



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
المخرج من عبث الأميين
د. الراجحي
أذكر أن أخي حليم تكلم على صاحب حمار يتكلم على مدرسة فكرية ينسبها إلى شيخ لم يتخرج بعد من الشهادة الابتدائية لكأن المدارس الفكرية مجرد حلقة تجمع مراهقين لا يفقهون إلا تبادل التهم والتنابز بالألقاب ككل من لم تتجاوز ثقافته ثقافة الكتاب وأهماج الأعراب الذين ذمهم القرآن الكريم لأنهم أسلموا ولما يؤمنوا. وكان كلامه من منطلق الفقه والكلام بمنطق السخف والإبهام. وها نحن نراه اليوم يصبح من المفكرين والإستراتيجيين يزايد على أبي يعرب في الوطنية والغيرة على الأمة الإسلامية بالعودة إلى سخافات الشقيري وصوت العرب سخافاتهما التي أدت إلى ما يعانيه جيلنا من كرب.
يزعم هذا المتمطلب الذي يدعي تعليم مفتي مصر بل وحتى الشيخ القرضاوي علوم الدين والفقه وهو بعد لم ينزل عن حماره في التردد على حمار يحمل أسفارا ويدعي تعليم الكلام والمنطق ها نحن نراه يتكلم في الإستراتيجية والعلاقات الدولية وهو لم يغادر قريته ولا يعرف من العالم إلا خرافات قبيلته. إنه يتصور أن رقص الهنود الحمر أو فاشية استعراضات المنادب في المواكب حول ما حدث في عاشوراء يمكن أن تبني شيئا آخر غير ما سيجعل الوطن كله محكوما بأمراء الحرب كالحال في أفغانستان والصومال والعراق.
فحركات التحرير في بلاد المغرب العربي لم تكن أحزابا طائفية ولا مراهقات يسارية تتصور التحرير ترديد الأناشيد لتنويم الشعوب بالآمال الكاذبة لتتاجر بالقضية في الفنادق الفاخرة والسيارات الفارهة حتى بات كل عشرة أنفار يجتمعون فيسمون أنفسهم حركة كذا أو حزب كذا ويعتبرون الانتصارات بعدد من رموا بهم إلى التهلكة حتى يبيعوا دمهم في نخاسة السياسة الدولية. ولو صح فكر اليسار العربي في القرن الماضي بشعار تحرير القدس يمر من عمان لصار الأردن الوطن البديل أي لحقق اليسار بغبائه ما كانت إسرائيل تسعى إليه. بحيث إن من كانوا يتهمونه بالخيانة هو الذي حال دون خطة إسرائيل والتحقق فأبقى على القضية الفلسطينية ومن كانوا يتصورون أنفسهم أكثر وطنية منه لو نجحوا لقضي الأمر ولزالت القضية من الأصل بحل الوطن البديل.
ونفس الأمر يحصل اليوم. كل من يرهن الحل بالقضاء على إسرائيل كلها ودفعة واحدة سيقضي على فلسطين كلها ودفعة واحدة بنفس الغباء. لكن هذه المرة لن تجد "خائنا" يحمي القضية. فـ"المقاومون" سينتصرون بأفغنة الوطن وصوملته كما فعلوا بعد مع العراق الذي أخرج من التاريخ نهائيا إلى نصف قرن آخر لأنه بات مستعمرة تتقاسمها أمريكا وإيران ونفس الأمر يريده أمثال هذا الغبي المتعالم للشام كله. لكن بعض العرب لهم بالمرصاد ونحن منهم بعون الله. ولا يهمنا كلام السخفاء. فالمذمة من الناقص معلوم معناها.
وطبعا لن يخاطب أبو يعرب مثل هذه الزعانف التي أغرقت الأمة في رقصات الهنود الحمر وتنسى أن العرب والمسلمين لو ظلوا يفكرون بعقلية القرصنة التي ظنها أصحابها ستخرج الرجل المريض من مرضه وكانوا أيضا يسمونها مقاومة -لكأن هذا الاسم يمكن أن يطلق على كل سلوك يخلو من الأسس الإستراتيجية المحققة للتناسب بين الوسائل والغايات فيكون نشر الفوضى الذي يقضي على الأمة قبل القضاء على العدو هو أيضا مقاومة بمنطق الأغبياء-لبقيت كل الأوطان تحت الاستعمار إلى يوم الدين. فاشتراط التحرير بالتدخل العثماني في القرن التاسع عشر -والخلافة هي الإنسان المريض الذي لم يكن وجوده إلا وجود جثة هامدة من القرون الوسطى بين أسود الغرب الحديث-كان يعني التخلي النهائي عن كل تحرير. وكذلك الأمر لو انتظر الفلسطينيون تعريب القضية أو أسلمتها-أي اجتماع كلمتهم على أمر وهم كلهم شبه مستعمرات بل وجلها إن لم يكن كلها يحتوي على قواعد لأمريكا وإسرائيل- فسيجعلون تحريرها المشروط بالمستحيل مستحيلا ومن ثم تمكين إسرائيل من ابتلاع كل فلسطين باسم تحرير بعضها.
فإذا أصبحت قطر قائدة وهي قاعدة وأصبح حزب الله وحماس يحددان إستراتيجية الأمة وهما يحولان قضية الأمة إلى مجرد ورقة عند الملالي وزبانيتهم من البسدران فمعنى ذلك أن حال الأمة باتت أفسد مما كانت عليه في عصر الرجل المريض. العالم الإسلامي اليوم يتأفغن كل يوم زيادة بمثل هذه القيادات التي تعاني من الحمق والبلادة. فحزب الله يعتبر نفسه منتصرا لأنه جلب إلى لبنان جيوش الحلف الأطلسي الذي وضع فيها 15 ألف عسكري بحيث لم تعد الحرب مع إسرائيل وحدها بل مع الغرب كله ومن ثم فهي قد صارت مستحيلة.
ونفس الأمر تسعى إليه حماس بذكاء قيادات المقاومة التي تعلق على دماء الأطفال وتسميه انتصارا لأنها جالسة أمام مدافئ الفنادق الفاخرة وتتشدق بالشعارات الفاغرة. وبدلا من تحرير الوطن من استعمار إسرائيلي كان مفضوحا حولوا القضية بسلوكهم الأحمق إلى ورقة للمناورات الخمينية وإلى أدلة للمناورات الإسرائيلية لإقناع الغرب كله بأن الأمر لا يتعلق بمعركة شعب محتل بل بمعركة تسعى هي فيها لتحرير العالم الحر من الإرهاب. لذلك فالقضية لم تعد قضية شعب محتل يسعى إلى التحرر من قوة استعمارية بل حولتها قياداته الغبية إلى قضية يعالجها الحلف الأطلسي في إستراتيجية الحرب على الإرهاب في القرن الحادي والعشرين تماما كما حدث في محاربة أوروبا للقرصنة في القرن التاسع عشر: وطبعا لا يمكن للأغبياء أن يفهموا علاقات الأثر البعيد لأنهم يتصورون العالم تجري فيه الأمور ب"تكر" شيخهم البليد.
نسوا أن الثورات المزعومة ضد أنظمة العرب في 48 هي التي أدت إلى تضييع بقية أرض فلسطين أعني ما حمته هذه الأنظمة المتهمة بالخيانة. فقلبوها لزعمهم أنا كانت خائنة وليس لأن ما فعلته هو كل ما كان ممكنا بمقتضى تناسب القوى وتخلف الأمة. وما كان يمكن أفضل مما كان إلا في أوهام كل جبان يتفانى وهو هربان بدليل أن ما حققوه هو خسران ما حافظ عليهم من زعموهم خونة. ثم إن أنظمة ما بعد 48 آلت بثورية القيادات المزايدة عليهم إلى ما نراه الآن. فقد أخرجوا العرب من الفاعلية الإيجابية وحولوهم إلى أمة على هامش التاريخ الكوني إذ هم قد جعلوهم أداة بيد طرفي الحرب الباردة فأضاعوا فلسطين وفرصة النهوض وأصبح من كان دون العرب في بداية القرن قوى عظمى.
لكن العرب لم يعظم فيهم إلا الأوقاح من أمثال هذا الفلاَّح وكل الأزلام من الأميين الذين يتصورون النصر بعدد ما تفقده الأمة من أرض وعرض ودم لأنهم جعلوا الحرب مسألة نبال وسعال ورقص على الحبال وليس بالعلم والجامعات والقوة الاقتصادية والصبر لتحقيق النصر على الجهل والأمية التي هم ناشروها بما يتصورونه حمية وهو عين الحمق. لكن ما يجري الآن أدهى وأمر مما جرى عندئذ.
صارت الأمة العربية من الأقزام لأن نخبها صارات قياداتها إما من أولاد الحرام أو من البلداء والأفدام. ما يسمى بقيادات المقاومة يريدون للأمة العربية أن تصبح أداة بيد طرفين قزمين سيتقاسمان الوطن العربي إذا نجحت خطتهما في تفتيت الأمة العربية وتحويل قياداتها إلى الخيار بين عمالتين بدل التعاون على تحقيق المزاوجة الذكية بين أداتي المقاومة أعني القوة والحجة في آن: لإسرائيل أو لإيران. فما نراه يحصل الآن بمثل هذا الفكر العقيم الذي يريد أن يدخل الوطن العربي في الصوملة واللبننة والأفغنة بحرب القبائل والأحزاب التي صارت تسمي نفسها أحزاب الله مضمرة أن كل الآخرين أحزاب الشيطان وهي تقدم الحرب على معاوية والثأر من السنة متقدمة على كل حرب. وما المناوشات مع إسرائيل إلا للتمثيل على الوعي الجماهيري وتهديم شروط النهضة الحديثة بالعودة إلى حكم الوصي على شعب يبدؤون فيجعلون كله غبي.
والنتيجة التي ستحصل حتما لو أصبح الأمر بيد هذه الأحزاب هي بالذات ما أدى إليه التصدي بالقرصنة لعلاج الإنسان المريض: عود الاستعمار المباشر كما هي الحال اليوم بعد "الانتصار" في لبنان إذ أصبح الجنوب محتلا من 15 ألف عسكري من الحلف الأطلسي ولبنان محمية مباشرة من إيران وأوروبا وخرج العرب من المولد بلا حمص كما يقول المصريون. ونفس الأمر نرى فلسطين ذاهبة إليه لأن أمثال هذا الطحلب صار إستراتيجيا يعلم أبا يعرب كيفية علاج القضايا ويزعم فهم العلاقات الدولية والتوازنات العالمية بخرافات علم الكلام المتخلف وبرعاية شيخ صار ابن العلقمي عنده أقرب للسنة التي يمثلها بدجله من ابن تيمية: فما دام أي قرد يزعم أنه وطني ومخلص وبطل أكثر من مصر والسعودية وكل البلاد العربية التي اختارت سياسة تنزع سلاح إسرائيل المادي والرمزي فيريد أن يجعل الأمة كلها ورقة مثلها مثل العراق وجنوب لبنان وغزة تفاوض باسمها ملالي إيران الغرب حتى يعيدوها لدور الشاه السابق.
وقد رأيت أن أستغل هذه الفرصة لأقترح على أستاذي حليم المشرف على فضاء الأستاذ أبي يعرب أن ننتخب البعض من تحليلاته الفلسفية التي تحدد الأبعاد العميقة للأحداث التاريخية المصيرية بعد استئذانه في استعمالها في موقعنا. وما أظنه يمانع. فهذه الأبعاد لا يفهمها حصرم المتفاقهين وهم لا يعلمون من الدنيا والدين إلا القشور فلا يرون أبعاد الأمور التي لا تدرك قوانينها إلا بقراءة بعائد الدهور. وقد اخترت أحد دروسه الإستراتيجية سأقسمه على خمس لحظات وأبدأ هذا التقديم من اليوم ليس للرد على هذا الجاهل بل لإنارة الرأي العام المثقف:
أولاهما لتحليل معادلة الإشكالية وخطة البحث.
والثانية لفهم مسألة المقاومة وكيف يمكن تحويلها إلى فعل إيجابي.
والثالثة لفهم مسألة الأنظمة وكيف يمكن تحويلها إلى فعل إيجابي.
الرابعة: الظرف الدولي وصلته بالمعركة الفاصلة بين الحضارتين.
والخامسة: علاج ما يناظر المسألتين الثانية والثالثة في الغرب والظرف الدولي هو الواصل بين وضعيتي طرفي الصراع بوجهي كل منهما.
لذلك فهذا الدرس بحلقاته الخمس سأقترح على أستاذ حليم أن يضمه لدرس فلسفة الدين لأنه منها وإن بالتركيز على الراهن بدل الأبدي.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام