معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النخب والثورة وجدلية الهدم الثوري والبناء الديمقراطي

د. مصدق الجليدي[1]

     ما هو شائع عن الثورة التونسية كونها حدثت فجأة، وكونها إنجازا شبابيا بالكامل، ولا دخل للأحزاب ولا للنخب فيها، وأنها جاءت على غير مثال سابق. أما كونها جاءت على غير مثال، فهذا أمر محقق، والدليل على ذلك عدم استهدائها بنظرية ثورية جاهزة وعدم وجود قيادات وزعامات لها معروفة سلفا، بل ولا حتى خلفا. والدليل الأكثر شمولا هو كونها تفوقت وتابعتُها المصرية على الثورة الأكثر شهرة في العصر الحديث التي هي الثورة الفرنسية، من حيث طابعهما السلمي ومن حيث تقنياتهما التأجيجية المرتبطة مباشرة بتقنيات التواصل الحديثة: الفايسبوك بوجه خاص.

السؤال الآن: هل صحيح أن هذه الثورة هي من عمل الشباب وحدهم، وأنه لا دور للنخب والأحزاب فيها؟ الوقائع المباشرة تفيد بصحة هذا الادعاء. حادثةُ احتراق شابٍّ يُدعى البوعزيزي في إحدى ولايات الوسط التونسي تسمى سيدي بوزيد، بسبب مشاعر غبن تفجرت في داخله لما حوصر في لقمة عيشه وعيش عائلته وانتُهكت كرامته، تلاها مظاهر احتجاجية في المدينة ذاتها تطورت إلى انتفاضة عمت كل المدن والقرى المجاورة، الرقاب وتالة ومنزل بوزيان والمزونة والقصرين والمكناسي والقيروان وصفاقس، ثم بلغت العاصمة وعمت كامل أرجاء البلاد. ثورة حدثت بلا منظرين وبلا نظرية ثورية. ثورة مرت مباشرة إلى مرحلة التعبير العلني عن وجودها بلا مقدمات ولا ترتيبات سرية. ولكن ماذا لو تحررنا من وقْع المباشر وتسلحنا بأدوات الوعي التاريخي، بل والجغرافي كذلك؟ لنبدأ بالأقرب زمانا: قبل هذه الحادثة بيومين أو ثلاثة، شهدت ساحة كلية الآداب بالقيروان، حوادث عنف شديد مارسه بلطجية الحزب الحاكم السابق على شباب الاتحاد العام لطلبة تونس الذين فازوا في انتخابات ممثلي الطلبة في المجلس العلمي بالكلية. يومها تساءلت شخصيا في حُنق وحيرة إلى متى يستمر هذا الوضع المخزي في الجامعة وفي البلاد؟ وكيف آل الأمر بنا إلى هذا الحد من الهوان؟ هذا مثال واحد عن حالة العربدة ودرجة القهر الذي كان مسلطا على المعارضين للنظام السابق. لنترك الانطباع الشخصي والتحقيق اليومي، ولنعد القهقرى إلى الوراء لحوالي قرن ونصف. ألم تكن نفس المناطق والشعور بالظلم والحيف الاجتماعي لدى أهلها هي ما مثل وقود ثورة علي بن غذاهم عام 1864، وتحديدا قبائل الهمامة والفراشيش وماجر وأولاد عيار. أليست المسألة إذن مسألة أحفاد أخذوا بثأر الأجداد الذين قمعت ثورتهم وفشلت في تحقيق أهدافها بتواطؤ من الأرستقراطية العقارية التي أتت بالاستعمار الفرنسي إلى تونس بعد ذلك بقليل، والتي يخشى عليها مرة أخرى من السطو من أهل مناطق الياسمين الذين نظموا اعتصام القبة بالموازاة مع اعتصام القصبة، بينما هي في الحقيقة ثورة نبتت في أراضي الحلفاء، أراضي من توشك جلودهم أن تتحلف من فرط ما مورس ضدها من جَلْد؟ ولكن هذا لا يمثل إلا مقطعا من المشهد التاريخي العام، الذي يمكن النظر إليه من زوايا أخرى كذلك تمنحه شكله الأقرب إلى تركيبة الأحداث وتواترها.

نذكّر على هذا الصعيد بأحداث الحوض المنجمي وعاصمته الرديف التي مثلت في 2008 حركة احتجاجية قوية جدا ودامت مدة طويلة نسبيا وحرّكت سواكن بعض الأحزاب التي شرعت في الحج إلى هذا الحوض للنيل من بركاته النضالية والظفر برصيد رمزي من هذه النضالية الاجتماعية حتى لا نقول للركوب على الأحداث والنيل من كعكة المصداقية، من طرف هذه الأحزاب التي كانت دائما متخلفة عن الركب بخصوص المسألة الاجتماعية، مخيرة عليها الأجندة السياسية التي قد تقودها مباشرة إلى البرلمان بفعل صدَقة انتخابية يتفضل بها عليها الحزب الحاكم السابق أو إلى قصر قرطاج كما توهّم بعض رؤساء الأحزاب بلوغه من موقع ندية مدعاة مع الرئيس المخلوع، وهو في الحقيقة لا ند له إلا دكتاتور مثله. لقد رفعت إبان أحداث الحوض المنجمي شعارات تنِمّ عن وعي مبكر نسبيا بتلازم الاجتماعي بالسياسي، وهي الشعارات نفسها التي رفعت بعد ذلك في انتفاضات سيدي بوزيد والرقاب والمكناسي والمناطق المجاورة، مثل شعارات: "فلوس الشعب في القصور وأولاد الشعب في القبور"، و" يا نعيشوا عيشة فل، يا نموتوا الناس الكل" وهو شعار يحتوي في الآن نفسه على مطلب اجتماعي عام وعلى المناداة بالحياة الكريمة. فهي ثورة الفل إذن لا ثورة الياسمين. وكلنا يذكر بطبيعة الحال الشعار الشهير: "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق" الذي طبخ هو الآخر في أفران الرديف منذ 2008، كما يذكر شهود عيان. وقناة عبور هذه الشعارات هي الهواتف النقالة والفايسبوك كما يفيدنا بذلك نفس أولئك الشهود[2].  كما رفع شعار آخر من وحي الواقع الخاص بتلك المناطق: "الأراضي تباعت والأهالي جاعت".

 كما نذَكِّر كذلك بأحداث بن قردان التي اندلعت السنة الماضية ودامت عدة أيام. ولكن ما حدث في كل من الرديف وبن قردان لم يتحول إلى شعور عام بالغضب لدى عامة الشعب لأنه لم ينتشر بشكل مباشر في صفوف شبابه بحكم وجودهما معا في مناطق نائية نسبيا وبعيدة عن المدن الكبرى صفاقس والقيروان وتونس، فهما يوجدان على الحدود التونسية، الأولى على حدود الجزائر والأخرى على حدود ليبيا، وبحكم القمع الشديد الذي مورس على مناضلي الحوض المنجمي، واحتواء النظام السابق لأزمة أحداث بن قردان بالتنسيق مع النظام الليبي الآيل إلى السقوط. لا ننسى كذلك أحداث الخبزة التي وقعت في بداية سنة 1984 والتي انطلقت شرارتها الأولى من مدينة جنوبية نائية هي مدينة دوز التي قدمت في هذه الثورة شهداء من بينهم الشهيد الأستاذ الجامعي حاتم بالطاهر رحمه الله. ولكن أحداث 84 عالجها رئيس البلاد آنذاك بورقيبة بأسلوبه الخاص الذي عرف به والذي يصدر عن حسه البراغماتي وقدرته على المناورة. وعبثا حاول الرئيس المخلوع محاكاة ذلك الأسلوب في احتواء الموقف خلال الانتفاضة الأخيرة للشعب التونسي، ولكن هيهات هيهات، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء وشتان بين الدكتاتور الأول والدكتاتور الثاني. فالأول يتمتع بضرب من الشرعية التاريخية بوصفه زعيما للبلاد قادها تدريجيا للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي المباشر، الشيء الذي مكنه من قدر أدنى من احترام الشعب له، أما الثاني فليس له أي فضل على الشعب، بل الشعب هو الذي دفع من ثرواته وكرامته غصبا ليُحكم ذلك المستبد الفاسد وبطانتُه قبضتهم عليه. ومن ذلك ما لحق مناضلي حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي وحركة البعث وعديد الأحزاب والحقوقيين والمستقلين من أذى شديد وقتل وتشريد على يد زبانيته.

نُذكّر بكل هذا لتظهر لنا بجلاء حقيقة التراكمات التاريخية التي حصلت طوال العقود الماضية لتتحول نوعيا إلى هذه الثورة المباركة. وما ذكرناه هنا ليس إلا تلخيصا شديدا، بل ربما مخلا لكل الأسباب العميقة لحدث الثورة. وبهذا نجيب على الافتراض الأول الذي يخص فجائية هذه الثورة وأنها من صنع "الشباب" وحده، لننفي مثل هذه الفرضية ونتبنى مقابلها نموذج التفسير القائم على التراكمات الكمية المتحولة في لحظة معينة إلى تغير نوعي. وفي الحقيقة إذا ما نظرنا إلى مفهوم الشباب لا في اللحظة الراهنة فحسب بل كفئة عمرية وكمرحلة وعي حاد بالظلم والحيف والتوق نحو الحرية ونحو المثل الأخلاقية العالية، فإن الشباب حقا هو من أنجز هذه الثورة. ولكنه ليس شباب هذا الجيل فقط، بل شباب مختلف العقود الماضية. شباب الحركة اليسارية وشباب الحركة القومية وشباب الحركة الإسلامية وشباب الحركة الطلابية. فالشباب هم دائما أول من يثور عبر العصور. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: "نصرني الشباب وخذلني الشيوخ" للإشارة إلى الدور الحاسم للشباب في ثورة الإسلام على الكهنوت وعلى الطاغوت، وهذا منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.

نضيف كذلك تدقيقا آخر، وهو أن الشباب الذي أسهم بالقسط الأوفر في هذه الثورة ليس شباب المناطق التي انطلقت منها شراراتها الأولى فحسب، بل إن شبابا آخر، كان هو أيضا مهيأً للانضمام إليهم في هذه الثورة، بل وأسهم في التسريع بنسق الوعي السياسي والرفع من نوعيته لدى جانب من شباب الفايسبوك على الأقل، أعني بهم تلك المجموعة التي أسست منذ سنة تقريبا برلمانا افتراضيا في الفايسبوك انتُخب بشكل ديمقراطي، وعملت في الآن نفسه في شكل حكومة ظل تراقب عمل الحكومة السابقة وتقدم بدائل عن تمشياتها الخائبة. وبطبيعة الحال من المرجح أن يكون من بينهم من هو من سيدي بوزيد والقصرين والقيروان...الخ. ولكن بالتأكيد أن عددا مهما منهم كان من العاصمة التونسية، وأنا أعرف شخصيا البعض منهم من تونس ومن القيروان.

وفي نهاية هذا العنصر لا ننسى كذلك شبابا آخر من نوع خاص جدا أسهم في تقديم بديل شبابي شعبي جدا عن مؤامرة تمييع الشباب وتجفيف منابع الرجولة والمقاومة والأصالة فيه. إنه شباب أغاني الراب، ومن أشهر رموزه الجنرال والكانون والبسيكو آم. وهذا الأخير على سبيل المثال وصلت شعبيته إلى درجة قياسية عندما انضم إلى صفحته أكثر من نصف مليون شاب. مع أنه قدم في بعض أغانيه معاني قريبة جدا من الأفكار السلفية المتشددة، وتعاطف الشباب معه لا لأجل تبنيهم لتلك الأفكار بل كردة فعل على تواطؤ بعض النخب، إن بالقصد أو بصفة موضوعية، مع النظام السابق بتوفيرهم لقاعدة ايديولوجية وذائقة فنية لتمييع الشباب، فشعر الشباب بأنها تهدد بنية شخصيته القاعدية وتوازُنَه النفسي والروحي وتلهيه عن مطالبه الأساسية. وشباب الراب ما زال يواصل رسالته التوعيته إلى حد الآن وآخر ما سمعت له هو حملة مضادة لترشح بعض رموز السابق للانتخابات الرئاسية القادمة.

 

والآن أين النخب من كل هذا؟

 

سنجيب على هذا السؤال بطريقتين متكاملتين:

·       أولا بإبراز مدى إسهام النخب في الثورة بمعناها المباشر الذي هو إسقاط رأس النظام.

·       وثانيا بمدى إسهامها في الثورة بمعناها العميق الذي هو سيرورة هدم وبناء ما زالا متواصلين.

بداية ماذا نقصد بالنخب؟

 

نقصد بها كل الفئات المتميزة في تكوينها وفاعليتها في مختلف مواقعها الاجتماعية والمهنية، من مثقفين وجامعيين ومحامين وكتاب وفنانين وناشطين حقوقيين وسياسيين ونقابيين.

 

فإذا كان المقصود بالثورة هو تطور انتفاضة مدن وقرى الوسط التونسي إلى انتفاضة شاملة لكل أنحاء البلاد والتي تحولت من المطالب الاجتماعية إلى المطالب السياسية، فإلى مطلب إسقاط النظام ورحيل بن علي، أي إلى حدود تاريخ 14 جانفي 2011، فبالتأكيد أن موقف النخب المثقفة والجامعية، باستثناء بعض الفنانين والكتاب، كان موقفا متخلفا كثيرا عن ركب الأحداث. فهؤلاء النخب قد أصيبوا فجأة بشلل في القدرة على التفكير الحي وعلى استيعاب طبيعة اللحظة الثورية وما تحمله من دلالات ووعود. ولذلك لم يتوان الكثير منهم في الاستخفاف بهذا "الطيش" و"الحماس الزائد" و"التهور" الذي أبداه الشباب المندفع نحو الموت والمتجرّئ على مقارعة البوليس ليلا نهارا في الرقاب وفي سيدي بوزيد وغيرها من جهات البلاد الداخلية قبل انتقال موجة الغضب إلى العاصمة. وبسقوط رأس النظام وجدت هذه النخبة المثقفة نفسها في التسلل وعلى هامش هذا الحدث الجَلَل. كانت النخبة في بهتة، ثم بدأت تشعر بوخز الضمير، وظهرت عبارات كثيرة في الفايسبوك من قِبَل من تسلح بالشجاعة الأدبية منهم، من قبيل "أنا خجلان من نفسي" أو "نحن خذلناكم أيها الشباب، فلا تستمعوا إلينا مستقبلا. أنتم أساتذة الثورة ومنكم نتعلم دروسها…" وما إلى ذلك من هذه التعابير التي توحي بأزمة ضمير المثقف النزيه ولكنه المصاب بإعاقة وبتشويه في وعيه الثوري.

جانب من هذه النخبة تدارك أمره بعد ذلك وحاول التكفير عن ذنبه بالمشاركة في المسيرات والاعتصامات لإسقاط الحكومتين المؤقتتين الأولى والثانية، ولكن جانبا منها مازال إلى الآن مصدوما مما وقع، ولم يقدر على تمثل حقيقة ما حصل، ولا يريد أن يصدق أن ما حصل هو "ثورة" بأي معنى من المعاني. وقد وصل الأمر ببعضهم إلى الانسحاب من العمل السياسي الحزبي المعارض، لأن حزبه قرر الانضمام إلى المجلس الوطني لحماية الثورة، ليس لأنه يعتبر صنيعا كهذا من باب الالتفاف على الثورة كما يرى ذلك عدد من شباب الثورة بالداخل، بل لأنه لا يصدق أن ما وقع هو ثورة حقا. ومن مظاهر الإعاقة الأخرى في التفكير السياسي لدى بعض النخب، هو مواصلة اعتقادها في إمكانية إنجاز تسوية تاريخية مع مخلفات النظام السابق ورموزه قياسا على ما حدث في جنوب إفريقيا على سبيل المثال، باسم المصالحة الوطنية، بينما نسيت هذه النخبة أنها التجأت سابقا إلى هذه الاستراتيجية في العمل من مواقعها الحقوقية والمدنية، في محاولة منها "لتوريط الأنظمة العربية في لعبة الديمقراطية"، لما يئست من قدرة الجماهير وقدرة الشباب على إنجاز ثورات سلمية على الأنظمة الاستبدادية. فلما توصل الشباب إلى تحقيق ذلك فعلا، لم تقدر تلك الفئة النخبوية على استيعاب ما حصل وعلى تعديل رؤيتها للأمور والدفع باتجاه تكريس الاستحقاقات الفعلية لهذه الثورة النوعية. ولذلك ظلت هذه النخبة متخلفة عن الركب حتى بعد 14 جانفي وظلت تقنع دائما بالقليل، كما قنعت أول مرة ببعض الإصلاحات من داخل النظام السابق، ثم رضيت بالحكومة المؤقتة الأولى، فالثانية، وستبقى على حالها هذه مهما حققت الثورة من مكاسب، لأنها مصابة بإعاقة هيكلية في وعيها الاجتماعي والسياسي.

بطبيعة الحال، نحن لم نتحدث هنا عن جحافل الوصوليين والانتهازيين من المناشدين الذين أُسقط في يدهم والذين بلغت الوقاحة بأغلبهم إلى الهروع إلى لجان حماية الثورة ومجالسها "لقلبان الفيستة" ومحاولة التستر بثوب مخروق على عوراتهم الخيانية للشعب. وقد وصل التخابث الساذج ببعضهم إلى حد محاولة بناء رصيد نضالي مزيف بتسجيل رقمي في بضع دقائق لمشاركته ضمن إحدى المسيرات التي عمت البلاد والتي أصبح حتى النعاج في ذلك الحين قادرة على الانضمام إليها، ولا أدري إن كانوا قد أحرقوا قبل ذلك صور زيارتهم السنوية لقصر قرطاج لحضور موكب اليوم اللاوطني للثقافة. ولا أظن أنهم يفعلون ذلك، فمن يدري لعل الأمور تعود يوما في ظنهم البائس إلى ما كانت عليه…

ومع ذلك، يجب أن نقرّ بدور بعض أصناف النخب في التأجيج الفعلي لروح الثورة منذ بداياتها الأولى في المناطق الداخلية ثم في العاصمة، أعني بذلك المحامين والنقابيين الوطنيين وأطباء وممرضي مدينة صفاقس ومناضلي الحركة الطلابية وبعض الجامعيين وعدد قليل جدا من الرموز السياسية المعارضة، وعدد من شباب الجمعيات الثقافية. وأخص بالذكر منهم شباب منتدى الجاحظ، الذي كان يقوم بنشاط نخبوي نوعي، يتمثل في المشاركة في الندوات والفكرية وفي تكوين مآت الشباب على كيفية المطالبة السلمية بالديمقراطية وحقوق الإنسان وكيفية ممارسة المواطنة الفعالة. وقد نزل فيما بعد كل شباب "الجاحظ" من دون استثناء إلى الشارع وأسهم في إسقاط بن علي وأحدث عديد المواقع والصفحات الثورية في الفايسبوك وبدرجة عالية جدا من الجرأة لا أكتم شخصيا أني كنت مندهشا منها في المراحل الأولى من الانتفاضة. هذا الشباب هو من تكوين بعض النخب ولكنه والحق يقال قد تجاوز في جرأته وفي إيمانه بقضيته كل النخب التي كونته.

هذا إذن بخصوص المعنى الأول من الثورة: أي تلك النضالات الميدانية التي انتهت بسقوط رأس النظام التونسي.

نأتي الآن إلى المفهوم الذي نتبناه في حقيقة الأمر، وهو أن الثورة ليست حدثا تم وأنجز وانتهى، بل إن الثورة هي سيرورة بناء متواصل. وبالأحرى هي جدلية هدم وبناء، ولكن ليس على نحو كرونولوجي تتابعي: أي ليست هدما يعقبه بناء، بل هي هدم وبناء في نفس الوقت. أعطي مثالا على ذلك. نحن نريد تقويض وتصفية مخلفات النظام السابق، ومن ذلك محاكمة المسؤولين عن جرائمه. هذا التمشي يصطدم الآن بعقبات، من بينها عدم استقلال القضاء، ومن مؤشراته استمرار نفس القضاة السابقين في موقع وكلاء الجمهورية الممثلين للنيابة العمومية، مما أدى على سبيل المثال إلى تجاهل بعض الأسماء التي وقع رفعها من قبل مجموعة الخمس وعشرين من المحامين لمقاضاتهم من أجل الفساد أو المشاركة في القتل والأمر به أو كليهما. هذا التقويض الذي نريد القيام به لأعمدة النظام السابق يتطلب تقويضا آخر وهو ذاك الخاص بالأسس الفاسدة لمنظومة القضاء وبناءها من جديد على قاعدة الاستقلالية. وبناء القضاء المستقل هو الذي سيساعدنا على استكمال مهمة هدم أركان النظام السابق. هذا مجرد مثال عن تعقد جدلية الهدم والبناء وعدم تتابعهما بشكل كرونولوجي نمطي.

فما هو موقع النخب ودورها ضمن جدلية الهدم الثوري والبناء الديمقراطي؟

صنفٌ من هؤلاء النخب تحتاجهم البلاد الآن بصفة استعجالية، وقد شرعوا منذ الوهلة الأولى في تقديم خدماتهم لها: إنهم قطاع المحامين. أذكّر على سبيل المثال بتدخل الأستاذ الصادق بلعيد ليلة 15 جانفي ليكشف عن لا مشروعية انتحال الوزير الأول لصفة رئيس دولة. وهو الأمر الذي أصبح الآن منطلق قضية رفعت في حق ذلك الوزير الأول السابق. ونذكر العمل الهام الذي يقوم به محامو مجموعة الخمسة وعشرين في إطار ملاحقة رموز النظام السابق الفاسدين والقتلة. وكذلك دورهم في رفع دعوى قضائية لحل التجمع، وهو ما تم بالفعل، وغيرها من الملفات الحيوية التي يتابعها محامون وطنيون.

وغير بعيد عن سلك المحامين تلعب النخبة الجامعية المتخصصة في القانون الدستوري دورا نشطا في تنوير اختيارات المجموعة الوطنية بخصوص النصوص المنظمة للحياة السياسية. نذكر على سبيل المثال ما تقوم به وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي بكلية الحقوق بسوسة، التي بدأت باقتراح ميثاق للثورة في شكل مدونة سلوك سياسية وفكرية، ثم اقتراح عقد جمهوري الذي يمكن أن يمثل نواة وقاعدة لدستور ديمقراطي، وسيواصلون عملهم خلال تكون المجلس التأسيسي لتقديم مقترح بدستور تونسي ديمقراطي. وبالتأكيد توجد شخصيات أخرى من النخبة الجامعية القانونية هي الآن بصدد مواكبة مختلف الاستحقاقات السياسية الوطنية، مثل الأستاذ الصادق بلعيد والأستاذ قيس سعيد وغيرهما من الباحثين القانونيين. وهنالك الآن مجموعات عديدة من المختصين في القانون يجوبون البلاد ويقدمون محاضرات يشرحون فيها للناس عديد المفاهيم القانونية الغامضة أو المعقدة. مثل الفرق بين النظام الرئاسي والنظام الجمهوري ومختلف طرق وصيغ الانتخابات...الخ.

 

        نأتي الآن إلى دور النخبة المثقفة بصفة عامة في عملية البناء الديمقراطي وفي حماية الثورة من مخاطر الالتفاف والانحراف.

المثقفون حسب رؤية المنظر الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci 1891 – 1937 يمارسون دوراً حيوياً ومهماً في تكوين وبناء الأفكار المنظمة وفي تدعيم القبول الاجتماعي بالإيديولوجية الصاعدة، خاصة من قبل المثقفين العضويين، إذ يميز غرامشي بين فئتين من المثقفين: المثقف التقليدي، والمثقف العضوي. والمثقف العضوي، هو المثقف المرتبط بطبقة صاعدة، أما المثقف التقليدي فينتسب – تاريخياً – إلى الحقبة التي تسبق ولادة هذه الطبقة الجديدة.

المثقف المؤهل إذن للإسهام في البناء الديمقراطي وفي حماية الثورة من مخاطر الالتفاف عليها والانحراف بها عن مسارها الصحيح هم المثقفون العضويون، أي الملتحمون بالطبقة الصاعدة وقضاياها ومطالبها. ولنوسّع من تعريف المثقف العضوي ونعدله بحيث يتطابق مع الحالة التونسية، نقول إنه علينا استبدال مفهوم الطبقة بمفهوم أوسع، هو مفهوم الكتلة التاريخية، التي هي مفهوم من إبداع غرامشي كذلك. وهي المتكونة من الفئات والقوى الشعبية والأحزاب ذوات المصالح المشتركة، وفي قضية الحال تتصدر فئة الشباب المتحصلين على الشهادات الجامعية والمعطلين عن العمل أول هذه الفئات، تنضم لها فئات الفلاحين الصغار والفقراء وعمال المناجم والمصانع، ثم كل الذين تعرضوا لظلم وقهر النظام السابق بسبب تبنيهم لقضايا أخرى حيوية مثل قضية الحريات والهوية، وهم متوزعون بين الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والكتاب والمثقفين الأحرار.

 

من مهمات المثقف العضوي في هذه المرحلة هو التنبيه إلى المخاطر التي تتهدد الثورة سواء بالالتفاف حول مكاسبها أو بالانحراف عن مسارها.

من مخاطر الالتفاف التي شاركنا في التنبيه إليها عبر حملات مكثفة في الفايسبوك والصحف التونسية هو خطر وضع مصير البلاد السياسي في يد لجنة تقنية قانونية ذات توجه معين لا يعكس ضرورة توجه الغالبية العظمى من الشعب، وهو التوجه التغريبي الفرنكفوني. واقترحنا بدلا من ذلك إشراك مختلف الأطراف الوطنية في حوار سياسي يفضي إلى اختيارات على مستوى صيغة التمشي الانتقالي الديمقراطي يترجم بعد ذلك بعبارات فنية قانونية، وهو ما بصدد التحقق الآن وإن بدرجة ما في صلب الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي. فتم العدول بمقتضى هذا التمشي، وبفضل مقترحات المجلس الوطني لحماية الثورة واعتصام القصبة 2، عن إجراء انتخابات رئاسية فبرلمانية، إلى انتخاب مجلس وطني تأسيسي يكون من بين مهماته الرئيسية وضع دستور جديد للبلاد، بعد أن فقد الدستور الحالي كل مصداقية، على ما فيه من نقاط إيجابية. ومع ذلك فنحن ننبه إلى ضرورة ملازمة اليقظة داخل الهيئة العليا حتى لا تمرر إجراءات وصيغ تهدد سلامة الانتقال الديمقراطي بشكل أو بآخر.

        من المخاطر التي ننبه إليها الآن كذلك هي نسيان الأسباب الأهم لاندلاع الثورة في مناطق سيدي بوزيد والرقاب والمكناسي وغيرها، بعدم إيجاد حلول جذرية لمشاكل الفلاحين في تلك المناطق وتمكينهم من الأراضي التي سلبت منهم زمن الاستعمار القديم وزمن الاستعمار الجديد ورديفه الاستبداد. حيث أن طابع الثورة التونسية ليس طابعا برجوازيا يقتصر على سمْته السياسي فحسب، بل إن هذه الثورة هي من أجل تكريس ديمقراطية اجتماعية وأن الديمقراطية السياسية يجب أن تكون شرطا من شروط تحقيق هذا الرهان الاجتماعي والاقتصادي الكبير وليس أداة لنسيانه في زخم اهتمامات برجوازية محض. فلا للالتفاف إذن على حقوق الفلاحين الفقراء في تلك المناطق المحرومة والمظلومة لمدة قرون طويلة. ولكن المشكلة أن هذا الأمر لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه، بل بتحوله إلى اختيارات سياسية وطنية تجد ترجمة لها في دستور البلاد وفي الميثاق الجمهوري الممهد له ثم في القوانين والسياسات التي ستضعها الحكومة المنتخبة القادمة وربما حتى الحكومة المؤقتة التي سيعينها المجلس الوطني التأسيسي الذي سيتم انتخابه. وهنا أنبه الشباب من ثوار المناطق الداخلية والمناضلين عموما بهذه الجهات إلى ضرورة التنسيق مع الشخصيات الحقوقية الوطنية المتبنية لميثاق الثورة ضمنا أو صراحة للضغط باتجاه تحقيق التوجه المشار إليه، إذ لا بد انطلاقا من مرحلة معينة من المرور  من الاحتجاج في الشارع إلى التأثير عبر الهياكل والمؤسسات المدنية والرسمية لتجسيد مطالب الثورة. ولكن المشكل هو ما نلاحظه من نقص في الدربة لدى الشباب على مثل هذه الأمور ومن هنا يبدو التفاف جنرالات السياسة القدامى، من النظام السابق على وجه الخصوص، على مطالبهم بحذقهم لآليات المكر القانوني وعلاقاتهم بأوساط الطبقة الجامعية الحقوقية النافذة بفعل موالاتها للأجندة الليبرالية الغربية.

من مخاطر الانحراف:

مما نبهت إليه النخب المثقفة والجامعية ولا زالت تنبه، هو

·       مخاطر انزياح الوعي الاحتجاجي إلى إيديولوجيا ثوروية مشبعة بالجهوية والعشائرية (مهدي مبروك، المغرب الموحد، عدد11، ص.31). وهذا الأمر مرتبط بقضية انحدار درجة التسامح وتفكك الروح الوطنية الحقيقية. كما نبهت النخب المثقفة ولا زالت تنبه إلى

·        مخاطر تفاقم المطلبية التعجيزية وهستيريا الاعتصامات المشلة للحركة الاقتصادية للبلاد (انظر مقالنا في موقع فلسفة حول معنى حماية الثورة) وكذلك

·       خطر العنف والتكسير والحرق الذي يطال مؤسسات صناعية وخدماتية وطنية. كل هذه الأمور تمثل نماذج مؤسفة من مخاطر الانحراف بالثورة عن مسارها والذي تمارسه الدكتاتورية الشعبوية.

·       وأخيرا يتهدد الثورة خطر آخر من داخلها وهو المتمثل في تضخم الإيديولوجي والحزبوي على حساب الوطني المشترك.

 

ولا يتوقف دور النخب على التنبيه والتوعية بمخاطر الالتفاف والانحراف اللذان يتهددان الثورة، بل إن لها مهام أخرى من طبيعة بنائية، وعلى رأسها الإسهام في بناء المجتمع المدني الجديد والدولة الديمقراطية الجديدة. وأذكر هنا على سبيل المثال بعض النماذج الحقيقية عن هذه المهام.

 

نماذج من المهمات البنائية الديمقراطية

 

لقد انطلقت منذ أسابيع على طول البلاد وعرضها موجة تكوين جمعيات مدنية عديدة من أبرزها منتديات المواطنة التي فاقت الآن الثلاثين منتدى وهنالك تفكير في إنشاء رابطة وطنية لها جميعا، وذلك وعيا من النخب التونسية بأن هذه الثورة هي ثورة مواطنة بدرجة أولى وأنه يجب نشر الوعي الصحيح بهذه القيمة الأساسية للثورة التي تشتمل على قيمها الأخرى كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحق في الشغل والصحة والتعليم المجاني.

وقمت شخصيا منذ أسابيع بتوجيه دعوة في الصحافة الوطنية من أجل إطلاق المبادرة الوطنية للإصلاح التربوي الجديد كما أطلق زملاء جامعيون آخرون دعوات لإطلاق مبادرات لإصلاح التعليم العالي وأخرى لإصلاح منظومة البحث العلمي الفلاحي...الخ. ونعمل منذ شهر تقريبا في شراكة مع المعهد العربي لحقوق الإنسان على بلورة تصور للإصلاح الديني يكون بمثابة إحدى مقدمات الإصلاح السياسي.

        كما تسعى عديد المجموعات من المثقفين الأحرار في عديد جهات الجمهورية إلى إصلاح أوضاع النشاط الثقافي والإبداعي فيها. وتقوم عديد الفرق الفنية الملتزمة بإقامة حفلات لتغذية الروح الوطنية والثورية في أوساط الشباب الطلابي وغيره.

والأمثلة الحاصلة والإمكانات المفتوحة أمام إسهام النخب العضوية في مسيرة البناء الديمقراطي الاجتماعي لا تحصى ولا تعد، وعلى كل بذل الجهد في ميدانه لتأدية واجبه الوطني في هذه المسيرة المتميزة التي نريدها مثالا يحتذى به في الوطن العربي والعالم كله.

القيروان 14 أفريل 2011

 

[1] أستاذ العلوم الثقافية والتربوية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان.

[2]  الساسي العليبي من المكناسي، متحصل على الأستاذية في التاريخ معطل عن العمل.

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي