shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

             (2)

 

المفارقات المعرفية أو تجذير المفارقة الأرسطية

 

لابد لتقويمنا مشروع ابن خلدون المعرفي أن يعرف شكوك الحل الذي يقترحه ابن خلدون في المقدمة وحدوده أن يعرفهما تعريفا واضحا يبرز علل امتناع فهمه بمبادئ الفلسفة التقليدية. فهذه العناصر ينبغي أن تقوم بذاتها وبالقياس إلى العلمين الفلسفي والديني التقليديين السائدين في عصره. ويمكن أن نوجز هذه العناصر في ما يلي:

1- مشكل الحل المعرفي الخلدوني:

ادعى ابن خلدون في مقدمة المقدمة أن التاريخ جدير بأن يعد من علوم الحكمة[1]. لكنه قابل بينه وبين العلوم الفلسفية مقابلته بينها وبين العلوم النقلية وعلوم اللسان بمعيار موضوعاتها.  فموضوع التاريخ متغير من أمة إلى امة وليس أمرا كليا مثل العلوم الحكمية[2]. ورغم أنه يقول أحيانا إن علم العمران يتأسس على خاصيات موضوعه التي هي كلية وضرورية[3] فإنه يذهب في المفارقة إلى حد القول إنه  لا يمكن أن توجد ظاهرتان انسانيتان مثماثلتان تمام التماثل ولا حتى قابلتان للمقارنة[4].

ويمكن أن نصوغ المفارقة المعرفية التي تترتب على هذه الاقوال المتعارضة بالأسئلة  التالية: كيف يمكن لابن خلدون أن يؤسس علمه الجديد من دون أن يعالج علاجا صريحا  مسألة المقابلة بين الطابع العيني والشخصي للظاهرات التاريخية والطابع الكلي للمعلوم ؟ كيف يمكن أن يتجاهل  ما  يفترضه ذلك من تجذير للمفارقة الرئيسية تجذيرها الذي يفترضه اصلاح نظرية العلم الارسطية أعني مفارقة المقابلة بين كلية العلم وعينية موضوعه[5]؟ هل يدرك ابن خلدون المفارقات الحقيقية التي تترتب على استعماله نظرية العلم الارسطية[6] وتصوراته ما بعد الطبيعية والمنطقية[7] ؟

1- فلا يمكن أن نؤسس فلسفيا علما نظريا وبرهانيا للتاريخ من دون أن نتجاوز المبدأين الوجوديين اللذين تنبع منهما نظرية العلم الارسطية أي:

أ- مبدأ الطابع الكلي للمعلوم هذا المبدأ الذي يبلغ الغاية في الطابع الشخصي المطلق للظاهرات التاريخية الطابع الذي يسلم به ابن حلدون بل ويطلقه إلى حد نفي التماثل بين الوقائع التاريحية.

ب- ومبدأ الطابع العقلي للقوة الانسانية[8] هذا المبدأ الذي يبلغ الغاية في الطابع العرضي المطلق للفعل الشخصي للفاعلين التاريخيين؟

وكان يمكن لهاتين المسألتين ألا تكونا موجودتين في عمل ابن خلدون لو لم يستعمل المفاهيم الأساسية من نظرية العلم الأرسطية (معيار المطابقة والقوانين الضرورية: من التحليلات الاواخر) والمفاهيم الأساسية من  نظرية الوجود الأرسطية (الصورة والمادة: من ما بعد الطبيعة). فكيف يمكن أن يقبل ابن خلدون منطق أرسطو ونظريته في العلم من دون الأسس التي تنبني عليها أعني الأسس الميتافيزيقية[9] التي يدحضها ابن خلدون صراحة وبصورة نسقية [10] ؟

2- ما يبدو من دور في منهجية ابن خلدون:

أ- الحل المنهجي الذي يقترحه ابن خلدون لنقد الخبر واضفاء العلمية على المعرفة التاريخية حل دوري: فإذا كان التاريخ هو الذي يمدنا بمعلومات حول المجتمع الإنساني فكيف يمكن لعلم الاجتماع أن يكون مصدر القوانين التي علينا تطبيقها لتقويم الخبر التاريخي حول المجتمع ؟

ب- ألا يبدو استعمال معيار المطابقة في حالة علم التاريخ عديم الدقة: فكيف يمكن للماضي أن يستعاد من جديد لكي يخضغ علمه لمعيار المطابقة ؟ وكيف يمكن أن نتحقق من المطابقة بين القضايا ومراجعها الموضوعات؟ وكيف يمكن لتحديد الجهات الوجودية (الضروري والممتنع والممكن ) من حيث هي حصيلة تطبيق القواعد التي يحددها هذا العلم الجديد أن يكفي لتأسيس علم برهاني بالحقيقة التاريخية التي هي بصفتها التاريخية حقيقة عرضية وفي تغير مستمر ؟

ج- وهل يعتقد ابن خلدون أن المجتمع هو الوجود التاريخي للظاهرات العقلية من حيث هي ظاهرات انسانية طبيعية تتحقق في العمران ؟

د- وكيف يمكن أن يقفز من علم ما هو ممكن نظريا (حقيقة تصورية في الذهن) إلى ما هو واقع بالفعل (حقيقة طبيعية في العين) ليصل بين الاجتماعي الكلي والتاريخي الجزئي ؟ فهل يقبل ابن خلدون بوجود علم قبلي للمجتمع ؟ وكيف يمكن لهذا العلم القبلي أن يكون من نوع علم التاريخ الطبيعي ؟

3- نظرية علم تشوبها المفارقات:

أ- كيف يمكن أن نفهم وظيفة العلم المساعد التي يؤديها العلم الخلدوني الجديد ؟

ب- ما معنى قلب رؤية أرسطو للعلاج التاريخي من حيث هو منهج ورفعه إلى منزلة العلم الذي يستعمل مجموعة من العلوم المساعدة التي يؤسس عمارتها علم العمران البشري والاجتماع الانساني العلوم المساعدة في عملية نقد الخبر واضفاء العلمية على المعرفة التاريخية ؟ وما معنى تحويل معيار المطابقة الأرسطي من المطابقة مع الواقعات نفسها إلى المطابقة مع قواعد الظاهرات قواعدها التي يحددها هذا العلم الجديد؟

ج- ومن ثم إذا كان التأويل الأرسطي لنظرية العلم الخلدونية ممتنعا فهل بوسعنا أن نقرأها بحدود النظرية الافلاطونية ؟ ولكن إذا كان العيني والمتغير في فلسفة أفلاطون حتى  في فهم مدرسة ماربورMarburg [11] لها أمرا مستثنى من الوجود وليس من المعرفة العلمية فحسب فكيف يمكن أن يكون علم التاريخ ممكنا ؟

4- شكوك[12] ما بعد نظرية:

أ- إذا كانت العلاقة بين نظرية ابن خلدون وميتافزيقا أرسطو علاقة غير محددة وذات طابع مفارقي فكيف يمكن أن نفهم التصورات الأرسطة التي يستعملها ابن خلدون[13] ؟

ب-وإذا كانت العلاقة بين نظريته وميتافيزيقا أفلاطون غير محددة وذات طابع مفارقي فكيف يمكن أن نفهم التصورات الأفلاطونية التي يستعملها ابن خلدون[14]؟

والحق أن علم الاجتماع الخلدوني لن يقبل الوصف بالعلم النظري ولا الوصف بالعلم العملي إذا حاولنا التعبير عنه بحدود نظرية أرسطو ونظرية أفلاطون المعرفية اللتين كانتا تمثلان الخليتين الوحيدتين الممكنتين فلسفيا في عصره. ذلك أن هذا العلم يجمع بين خاصيات العلم النظري والعلم العملي بحدود الفلسفة التقليدية: فشكله نظري ومضمونه عملي ومن ثم فهو يرفض ما لاجله كانت الفلسفة التقليدية مضطرة للفصل بين علم النظر وعلم العمل. وجدة هذه الرؤية تؤدي إلى تأسيس العلوم الانسانية تأسيسا طبعانيا بمفردات نظرية العلم المعاصر[15].

إن اصلاح ابن خلدون المعرفي يفترض في الحقيقة نسخ التمييز التقليدي بين العلوم النظرية والعلوم العملية  لأن النوع الثاني آل في مقترحه إلى ما يمكن أن نصفه بكونه فيزياء الظاهرات الاجتماعية أعني ديناميكا القوى الاجتماعية والسياسية التي تضمحل فيها المقابلة بين الحر والمضطر بملصطلح الفلسفة التقليدية. لكن هذا النسخ لا يمكن أن يفهم من دون جسر  للهوة الوجودية بين الطبيعي والخلقي من الظاهرات[16] كما تحددهما  فلسفة أرسطو وافلاطون التقليدية. ذلك أن الفلسفة التقليدية تبني الفرق المعرفي بين النظري والعملي من العلوم على قطيعة وجودية بين موضوعاتهما (المقابلة بين الكلي والجزئي)  وبين القوانين التي تخضع لها هذه الظاهرات (المقابلة بين الضروري والاختياري).

5-محاولة في تأويل نظرية العلم الخلدونية:

يتحقق الحل الخلدوني لهذا المشكل بمجرد واقعة العلاقة بين التاريخ ونسق العلوم التي يؤسسها الفن البديل من ما  بعد الطبيعة التقليدية. والمعلوم أن احصاء ما ضدق هذه العلوم التي تتألف منها منظومة المعارف في المقدمة شبه مستحيل. لكنه بوسعنا أن نحددها مفهوميا بفضل مفهوم الظاهرات الاجتماعية ليس من حيث هي موضوع للعلم الجديد بل وكذلك من حيث هي مادة للتاريخ بمعناه الخلدوني الذي يعرفه بوصفه "خبرا عن العمران البشري والاجتماع الانساني".

وهذا التعريف غير المسبوق لعلم التاريخ يلزم عنه أن كل مكونات الحقيقة الاجتماعية من حيث هي موضوع لمجموعة من العلوم التي يمثل علم العمران علم عمارتها الرئيس تعد موضوعا للخبر التاريخي: علم التاريخ علم الخبر العلمي عن كل الظاهرات العمرانية التي هي موضوعات لعلوم شتى منظومتها هي علم العمران البشري والاجتماع الانساني. فيتشارك العلمان في الموضوع ويختلفان في جهة العلاج. وهذه العلوم التي تنتظم في علم العمران تؤدي دور العلوم المساعدة في نقد الخبر التاريخي نقدا ينقله من منزلة الأدب و الرواية إلى منزلة العلم والدراية. ذلك أن الخبر التاريخي لا يمكن أن يكون علميا من دون أن يستعمل هذه الغلوم المساعدة من حيث هي ادوات النقد التاريخي لتصديق الخبر أو تكذيبه أي للتحقق من صحة المعلومات حول الظاهرات الاجتماعية أو من عدم صحتها.

ولعل هذا التعريف الثوري للتاريخ هو الذي يمكن أن يضفي شيئا من المناعة على حل ابن خلدون للمفارقة الوجودية التي تقابل بين الشخصي الموجود والكلي المعلوم من ظاهرات الحقيقة التاريخية: فمعيار المطابقة عنده لا يهتم بالعلاقة بين الشخصي من الظاهرات والخبر التاريخي بل بالعلاقة بين الخبر التاريخي وقوانين الاحداث التاريخية العينية التي هي كلية لكونها قوانين العمران [17].

ففي النص المؤسس لحله المؤسس لعلم نقد الخبر التاريخي بقاعدة مطابقة الخبر التاريخي لقوانين علم العمران يعرض ابن خلدون البنية التالية المبرزة للترابط العميق بين علم التاريخ وعلمه الجديد:

1-   فالتاريخ: "خبرعن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم"

2-   والخبر بخلاف الانشاء يحقق بالمقارنة مع  المخبر عنه بمعيار التصديق والتكذيب أي بالمطابقة وعدمها.

3-   والتحديد النسقي لعلل اخطاء المؤرخين ينتهي[18] إلى علة أساسية هي طبيعة الحقيقة التاريخية التي يحدد قوانينها العلم الجديد الذي اكتشفه ابن خلدون.

4-   ومعيار المطابقة يتعلق بالمطابقة مع قوانين الظاهرات الاجتماعية لا مع أعيان الاحداث التاريخية أعني مع ما تتوصل إليه مجموعة العلوم التي موضوعاتها  ينتظم عقدها في موضوع العلم الجديد.

5-   والعلوم الضرورية لفحص هذه المطابقة هي العلوم التي موضوعاتها هي مقومات الاجتماع الانساني والعمران البشري.

6-   ومقومات العمران البشري والاجتماع الانساني تستنتج من تصور الانسان

7-   وتحليل تصور الانسان يحدد مستويات الظاهرات الاجتتماعية وأبواب المقدمة كلها.

ومن ثم فهذه العلوم هي: 1- علوم الشروط الجغرافية والمناخية وعلوم الشروط النفسية والفكرية للعمران البشري[19] 2- وعلوم الشروط الاناسية الطبيعية والثقافية 3- وعلوم الشروط السياسية والمؤسسية  4- وعلوم الشروط الحضرية 5- وعلوم وسائل العيش أو الرزق والاقتصاد 6- وعلوم الشروط الاجتماعية للانتاج المعرفي والتربية واللسان والآداب[20].

وبذلك يمكن تحليل المقدمة إلى عشرة أبواب[21]. فإثنان منها ما بعد علميان أعني مقدمتي المقدمة رغم ما تتسمان به من الوجازة لعل قابليتهما للتطوير هي ما أشار إليه ابن خلدون في خاتمة مقدمته[22]. وأولاهما تحمل عنوان فضل علم التاريخ والثانية عنوان في طبيعة العمران في الخليقة. أما الأبواب الثمانية الأخرى فهي علمية وهي أبواب المقدمة الستة باضافة بابين آخرين ينتجان عن قمسة الباب الاخير في تبويب ابن خلدون إلى ثلاثة أبواب تقتضيها ثلاثية الموضوعات فيه[23]: علم اجتماع العلم وعلم اجتماع التربية وعلم اجتماع اللسان والآداب.

ولما كان دافع ابن خلدون العميق إلى نسخ الفرق الوجودي والمعرفي اللذين وضعتهما الفلسفة التقليدية أو الغاية الحقيقية من مشروع ابن خلدون المعرفي هو الاصلاح الاجتماعي والسياسي فإن مبادرته الفلسفية ينبغي أن تصبح مجرد تطبيق للعلم الجديد الذي اكتشفه لتحقيق هذا الاصلاح ببعديه النقدي لما  هو موجود والمؤسس للبدائل في المجالات التي سنرى أعني من حيث كون هذا العلم:

1- علما رئيسا للعلوم المساعدة من أجل تأسيس معرفة تاريخبة مستندة إلى نقد الخبر عن ظاهرات العمران البشري والاجتماع الانساني وأحداثه من خلال مقارنتها بالقوانين التي يكتشفها هذا العلم الجديد

2- تكنولوجيا اجتماعية وظيفتها تصوير الوقائع الاجتماعية والسياسية لتوافق هذه القوانين وخاصة القانون الاساسي الذي اكتشفه ابن خلدون أعني كون علم السياسة هو علم فيزياء القوى الاجتماعية .

وبذلك يكون على علم السياسة أن يدرس القوى الاجتماعية وأن يفهم جدلية دينامية العصبيات لا الفضائل الخلقية كما تقترح الفلسفة العملية التقليدية[24] ولا الصفات الشرعية التي يقترحها علم الاحكام السلطانية التقليدي[25].


 

[1]  ابن خلدون المقدمة ص. 30:" إذ هو (التاريخ) في ظاهره لا  يزيد عن اخبار عن الايام والدول والسوابق من القرون الاول تنمق لها الاقوال وتصرف فيها الامثال وتطرف بها الاندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي لناشأن الخليقة كيف تقلبت بها الاحوال واتسع للدول النطاق فيها  والمجال وعمروا الارض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزول و(هو) في باطنه  نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق".

[2]  ابن خلدون المقدمة الباب السادس فصل في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها ص. 691-592:" والتآلف بين العلوم البشرية والأمم الإنسانية كثير ومنتقلة في الاجيال والاعصار وتختلف باختلاف الشرائع والملل والاخبار عن الامم والدول. وأما العلوم الفلسفية فلا اختلاف فيها لأنها إنما تأتي على نهج واحد فيما تقتضيه الطبيعة الفكرية في تصور الموجودات على ما هي عليه جسمانيها وروحانيها وفكليها وعنصريها ومجردها ومادتها فإن هذه العلوم لا تختلف وإنما يقع الاختلاف في العلوم الشرعية لاختلاف الملل أو التاريخية لاختلاف خارج الخبر".

[3]  ابن خلدون المقدمة ص. 71:" وإذا كانت كل حقيقة متعقلة طبيعية يصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه. لكن الحكماء لعلهم إنما لاحظوا في ذلك العناية بالثمرات. وهذا إنما ثمرته في الاخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة . لكن ثمرته تصحيح الاخبار وهي ضعيفة. فلهذا هجروه والله أعلم "وما أوتيتم من العمل إلا قليلا"".

[4]  ابن خلدون المقدمة ص. 706:" فهم (العلماء) متعودون في سائر انظارهم الامور الذهنية والانظار الفكرية لا يعرفون سواها. والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الاحوال ويتبعها فإنها خفية. ولعل أن يكون فيها ما يمنع من الحاقها بشبه أو مثال ونيافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها. ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر إذا كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور".

 

[5]  يؤكد أرسطو في كتاب الشعر الفصل التاسع منه أن التاريخ أقل من الشعر اتصافا بالصفة الفلسفية (العلم الكلي) لانه يعالج الواقع العيني الذي هو أقل كلية من الممكن (الذي هو موضوع الشعر ) ومن الضروري (الذي هو موضوع الفلسفة ).

[6]  أعلن ابن خلدون صراحة على نظرية العلم الارسطية  التي اعتمد عليها  علمه الجديد في النص التالي مثلا: ابن خلدون المقدمة ص. 78:" وفي هذا الكلام نوع اثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له. وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب علم اثباتالموضع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون اثباته من الترعات والله الموفق بفضله".

[7]  استعمال ابن خلدون لمفهومات ارسطية من الميتافيزيقا والمنطق غني عن الدليل. فكل مصطلحاته ما بعد العلمية سواء تعلقت بشكل العلم او بمضمونه أرسطية حتى وإن كانت احيانا تؤول تأويلا أشعريا  كما في مثال العلاقة بين السبب والمسبب التي يصفها في الاغلب بكونها مجاري عادات وهي تسمية غزالية تغير دلالة السببية نفيا لطابع العلاقة الضروري بينهما.

 [8]   القوة الانسانية تقابل القوة الطبيعية مقابلة الحرية للضرورة في التصور الارسطي.

[9]  دحص ابن خلدون في احد فصول الباب السادس الفلسفة بمعنيي ما بعد الطبيعة: المعنى الاول هو العلم النظري المتجاوز للتجربة والمعنى الثاني هو العلم العملي المعارض للمارسات العملية في الدين. أنظر فصل ابطال الفلسفة وبيان فساد منتحليها.

[10]  كيف يمكن أن نفهم  اصلاح الغزالي للمنطق والميتافيزيقا اصلاحه الذي قبله ابن خلدون صراحة ؟ فهل يكفي الجدل الفلسفي الكلامي حول السببية والتحسين والتقبيح العقليين تفسيرا لهذا الاصلاح المعرفي ؟ يمكن لدلالة مفهومي العمران والاجتماع المصدرية لا الاسمية أن تمدنا بقرينة أولى لاعادة تأويل العلاقة بين الاصلاح القيمي والاصلاح المعرفي في الثورة الخلدونية. أما  القرينة الثانية فهي التعريف الدقيق لابعاد العلم الذي وضع ابن خلدون أسسه والتمييز الضروري بين العناصر التي يتألف منها مضمون المقدمة: 1- العلم الجديد اسمه علم العمران البشري والاجتماع الانساني ومن ثم فهو ليس علما للحضارة من حيث هي حصيلة فعل بل من حيث هي فعل تحصيل للظاهرات التاريخية 2- لهذا العلم وظيفتان: فهو علم قائم بذاته وهوعلم مساعد لنقد علم التاريخ 3- وتتضمن المقدمة قولا ما بعد علمي: شكلي وهو نظرية العلم ومضمونيا وهو طبيعة الظاهرة  الموضوع (الدور المساعد علته أن التاريخ خبر عن موضوع هذا العلم: خبر عن العمران البشري والاجتماع الانساني) 4- وتتضمن المقدمة تمثيلا عينيا وتاريخيا للنظريات الخلدونية: تطبيق هذه النظريات بمعنيين احدهما متجه للمثال والثاني للنظرية فالمضمون التاريخي العيني في المقدمة  مجعول لفهم التاريخ الاسلامي بالنظرية الخلدونية ولتوضيح النظرية الخلدونية بمثال التاريخ الاسلامي 5- وأخيرا فالاستطرادات الواردة في المقدمة ليست إلا بقايا علم مستمد من الفلسفة التقليدية وعلم الكلام والتصوف كما في كل الامثلة المستمدة من علم عصره بها.

[11]  فهل علينا أن نطلب المطابقة المضاعفة من قراءة مربورية لنظرية المثل الافلاطونية بمفهوم الكنطية المحدثة ومن حيث هي قوانين رياضية للظاهرات وليس من حيث هي جواهر متعالية (كما نقدها ارسطو وفهمت في التقليدين القديم والوسيط)؟ أفتكون الظاهرة الثانية عندئذ مضاعفة: إنها مدينة وطبيعة في نفس الوقت بالمعنى الافلاطوني والارسطي؟  وماذا يمكن ان تكون نظرية الانسان التي يمكن ان تؤسس السياسة العقلية من حيث هي مثال هو في نفس الوقت حقيقة واقعة؟

[12] نستعمل مصطلح شكوك بمعناه عند فلاسفتنا خلال كلامهم عن الابوريا التي حدد أرسطو ما يخص منها ما يدرسه علمه الرئيس في مقالة الباء من الميتافيزيقا: والابوريا هي الشك الذي يعتري الفكر عندما يجد نفسه في عرضه لعناصر المشكل الذي يعالجه أمام ما يشبه الادلة المتراجحة فيكون وكأنه في طريق مسدودة وهو معنى أبوريا اليونانية أي ما لا ينفذ من الطرقات.

[13]  كيف يمكن أن نعرف علاقة مفهوم الصورة والمادة والمؤلف الطبيعي منهما في المقدمة بمقالة الزاي من ما بعد الطبيعة الارسطية ؟

[14]  كيف يمكن أن نحدد علاقة الحل الخلدوني بالمقالة العاشرة من شرائع أفلاطون: اعني العلاقة بين الفن المتقدم والفن المتأخر عن الظاهرات الطبيعية والتاريخية ؟

[15]  بمعنى وضعوي لتصور علوم الانسان قبل معركة المناهج ونقدها التي من بين امثلتها الاكثر وضوحا نقد دلتهاي في كتابه: Einleitung in die Geisteswissenschaften, Gesammelte Schriften B.G. Teunber , Leipzig und Berlin 1959, Bd .I.

[16]  وهذا الوصل بينهما تحقق بالتدريج في المدرسة الاشعرية. فتنسيب المبادي الذي يفسر المقابلة المطلقة كان حجر الزاوية في هذه المدرسة تحديدا لعلاقتها بالاعتزال والفلسفة. وفعلا فجسر الهوة بين الطبيعة والتاريخ يقتضي ضرورة تنسيب مبدأ الضرورة السبببة (قانون الطبيعة) ومبدأ الحرية الخلقية (قانون التاريخ). وقد عالج العزالي المسألتين فلسفيا: فالاول عالجه في تهافت الفلاسفة والثاني عالجه في عمله الكلامي وخاصة في التأسيس الكلامي لأصول الفقه في المستصفى.

 

[17]  الخبر في معنييه المقصودين عند ابن خلدون أعني صفة للجملة اللغوية المعبرة عن القضية المنطقية ومضمون خبري حول احوال الظاهرة المدروسة مضمون خاضع للتصديق والتكذيب.

[18]  لذلك كانت العلاقة بين القوانين التي يكتشفها العلم الجديد والقضايا التاريخية تبدو من جنس العلاقة بين الفيزياء النظرية والفيزياء التجريبية. ومن ثم فقد نستتتج أن العلم المؤسس لا يمكن ان يكون العلم الجديد. ذلك أن الفيزياء النظرية تفترض متقدما عليها علمين: الرياضيات وما بعد الطبيعة المفترضتين في الفرضيات المتعلقة بالنمذجة الطبيعية للريضيات. لكن ذلك ليس إلا مجرد ظاهر من الامر. فعلينا  أن نقلب ترتبيب عناصر المقارنة لأن كل علم لظاهرة اجتماعية أو طبيعية هو بدوره ظاهرة اجتماعية وعلم هذا العلم ينبغي أن يكون متقدما وجوديا وليس معرفيا فحسب متقدما على الرياضيات وعلى ما بعد الطبيعة أعني نظرية الوجود المتعلقة بموضوعات العلوم. إن علم الشروط الاجتماعية للمعرفة العلمية هو نظرية الوجود ونطرية العلم بالنسبة إلى كل نظريات الوجود والمعرفة. لذلك فهو العلم الرئيس باطلاق.

 

[19]  ابن خلدون المقدمة  الباب الاول  في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات.

[20]  حدد ابن خلدون أسباب الخطأ في التاريخ تحديدا نسقيا  بمقتضى دور  العناصر المتدخلة في المعرفة التاريخية حول الظاهرات الاجتماعية. وهذه العناصر اربعة وكل منها يتدخل مرتين في المعرفة التاريخية: 1- المؤرح يكذب تشيعا أو غفلة 2- والظاهرات التي يؤرخ لها المؤرخ واقعات لا تدرك على حقيقتها أوقصود لاتفهم 3- والمناهج التي يحصل بها المؤرخ مداركه التاريخية اخذا للخبر دون تمحيص أوبتمحيص 4- لكن العنصر المتقدم عليها جميعا هو غياب العلم الذي اكتشفه ابن خلدون: فعلم قوانين الظاهرات الاجتماعية وتطبيق معيار المطابقة مع هذه القوانين معيارا لاثبات القضايا التاريخية أو لدحضها هو ما يجيب عن مسألة معرفة التاريخ العلمية.  ومن ثم فالتاريخ العلمي ليس علما موجبا ذا موضوع له قيام ذاتي بل هو علم نقدي للمعلومات والاخبار المتعلقة بالظاهرات الاجتماعية التي اكتشف ابن خلدون علمها وسماه علم العمران البشري والاجتماع الانساني. لذلك فموضوعه ليس الظاهرات الاجتماعية بل نقد التمثلات المنحرفة لماضي هذه الظاهرات أي إن القصد النظري الحقيقي من التاريخ هو التحديد الخالص للتمثل الحقيقي التمثل الذي يطابق القوانين التي يحددها العلم الجديد. أما القصد العملي فهو هداية السياسي في تصريف السلطة بتوافق مع المعرفة بمنازل الرجال والجماعات والتوازنات الاجتماعية حتى يتحقق شرط العقلانية في الشأن السياسي أعني التطابق مع القوى الحقيقة في المجتمع شرطا في السلم المدنية.

