البحث في الموقع    

يتم تحيين الموقع دوريا والمسؤولية على ما يُنشر شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

.

 

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

مساهمة في نشر الفكر الاستئنافي الحضاري الأصيل يخصص الموقع  فضاء للفيلسوف العربي أبي يعرب

 

المدخل إلى قضية ' النص والتأويل ' (2/2)

عبدالله بن عبدالرحمن النديم

ومهما يكنْ من أمر ٍ ، فإنَّ التيّاراتِ التغريبيّة َ اختزلتِ المشكلة َ في الثقافةِ السائدةِ في العالم ِ الإسلاميِّ ، بما تحويهِ من مواردَ وتطبيقاتٍ ، وبدأ من هنا توجيهُ النقدِ للنصِّ وللخطابِ الدينيِّ ، وهذا ما يُفسرُ لنا سببَ اعتناءِ كثير ٍ من ملاحدةِ العربِ وزنادقتهِ بالنصوص ِ الشرعيّةِ ، مع عدم ِ إيمانِهم بها أو بمكانتِها ، والتصدّي للبحثِ فيها والكلام ِ عليها ، وذلكَ ليكتملَ لهُم ما يُريدُونهُ من نقدِ النصِّ نقداً مُباشراً .

ظهرتْ كتاباتٌ كثيرة ٌ في مسألةِ النصِّ وكيفيّةِ التعامل ِ معهُ ، ورأى أصحابُها أنَّ العقلَ العربيَّ لا بُدَّ أن يتطوّرَ وهذا التطوّرُ يقفُ دونهُ حواجز ُ كثيرة ٌ ، على رأسِها النصُّ ، فكانَ لا بُدَّ من إخضاع ِ النصِّ لعمليّةِ التطوير بتأويلهِ ليتكيّفَ مع معطياتِ الواقع ِ الجديدةِ ، ويُصبحَ نصّاً مُتفاعلاً مع الصيرورةِ التأريخيّةِ ، وليسَ نصّاً جامداً مُتعالياً على الواقع ِ ، أو بتجاوز ِ النصِّ وهدمهِ عبرَ التشكيكِ فيهِ ، إمّا ثبوتاً أو دِلالة ً ، ويتلخّصُ رأي هؤلاءِ في قول ِ أحدِهم واصفاً فكرهم : " أنّهُ الفكرُ الذي ينهضُ على النصِّ ، لكنْ بتأويل ٍ يجعلُ النصَّ قابلاً للتكيّفِ مع الواقع ِ وتجدّدهِ ، أو الفكر ِ الذي لا يرى في النصِّ أيّة مرجعيّةٍ ، ويعتمدُ أساساً على العقل ِ لا النقل ِ " .

ويلاحظ ُ في النقل ِ السابق ِ أنَّ تطويرَ النصَّ بتأويلهِ يوازي عندهم إلغاءهُ بالكليّةِ ، وذلكَ أنَّ عمليّة َ التأويل ِ هي تعطيلٌ في حقيقتها للنصِّ ، وقد ذكرَ قريباً من ذلكَ فيما مضى الإمامُ ابنُ القيّم ِ في كتابهِ " الصواعقُ المُرسلة ُ " .

وثمة أمراً مُهمّاً وهو أنَّ أطروحاتِ التحديثِ في العالم ِ الإسلاميَّ ، لو اقتصرَ أصحابُها فيها على الجانبِ المادّيِّ ، لما وجدوا تلكَ الصعوباتِ في نشر ِ ما يُريدونَ ، ولكنّهم جعلوا التحديثَ الفكريَّ لازماً للتحديثِ الماديِّ ، وقرنوا العلومَ التجريبيّة َ والماديّة َ بالعلوم ِ الفكريّةِ والإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ ، ورأوا ضرورة َ تشرّبِ الفكر ِ الإسلاميِّ للفكر ِ الغربيِّ ، وهذا ما جعلَ مشاريعهم تواجهُ برفض ٍ شديدٍ ، ممّا حداهم إلى ضرورةِ إيجادِ مخرج ٍ من هذا الأمر ِ ، على أن تستمرَّ قضيتُهم في إطارها المُحدّدِ ، وهو الرفضُ التامُّ للفصل ِ بينَ الأمرين ِ – التحديثِ الماديِّ والفكريِّ - ، وإن أدّاهم ذلكَ إلى رفض ِ الإسلام ِ ، وهذا ما وقعوا فيهِ لاحقاً عندما ألغوا الإسلامَ بإلغاءِ أصولهِ وقواعدهِ القائمةِ أساساً على الأدلة الشرعيّةِ .

وهذا ما يؤكّدهُ محمّد أركون في معرض ِ حديثهِ عن معوّقاتِ الحداثةِ قائلاً : " ولا تزالُ تحولُ دونَ تشكّل ِ المُجتمع ِ المدنيِّ ودولةِ الحقِّ والقانون ِ والشخص ِ – الفرد – المواطن ِ ، بصفتِهم فاعلينَ مُتداخلينَ للمسار ِ التاريخيِّ ، الهادفِ للوصول ِ إلى الحداثةِ الفكريّةِ والروحيّةِ والسياسيّةِ التي لا تنفصمُ !! " ، وهذا الرأي هو رأيُ الأغلبيّةِ من المفكّرينَ التغريبيينَ ، ممّن يرونَ الحداثة َ بكامل ِ أشكالِها أمراً لا بُدَّ منهُ للوصول ِ بالأمّةِ إلى مصافِّ التحضّر ِ ، وتخلّفُ أحدِ الصور ِ – الفكريِّ منها أو الماديِّ – يعني سقوطَ المشروع ِ الحضاريِّ بتمامهِ ! .

بدا واضحاً ممّا سبقَ أنَّ معاركَ الحداثةِ كانتْ تصطدمُ على صخرةِ الإسلام ِ ، وتُواجهُ بالنصوص ِ الشرعيّةِ ، الأمرُ الذي أدّى بهؤلاءِ التغريبيينَ إلى رفض ِ النصوص ِ ومُحاولةِ التشكيكِ فيها والنيل ِ من مكانتِها ، رغبة ً في الوصول ِ إلى الحداثةِ الغربيّةِ الشاملةِ .

ولا بُدَّ لي هنا أنْ أبيّنَ الفرقَ بينَ النصِّ وبينَ الخطابِ الدينيِّ ، فأمّا النصُّ الذي يتحدّثُ عنهُ المفكّرونَ في كُتبِهم فهو غيرُ النصِّ الذي يقصدهُ الأصوليّونَ ، والنصُّ عندَ الأصوليينَ هوَ الذي لا يحتملُ إلا معنىً واحداً ، فإذا قالَ فقيهٌ : هذا نصٌّ في المسألةِ ، أي أنّهُ نُصَّ على حكمِها نصّاً صريحاً ، ويُقابلُ النصَّ عندَ الأصوليينَ : الظاهرُ ، والظاهرُ ما احتملَ معنيين ِ أحدُهما أظهرُ من الآخر ِ ، وأمّا في الفكر ِ المُعاصر ِ فالنصُّ هو السلطة ُ الخبريّة ُ التي تُلزمُ النّاسَ أن يرجعوا إليها ، وفي كثير ٍ من الأحيان ِ يُقصرُ النصُّ على القرءان ِ ، وذلكَ لأنَّ أكثرَ هؤلاءِ لا يعتدّونَ بالسنّةِ جملة ً وتفصيلاً .

وأمّا الخطابُ الدينيُّ فهو طرقُ ووسائلُ تبليغ ِ المنظومةِ الدّينيّةِ ، وكيفيّة ُ التعبير ِ عنها ، وهناكَ من يخلطُ بينَ هذين ِ الأمرين ِ ، فيجعلُ الخطابَ الدينيَّ مُرادفاً للنصِّ ، ولهذا يجبُ تحريرُ المصطلح ِ قبلَ الخوض ِ في نقاشهِ وتبيينهِ ، حتّى لا نجورَ في الأحكام ِ ، أو نقعَ أسرى لبريق ِ مصطلح ٍ بينما صاحبهُ يقصدُ أمراً آخرَ .

اختلفتْ طرق ُ المفكّرينَ المعاصرينَ في التعامل ِ مع النصِّ ، ويأتي على رأس ِ ذلكَ أربعة ُ مدارسَ :

- المدرسة ُ الإلحاديّة ُ : وهم الذين لا يرونَ للنصِّ أيّة قيمة ً تُذكرُ ، وتأثيرهُ الاجتماعيُّ كانَ محدوداً بالزمن ِ الذي نشأ فيهِ والظروفِ البدائيةِ التي عالجها ، وأمّا الآن فقد انتهى عصرُ النصوص ِ وجاءُ عصرُ العقل ِ والبراهين ِ الثابتةِ – الماديّةِ والتجريبيّةِ - ، ويرى هؤلاءِ ضرورة َ فكِّ الارتباطِ بينَ العقل ِ والنصِّ ، وإزالةِ القدسيّةِ عن جميع ِ ما يُخالفُ العقلَ ، والعقلُ عندهم مقصورٌ على المحسوس ِ التجريبيِّ .

كما أنّهم يميلونَ إلى النظرةِ التشكيكيّةِ ، وينطلقونَ منها نحوَ النقدِ وإعادةِ التشكيل ِ للفكرةِ ، وهذا مذهبٌ باطلٌ ، ولا يشكُّ عاقلٌ في أنَّ المعارفَ لا تنشأ من فراغ ٍ ، أو تولدُ من الصفر ِ ، وإنّما هي مجموعة ٌ متوالية ٌ تترسّخُ بمرور ِ الوقتِ ، ولا يمكنُ لباحثٍ مهما بلغتْ درجة ُ حياديتهِ أن ينفيَ عن نفسهِ التأثيرَ والتكوينَ المعرفيِّ ، وأثرَ ذلكَ على نتيجةِ بحثهِ وحكمهِ .

وبعضُ هؤلاءِ – خاصّة ً الماركسيينَ منهم – يرى أنَّ النصَّ إنّما هو قيمة ٌ جماليّة ٌ ، وأدبٌ راق ٍ ، شأنهُ شأنُ بقيّةِ الآدابِ ، يُعاملُ كقطعةٍ نثريّةٍ ، ويُخضعُ لمعايير ِ النقدِ الحديثةِ ، وأمّا جعلهُ حاكماً على الحياةِ وعلى الأفعال ِ فهذا أمرٌ مردودٌ ، واعتبارُهم للنصِّ من بابِ الاعتبار ِ للأديان ِ مع كفرهم بها ، فهم يرون الأديانَ تجربة وظاهرة اجتماعية تستحقُّ النظرَ ، لا أنّها أمرٌ ربّانيٌّ يجبُ على البشريةِ الالتزامُ بهِ ، وهكذا هم مع النصِّ يرونهُ قطعةً أدبيةً يُقرأ أدباً وتذوّقاً .

وهذه المدرسة ُ تضمُّ في ثناياه أطيافاً شتّىً منهم : التغريبيّونَ ، والماركسيّونَ ، والعلمانيّونَ ، وملاحدة ُ العقلانيّةِ ، وآخرونَ يظهرُ ذلكَ من خلال ِ مفرداتِ أبحاثِهم ، ويجمعُهم جميعاً أنَّ منطلقاتِهم إلحاديّة ٌ صِرفة ٌ ، فلا يرونَ أثراً للدّين ِ في حياةِ النّاس ِ ، ويعدّونهُ طريقة ً اجتماعيّة ً ، وينتحلونَ مذاهبَ معاصرةٍ تسلُكَ طريقَ الإلحادِ والرفض ِ التامِّ للدّين ِ الإسلاميِّ ، أو تأويلهِ تأويلاً يأتي على أصلهِ بالبطلان ِ ، كمن يفرّقُ بينَ الدّين ِ في روحانياتهِ وبين تطبيقهِ في الحياةِ ، أو يرونَ الدّينَ مرحلة ً من مراحل ِ الماركسيّةِ .

- المدرسة ُ العقلانيّة ُ : وهم الذين يرون ضرورة َ إخضاع ِ النصوص ِ الشرعيّةِ للعقل ِ ، فما وافقَ العقلَ قُبلَ ، وما تعارضَ معهُ وجبَ رفضهُ : فإنْ كانَ نصّاً من القرءان ِ وجبَ تأويلهِ ، وذلكَ لأنّهم لا يقدرونَ على إظهار ِرفض ِ القرءان ِ مباشرة ً ، لعلّهم بأثر ذلك وحتّى لا يُكفّرهم النّاسُ، وأمّا إنْ كانَ النصُّ من السنّةِ فإنّهم يردونهُ مباشرة ً ولو كانَ مُتواتراً .

- المتأثرونَ بالعقلانيّةِ : وهؤلاءِ لا يُعارضونَ النّصوصَ بالعقل ِ ، ولكنْ وقعَ عندهم تأويلٌ للكثير ِ من النّصوص ِ ، أو قاموا بتأويل ِ بعضِها حتّى تتكيّفَ مع الواقع ِ ، ولكنّهم لم يُوافقوا المدرسة َ العقليّةَ في جميع ِ الأصول ِ الفكريّةِ .

ويدخلُ ضمنَ هؤلاءِ كثيرٌ من العصرانيينَ المُعاصرينَ ، وكذلكَ بعضُ الذين لم يكتملْ خلاصُهم من الأفكار ِ القديمةِ التي تبنّوها .

- المدرسة ُ الشرعيّة ُ : وهم الذين يرونَ حُجّية َ النصوص ِ باعتبارِها مورداً رئيساً للأحكام ِ والتشريعاتِ ، ويرونَ صلاحيتها لكلِّ زمان ٍ ومكان ٍ ، حسبَ ما وردَ في مقاصدِ الشريعةِ التي راعتِ المصالحَ والمفاسدَ .

الغرضُ من التقسيم ِ السابق ِ – تقسيمٌ لفهم ِ المسألةِ فقط – هو تمييزُ الدعواتِ التي تنطلقُ بينَ فينةٍ وأخرى ، ويُطالبُ فيها أصحابُها بضرورةِ المراجعاتِ في النصِّ والخطابِ الدينيِّ .

أصحابُ المدرسةِ الإلحاديّةِ لا يرونَ للنصِّ – بقسميهِ كِتاباً وسُنّة ً - أي قيمةٍ دلاليّةٍ ، ويرونَ الدّينَ ظاهرة ً اجتماعيّة ً فقط ، ولهذا فهم في نقدِهم للنصِّ إمّا أن يقوموا بالتشكيكِ في ثبوتهِ ويجعلونهُ من الأساطير ِ ، أو أن يُضيّقوا دائرة َ تأثيرهِ ليجعلوهُ في الماضي ، وأمّا الحاضرُ فهو عصرٌ تحكمهُ التغيّراتُ المتلاحقة ُ – الصيرورة ُ – ويتطلّبُ من الذين يعيشونَ فيهِ أن يتفاعلوا معهُ ويتكيّفوا عليهِ بكافّةِ صورهِ وأشكالهِ ، والنصُّ لجمودهِ وثباتهِ يعوقُ حركة َ التاريخ ِ والتقدّم ِ ، فوجبَ تجاوزهُ .

ومنهم من يرى أنَّ النصَّ القرآنيَّ عِبارة ٌ عن مجازاتٍ ، ليسَ لها حقيقة ٌ واحدة ٌ ثابتة ٌ ، ويحقُّ لمن شاءَ أن يُفسّرهُ ، وهذا التفسيرُ محكومٌ بالحركةِ التاريخيّةِ ، فأبطلوا التفسيرَ الذي اختارهُ الصحابة ُ وأهلُ العلم ِ ولو كانَ مُتفقاً عليهِ ، وأتوا بتفسيراتٍ جديدةٍ توافقُ ما يريدونهُ من أفكار ٍ ومذاهبَ ، وهذا يجري كثيراً في كلام ِ محمّد أركون ، وهو أيضاً رأي أغلبِ الماركسيينَ ، فهم برغم ِ حربِهم على الإسلام ِ ، وتأصيلهم للمذهبِ الماركسيِّ المُصادم ِ للدّين ِ ، إلا أنّهم يستشهدونَ بالآياتِ القرآنيّةِ في سبيل ِ إثباتِ نظريّاتِهم الماركسيّةِ ، وقد فعلَ هذا كثيراً حُسين مروة وطيب تيزينيِّ وغيرُهم من أقطابِ الماسونيّةِ العربيّةِ .

وهؤلاءِ في نقدهم للنصِّ أو الخطابِ الدينيِّ إنّما يُريدونَ التحرّرَ من الدّين ِ كلّهِ ، فإذا قرأتَ لأحدِ هؤلاءِ كلاماً حولَ النصِّ أو الخطابِ الدينيِّ ، فلا بُدَّ من معرفةِ منطلقهِ الإلحاديِّ ، والسياق ِ الذي وردَ فيهِ كلامهُ ، ولا يكفي أن يغترَّ الإنسانُ بظاهر ِ كلامهم ، فهم يعمدونَ إلى التزييفِ كثيراً ، وإلى تلطيفِ العبارةِ ، كقولِهم مثلاً : النصوصُ مجازاتٌ ، أو أنَّ النّصوصَ متعالية على الواقع ِ ، وما إلى هنالكَ من الألفاظِ المشابهةِ لها .

ويأتي على رأس ِ هذه المدرسةِ : محمّد أركون ، هشام جعيط ، زكي نجيب محمود ، فؤاد زكريا ، نصر حامد أبو زيد ، حُسين مروة ، طيب تيزيني ، وغيرُهم كثيرٌ – لا كثّرهم اللهُ - .

ويكثرُ تعلّقُ هؤلاءِ بالمذاهبِ الفكريّةِ والأدبيّةِ المُعاصرةِ المُلحدةِ ، وتجدُ نفَسَ الاستشراق ِ ظاهراً فيما يكتبونهُ ، مع أنّهم يدعونَ التجرّدَ والموضوعيّة َ بعيداً عن تأثير ِ الأيدلوجياتِ والأفكار ِ أيّاً كانَ مصدرُها : فمحمّد أركونَ – مثلاً - يحتذي كثيراً طريقة َ أستاذهِ ميشيل فوكو في البنيويّةِ والتحليل ِ التفكيكيِّ ، كما أنّهُ ينتمي إلى المدرسةِ الاستشراقيّةِ في طريقةِ تعرّضهِ ودراستهِ للإسلام ِ وعلومهِ ، وزكي نجيب محمود يمشي على طريقةِ الوضعيينَ ، وحُسين مروة وطيب تيزيني ماركسيّونَ ماديّونَ ، وفؤاد زكريّا أخذ َ كثيراً من آراءهِ النقديّة َ من المفكّر ِ العقلانيِّ اليهوديِّ سبينوزا ، صاحبِ المذهبِ التشكيكيِّ النقديِّ الذي نقدَ بهِ الدّيانة َ اليهوديّة َ .

والحديثُ عن محمّد أركونَ خاصّة ً لهُ مناسبة ٌ قادمة ٌ ، في مقالةٍ عنهُ وعن فكرهِ – بحول ِ اللهِ تعالى - .

والنّقاشُ مع هؤلاءِ هو من جنس ِ النّقاش ِ مع الملاحدةِ ، يكونُ بتقرير ِ أصول ِ المسائل ِ العقديّةِ وإثباتِها ، ببراهين ِ الحسِّ والعقل ِ والخبر ِ العاضدِ ، إذ أنَّ أكثرَهم لا يؤمنُ بشيءٍ إلا المحسوسَ فقط ، ولهذا يقولُ فؤاد زكريّا في ردّهِ على من طلبَ مناقشتهُ أنّهُ سوفَ يُجيبهُ ، شريطة َ أن لا يُحاكمهُ أو يُلزمهُ بأي سُلطةٍ ، والسلطة ُ التي يقصدُها إنّما هي النصُّ الشرعيُّ ، يقولُ في ذلكَ : " وإذا كانَ لمؤلّفِ هذا الكتابِ من أمنيّةٍ ، فهو إلا يلجأ المعترضونَ عليهِ – وهم قطعاً كثيرونَ – إلى منهج ِ السُّلطةِ في مناقشةِ آرائهِ ، أعني أن لا يضعوا أفكارهُ في مواجهةِ سُلطةِ النصِّ " ، والنقلُ السابقُ من كتابهِ " الصحوة ُ الإسلاميّة ُ في ميزان ِ العقل ِ " .

ومن السماتِ الواضحةِ لمن يقرأ في كتبِ من سلفتْ أسمائهم ، أنّهم يحتذونَ المناهجَ الغربيّة َ في البحثِ والدراسةِ والنقدِ والتحليل ِ ، ويقضونَ لها بالدقّةِ والعمق ِ ، ويُحاكمونَ إليها نصوصَ الشريعةِ الإسلاميّةِ ، ويُخضعونَ لها التراثَ الإسلاميَّ بكافّةِ تفاصيلهِ ، ومع البون ِ الشاسع ِ بين ِ التراثِ الإسلاميِّ الذي مرّتْ عليهِ قرونٌ من النقدِ والمناقشةِ والتحليل ِ ، حتّى ثبتَ وصارَ نقيّاً وأُرسيتْ لهُ معاييرُ ثابتة ٌ للنقد ِ والبحثِ العلميِّ ، وبينَ المدارس ِ النقديّةِ الغربيّةِ المُعاصرةِ ، والتي تصلحُ أن تطبّقَ على النظريّاتِ الغربيّةِ ، تلكَ النظرياتُ التي لا تقومُ على قدم ِ البحثِ العلميِّ أبداً ، ويكفي أن أشيرَ هنا إلى أنَّ نظريّة َ داروين في النشوءِ والارتقاءِ والانتخابِ الطبعيِّ ، مرَّ عليها مئة ُ سنةٍ ، ووضعتْ على ميزان ِ النقدِ والتحليل ِ فأثبتتْ فشلها الذريعَ ، مع أنّها كانتْ يوماً من الأيّام ِ ثورة ً في مجال ِ العلوم ِ ، وفتحاً عظيماً ! ، وقل مثلَ ذلكَ على نظريّاتِ ماركس ، وفرويد ، وغيرِهم .

هذا السقوطُ السريعُ للنظريّاتِ الغربيّةِ ، ومن قبلهِ الفشلُ الذريعُ للكنيسةِ أن تثبتَ في وجهِ العلم ِ التجريبيِّ بعد أن حاربتهُ قروناً طويلة ً ، جعلَ أصحابَ المناهج ِ الغربيّةِ يقعونَ في إسقاطاتٍ كثيرةٍ جرّاءَ ذلكَ الأمر ِ ، ويُلصقونها بالإسلام ِ وتعاليمهِ ومنهجهِ في الحياةِ ، وبحمدِ اللهِ أنَّ نظرياتِهم تهاوتْ أمامَ الحُجج ِ العلميّةِ التي قامَ عليها الإسلامُ ، ومشاريعهم النهضويّة ُ المزعومة ُ ماتتْ في مهدها ، وبقيَ الإسلامُ عزيزاً شامخاً مهيباً ، بالرّغم ِ من ضعفِ المسلمينَ في الدراساتِ الخاصّةِ بنقدِ الحضارةِ الغربيّةِ ونقدِ مناهجِها .

وأمّا أصحابُ المدرسةِ العقلانيّةِ ، فهم كسابقيهم في النظر ِ إلى النصوص ِ الشرعيّةِ ، ويجمعهم جميعاً القولُ بانفصال ِ الشريعةِ عن نظم ِ الحياةِ ، فالشريعة ُ مختصة ٌ في شئون ِ الروحانيّاتِ ، وأمّا الحياة ُ وإدارتُها فهذا من الأمور ِ التي تركتِ الشريعة ُ البحثَ فيها للنّاس ِ ، ومن هذا المنطلق ِ صاروا يُحاربونَ السنّة َ التشريعيّة َ ، ويروونَ أنّها تسييسٌ للدّين ِ ، وأنَّ أكثرَ أحاديثِ السنّةِ النبويّةِ إنّما إفرازاتٌ للصراعاتِ السياسيّةِ الدائرةِ في صدر ِ الإسلام ِ ، ممّا حدا الخلفاءَ والملوكَ إلى تطويع ِ الدّين ِ لخدمةِ مآربِهم ، وقد تلقّوا أغلبَ هذه الآراءِ من كُتبِ ودراساتِ المُستشرقينَ ، لأنّهك كانوا يرون فيهم الدقّة والأمانةَ والبُعدَ عن التعصّبِ – كما يزعمونَ - ، إضافةً إلى خلوّهم نظرةِ التبجيلِ للنصِّ والسلفِ ، فمن المعيبِ عندهم النظرةُ التبجيليّةُ للنصِّ والسلفِ .

ويجتمعُ أصحابُ المدرسةِ الإلحاديّةِ والمدرسةِ العقلانيّةِ في التصوّر ِ العلمانيِّ للحياةِ ، ويتفقونَ في الأغلبِ الأعمِّ على عدم ِ استقلاليّةِ السنّةِ النبويّةِ بالتأثير ِ والتشريع ِ ، وكذلكَ على ضرورةِ تحكيم ِ العقل ِ والنظر ِ إليهِ مصدر ٍ مُستقلٍّ في النظر ِ والاستدلال ِ ، ولهذا وصلَ الكثيرُ من العقلانيينَ إلى مصافِّ الكفرِ الصريحِ .

وهؤلاءِ – أعني العقلانيينَ – لا يتوانونَ في نقدِ النصوص ِ الشرعيّةِ ، فما خالفَ العقلَ يردّونهُ مباشرة ً ، فإن كانَ من القرءان ِ الكريم ِ قاموا بتأويلهِ وحملهِ على معان ٍ مجازيّةٍ ، أو وسّعوا دائرة َ معانيهِ حتّى يشملَ أشياءَ تتوافقُ مع العصرَ الحديثِ ، ومنهم من يرى أنَّ القراءنَ كان يشتملُ على الأساطير ِ ، كما وقعَ لمحمّد أحمد خلفَ الله ، وأستاذهِ الخوليِّ ، وأمّا السنّة ُ النبويّة ُ فلا حكمَ لها إلا قليلاً ، والأصلُ أنّهم يردونَ أكثرَ الأحاديثِ ، وإذا خالفَ الحديثُ شيئاً يعتقدونهُ من العلوم ِ المُعاصرةِ أو ما استقرَّ في عقولِهم فإنّهم يحكمونَ بوضعهِ وبطلانهِ ، ولا ميزانَ يزنونَ بهِ الحديثَ إلا ميزانَ العقل ِ والحسِّ .

وللأمانةِ العلميّةِ فإنَّ المدرسة َ العقلانيّة َ تتفاوتْ في التعامل ِ مع النصوص ِ الشرعيّةِ ، فهم وإن اتفقوا على أصل ِ التأويل ِ أو تقديس ِ العقل ِ وتقديمهِ ، إلا أنَّ هذا الأصلَ كان يطردُ تِباعاً بحسبِ نفسيّةِ صاحبهِ وموقفهِ المباشر ِ ، يقولُ شيخُنا سلمان العودة : " وتتفاوتُ رموز ُ هذه المدرسةِ تفاوتاً كبيراً في موقفِها من النصِّ الشرعيِّ ، ولكنّها تشتركُ في الإسرافِ في تأويل ِ النصوص ِ ، سواءً كانتْ نصوصَ العقيدةِ ، أو نصوصَ الأحكام ِ ، أو الأخبارَ المحضة َ ، وفي ردِّ ما يستعصي من تلكَ النّصوص ِ على التأويل ِ " .

وهذا ما يقودنا للحديثِ عن المتأثرين بالعقلانيّةِ وهم من بقيتْ بهم رواسبُ تلكَ المدرسةِ ، فهؤلاءِ يوجدُ فيهم بقايا من فكرِ العقلانيينَ ، ويفترقونَ عنهم في أنّهم يعترفونَ بالسنّةِ مصدراً للتشريعِ ، إضافةً إلى اعترافهم بالقرآن الكريم ، لكنّهم يؤولونَ كثيراً من نصوصِ السنّةِ أو يردّونها إذا خالفتْ ما يرونهُ صريحَ العقلِ أو الحسِّ ، وصريحُ العقلِ والحسِّ لا ينضبطُ عندهم بضابطٍ كُلّي ، ولهذا يكثرُ عندهم من الاضطرابِ في هذا البابِ ما يجعلهم ينقسمون في المسألة الواحدةِ ما بين قائلٍ في أنها معارضةٌ للعقلِ الصريحِ وما بينَ مُعترفٍ بقبولِ الحقِّ لها .

والمتأثرون بالعقلانيّةِ ليسو على درجةٍ واحدةٍ كذلكَ ، بل قد يوجدُ في أهلِ العلمِ بالشريعةِ من يتأثرُ ببعضِ تلكَ الأفكارِ ، وأمّا من يتفقُ مع أولئكَ في آحادِ المسائلِ فإنّهُ ليسَ منهم ، وإنّما الشأنُ في الموافقةِ على الأصولِ الكليّةِ أو بعضِها .

ويأتي على رأس هذه المدرسةِ المدرسةُ الإصلاحيّةُ في مصرَ ، من أمثالِ محمّد عبده وطلابهِ كرشيد رضا وشلتوت والمراغي وغيرهم ، وقد تفاوتوا تفاوتا كثيراً في التأثرِ ، وهناك من يجعلُ محمّد عبده من محضة العقلانيةِ ومنهم من يراهُ مُصلحاً عظيماً ، والحقُّ أنَّ هذا الرجلَ وقعَ في تجاوزاتٍ وأخطاءٍ جسيمةٍ ، كانَ كثيرٌ منها في أصولِ الشريعةِ ، ويُقالُ أنَّ سببَ جنوحهِ إلى التأويلِ للغيبياتِ والمُعجزاتِ إنّما كانَ تطييباً لقلوبِ النّاسِ ، وكسباً لهم ، في وقتٍ اشتدتْ فيهِ أزمةُ الإلحادِ وإعراضُ النّاسِ عن الدينِ وتشككّهم فيهم ، لانتشارِ الماديةِ وفورةِ الاشتراكيّةِ والماركسيّةِ ، وبهذا أجابَ الشيخ رشيد رضا رسالةً وصلتهُ من الشيخ السعدي – رحمهما الله جميعاً - ، ذكرَ لهُ فيها أن تأويلَ بعضِ أمورِ الغيبِ أهونُ عندهم من خروجَ المسلمِ إلى دينِ الكفرِ .

وهذا الأمرُ مُشكلٌ غايةَ الإشكالِ ، ذلك أنَّ هذه الأمورَ هي من محكماتِ الشريعةِ ، وممّا كانتْ تعيبُ بعضهُ قريشٌ على النبيِّ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ – ولو كانَ بعضهُ أو كلّهُ يجوزُ أن يُبدّلَ أو يؤولَ مع وجودِ المُقتضي لذلك وانحسارِ المانعِ ، لكانَ النبيُّ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ – أولى بذلك في زمانهِ ، وحاجتهُ إليهِ أكثرُ ترغيباً للنّاسِ في الإسلامِ والإيمانِ ، وتكثيراً للأتباعِ الداخلينَ في الدينِ ، فلمّا تركَ ذلكَ وبقيَ على الأصلِ من اعتبارِ حقيقةِ هذه القضايا واعتبارها محكّاً للدينِ واختباراً للعبدِ ، دلَّ ذلكَ على تحريمِ تأويلها أو التعرّضِ لها بالتعطيلِ والتشكيكِ .

والواجبُ على أهلِ العلمِ هو صيانةُ العلمِ عن تشغيبِ العامّةِ ، وإصلاحُهم بالطرقِ الشرعيّةِ ، لاسيّما ما كان موجبهُ موجوداً في زمنِ النبيِّ – صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ - ، فما فعلهُ نفعلهُ ، لأنّهُ فعلهُ تشريعٌ كقولهِ ، وهذا محلُّ إجماعٍ عندَ أهلِ العلمِ ، وأمّا الوقوعُ في التأويلِ وصرفِ الخبرِ عن ظاهرهِ استمالةً للنّاسِ وتأليفاً لقلوبهِ ، فهذا مُصادمٌ لطريقةِ النبيِّ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ – ، بل كان يأخذُ النّاسَ في مواضعِ الحزمِ بالحزمِ ، وفي مواضعِ اللينِ باللينِ ، وأهلُ العلمُ خلفهُ في ذلكَ ، وإذا وجدوا من النّاسِ ريبةً أو تشكّكاً سدّوا ذلك البابِ بالتعرّضِ لأصولِ مسائلِ الإيمانِ ، لا بأن يفتحوا لهم باباً جديداً للتأويلِ وصرفِ حقائقِ الدينِ ، ومن وقعَ في شيءٍ من ذلك فلن يردّهُ إلا التأويلِ لصريحِ الدينِ وأصلِ الإيمانِ ، ومن هنا وصلَ من وصلَ إلى القولِ بصحّةِ دينِ اليهودِ والنّصارى ، لأنّهم وقعوا في بوّابةِ الانهزامِ الأولى ، وهي بوّابةُ الضعفِ أمّامَ سلطةِ العامةِ الذين لا يفقهونَ شيئاً .

والتتابعُ في التأويلِ جعلَ بعضَ هؤلاءِ يقعُ في التأويلِ الصريحِ لمحكماتِ القرآنِ ، كما حصلَ لمحمّد عبده في تفسيرهِ ، وقد ردَّ عليهِ في شيءٍ من ذلك الشهيدُ سيد قطب – رحمهُ اللهُ - ، وذلك في تفسيرهِ لسورة الفيل وغير ذلكَ من المواضعِ .

والحديثُ عن المتأثرينَ بالعقلانيّةِ ودُعاةِ العصرانيّةِ لهُ مناسبةٌ خاصّةٌ ، لاسيّما ونحنُ نرى كثرتُهم وانتشارُهم في العديدِ من المراكزِ العلميّةِ والإعلاميّةِ .


Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010