ بين الخطاب الحي في التخاطب بين شخصين متواجهين حقا في مقام معين كلاهما على دراية بمحدداته ومفروضاته والخطاب الميت بين شخص من عصرنا وشخص من عصر آخر يقرأ خطابه المكتوب مع استحالة الاحاطة بالمحددات والمفروضات مهما عمقنا البحث فيهما. فهمهما أضفنا إلى النص المكتوب من معلومات وآثار تتعلق بالشخص والمقام محددات ومفروضات يبقى الادراك الحي للامرين أتم ( من هنا استحالة جعل التاريخ علما إذا كان القصد علم الأحداث الفردية[5] ) لكون المؤثرات في التواصل لا تكاد تتناهي وجلها لا يقبل الكتابة ولا التسجيل حتى بعد تقدم فنون تسجيل الواقع بآليات البث الحي[6]. وقد أوجد العقل البشري حلين لتعويض المؤثرات اللامتناهية التي يوفرها الحضور الحي: احدهما يستعمله في الكلام النظري والثاني في الكلام الادبي.
فالخطاب النظري يسعى قدر المستطاع إلى تعويض دور المؤثرات اللامتناهية التي تجعل المقام الحي يحقق التواصل بالمحددات الحاضرة والمفروضات الغائبة يعوضها بنسقية الخطاب وبتعريفات الحدود والمبادئ تاركا التأويل المضموني لحرية الفكر الباحث عن التشاكل بين بنية النظرية وخصائص الظاهرات التي تصاغ بها. ذلك أن التأويلات الممكنة لكل نسق نظري لامتناهية ومن ثم فالخطاب النظري نفسه يبقى في حاجة إلى تعيين المقام الذي هو بالأولى من جنس التأويل المضموني للحدود حتى يصبح للمصاحبات الإفادية من أنظمة الرموز المساعدة للنظام المستعمل دور في عملية التأويل. لذلك فقد بينا صحة حدس ابن تيمية في وصفه ما كان الفلاسفة يعتبرونه حقائق اولية بأنه تأويلات ضمنية لمضامين المفروضات الانطلاقية في كل معرفة نظرية: النظرية تضع خانات خاوية ترمز إليها بالمجهولات ثوابت ومتغيرات والتأويل يملأ الخانات فتصبح لها في المعادلات النظرية قيم معينة وذلك هو مدلول التأويل العلمي.
أما الخطاب الادبي فهو يعوض دور المؤثرات اللامتناهي في التبالغ الحي بين البشر بفنون ايقاظ الملكات التي تمسرح وضعيات تبالغ حي متخيل بينهم في "الأباديع" الأدبية بفضل الوصف الإيحائي لبعض مقومات المقام الحي الذي تجري فيه أحداث "الأبدوعةFiction " ما يعني أن كل أدب لا تتوفر فيه الأدبية إلا بما فيه من إيحاء قصصي يتعلق بالاحداث والافعال وبالمحددات التي تضفي على أحيازها ومجراها ما يجعلها تولد في خيال القارئ أو السامع وضعية التبالغ الحي لكأن ذهن المرء يتحول إلى مخرج مسرحي للابدوعة الواردة في الأثر شعريا كانت أو روائيا مكتوبا أو مسموعا أو ممسرحا في المسرحة الحية أو المسجلة سينمائيا أو تلفزيا.
وكل هذه الفنون يتوسلها القرآن الكريم في التعبير الذي يجعل القارئ هو المبدع للمقروء بما تثيره في ملكاته من قدرة على المسرحة الخالقة لوضعيات التبالغ الحي الذي هو الأسلوب المفضل للقرآن الكريم. ورغم وجود البديع ( التوارد بين الصور الصوتية ) والبيان ( التوارد بين الصور الذهنية ) في الاسلوب القرآني فإن أدوات تحقيق الأثر التبليغي هذه ليست أهم ما في القرآن لانها لا تؤثر إلا في الإنسان ذي الذائقة اللسانية العربية. أما أدوات تحقيق الأثر التبليغي الكلي فهي إيقاظ ملكات المتلقي ملكاته لمسرحة الأباديع التي تعتمد دالين ومدلولين في الوقت نفسه الدراما التاريخية وما بعدها والدراما الطبيعية وما بعدها وأثر الأولين في الأخيرين وأثر الأخيرين في الأولين ووحدة الكل في المستوى التعبيري وفي المستوى التحقيقي كما يرمز إلى ذلك كله سورة يوسف التي اعتبرها القرآن الكريم حجته البالغة في التبليغ[7].
لذلك فإن أفضل تحليل علمي لعملية الترجمة من هذا المنطلق أن نقول إنها علمية ترجمة ذات مستويات خمسة تفترض كلها الخروج من التعبير اللساني إلى المتعاليات غير اللسانية شرطا في تحقيق تفاهم الذات مع نفسها ومع غيرها من ثقافتها ومع غيرها من غير ثقافتها:
1 و 2- فهم عبارة النص في لغته الأصلية: ترجمة داخلية في اللغة المنقول عنها في عملية فهم النص الذي يراد نقله بالمراوحة بين توحيد الدال وتعديد المدلول لترجيح المدلول المقصود ثم عكس العملية بتوحيد المدلول وتعديد الدال لنفس الغرض: إي إن البحث عن المقابل في اللغة المنقول إليها مشروط بتنويع دوال المعنى في اللغة المنقول منها.
3 و4- فهم عبارة النص في غاية الترجمة: نفس العمليتين في اللغة المنقول إليها في شكل مسودات ترجمة بحسب نفس الآليتين توحيد الدال وتعديد المدلول ثم توحيد المدلول وتعديد الدال: إي إن توالي المسودات في محاولات الترجمة هو عملية تنويع للمقابلات الحدية التأليفية في اللغة المنقول إليها بحسب التنويع في اللغة المنقول منها.
5- الشعور بالمطابقة بين الفهمين السابقين: لتختم العملية المناظرة بين ما استقر عليه الأمر في العمليتين الأوليين وفي العمليتين الثانيتين لمراجعتهما بنفس الآلية آعني آلية توحيد الدال وتعديد المدلول ثم توحيد المدلول وتعديد الدال.
وهذه العلميات الخمس لا تتوقف إذ هي تقبل التجويد بصورة لا نهاية لها تماما كما هو شأن أي كتابة أو قراءة ذهابا في الأولى من تصور المدلول واحدا وعملية الكتابة بحثا عن الدال المناسب من خلال تجريب عدة أدلة وفي الثانية من العلمية المقابلة حيث نتصور الدال واحدا وعملية القراءة بحثا عن المدلول المناسب من خلال تجريب عدة مدلولات. وهي علمية مستمرة لا تتوقف بمعنيين: عند المترجم الواحد وفي الترجمات المتوالية في حضارة من الحضارات فضلا عن كونها شرط وحدة كل حضارة إذ ما حضارة يمكن أن تبقى واحدة إذا صار ماضيها غير مفهوم لها أو صارت غير مفهوم لمستقبلها. لذلك فترجمات نفس النص تتوالى بلا غاية إذا كان الفكر المتلقي حيا ومنفتحا على وحدة الحضارات البشرية المتعالية على الخصوصيات.
وبذلك يتبين أن الترجمة قراءة نص بلغة هي المنقول عنها وكتابة نص بلغة هي المنقول إليها. وكلتاهما مشروطة بعمليتي ترجمة داخلية في اللغة المنقول منها وفي اللغة المنقول إليها. فالمترجم ينبغي أن يتصور قارئا لحصيلة ترجمة يكون من أهل لسانه يقرأ نصه فيهم منه ما قصد تبليغه وأن يتصور قارئا من أهل اللسان الذي ترجم منه للترجمة المقابلة لنصه فيفهم من الترجمة المقابلة المفترضة مطابقة نفس ما قصد. وتكاد هذه الشروط أن تكون شبه مستحيلة التحقيق. ففي ذلك كله من الفرضيات ما لا يحصى لأن العمليات المضاعفة لامتناهية التجويد. فالقراءتان الأهلية ( العربية ) والأجنبية ( الألمانية في حالتنا هذه ) مشروطتان للنصين الأجنبي والأهلي مرتين للكتابتين باللسان الأهلي ومرتين باللسان الأجنبي. ذلك أن النص يخاطب قارئين: القارئ الأهلي والقارئ الاجنبي. فلا يكفي أن يرضى العربي الذي يقرأ النص الحاصل عن الترجمة إلا بشرط كونه عربيا وكونه يمكن أن يقرأ أصله بنفسه بل لا بد أن يرضى الألماني الذي يقرأه لو أرجع إليه منقولا من العربية إلى الألمانية أو لو تعلم العربية فقرأه وقارن بنفسه الأصل والنسخة.
فيكون المترجم وسيطا بين أربعة أشخاص فرضيين هم في نظرية الترجمة من جنس العالم التجريدي للتصورات العلمية: القارئ العربي الجاهل باللغة الأجنبية والقارئ العربي العالم بها والقارئ الاجنبي الجاهل باللغة العربية والقارئ الأجنبي العالم بها. الغاية هي أن ترضيهم الترجمة جميعا بوصفهم حكاما للتواصل بينهم أو عليه. والنتيجية أن حد الترجمة بين لغتين أنها ترجمة خارجية مشروطة بترجمتين داخليتين تجريان في لغة البداية ولغة الغاية. ويقتضي ذلك أن نسلم أن كل اللغات البشرية تحقق التواصل بين أهلها لكونها ترجمات داخلية وتقبل أن تحقق التواصل بين البشر بفضل نفس العملية عندما ترتقي إلى ابحث عن نظام ترميز مشترك بين البشر من حيث هم بشر أعني الفروض الأربعة التي ذكرناها:
1 و2- فرض وحدة المدلولات الصادرة عن وحدة الموضوع بنوعيها (أفلاطون وأرسطو )
3 و 4- وفرض وحدة المدلولات الصادرة عن وحدة الذات بنوعيها ( كنط وهيجل ).
ولنسم الوحدة الأولى وحدة التعالي بمعناه في الفكر القديم والوسيط ( ترانسدنس أو تعالي الموضوع الذي في غاية القصدية المعرفية شرطا لقيامه) والوحدة الثانية وحدة التعالي بمعناه في الفكر الحديث والمعاصر ( ترنسندنتال أو تعالي الذات التي في بداية القصدية المعرفية شرطا لحصولها). لكن هذه الوحدات الاربعة لا يمكن تصورها من دون أصلها جميعا, أعني الأصل الذي يمكن من تجاوز تعدد الذوات وما بينها من الانفصال والاتصال وتعدد الموضوعات وما بينها من الاتصال والانفصال. فالتوحيد بين التعددين وشرط التواصل بين الذوات حول الموضوعات وحول الذوات وحول علاقاتهما لا يمكن أن يكون حاصلا بسبب أي منهما ( الموضوع قديما ووسيطا أو الذات حيدثا ومعاصرا ). بل لا بد أن يكون الأصل متقدما عليهما جميعا بوصفه ما به تنفصل الذوات والموضوعات وتتصل تقدما يجعله مصدر قيام الموجودات ومن ثم مصدر انفصالها واتصالها ومصدر إدراكها ومصدر تقويم ضروب الادراك بمقتضى ضروب القيم الخمس التي هي القيمة الذوقية ( جميل قبيح ) والرزقية ( خير شر ) والمعرفة ( صدق كذب) والعملية ( حر مضطر ) والوجودية ( شهود جحود ).
المعاني الكلية والمعاني الخصوصية: ولكن كيف يمكن أن نوفق بين اعتبار المدلولات نفسها وضعية مثل الدوال التي تفيدها ( ومن ثم فهي متغيره ليس بتغير الثقافات فحسب بل وكذلك بحسب الممارسات والاجيال في نفس الحضارة وهو موقف ليس بالبعيد عن نظرية ابن تيمية في العلم المستند إلى التصورات التمثيلية والرمز اللساني) وبين القول بوجود ما يتعالى على الحضارات والثقافات بحيث يمكن للبشر أن يلتقوا وراء خصوصياتهم الحضارية ؟ ماذا يمكن ان تكون طبيعة هذه المتعاليات إذا لم تكن هي المدلولات التي تفاد بالدوال اللسانية التي هي بالضرورة خاصة بالأمم أمة أمة ؟ الجواب يتوزع على هوامش كثيرة تعالج وجوها مختلفة من المسألة. لكننا يمكن أن نشير إلى أصل هذه الاجوبة بعد التمييز بين أمرين أساسيين يمكن الاصطلاح عليهما ب عقيدة الكلي العملي و فرضية الكلي النظري.
فعقيدة الكلي العملي غاية ( " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير" الحجرات 13). وهي شرط الأخوة البشرية التي تخلص الأنسان من حمية الجاهلية بفضل التعارف معرفة ومعروفا. وهي من ثم شرط الوجود الخلقي للبشر. وتلك هي العقيدة التي يسميها القرآن الكريم فطرة الله التي فطر الله الناس عليها الفطرة المحددة للغايات الكلية. وفرضية الكلي النظري أداة ( ويمكن أن تعد شرطا في العقيدة الأولى ومن ثم فهي مثلها عقيدة لانها كانت في مرموزة استخلاف آدم الحجة التي رد بها الله حجة الملائكة ضد استئهال آدم الاستخلاف). وهي شرط المعرفة العلمية التي تخلص الانسان من الظنون لذلك فهي الفطرة التي تحدد الادوات الكلية. إنها تحقق الشروط الاجماعية لطلب الموضوعية التي تؤيد شرط الأخوة البشرية أو على الأقل تمكن من التوافق على المؤسسات العمرانية[8]. وهي تتألف من عمليتين اعتبرهما القرآن الكريم شرطي الاستثناء من الخسر: الأولى هي التواصي بالحق أو الاجتهاد الجماعي والثاني هي التواصي بالصبر أو الجهاد الجماعي.
فإذا تواصت الشعوب بالحق تعالت على خصوصياتها وأنانيتها. وإذا تواصت بالصبر تمكنت من قبول الاختلاف فاستمعت للغير وحققت شرط التواصي بالحق. ومن ثم فصيغة المشاركة في التواصيين هي شرط الترجمة من حيث هي كما أسلفنا ترجمتين داخلتين في نفس الثقافة ممثلة باللسان تحققان شروط الترجمة الخارجية بين ثقافتين ممثلتين باللسانين المنقول منه والمنقول إليه. وبذلك يتبين أن العقيدة والفرضية ليستا تحكميتين. فالأولى هي المميز بين الوجود السلمي والوجود الحربي للعمران البشري. والثانية هي المميز بين الوجود المنفعل والوجود الفاعل في الحياة البشرية. لكن التفسير الحقيقي لمسلمة هذه المحاولة في تحديد العقبات الحقيقية لعلمية الترجمة نجده في اعتبارنا فعل الترميز الكلي متقدما على التعبير اللساني. والدليل مضاعف:
1- قدرة الانسان على تجويد تعبيره اللساني على المعاني بصرف النظر عن الترجمة الخارجية. ولولا ذلك لما وجد تفاضل بين النصوص ولكانت الأمم من دون آداب.
2- قدرة البشر على التواصل دون ترجمة لسانية عند تعذرها أو عدم توفرها وتحقق شروط التواصل في التعبير غير اللساني على المعاني التي يعجز اللسان عن أدائها. ولولا ذلك لما وجد تفاضل بين الفنون ولكانت الأمم من دون فنون تتوسل أدوات تعبير غير لساني مثل الموسيقى والرسم.
وكلتا التجربتين تفيد بوضوح أن التواصل الرمزي العام مع الذات ومع الغير من نفس الثقافة أو من ثقافات مختلفة متقدم على التواصل اللساني ( بمعنى تقدم الشارط على المشروط ) ومتأخر عنه ( بمعنى تأخر المتجاوز على المتجاوز ) بنظام رموز مختلف عن النظام اللساني نظام لولاه لامتنع أن نفسر كيف يمكن للطفل أن يتعلم اللسان. لذلك فالتواصل اللساني يمكن أن يعتبر دائما ترجمة لسانية داخلية لنظام التعبير الشارط والمتجاوز في نفس الثقافة. ومن ثم فهو يقبل أن يترجم ترجمة خارجية إلى الثقافات الأخرى بشرط أن يكون قابلا للترجمة الداخلية في نفس اللغة أي بشرط أن يكون قابلا للقول بعدة طرق تعتبر متشاكلة.
وشرط شروط هذا التواصل الرمزي العام هو السلوك التعبيري المصاحب للسلوكات الحيوية المشتركة للنوع والمتعالية على المدلولات اللسانية تعاليها على دوالها لكونها في نفس الوقت دالا ومدلولا أو لكون دالها ومدلولها كلاهما يعد عين القيام العضوي وعين التعبير عن الكيان العضوي.
و"الدال- المدلول" الرئيسي هو بلا ريب جسم الأنسان. فأولى الدوال المدلولة فيه هي حواسه. كل حاسة دال ومدلول متطابقان لأنهما يتحددان بالتقابل مع الحواس الأخرى دالة ومدلولة. فكل الموجودات يصنفها الانسان قبل الوصول إلى الوعي بالذات بمجرد حركاتها في توجيه الحواس يصنفها سلوكه هذا بحسب أجناس المدارك الحسية إلى خمسة أجناس تشترك في سادس هو ارضية المدرك التي تنقسم إليها وتتمايز عليها بالتقابل أو بالوجود والعدم. ذلك أن كل حاسة يمكن لصاحبها أن يستعملها وأن يوقف استعمالها باختياره أو بحسب تأثير المؤثرات المسحوسة فيوجد مدركها ويعدمه بفعل الادارك أو بالامتناع عنه طوعا أو كرها. وتلك هي أول عملية يميز بها الإنسان بين الإيجاب والنفي طوعا أو كرها. فيكون وضع اليد على العينين مثلا نفيا للرؤية وغلق الأذنين نفيا للسمع ويكون حضور المدرك أو غيابه حصولا أو عدم حصول للادراك. تليها عملية اعتبار هذه الحركات بمجردها دون ثمرتها أدوات تعبير يستعملها اشارات ليخاطب بها الاخرين فيبلغهم هذا المعنى أمرا ونهيا أو يتبلغ منهم هذه المعاني. إلى نصل إلى استعمال الصوت مصحوبا بالاشارة أو غير مصحوب للتنبيه كالنداء والاحتجاج الخ.. وتلك هي بداية التعبير اللساني.
وكل هذه الدوال المدلولة من حيث هي بدايات إشارية تتحدد فيما بعد بحسب السنن الحضارية والتقاليد الثقافية وتعتبر قبل هذا التحدد الشرط المشترك للتواصل المتقدم على التمايز الحضاري والثقافي. وهي ليست معاني قابلة لصياغة بعينها بل هي من جنس نقاط المناظر الغائية إليها يتوجه إليها الفكر في محاولاته التعبير دون أن ينتهي إلى صياغة نهائية. وإليها مع البنية العضوية ومع السلوكات المرتبطه بها وبما في الجسد من نوازع وميول ومع هذا النوازع والميول كل ذلك أمور مشتركة بين البشر من حيث المضمون حتى وإن اختلفت من حيث شكل التعبير عنها أو من حيث كيفيات تحقيقها. ويكفي أن نعتبر هذه الاشكال التعبيرية وكيفيات التحقيق محاولات لترجمتها في سنن حضارية معينة بدالها ومدلولها. وتلك هي الدوال والمدلولات المختلفة من حضارة إلى حضارة. لكنها جميعا قابلة للترجمة بعضها إلى بعض بفضل نسبتها إلى تلك القاعدة المرجعية التي فيها من التماثل ما يكفي لتحقيق المعاني الكلية المتعالية على المناظر التي انتخبت منها لتعبر عنها بوصفها في كليتها وكونيتها "فطرة الله التي فطر الناس عليها".
ومن ثم فتلك المتعاليات هي أسس الاخوة البشرية وجسور التواصل ليس بين البشر فحسب بل ومع كل الظاهرات الحية والظاهرات الطبيعية. ولعل أهم المتعاليات الخصائص العضوية للجسد الإنساني ليس من حيث البنية فحسب بل وكذلك من حيث الوظائف والحاجات والميول بثا وتلقيا. فاستمداد مادة الجسد البشري اغتذاء بما تجود به الطبيعة ما كان ليكون ممكنا لو لم يكن بين الجسد والنبات والحيوان المغذيين تواصلا عضويا يحقق النقلة الجوهرية منهما إليه وإليه منهما.. فثمار الأشجار تخاطبنا فتغرينا بنفسها والمغديات كالمتكلم مع المحتاج إليها وخاصة عند بلوغ الجوع مبلغا معينا. كما أن الشهوة الجنسية تجعل كل الكائنات الحية تخاطب الانسان في غياب الجنس المقابل من نوعه فيتفاعل مع الحيوانات كما هو مشهور في البوادي والأرياف. والتواصل الرمزي مصاحب لهذا التواصل الجوهري مصاحبة لا تقتصر على التواصل الذي لا يتدخل في مادة الكيان العضوي فحسب بل يتعداه للتدخل فيه من حيث كيفيات ادراك الكيان العضوي لذاته ولمنزلته في الكون.
ويمكن أن نسمي ذلك بالاغتذاء الروحي والرمزي. فجميع الكائنات الحية بما فيها النبات لا يقتصر التواصل فيها على جسور التواصل العضوي بل إن الاجيال اللاحقة تأخذ عن الأجيال اللاحقة ما يكتسب دون أن يكون قابلا للوراثة أو ما يمكن أن يسمى تعلما. ومن خصائص القيم الخمس ( الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية ) أنها زئبقية عصية على التحديد بل هي متداخلة بحيث يمكنها أن تتنكر بعضها في شكل البعض الآخر فضلا عن قابليتها للتعاوض. لذلك فمدلولاتها غير ثابتة بمقتضى كون الدال يمكن أن يكون مشتركا بينها. لكن طبائعها من حيث هي هذا النوع من القيمة أو ذاك تقبل التحديد رغم كونها أقل قابلية له من طبائع المدارك الحسية بمنظومة من الفروق والمقابلات التي يمكن بالتمحيص الدقيق تعيينها تعيينا واضحا. والخلط الذي يقع بين دوالها ومدلولاتها سببه كونهما من المواضعات الثقافية والحضارية. لكن ترجمة الدوال والمدلولات يبقى ممكنا بمقتضى التحديد الدقيق لتلك الطبائع في محاولات التمحيص الدقيق لطلب شرط العمل وشرط النظر وشرط الذوق وشرط الرزق وشرط الوجود أعني أجناس القيم قياسا على طلب أجناس المدارك الحسية.
ولنقل بصراحة واعتمادا على نفس القياس إن للانسان ملكة ترميزية هي أصل هذه المدارك القيمية سلوكا عضويا. وينتج عن ذلك تعبير كوني شارط للتعبير اللساني تعبير كلي لا بد أن يكون من ثم متعاليا على التمايز اللساني بين الشعوب. وقد سبق فناقشنا في كتاب الشعر المطلق ما ورد في الفصل الأول من فينومينولوجيا الروح حول اليقين الحسي حيث بينا الأساس الزائف الذي بنى عليه هيجل كل استنتاجاته. فهو ينتقل من مضمون يقين الادراك الحسي الذي لا تستوعبه عبارة إلى عبارته التي لا تستوعب منه إلا الاشارة إلى معاني عامة هي هذا وهنا والآن وأنا. لكن كل لحظة أو ومضة ادراكية حسية تتضمن بالفعل كل الدوال- المدلولات التي تدركها الحواس من العالم. وهي "منظر" من العالم لو تصورنا الانسان أوقف بعده كل ادراك وسعى إلى التعبير عنه لتغذر عليه استيفاءه مهما طا ل عمره ودون اعتباره ما يسميه هسرل بآفاق إدراك الشيء أفاقه التي ينسب إليها لاتناهي الادراك الحسي.
فما السر يا ترى في عدم التطابق بين الادراك والتعبير اللساني؟ وقبل محاولة الجواب ألا يمكن القول إن عدم التطابق هو علة وظيفة اللسان الفنية وظيفته التي تنقله من وظيفة الاخبار بدال يعد مجرد علامة على مدلول سابق الوجود عليه إلى وظيفة الانشاء لدال هو عين المدلول أو رحم وجود المدلول؟ فتكون مدلولات اللسان الخبرية في ثقافية ما دوال لمدلولات انشائية في كل ثقافة أو بصورة أدق في ما يتعالى على الثاقافات؟ لذلك فإن الحل الأمثل ينبغي أن يكون في افتراض وجود مستويين للدلالة:
1- مستوى الدلالة الخاصة عندما يكون اللسان بمدلوله محيلا على ممارسة ثقافية معينة وعندئذ يكون الدال والمدلول كلاهما خاصين بتلك الثقافة ويعدان مقفزا لما يتعالى عليهما في كل تأمل فني أو ديني أو خلقي أو فلسفي يتعالى على الخصوصيات الحضارية إلى الكليات البشرية
2- ومستوى الدلالة الكونية عندما تتحول تلك الإحالات هي بدورها إلى دوال مستقلة عن ارتباطها بالممارسة الثقافية المعينة التي تصبح هي ذاتها دوال لمدلولات تتعالى عليها فتكون المعنى الأول بالاضافة إلى المعنى الثاني بلغة الجرجاني.
ففي المستوى الثاني تتعالى الدلالة الكونية على الدلالة الثقافية إلى أفق كوني يتمثل في العودة بالدال اللساني إلى أصلة الطبيعي أعني الحركة الصوتية والموسيقى المتحررتين من الانتخاب الحاصر لهما في مخارج لغة دون اخرى. فيتحرر المدلول من ارتباطه الخبري ليدخل في ترابط من جنس ترابط الدوال أعني التوازي الموجود بين توارد الأصوات الموسيقي وتوارد المعاني البلاغي والعودة بالمدلول اللساني إلى أصله الطبيعي أعني الحركة الإشارية والرسم المتحررين من الانتخاب الحاصر لهما في مواقع فكر دون فكر آخر. ومعنى ذلك أنه يحصل في المدلولات ما يحصل في الدوال لو افترضنا أن للحركات الاشارية مواقع في جهاز الاشارة الانساني والبصر مثل ما للحركات الصوتية مخارج الحروف في جهاز التصويت الانساني.
فبمجرد أن يتحول جهاز التصويت إلى آلة موسيقية نتخلص من أنظمة الحروف التي تتألف منها دوال اللغات المختلفة ليصبح الفم آلة موسيقية كونية. وبمجرد أن يتحول جهاز الإشارة إلى آلة رسمية نتخلص من أنظمة التصورات التي تتألف منها مدلولات اللغات المختلفة. فيصبح التعبير إيحاءات موسيقية موازية لإشارات رسمية. والإيحاءات الصوتية والإشارات الشكلية توجه الانتباه إلى المعاني الكلية حيث يكون التعبير مناخا روحيا يمكن من الآيات المطلقة التي يتطابق فيها وجها الموجود فلا يبقى شيئا يدور حوله التعبير بل هو يصبح وجوده مطابقا للتعبير فيكون دالا ومدلولا على فعل الوجود المدرك لذاته في ضرب من الوعي الفني المبدع له[9].
وهذا المتعالي الترميزي لا يتعين بحق إلا في التواصل الحي سلوكيا وفي الفنون الجميلة تعبيريا ( وخاصة الموسيقى والرسم والغناء الراقص الجامع بينهما ). وهو قابل للتصنيف بحسب أنواع القيم الخمسة. فمنه ما هو ذوقي ( يخص كل الفنون الجميلة بقيمتي الجميل والدميم ) ومنه ما هو رزقي ( يخص كل الأخيار بقيمتي النافع والضار أو الخير والشر لبقاء الجسد ) ومنه ما هو نظري ( يخص كل المعارف والخبرات بقيمتي الصدق والكذب اخبارا عن المدركات ) ومنه ما هو عملي ( يخص كل الأعمال التي تتعلق بالسلطة أو القدرة على الفعل بقيمتي الحرية والعبودية أو حرية الاختيار والاضطرار ) ومنه ما هو وجودي ما بعد طبيعي ( ومنه النزوع الفلسفي للبحث في ما وراء الطبيعة لتأسيس حقيقية القيم ) كان أو ما بعد تاريخي ( ومنه النزوع الديني للبحث في ما بعد التاريخ لتأسيس قمية الحقائق ). ويمكن أن نعتبر نسبة هذا المتعالي من حيث هو تعبير كوني إلى التعبير اللساني عين نسبة وظائف الدولة الأساسية ( كالأمن والادارة والجباية والسلطة والعنف المنظم الخ...) إلى المؤسسات التي تقوم بهذه الوظائف. أما من حيث هو سلوك فنسبته هي نسبة وظائف الحياة ونوازعها إلى الأعضاء وأفعالها.
ولا أحد ينكر أن السلوك الحيوي في الشوق الجنسي مثلا- سلوكا وتعبيرا- تعبير رمزي سلوكي كلي داله هو عين مدلوله وهو متقدم عن التعبير اللساني الذي هو في الحقيقة محاولة للترجمان عنه ترجمانا يختلف فيه الدال عن المدلول ويختلف من ثقافة إلى ثقافة بالدال والمدلول المتغيرين. ولكنه قبل الترجمة اللسانية عنه يكون واحدا بدال مطابق لمدلول فيتجه قصد الإنسان إليهما في وحدتهما عندما يتعامل مع إنسان من ثقافة أخرى ليفهم قصده. لذلك فالتعبير اللساني يتوقف إذا حصل التواصل الفعلي بالمؤثرات العضوية والسلوكية بين الجنسين أو بين أحد الجنسين والحيوان أو بينه وبين النبات في الاستجابة لمطالب المقومات الاساسية في بقاء الجسد أو في التأمل الذوقي أو النظري. وعندما يلتقي رجل وامرأة في علاقة عشق حقيقية مثلا يكونان غنيين عن الكلام حتى لو كانا من نفس الحضارة فضلا عنهما إن كانا من حضارتين مختلفتين بل هما قد يعتبران الكلام في الغالب عاجزا عن التعبير الصادق بل هو أحيانا من التعبير المنافق والمخادع الهادف إلى الحجب لا إلى الكشف. وكذلك الشأن عندما يستغرق المرء في تأمل منظر طبيعي جميل أو في تأمل ما يصفه كنط بالجليل من تمظهرات الطبيعة أو التاريخ.
فتكون الأفعال نفسها رموز نفسها أي إنها دال ومدلول في الوقت نفسه. ولا معنى عندئذ لتراخي المدلول المزعوم تراخيا بلاحد كان أو محدودا. إنها أصل الكلام الذي يكون الحرف بداية حركة التعبير اللساني عنه بداية هي "صوت- إشارة" تصبح بالتدريج صوتا من دون إشارة كما تصبح القرأءة الصامتة مدلولا من غير توسط الدال الصوتي بينه وبين الدال الكتابي. والحرف بهذا المعنى يتحول إلى فعل الاسم ( ما يسمى عادة باسم الصوت ) واسم الفعل ( مثل صه وحدك الخ..) اللذين يعدان الجسر الواصل بين الترميز المتقدم على اللسان والترميز اللساني كما حاولنا بيانه في كتاب الشعر المطلق.
ويكفي أن نتأمل الحروف الدالة على بداية الحركة وغايتها واتجاهها مثل من وإلى وعن وعلى وكل حروف السؤال وحروف الربط المنطقي والبلاغي. ولعل جل أسماء المكان والزمان حروف. فدلالتها على الوجهة المكانية والزمانية في الحركة من جنس دلالة حروف الوجهة بالمعنيين. وهي تقال مثل الحروف غالبا مصحوبة بالاشارة المفيدة لمعناها برفع اليد فوق سطح واقع أو متخيل وحطها تحته مثلا للدلالة على فوق وتحت. وكلا النوعين- حروف الوجهة بداية للفعل أو غاية وأسماء الوجهة المكانية والزمانية- أصوات غالبا ما تكون مصحوبة بأشارات مفهومة في كل الحضارات تماما كما تكون إشارات الامر بتشغيل احدى الحواس أو النهي عن تشغيلها مفهومة في كل الحضارات كوضع الاصبع على الشفتين المصحوب باسم الفعل صه او أشت أو شات الخ[10].
الخاتمة
يكفي أن نبين في غاية البحث أن اشكالية الترجمة تمثل ما يمكن ان يعتبر "التجربة الحاسمة" في علاج قضية طبيعة التعبير عامة علاجا يبين أن التعبير اللساني ليس مميزا للانسان إلا بوصفه قمة جبل الثلج الرمزي المميز للانسان تمييزا يجعل كل ضروب التعبير الإنساني غير اللسانية متفوقه على اللسان الدي هو بعد ترجمتها إلى نظام رمزي خاص بمنظور حضارة معينة لضروب التعبير العامة التي تشترك فيها كل الظاهرات الحية بل وكل الموجودات. وتتم هذه الترجمة بآليتي التوظيف الذريعي لما ينتخب من الدوال والمدلولات الممكنة تعبير عن هذا المنظور:
1- آلية ادخال الانفصال الحرفي على الاتصال الصوتي لحصر الوحدات الصوتية كما يحصل في الحروف التي تعتمد عليها الكتابة لتكون الأسماء مؤلفات من وحدات محدودة تتنوع بالتأليف بينها لكأن الرمز من جنس المواد في الكمياء لذلك فالصرف هو علم كيمياء اللسان
2- ثم آلية الوصل بين الوحدات الدالة المؤلفة من تلك العناصر لجعل المعاني هي بدورها مؤلفة من وحدات قابلة للحصر شكلا لا مضمونا من خلال حصر قوانين التأليف فيكون النحو بالقياس إلى اللسان كالفيزياء بالقياس إلى الطبيعة.
وبذلك يكون اللسان الطبيعي مؤسسة اجتماعية تفصل الانسان من صلتيه بما يحيط به طبيعيا وما بعد طبيعي ليحصر الترميز في الثقافي الحضاري الذي تبني عليه السوفسطائية المحدثة حصرها الانسان في المواضعات اللسانية. واطلاق مثل هذا التصور وحصر قدرات الأنسان الترميزية في اللسان أو حتى جعل الترميز اللساني أرقى درجات الترميز الإنساني يجعل الترجمة مستحيلة سواء كانت داخلية أو بين ألسن مختلفة.
لكن ما دون الصرف يعيد إلينا اتصال الصوت المطلق ثم إلى كل الأنظمة الصوتية التي يمكن أن تكون رموزا ( الطبيعة ). وما فوق النحو يعود بنا إلى التأليف المطلق ثم إلى كل الأنظمى التأليفيه التي يمكن أن تكون رموزا متجاوزة للثقافي والحضاري ( ما بعد الطبيعة). وبهذين التجاوزين إلى الطبيعة ( معينا مطلقا للدوال الممكنة) وإلى ما يمكن ان يعد ما بعدا لها ( معينا لكل المدلولات الممكنة ) يتخلص الانسان من القطيعة الوجودية المرضية التي تؤسس لكل الانسويات سواء استندت إلى حلول الرب في الإنسان ( كل وحدات الوجود الإنسوية ) أو إلى نفي الرب وتأليه الإنسان ( كل وحدات الوجود الطبعوية) . فنجد التأليف اللامتناهي لمادة الدال وراء المنفصلات الصرفية المنتجة للسان الطبيعي الخاص بشعب معين أو بحضارة معينة ولنسمه موسيقى. وهذه التأليفات اللامتناهية أو الموسيقى قابلة لأن تكون أداة تواصل بين كل البشر بل وبينهم وبين كل الموجودات الطبيعية. كما نجد التأليف اللامتناهي لصورة المدلول ولنسمه منطقا. وهذا المنطق لا يتقصر على المنطق اللساني حتى لو ذهبنا به إلى حد مدونة أرسطو ( المصنفات الثمانية لكونها جميعا تتعلق بالتأليفات المقصورة على اللساني ) بل يتعداه إلى التأليف من جميع أصناف الرموز القادرة على التعبير عن المؤلفات المدلولية بكل ضروب الرموز.
وبذلك يحيط هذا التجاوزان إلى كل الطبيعة وإلى كل ما بعدها يحيطان باللسان الإنساني فيربطانه بما يتصوره الفلاسفة دون الرموز اللسانية أو فوقها أعني يربطانه بكل الرموز أو بالآية التي هي كون كل موجود يدرك بقيامه الذاتي وبمنزلته في منظومة الموجودات فيكون بموقعه من هذا الحير رمزا أو لآية. فكل موجود يمكن أن يكون رمزا لغيره ومرموزا إليه بغيره في نظام ومزي كوني هو شرط التواصل ليس بين الناس فحسب بل مع كل الموجودات شرطا في العلم والعمل وكل ضروب التقويم الخمسة.
إن هذه الرمزية المطلقة هي الرحم الذي تتكون فيه كل الحضارات المختلفة فتكون نسبتها إليها نسبة القوارب إلى المحيط إلى القوارب التي لكن العودة إلى المحيط تحقق التفاهم بمجرد الخروج من القوارب والسباحة فيه. والخروج والسباحة لا يؤديان إلى الغرق في البحر اللهم إلا إذا تصور أصحاب الانغلاق اللساني أن اللسان ليس بذي تاريخ ولم يصبح بعد أن لم يكن. فهما شرط وجود القوارب التي بنتها الحضارات لتيسير الوجود من دون الحاجة إلى بناء القوارب في كل جيل كما هو شأن كل المؤسسات البشرية التي هذه وظيفتها. لكننا نعلم أن كل مبدع يكون مبدعا لكونه يسهم في بناء القارب. وكل من يتصور الفكر الانساني حبيس اللسان الطبيعي يكون كمن يتصور الرزق حبيس نوع معين من العملة أو أن الرزق هو جنس العلمة. العملة مجرد وسيلة لتيسير التبادل من حيث هو مؤسسة وسيطة بين التبادلات الحقيقية في تحويل الانسان للمحيط الطبيعي أعني التبادل الذي يحول جهد العمل إلى حصيلة هي المنتوج ثم في الغذاء والطاقة بينهما عند استمداد الإنسان قيامه البدني من الاغتذاء بما يتسمده من الطبيعة بجهده التحويلي. وليست العملة في ذلك إلا الوسيط لتبادل بين البشر تيسيرا لمعاملاتهم دون أن يكون لها دور من طبيعة التبادل الحقيقي بينهم وبين الطبيعة[11].
فكون جميع الموجودات يمكن ان تكون دوال بالتناوب أو جملة هو المقصود بالطبيعة وكون جميعها يمكن أن يكون مدولولا هو المقصود بما بعد الطبيعة والتطابق بين الأمرين في الغاية المثالية هو المقصود بالوجود بحيث يكون كل موجود من حيث نتوئه على أرضية هذه الغاية المثالية هو نسبته إليها التي يدل عليها محله منها. فإذا اقتصرنا على ما انتختبه حضارة من الحضارات من دوال وما انتخبته من مدلولات ليس إلا منظورا هو بنفسه ينتأ على هذه الأرضية فيتضمن قيامه الذاتي من حيث هو نتوء بالضرورة ذاتية الناتئة ونسبة ذاته إلى الأرضية التي ينتأ عليها وهي أرضية مضاعفة حتما:
1- منظومة دوال حضارته ومدلولاتها وكلاهما نسبيان إلى تلك الحضارة كما يمكن القول إنهما غير قابلتين للترجمة من حيث ما فيهما من خصوصي وتقبلان الترجمة من حيث ما تسعيان إليه من متعاليات تشترك فيها كل الشعوب.
2- وتجاوزهما إلى المنظومة الكونية التي ليست بالضرورة قابلة للعلم ماهية رغم كونها قابلة للعلم وجودا ( أي أننا نعلم أنها موجودة لكننا لانعلم كيف هي وما طبيعة أثرها العام لاقتصارنا على معرفة أثرها الخاص المتمثل في قدرتنا على تجاوز حدود حضارتنا تجاوزا هو شرط التواصل بين البشر من وراء حدود حضاراتهم المختلفة ومن ثم شرط الترجمة ) بوصفها نقاط المآل في مناظر الرسم أعني النقاط التي تلتقي عندها كل التوجهات لو بلغت الغاية في السعي إلى معاني الفطرة التي هي أصل أجناس القيم الخمسة[12].
ويمكن مواصلة لما قدمته في الجزء الثاني من رسالة الدكتوراه حول الكلي أن اقترح التصنيف التالي لضروب صياغة هذه الرمزية المطلقة. فالفاعلية النظرية هي الرياضيات وعلمها هو المنطق ( بالمعنى الضيق ) والفاعلية العملية هي السياسيات وعلمها هو التاريخ (بالمعنى الضيق). والفكر الفلسفي يعالج هذه الضروب الأربعة من الصياغة من منطلق الفاعلية النظرية إلى الفاعلية العلمية والفكر الديني يعالج نفس الأمور من المنطلق المقابل أي من الفاعلية العملية إلى الفاعلية النظرية. وحتى يكون التصنيف متناسقا فلا بد من تحديد مقومات الفكر الديني ومقومات الفكر الفلسفي في هذين التوجهين المتقابلين.
فمقومات الفكر الديني هي الأسطوريات ( من حيث هي ما بعد تاريخ ) ونقدها ( الذي هو اسطورة سلبية ). ومقومات الفكر الفلسفي هي الانطولوجيات ( من حيث هي ما بعد طبيعة ) ونقدها ( الذي هو أنطولوجيا سلبية). ويكون الجامع بين هذه الأصناف الاربعة المضاعفة أصلها جميعا أعني السيمائية العامة أو الآداب من حيث هي ابداع ونقد لهذه الأبعاد الاربعة المضاعفة: وذلك هو المنطق والتاريخ المتطابقان بالمعنى الواسع أعني الرمزية الحية والحياة الرمزية أو الدالة أعني وجهي الحضارة في معناها الشامل من حيث هي وحدة تاريخية حية منفتحة على الكون. ومعنى ذلك أن الخطاب الأدبي يتألف من الرياضيات والمنطق والسياسيات والتاريخ إيجابا في ما يشبه البعد الواعي من الحضارة ( باستعمال قوانينهما الأولان للشكل والثانيان للمضمون) وسلبا في ما يشبه البعد اللاواعي من الحضارة ( باستعمال نقيض ما يضعانه من قوانين الأولان للشكل والثانيان للمضمون). وذلك لأن الخطاب الأدبي يتضمن هذه الخطابات جميعا من خلال تجاوزها إلى الرحم التي تنجبها أعني الأنطولولجيات ونقدها والاسطوريات ونقدها إيجابا وسلبا كذلك وبنفس المعنى.
ورغم أن الآداب تتضمن كل هذه الأجناس فإن أجناس الأدب تقبل التقسيم إلى أنواع بحسب غلبة أحدها عليها ولا دخل للشكل في التجنيس ( لا فرق بين الشعر والقص لأن للقص شعرية معينة وللشعر قص معين ). فيكون الأدب أدب خيال رياضي ومنطقي ( المنطق هو علم الفاعلية الرياضية ونقدها بشرط فهم الرياضيات كما هي فعلا أعني التنسيق النظري لأي بنية مجردة لتقبل العلاج والتحقيق العقليين) وأدب خيال سياسي وتاريخي ( التاريخ هو علم الفاعلية السياسية ونقدها بشرط فهم السياسيات كما هي فعلا أعني التنسيق العملي لاي فعل ليقبل العلاج والتحقيق العقليين) وأدب خيال اسطوري ونقد اسطوري وأدب خيال انطولوجي ونقد أنطولوجي وأدب شامل كما هو شأن النصوص الدينية الأرقى.
وهذه النصوص عندما ننظر إليها في ذاتها وبصرف النظر عن الاعتقاد إيمانا بها أو عدم إيمان هي الاسقاط المطلق بالمعنى الهندسي للكلمة من الوجود كله. وتلك هي علة الدور الشامل الذي تؤديه. فهي في نسبتها إلى السيمياء أو الرمزية العامة التي أشرنا إليها تقبل استعارة نسبة العالم الصغير ( النص الديني المرجع ) إلى العالم الكبير ( نظام الموجودات من جيث هو نظام دوال شامل لنظام الموجودات من حي هو نظام مدلولات شامل). وكل نوع من هذه الأنواع مع الممارسة التي يتوجه إليها في التاريخ الفعلي هو الرحم الذي يتصور فيها النوع الذي يستمد منه وصفه وينمو ويتطور. فالعلم الرياضي مثلا يتصور في الخيال العلمي الرياضي والمنطقي وينمو ويتطور بل إن ذروة كل علم هي- قبل استقرار ما يصبح حقائق ذلك العلم - يكون ابداعا خياليا بهذا المعنى ما يعني أن كل العلوم التي أشرنا إليها هي بدورها أنواع أدبية استقرت فأصبحت مقصورة على الوظائف التي تؤديها في الممارسة النظرية أو العملية لحضارة من الحضارات.
[1] وللخصوصية هنا مستويان. مستوى الخصوصية الأول فردي وهو مستحيل الترجمة الداخلية وغير قابل للتواصل بين أفراد نفس المجموعة لعدم انقياله فضلا عنه بين المجموعات ذات اللغات المختلفة. ومستوى الخصوصية الثاني جمعي وتشترط ترجمته الخارجية قابليته للترجمة الداخلية التي هي شرط التفاهم بين أفراد المجموعة ذات اللغة الواحدة. ومعنى ذلك إن الجماعة الواحدة تتواصل بشرط أن يكون كلامها قابلا للترجمة الداخلية بفضل تعدد دال نفس المدلول وتعد مدلول نفس الدال. ومن ثم فالتواصل في نفس المجموعة يقتضي خصوصية سلبية هي التخارج بين العموميات الثقافية الخاصة بالدال والمدلول. فاختلاف الدال يقتضي أن يوجد مدلول مختلف من جنسه إذا أردنا أن نبقى في دائرة الثقافي. ولعل الخطأ الذي أدى إلى النسبية الثقافية هو الخلط بين هذا المستوى الذي لا يتجاوز عمومه الجماعة الثقافية ومستوى الكلية التي يقصدها الدين والفلسفة والعلم والأدب. ولهذا الخطأ مرحلتان: الأولى هي رفع الخصوصية الثقافية إلى الكلية الوهمية التي تجعل كل ثقافة تدعي حصر الكلي في ذاتها كما حدث في المراحل الأولى من تأسيس الفكر الديني والفلسفي والعلمي ( ومثاله نظرية المقولات الأرسطية وعلاقتها بنحو اليونانية ) والثانية مقابلة لها وهي محاولة ارجاع الكليات التي توصل إليها هذه الأنواع من الفكر الكوني إلى الثقافي بحط الكلي الذي هو هدف الفطرة البشرية الملازم لها دائما رغم خلطه بالخصوصيات الثقافية حطه إلى الخصوصية الثقافية ( ومثاله نفي كلية المنطق وراء ضروب النحو المختلفة بحسب الألسن).
فالخصوصية الفردية دالا (خصوصية نطق الفرد ) ومدلولا ( ما يدور في ذهن الفرد ) لا تقبل الترجمة في نفس الثقافة وهي لا تحقق التواصل إلا بعملية لسانية غير واعية عند الافراد المختلفين يسمعون وراء المسموع الفعلي المسموع الواجب. فهم يقيسون النطق الفردي العيني ( نطق الطفل أو نطق ذوي العاهات التلفظية في اخراج الحروف ) يقيسونه للفهم قيسا لا واعيا بنطق جمعي مجرد فيحصل ما يسمى في علم الأصوات بالفرق بين الفونيتيك ( الحروف في نطقها العيني ) والفونولوجيا ( والحروف في دورها المجرد من حيث هي مفيدة بفروقها المؤثرة في دلالة المفردات الدنيا الدالة). ونفترض أن للمدلول كذلك حدودا نظرية مثل ما للدال من حروف لان الناس يقيسون المدلول الفردي بثا وتلقيا بعملية من نفس الجنس بحيث يمكن أن نتصور نسبة بين المدلولات في أذهان الافراد والمدلولات المؤثرة في التواصل من جنس النسبة بين الفونيتيك والفونولوجيا. ويمكن أن نصطلح على حدود المدلول قياسا على حروف الدال فنسميها النويتيك ( المدلول العيني في ذهن الفرد ) لنميزها عن النويلوجيا ( المدلول الجمعي في التواصل) تمييزنا للفونيتيك عن الفونولوجيا. النسبوية الثقافية هي التي ترى أنه لا يوجد مستوى فوق مستوى التواصل بين أهل كل ثقافة دون سواهم: فيكون الدين والفلسفة والعلم والأدب معاني ثقافية خاصة بحضارة دون حضارة وليس فيها شيء من الكلية. ولما كانت حجج هذا الموقف الفلسفي لسانية وذات صلة بالترجمة فإننا نعالجها خلال علاجنا لمسألة الترجمة رغم أنها ليست غرضنا بالقصد الأول. وأقوى حججنا هنا هي أن الترجمة بما في ذلك الترجمة الداخلية مستحيلة من دون هذا المستوى الثالث: ففوق الجماعة الثقافية الخاصة لا بد من افتراض الجماعة البشرية حتى يتسنى للمرء أن يتواصل حتى مع نفسه فضلا عن أن يتواصل مع الآخر من ثقافته أو من ثقافة أخرى ومن عصره أو من عصر آخر سابق أو لاحق.
[2] سيعجب الكثير من السطحيين من كثرة الإشارات الدينية عامة والإسلامية خاصة ويعتبرها انحرافا عن الغرض. لكن من يتدبر الأمر بعمق يدرك أن ذلك مما ليس منه بد. فنحن نتكلم في الترجمة أعني في أداة التواصل الأساسية بين الثقافات. فإذا لم نبين أن للثقافات دوال ومدلولات تتجاوز الخصوصيات بات التواصل بين أهلها مستحيلا. لذلك فكل القائلين بالنسبوية الثقافية نفاة لامكان الترجمة ومن ثم فهم قائلون بارخبيلية الحضارات البشرية. فإذا انطلقنا من هذه النتيجة وجدنا أنفسنا منتسبين إلى حضارة تعتبر خصوصيتها كلية اعتبار الخصوصيات مجرد أداة للبلوغ إلى الكليات أي إن كل خصوصية بمجرد ادراكها خصوصيتها تتجاوزها. لذلك فالاسلام يؤسس لنظرية التعارف بين الشعوب والقبائل غاية ولنظرية التدافع بين الشرائع بداية للوصول إلى ادراك الأخوة البشرية وراء التعدد الثقافي في منزلة المستخلفين الذين يوحدهم سلبا الكفر بالطاغوت الثقافي الكفر الذي يرمز إليه نقد القرآن لتقليد الآباء ( عدد كبير من الآيات القرآنية ) والطاغوت السياسي ( عدد أكبر من الآيات) ويرمز إليه نقد القرآن للحكام المتحبرين وإيجابا الإيمان بالله ( البقرة 156). ولعل آيتي الميثاق ( الأعراف 172-173) تجمع كل هذه المعاني نفيا للاحتجاج بتأثير التربية أو بالوراثة العضوية.
فكيف لا يكون قول الرسول محمد ( صلعم ) إن القرآن هو آيته ومعجزته ( أداة التواصل الكلي ) وإن رسالته هي الرسالة الخاتمة ( مصمون التواصل الكلي ) مجرد دعوى إذا قبلنا بالنسبوية الثقافية؟ إذا نفينا التعالي عن الثقافي نفيا مطلقا فاعتبرنا الترجمة ممتنعة باطلاق كيف يمكننا تصور القرآن قابلا لأن يكون كتاب كل المسلمين وليس مقصورا على العرب منهم دون سواهم؟ تلك هي العلة في قبولنا بالنسبوية الثقافية في مستوى الادوات والغايات التدافعية ورفضنا إياها في مستوى الأدوات والغايات التعارفية. وليس من الصدفة أن يكون القرآن الكريم والحديث الشريف منقسمين بحسب هذين المعنيين: الكلي والخاص. فالقرآن المكي والحديث القدسي موضوعهما الأدوات والغايات التعارفية مع التنبيه إلى ضرورة عدم الغفلة عن الادوات والغايات التدافعية. والقرآن المدني والحديث العادي موضوعهما الأدوات والغايات التدافعية مع ضرورة التنبية إلى عدم الغفلة عن الأدوات والغايات التعارفية. وتجتمع كل هذه العناصر في اللحظة التاريخية التي صيغت فيها هذه النصوص ليس من حيث هي نصوص فحسب بل من حيث نصوص أحداث تاريخية ومن حيث هي تعليق على أحداث تاريخية جارية في الحاضر ومعبرة عن موقف من أحداث تاريخية جرت في الماضي واحداث تاريخية ستجري في المستقبل ومعاني كونية شارطة لكل حدوث تاريخي أعني المتعاليات التي صنفناها إلى خمسة أصناف من القيم.
وما كنا لنطيل الكلام في مثل هذه القضايا لو لم تكن ذات تأثير رهيب على سلوك المسلمين في صلتهم بالبشر الآخرين. فهم بصدد العودة إلى المواقف الجاهلية أو ما يشبهها. ولعل أفضل مثال هو قيسهم بني اسرائيل الماضي على بني اسرائل الحاضر ما يجعل البعض يشكك في الهولوكوست الفرعوني قياسا على التشكيك في الهولوكوست الهتلري. فهذا الموقف علته عودة العرب إلى القومية وراء الكونية البشرية واعتقادهم الضمني بأن القيم خاضعة للنسبوية الثقافية ومن ثم فالهولوكوست الفرعوني تلفيق من جنس الكولوكوست الهتلري. وطبعا فهذا الموقف الثقافوي والقومي النافي للكلية القيمية ( هنا كلية القول بنفي العبودية لغير الله ومن ثم عدم القبول باستعباد الفراعنة لليهود حتى ولو كانوا اليوم أعداء لنا ) تكذيب محض للقرآن الكريم: فهل القرآن متأمر مع اليهود على الفراعنة تآمر الاعلام الغربي معهم على العرب اليوم؟ وطبعا فلو كان أصحاب هذه المواقف يقرآون القرآن كما ينبغي لهم لفهموا أن القرآن ميز بين يهود ويهود وأن هذا التمييز يصح على كل الشعوب بمن فيهم المسلمون جغرافيا. فالمسلمون بالمعنى القرأني يوجدون في كل الأمم والشعوب ماضيا وحاضرا ومستقبلا: فكل من يتواصى بالحق ويتواصي بالصبر ويؤمن بالله ويعمل صالحا مسلم لانه مستثنى من الخسر بحسب سورة العصر.
[3] والقرآن الكريم يؤسس العلاقة بين المستويين فيميز بين الدين الواحد في كل الرسالات المتوالية عموما توزيعيا ( لكل أمة رسول بلسانها ) وعموما كليا ( الإسلام هو الدين الواحد في كل الأديان المتوالية ) والشرائع المتعددة ( من حيث هي كيفيات وطرق تنظيم حياة الفرد والجماعة حياتهما التعبدية والتعاملية استنتاجا من الدين الواحد ). واستنادا إلى هذا التصور يوضح شيخ الاسلام ابن تيميه العلاقة بين كلية الدين وخصوصية الشرائع فيقابل بين القرآن المكي ممثلا للدين الكلي والقرآن المدني ممثلا للشريعة الخاصة بالمسلمين. لذلك فالاسلام من حيث هو الدين الواحد في كل الأديان ينبغي أن يكون حاميا لكل الشرائع التي يعترف بها أعني خاصة الشرائع الأربع التي ورد ذكرها في القرآن الكريمة بالاضافة ضافة إلى الشريعة الاسلامية: الشريعتين المنزلتين الأخريين اللتين ما زالتا موجودتين في التاريخ ( شريعة اليهود وشريعة النصارى ) والشريعتين الطبيعيتين اللتين يمكن أن تعمما على كل الشرائع الطبيعية تعميم الشرائع المنزلة الثلاثة على كل الشرائع المنزلة ( شريعة الصابئة وشريعة المجوس ) الواردتين في القرآن الكريم. ويستند هذا الموقف إلى اصلين: عقدي ارجائي ( الله يفصل بوم القيامة ) وشرعي ذريعي ( التدافع والتنافس في الخيرات بين أهل الشرائع المختلفة من حيث هي مناهج لتحقيق القيم). ويجمع بين كل هذه المعاني آية واحدة جمعت فأوعت فضلا عن الآيات المتعلقة بالموقف الارجائي من هذه الأديان حتى في عقائدها فضلا عن شرائعها: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لم بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. فاحكم بينهم بما أنزل الله. ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم في ما آتاكمز فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعا. فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون" ( المائدة 48)
[4] إن علاج هذا المشكل ليس أمرا مقصورا على حل قضايا الترجمة فحسب. فهو يمكن من دحض النسبوية الثقافية من مدخلي الفكر الفلسفة والفكر الديني. وكنا قد بينا أن هذين الفكرين لا يختلفان إلا بالترتيب بين النظر والعمل. فهما نفس الفكر من مدخلين متقابلين: الفكر الفلسفي يعالج مسائل الفكر البشري من مدخل تقديم النظر على العمل والفكر الديني يعالج نفس المسائل من المدخل المقابل تقديما للعمل على النظر. لذلك فنحن نعالج القضية من المدخلين معا بمناسبة حل قضايا الترجمة. وتجتمع هذه الابعاد الثلاثة في حل قضية علاقة المسلمين من غير العرب بالقرآن الكريم: هل يمكن للمسلمين أن يفهموا القرآن الكريم رغم كونهم ليسوا عربا؟
لكي نعالج المشكل عدنا إلى أصله فعممناه وبينا أن النسبوية الثقافية لو صحت حججها لامتنع على المرء أن يتواصل مع ذاته فضلا عن التواصل مع معاصريه من ثقافته فضلا عن غير المعاصرين منهم وفضلا عن امكان الترجمة بين اللغات. فإذا كانت كل لحظة من لحظات سيل الوعي الفردي مختلفة عن اللحظة السابقة وعن اللحظة اللاحقة فكيف يتواصل وعيي الحاصر مع وعيي الماضي ومع وعيي المقبل ؟ ما لم أجب عن هذا السؤال لن استطيع فهم كيف يمكن لي أن اتواصل مع معاصري من أهلي ومع أهلي من الماضي ومع أهلي من المستقبل ومع غيري من الشعوب الأخرى. تلك هي المسائل التي لا بد من حلها حتى يمكن للقرآن الكريم أن يكون خطابا يفهمه محمد ومعاصروه والعرب السابقة والعرب اللاحقة وغير العرب من الشعوب الأخرى.
لكن المسألة الدينية هي من دوافع البحث وليست من مضموناته: أي إني من حيث كوني مسلما وعربيا أهتم بهذه القضية فتدفعني للبحث. لكن حلها ليس من جنسها : فهو ليس دينيا ولا قوميا. الحل فلسفي وهو يتعلق بطبيعة المتعالي على الثقافي في المعرفة والعلم والذوق والرزق والوجود أعني في الروابط الخمس التي يمكن أن تكون مسلك تواصل ومضمون تواصل وعلة تواصل وغاية تواصل بين البشر. وإذن فنحن أمام قضية معرفية في اللسانيات ( شروط امكان الترجمة ) تفترض علاجا فلسفيا ( شروط التواصل مع الذات فضلا عنه مع الغير) ودافعا دينيا ( شرط كونية القيم الدينية: أن يكون القرآن الكريم صادقا في دعواه وحدة الفطرة التي ينبني عليها مفهوم الدين الكلي بحيث لا تكون عربية القرآن حائلة دون الشعوب غير العربية من أن تفهم معاني القرآن الكريم ).
[5] لذلك فابن خلدون يعتبر قد تخلى نهائيا عن هذا الفهم لعلمية التاريخ لمجرد كونه قد اعتبره منهج نقد الخبر بتوسط قوانين العمران التي هي قوانين عامة تحدد الممكن والمرجح من الأحداث بحسب هذه القوانين لكنها لا تستطيع أن تثبت الحدوث وعدم الحدوث الفعليين إلا بشرط انتسابنهما إلى الواجب والممتنع. ولما كان النوعان متغيرين بحسب التطور الحضاري البشري فإن الحكم على الماضي بالقياس إلى الحاضر أو على المستقبل بالقياس إلى الحاضر أو إلى الماضي يعد من التقريب العلمي وليس من العلم اليقيني. فيكون التاريخ بهذا المعنى من جنس تطبيقات العلوم العلوم النظرية الفرضية الاستنتاجية إذا أولنا العناصر التي يحدد القانون علاقاتها فأعطيناها قيمة معينة أو مضمونا معينا.
[6] وفي المقابلة بين الأمرين أكبر الأدلة على الطابع السوفطائي للفصل الأول من فينومينولوجية الروح ومحاولات تعريف هيجل لليقين الحسي بارجاعه للعموم الخاوي كما بينا في كتاب الشعر المطلق والاعجاز القرآني.
[7] انظر تحليلنا لمعاني سورة سيدنا يوسف عليه السلام وعلاقتها بالقيم الخمس وبمؤسساتها العمرانية ووظائف التربية والاقتصاد والعلم والسياسة والدين في كتاب الشعر المطلق والاعجاز القرآني.
[8] ولنضرب مثالين من هذه الأدوات وكلاهما يعدان من أهم ما يؤكد عليه القرآن الكريم. فالمعلوم أن أنه مهما تنوعت الموازين والمكاييل واختلفت من حضارة إلى حضارة يبقى الوزن والكيل شرطا في التعامل الرزقي بين البشر. ولما كان مقدار وحدات القيس ليس مهما لان القصد هو أن يكون البدل قابلا للقيس بالمبدل منه بات اختلاف المكاييل والموازين والمقاييس غير مهم. فالمطلوب هو التناسب بين الأعواض في التعامل وليس مقدار وحدة القيس. لهذا اعتبر الميزان أهم أدوات العمران في القرآن. والاخلال به يعد علة فساد العمران. فكل تطفيف استيفاء أو اخسارا يعد من مبطلات التناسب بين الاعواض ومن ثم فسادا لشروط التعامل الموضوعية بين البشر أيا كانت الثقافة. وهذا إذن من المتعاليات. أما المتعالي الثاني الذي يمكن أن يعد هذا المتعالي الأول ثمرة له فهو الميل الفطري للعدل في التعامل على الأقل عند الأخذ إن لم يكن عند العطاء. فكل امرء مهما كان غبيا لا يقبل الغبن. فيكون المتعالي الذي ينبغي عليه الكيل والوزن حلا للمتعالي الخلقي الذي هو أحكام التعامل: التعامل الرزقي له أحكام خلقية. الأخلاق إذن هي الفطرة التي يدرك بها المرء شروط التعامل الرزقي خاصة: مثل رفض الغش ورفض الظلم واداء الأمانة الخ.... ثم تعم على كل التعاملات الأخرى. لذلك كان أهم مقياس لاحكام الأفعال البشرية يوم الدين مستعارا من الميزان. وكلا المثالين يعود إلى معيار رياضي: إنه التناسب في التعاوض عند التبادل بمقضى معايير يحددها السوق رزقيا ( إذا حكمته آلياته العادلة أعني إذا لم تتدخل فيه اعتبارات سياسية أو احتكارية ) ويعددها العرف خلقيا ( إذا لم تفسد الفطرة أعني إذا لم تتدخل اعتبارات سياسية تستعمل القوة لغير خدمة الحق ).
[9] وهذا لسوء الحظ ما أفقده الفهم السيء لتعين الرسالة النصي فهما حصرها في دوالها ودلالاتها النسبية إلى ثقافة بعينها بل وإلى عصر بعينه فألغي كل ضروب التعبير الأخرى عن الوجدان الديني وباتت ثقافتنا الاسلامية أفقر الثقافات استعمالا للفنون في التعبير الديني بل إن الفنون صارت خارج المقدس إن لم تكن بعد قد صارت من المدنس. لكن شيئا من الشروع في الفهم الذي نحاول تحديد مقوماته نجده في الخط الاسلامي ( الحركة الاشارية في الرسم والمكان والبصر) وفي التجويد القرآني ( الحركة الايحائية في الصوت والزمان والسمع ). لكن ذلك جمد في شكله البدائي لانه لم يكن مستندا إلى نظرية بل مجرد خروج عفوي عن الحظر الفقهي وسياسة سد الذرائع السخيفة.
[10] ولولا ذلك لاستحال أن نؤسس لنظام تواصل مع الصم. فهذا النظام مبني على شرطين هما إشارات اليد لافادة المدلول ( وذلك هو منبع اعتبارنا المدلول اللساني آيلا إلى الحركة في المكان أو الهيأة المنظورة) وأشارات الشفاه لافادة الدال الصوتي ( وذلك منبع اعتبارنا الدال اللساني آيلا إلى الحركة في الزمان أو الهيأة المسموعة ) بحيث يكون السر في لغة الصم أنها تعكس آليات التعبير اللساني العادي: هو يترجم الشكل المكاني إلى شكل حركة صوتية وهي تترجم الشكل الصوتي إلى شكل حركة مكانية. ولو لم يكن ما تشير له اليد قابلا لتعويض المدلول الصوتي الذي يصحب الصورة التي ترمز إليها الاشارة لاستحال أن يفهم الاصم معنى الاشارة. كما أن حركة الشفتين تعوضان الدال الصوتي غير المسموع بما يصاحبه من إشارات دالة عليه من خلال حركات الشفاه. وهذا التكامل بين الحركات المشيرة إلى المدلول والحركات المشيرة إلى الدال عمليتا ترجمة للمدلول الذي يرى لكونه دائما ما يقبل التصوير بالحركة في المكان والدال الذي يمكن أن يرى لما يصاحب الحركة في الصورة الدالة على المدلول من غير كلام. وإذن فقابلية المدلول للترجمة إلى حركة تعبر عنها اليد وقابلية الدال للترجمة إلى حركة يعبر عنها الفم يجعل اللسان الذي يخص شعب دون شعب قابلا للترجمة إلى لغة متجاوزة للسان. فيكون الاصم والطفل عند التعلم والاجنبي عند جهل اللسان أمثلة من امكانية التعالي للوصول إلى تواصل كوني بين البشر يحررهم من سلطان الخصوصيات الثقافية. ولا شك أن لغة الصم ليست مطلقة الكونية. لكن مجرد إمكانها حتى في نفس اللغة يجعل الامر ممكنا كونيا.
[11] وفي الحقيقة فإن اللسان لا يقول شيئا عن الاشياء وليس له دلالة إلا في نظام التبادل الوسيط بين البشر من حيث التداول حول التبادلين الحيين والإشارة إلى عناصرهما إشارة لا يفهمها أحد من الرمز اللغوي لحاله بل من المصاحب الفعلي من التبادلين الحيين. فعندما يتبادل شخصان عملة فإن هذا التبادل يكون بين البشر في عملية التواصل حول التبادل الحقيقي بين البشر وما ترمز إليه العملات من مواد تؤكل أو تلبس أو تصنع إلخ... فلا يتم التفاهم إلا من خلال هذه الممارسات المصاحبة للتبادل الرمزي اللساني.
[12] وحاصل القول أن ظاهرة التشقيق اللغوي علتها حصر الفكر الفلسفي ثرثرات التفكيكيين وما بعد الحداثيين وأثر ذلك على حركة الترجمة إلى العربية. فالقول الفلسفي فقد الصلة بالعلم فصار عديم الحول الرمزي والقوة التقنية. وتلك هي العلة الحقيقية لنقمة أصحابه على النخب التي باتت سيدة حدي الابداع الإنساني المجردين ( الفني والعلمي ) وحديه المعينين ( التجربة الوجودية والتجربة العلمية ) لما لها من سلطان على أدوات الفعل الرمزي والمادي نظرا وتطبيقا ولاخراجها النخب المتفلسفة من دون ابداع فني أو علمي من اللعبة التاريخية الفعلية. فقد أفلس القول الفلسفي الذي تأدلج بسبب فقدانه الصلة الحية بهذه الينابيع الأربعة ( الابداع الأدبي والتجربة الوجودية والابداع العلمي والتجربة العلمية ) وبات افلاسه مصدرا لنقمة المتفلسفين الذين باتوا يصرفون فنا جديدا يأخذ من هذه الحدود الأربعة بطرف لينتجوا ما يتصورونه "ما بعد أدب" وهو في الحقيقة الأدب في أفسد معانيه كما عرفه نقاد العرب خلال انحطاط الابداع العربي. فهو ليس أدبا ولا علما ولا تجربة وجودية ولا تجربة علمية. وهذا أيضا مما نتصور فريق المجلة مدركا لمخاطره وساعيا لتجنبه.
ومن علامات افلاس الفكر الفلسفي الغربي المعاصر سوفسطائيته المحدثة التي حاولنا سابقا فحصها فبينا أنها التمهيد الفكري والتأسيس الضمني للمسيحية المتصهينة التي تمثل العمود الفقري للعولمة الأمريكية[12]. فمن دون التحقير من الينابيع الأربعة ومصدرها الرئيسي أعني الحياة في أجل معناها لاتمكن العودة إلى الدين التوراتي البدائي ليكون ماوراء بديلا من التطابق بين النوير العقلاني والتنوير الوجداني في الرسالة الخاتمة. أما بفضلها فإن الخطاب الفلسفي يصبح قابلا للاقتصار على التعالي السلبي خطابا يمهد الأرض لدين شعب الله المختار. وذلك هو في الغاية مصدر قبول عتاة الفكر الصهيوني الفرنسي بالتشقيق الهيدجري ذي التخريجات اللسانية التي طالما أشبعنا كراتيل أفلاطون منها "اسخورة".
كيف يمكن أن تبلغ السذاجة بالبعض إلى القبول بالسخافة القائلة إن معاني الوجود التي من المفروض أن تكون بعدد التجارب البشرية التي لا تكاد تتناهي – تسليما بأن منارة كشف هذه المعاني هي الدازاين- قد انحصرت في ما يسميه هيدجر مصير الغرب حسب تخريجاته اللسانية المستندة إلى فقه اللغة التحكمي التي يطبقها على الغة اليونانية خلال نقله إياها إلى اللغة الألمانية فيصبح طلب نظائر لبعض التعامقات الاشتقاقية والجناسات اللفظية غاية جهد المترجمين العرب الفكري الذي غالبا ما يكون بعد المرور بالغربال الفرنسية أو الإنجليزية علنا أو سرا؟
أليست أهم أسباب عقم فكرنا العربي المعاصر هو كونه لم يتخلص بعد من هذا الهاجس حتى عند من لم يمارس الترجمة وحصر الفكر في بعض التفريعات اللغوية ( مثل أصحاب المشروعات من مفكري المغرب العربي ) التفريعات التي هي دون المعاني الاشتقاقية في صرف أي لغة مهما كانت بدائية. ذلك أن الصيغ الفعلية العربية مثلا تتضمن كل أفعال القول التي نسبتها إلى أجناس وظائف الفعل مناظرة لنسبة أجناس وظائف الإسم وأجناس وظائف الحرف وأجناس وظائف أسم الصوت وأجناس وظائف أسم الفعل كما بينا في كتاب الشعر المطلق والاعجاز القرآني: وكلها معان لا بد أن تكون قد كانت غائبة عن بال المترجمين إذ يستنقصون من شأن اللسان العربي لتزكية جهدهم الترجماني في محاولة تعويض عمق المعاني بعجمة المباني.
وإذا كان التشقيق اللساني زبد الفكر المتفاني فإنه قد يناسب صالونات العاطلين من أكاديميي الأمم الباذخة الذين فقدوا وظيفتهم في فعاليات العمران الغربي بسبب انتقال السلطان من رجال الدين وورثتهم من الفلاسفة إلى الأدباء والعلماء وكل المبدعين من خلال العيش الفعلي للتجربة الوجودية والعلمية الحيتين فإنه لا يمكن أن يحقق ما نصبو إليه من فكر فلسفي عربي نريده مسهما في النهضة اسهام فكر الغرب الفلسفي عندما كان ذا صلة بهذه الينابيع أعني قبل انحطاط الفكر الديني والفلسفي الذي ورثه بعد الإصلاح في الحضارة الغربية. لا بد من فكر في العلوم ذات العمود الفقري ( الطبيعية والإنسانية وتطبيقاتهما على العمران البشري والاجتماع الإنساني ) وفي الفنون ذات الأثر الوجداني فكر يناظر الفكر الذي حقق النهضات عند الغرب قبل وصوله إلى ترف التشقيق اللساني وتخريف علم الكلام المتنكر في ما يشبه الخطاب الوجداني والعودة بالفكر الإنساني إلى بنى اللسان اليوناني والجرماني اللذين يتصورهما هيدجر ومدرسته غاية البيان والعرفان.