[21] وهذا  التحليل يقتضي تبويبا جديدا للمقدمة. ونحن نقترح هذه المحاولة: الباب الاول: الطابع الفلسفي للتاريخ بمعان أربع مارسها ابن خلدون في المقدمة رغم اقتصاره على معنيين اثنين في صياغته النظرية وهي اشكال التاريخ الاربعة والعلة هي قابلية المعنيين الاول والثاني الضم إلى الثالث كما يحدده عنوان الكتاب نفسه: 1- التاريخ الكلي 2-والتاريخ العام المعين والخاص بالحضارات واحدة واحدة  3-وتاريخ العهود الطويلة 4- واخيرا التاريخ الخاص بالحضارات واحدة واحدة في العهود القصيرة. الباب الثاني: ضروب النقد الضرورية لجعل التاريخ علميا وتأسيس العلم الرئيس الجديد. الباب الثالث: الشروط الجغرافية المناخية للعمران. الباب الرابع: الشروط النفسية والعقلية والخلقية للعمران. الباب الخامس: العمران البدوي. الباب السادس: الدول والامبراطوريات. الباب السابع: المدن والحياة الحضرية. الباب الثامن: الرزق والصناعات. الباب التاسع: العلوم والتربية. والباب العاشر اللسان والآداب.

 

[22]   ابن خلدون المقدمة الخاتمة ص. 791:" ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا فليس على مستنبط الفن احصاء مسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل والله بعلم وأنتم لاتعلمون."

[23]  المقدمة الباب الاول في العمران البشري على الجملة هو في الحقيقة باب مضاعف من حيث الكم والكيف: فقسمه الاول يعالج الشروط الجغرافية والمناخية وقسمه الثاني يعالج الشروط النفسية والفكرية للحياة الاجتماعية. ومن ثم فيمكن قسمته إلى بابين بالتناسب مع الموضوعين. وكذلك المقدمة الباب السادس: في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه  (ونضيف في اللسان والآداب) هو كذلك كميا وكيفيا مضاعف (بل ومثلث المضون إذا اخذنا في الاعتبار المسألة الثالثة التي أشرنا إليها). فيكون الباب السادس مؤلفا من ثلاث مسائل علم اجتماع العلوم وتاريخها وعلم اجتماع التعليم وتاريخه وعلم اجتماع اللسان والآداب وتاريخها. وفي هذه الحالات جميعا  ليست الظاهرات المضمونية المدروسة إلا تمثيلالتطبيق المنهجية الخلدونية .

[24]  لوكانت الفضائل الخلقية كافية لاستغنى العمران عن الدولة والحكام أصلا. ابن خلدون المقدمة ص. 368:" وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب. وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه  كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا. ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يمسى من ذلك بالمدينة الفاضلة والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية.  وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع لمصالح العام. فإن هذه غير تلك.  وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع. وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير".

[25]  ابن خلدون المقدمة ص.293 :" إلا أن كلامنا في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع. فليس هذا من غرض كتابنا كما علمت. فلا نحتاج إلى تفصيل احكامها الشرعية مع أنها مستوفاة في كتب الاحكام السلطانية ....وإنما تلكمنا في الوظائف الخلافية وأفردناها لنميز بينها وبين الوظائف السلطانية فقط لا لنحقق أحكامها الشرعية فليس من غرض كتابنا وإنما نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الانساني والله الموفق"

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام