



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
عرض كتاب "هيجل الأول"
(أبو يعرب المرزوقي)
09/08/2008
اصدر الدكتور الشاب ناجي العونلي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الجنوب (صفاقس) كتابا قيما بعنوان "هيجل الأول وسؤال الفلسفة" وشبه عنوان: "في تاريخ نشوء المشكل الهيجلي وتطوره من نص توبنجن إلى استهلال كتاب الفَرْق" (عن دار صامد للنشر تونس 2006). ويقع الكتاب في 341 صفحة من الحجم المتوسط. يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة مع ثبت ببلوغرافي بالمصادر والمراجع. وقد شاءت الصدف أن أطلع عليه إطلاعا دقيقا ليس بمناسبة مشاركتي كمناقش في ترشح صاحبه للتأهيل الجامعي فحسب بل لأن صاحبه قدم فيه قراءة جديدة لفلسفة هيجل التي كانت ولا تزال من مسائل الفلسفة الغربية الأساسية التي اهتممت بها منذ شبابي[1].
لذلك فسيلاحظ القارئ أني أستعمل كلمتي المترشح والمؤلف للدلالة على شخص واحد هو الأستاذ العونلي: لأنه هو مؤلف الكتاب وهو المترشح للتأهيل. ونظرا إلى أهمية الفرضية التي يقدمها الأستاذ ناجي العونلي وإلى أهمية القضايا التي طرحت في هذه المناقشة التي ركزت فيها على هذا الكتاب فإني رأيت من الفائدة أن أنشر ثمرة هذا البحث تكريما للكاتب والكتاب وتحية للتوجه الجديد الذي بدأت النخبة الجامعية التونسية تسعى إليه عناية بترجمة الأمهات إلى العربية[2]. وهو عمل أقدم فيه محاولة لتصحيح بضع التصورات حول فلسفة هيجل وحول الترجمة التي تحافظ على شروط التبليغ دون إهمال جدة الفكر.
ويمكن لعرض كتاب "هيجل الأول" ومناقشة ما ورد فيه من قضايا أن يقتصر على عرض المسائل بعُدة نظرية وتصورية من عصر عدة هيجل اتباعا لخيار المؤلف أو أن ييسر الأمر فيستعمل العدة الحالية قدر المستطاع دون تحريف فكر هيجل أو السعي إلى تحديث فكره لجعله في قطيعة مطلقة مع عصره أو بداية جديدة في حين أني أراه نهاية لحقبة عطلت الفكر الغربي ولم يتحرر منها إلا بعد ما يسمى بالمنعرج اللساني. فنسبة العدتين إلى نفس القضايا هي من جنس العلاج الجبري لحل المعادلات المعقدة إلى العلاج بطريقة البناء الهندسي. وتتألف المناقشة من أصناف المسائل التالية:
أفق العلاج أو منظور العلاج استراتيجة النقاش:
وفيه مسألتان[3] أولاهما تبحث منظور صاحب المحاولة لعلاج مادته والثانية تبرر إستراتيجية النقاش:
المسالة الأولى وفيها تحرير منطور المترشح ومنهجه أعني ما أطلق عليه اسم "قص الحدوسات الفلسفية الأم" والاستغناء القصدي عن طريقة تاريخ السير كما يسميها بما يشبه الاستهانة بها.
المسألة الثانية وفيها علل الحذر من مجازفات هذا النوع من القراءة خاصة والشروط الموضوعية المتوفرة لقراءة هيجل قراءة حذرة تغني عنها ومن ثم بيان ضرورة التركيز على أداتي العلاج اللتين لا بد منهما في مثل هذه الأعمال: صوغ الإشكال في عصر المؤلف وعلاقة الإشكال بالظرفية التاريخية.
أدوات العلاج أو اللغة والمنطق
وفيها مسألتان كذلك تسائلان أداتي العلاج الفلسفي المستعملين في الكتاب أعني اللغة والمنطق.
المسألة الثالثة أسائل فيها الوجه التأويلي من العلاج ببعديه: انتخاب المترشح للاستشهادات التي توسلها لتحديد ما سماه بالحدوسات الفلسفية الأم وأمانة الترجمة التي يعتمد عليها في تأويل نصوص هيجل ليقص قصته بشكل يغلب عليه الأسلوب الدرامي إما لدحض قراءة مضمرة أو لتأسيس بديل لا نعمل مم هو بديل حتى نفهم مسوغات التأويل المقترح والذي فيه شيء من علمنة فكر هيجل او "تلييكه" من البداية.
المسألة الرابعة أسائل فيها الوجه التحليلي من العلاج ببعديه: المنطق الأفقي أي العلاقة بين الآراء المتجادلة في المسائل المطروحة (قراءات أعمال هيجل الأول) والمنطق العمودي أي العلاقة بين أعمال هيجل قراءاتها والأمور التي يدور القول عليها فيها (أعمال هيجل الأول).
العلاج نفسه: استراتيجية الحجاج وطبيعة التأويل
وفيه مسألتان كذلك تسائلان وجهي العلاج الفلسفي نفسه أعني استراتيجية الخطاب وطبيعة التأويل.
المسألة الخامسة أسائل فيها ما يمكن أن نسميه باستراتيجية الحجاج لتحقيب التكوينيات إثباتا ودحضا ومعين الأدلة في هذا النوع من العلاج بصورة عامة وبالإضافة إلى عمل المترشح.
المسألة السادسة أسائل فيها طبيعة التأويل الذي انتهى إليه المترشح دحضا لما سبق من القراءات وقراءة بديلا منها: ما التأويل أو التأويلات التي يدحضها المترشح وما التأويل البديل الذي يقدمه رغم أنه قد اختار طريقة يظنها مغنية عن ذلك في حين أنها لم تغن وإنما أضمرت؟
أخيرا ثمرة العلاج: وفيها مسألة واحدة:
إنها مسألة بسيطة لا تركيب فيها وتتعلق بثمرة العلاج فيجمع المجالات كلها في مساءلة وحدة القراءة وأطروحة العلاج المقترحتين. فيكون النقاش دائرا حول سبع مسائل هي بترتيب اقتضاه العرض الشفوي
المسألة الأخيرة أسائل فيها وحدة العمل كما يمكن أن يبينها التناغم أو عدمه بين شكل العلاج ومضمونه لنحدد الإضافة الأسلوبية شكلا والتأويلية مضمونا وهما وجها كل إضافة فلسفية خاصة وقد اختار المترشح الطريقة التي تقص الحدوسات بدل الطريقة التي تؤرخ للسير والأفكار. فإلى أي حد وصلت مشاركة المترشح هيجل تجربته الفلسفية ليقص على القراء حدوساته الفلسفية الأم ؟ وهل مثل ذلك ممكن من دون علاقة حميمة برهانات عصرنا علاقة تعبر عن التزام بمصير الإنسانية مثيل لالتزام هيجل رغم تعين هذا المصير في حضارة أخرى هي حضارة المترشح ؟
سأحاول الإتيان على جل هذه المسائل بسرعة لأركز على البعض القليل منها حاصرا النقاش المفصل في أداتي العلاج أعني أداة التأويل أو اللغة وأداة التحليل أو المنطق لأن المترشح أغنانا عن مناقشة الأداتين الأخريين أعني أداتي ما سماه بتاريخ السير أو مستوييه: الإشكالات الفكرية التي حصلت فيها تكوينية هيجل والأحداث التاريخية التي تعالجها تلك الأحداث الفكرية.
تمهيد لا بد منه
قبل الشروع في العلاج لا بد من كلمة تمهيدية هي مني شهادة عامة وخاصة. ولعلي فيها ممثل لجيلي. فأما الشهادة العامة فهي ليست لصاحب الكتاب وحده بل له من حيث هو ممثل لمن برز من جيله في الدراسات الفلسفية. وأغلبهم كان بيننا في الجلسة العلمية التي ناقشنا فيها أعمال الأستاذ العونلي. وأما الشهادة الخاصة فهي تتعلق به من حيث ما يتميز به العمل الذي اخترته موضوعا للمناقشة. لذلك فكلامي فيها سيكون تحية متعددة الوجوه:
فأما الشهادة العامة فمتعددة الوجوه:
أحيي أولا الظاهرة الجديدة في لقاء حضارتنا بالفكر الحديث. فهذا اللقاء بالقياس إلى ما حدث في لقائها مع الفكر القديم يتميز بالأخذ المباشر من المعين وبالتخلص من الوسائط خاصة وقد غلب على أجيال النهضة الأوائل التبعية التامة للقراءات الفرنسية حجابا مضطرا بينها وبين تراث الفكر الإنساني.
وأحيي ثانيا صاحب الكتاب ممثلا لمن عنيت من هذا الجيل الذي بدأ يسهم في الجهد الساعي إلى إحياء اللسان الفلسفي العربي وتخلص نهائيا من الرقص على أنغام الموضات العابرة.
وأحيي ثالثا إسهامه في إثراء المكتبة العربية بالترجمة المباشرة والتصدي لأكثر الكتابات الفلسفية عواصة. ولعل ذلك ما يعلل عدم الإقدام على ترجمتها كاملة خلال القرن الماضي أي خلال عمر الجامعات العربية الحديثة.
وأحيي رابعا محاولة الإسهام في الجهد الساعي إلى إعادة الفهم والتأويل لإحدى أهم حقبات التاريخ الفلسفي المعاصر أعني دور أحد أعلام المثالية الألمانية في الحقبة التي كان فيها مغبون الحق لعدم الاعتراف بدوره المستقل إلا في المرحلة المتأخرة من إسهاماته.
والتحية الأهم أوجهها إلى التنافس المحمود على الانشغال بالأعمال التي يمكن أن تعد أم الكتاب الفلسفي. فهذا التنافس بدأ ينشأ في الجامعة بين أبناء جيل من الباحثين تكونوا فيها فتمكنوا من شروط الطموح المشروع للحوار مع آخر الإصدارات حول موضوعات بحثهم خلال الإقبال على استئنافة نهضوية تصدر عن منظور أصيل كما ترمز إلى ذلك الكتابة باللسان العربي. وهو تنافس محمود بما كان في الخيرات. ولعل جيلنا كان دون هذا الجيل قدرة عليه. فهنيئا للأستاذ العونلي ولمن يثملهم من جيله.
وأما الشهادة الخاصة فهي مضاعفة:
أولاهما تشيد بوحدة علم الأستاذ العونلي إذ هو في أغلبه يدور حول هيجل رسالة دكتوراه وتأليف مقالات وترجمة أعمال وذلك أمر يساعد على تعميق الاختصاص وتدقيقه وهي جميعا تصب في كتاب المترشح هيجل الأول أو تنبع منه.
والثانية تثمن وضوح الرؤية في هذه المحاولة بأبعاد تمظهرها التالية رغم كونها كلها أبعادا تحتاج إلى فحص دقيق ورغم احترازي منها أغلبها:
أ- فقد حدد المترشح في مقدمة عمله المدونة التي سيعمل عليها: إنها أعمال هيجل بين الشذرة الأولى في توبنجن والنص الأول من فترة يينا أي بين 1793 و1801 بدخول البداية الغاية.
ب- وحدد فيها منهج البحث وذلك بشكلين لكل منهما وجهان سلبي إيجابي: فقد برر العنوان البديل أعني هيجل الأول وسلب العنوان المبدل منه أعني هيجل الشاب وبرر المنهج بسلب منهج تاريخ السير السابق واستعاض عنه بمنهج أطلق عليه اسم قص الحدوسات الفلسفية الأم.
ت- وحدد فيها هدف البحث الذي اختاره وذلك بشكلين كذلك. فسلبا أعلن المترشح عن رفض هذه الأعمال من منطلق التكوين الثيولوجي الذي تلقاه هيجل وخاصة في ما وصفه ب"التدبير الجذري للشأن الفلسفي" وهي عبارة لا أكاد أفهمها واستبدل ذلك بما أطلق عليه اسم "كتابة التاريخ التأملي للحدس الفلسفي الأولاني" وهو طبعا أمر مجهول الطبيعة ما لم نتفق "الأولانية" هل هي كلية للفلسفي من حيث فلسفي أم هي ذاتية لهيجل دون سواه.
ث- وحدد فيها أخيرا خطة البحث مبينا مضمونات فصوله الثلاثة: أولها لنشأة ما أطلق عليه اسم المشكل الهيجلي. والثاني لما وصفه بالوحدة التي تقف عليها حدود المثالية الأخلاقية. والأخير لما اصطلح على تسميته بمناظرة هيجل للراهن الميتافزيقي للمثالية الترانسندنتالية من خلال استهلال كتاب الفصل بين نسقي فشته وشلنج. علما وأن هذا الكتاب ليس هو فصلا بين هذين العلمين فحسب بل هو كذلك مناظرة بين هيجل وراينهولد حول طبيعة فعل التفلسف وشروط تأسيسه وتصور تاريخ التراكم منجزاته.
ملاحظات شكلية حول الكتاب
بعض ما سأذكره هنا يمكن لإهماله أن يعد من الشوائب التي تفسد مزايا هذا العمل الذي اعتبره لبنة مهمة في تاريخ إحياء السنن الفلسفية العربية لكن بعضه الآخر خطير لصلته بالقراءة المقترحة وليس بسبب ما قد أوليه من أهمية للتزويق الأكاديمي. والبعض الأول يتعلق بلغة المترشح والبعض الثاني يتعلق بالمراجع التي أهملها وكان يمكن أن تحول دونه والتسرع في بعض الأحكام التأويلية.
ملاحظات من فقه اللغة:
1- كلمات لا معنى لها إلا إذا أخذت في دلالتها العامية مثل: مشغشب أو الأولاني أو مرمرم وهي أكثر منهما عامية لأن معناها العربي لا يمكن أن يكون المقصود إذ هي تعني عندئذ أكل البهائم الرميم أي هشيم الكلأ الذي داسته.
2- كلمات تفيد عكس المقصود مثل: التصير والتصالب والحاق والحقيق. وبعض الكلمات تفيد أحيانا ما لو فهم على وضع العرب لكان شنيعا مثل: معارق و"أتى" من غير حرف يحدد طبيعة الإتيان.
3- مصطلحات غير دقيقة مثل "ديوان" فهو لا يعني الأعمال الكاملة بل هو يعني إما مؤلف شعري مفرد أو آداب أمة من حيث هي مرآة تاريخها أو مؤسسة التوثيق الإدراي والمالي للدولة. ومثل "فقه العلم" وهي لا تعني عند واضعها ًWissenshaftslehre بل نظرية المعرفة العلمية التي هي غير ما قصده فشته بأنطولوجيا الأنا من حيث هو Tathandlung يضع ذاتَه ومصطدَمَ فعلها الحر قبالتها. ومثل "الملة: (ص.107) فهي ليست انقلاب الدين إلى أمر فاقد للأخلاقية ولا حتى التقاليد الدينية بل هي جامعة بين وجهي الدين في ضمير الأمة الحي موضوعيا كان الدين أو ذاتيا.
ملاحظات أسلوبية:
4- أما في ما يتعلق بالأسلوب فقد ورد في المستوى النحوي منه أشكال عجيبة مثل بدء الجمل ب"زائدا" أو مثل إضمار المفعول المطلق وإيراد وصف بديل منه ك"لتتمسك شديدا بالحدس" (ص.75) والقصد شديد التمسك أو تمسكا شديدا. وهو أمر لا تكاد تخلو منه صفحة رغم خدشها الأذن العربية أو مثل "كان يكون" التي تتكرر بلا حساب رغم ثقلها فضلا عن أني لم أفهم منها القصد. فهل هي لإفادة معنى الشرطية Bedingungsform أم لإفادة حكاية القول أعني القول غير المباشر عامة أو المقصود عدم الاقتناع به Konjunktivsform صيغتها الثانية؟
5 - والأمر الأسلوبي الذي يمكن أن يكون ضرره بالعمل أكبر هو أسلوب التهويل الخطابي بل والدرامي في ضرب من الغلو في الجهر الاستنكاري والإعلاني مع تضريس العبارة بصورة تعثر تحرير الأفكار والمبالغة في استعمال أدوات الحصر أو أدوات الاستثناء أو أدوات التنبيه التي تكاد تشبه النداء الزجري للقارئ Rhéthorique déclamatoire d’annonciation ou de dénonciation . وكلها مما قد يجعل القارئ يتهم المؤلف وكأنه يوهم بفتوحات في الكتاب حتى وإن كان ذلك هو القصد من طلب الوقع الدرامي إن صح التعبير لطريقة قص الحدوسات الفلسفية الأم. فللسرد والقص ما لا يحصى من الضروب ولا يعد.
ملاحظتان في أدبيات البحث: أكتفي بملاحظتين سريعتين دون الدخول في الجزئيات التي ستأتي في نقاش أطروحة الباحث الأساسية في كتابه هيجل الأول:
الأولى يغلب عليها الوجه الإيجابي: نلمس في العمل بدايات تحرر من القراءات الفرنسية رغم حضورها المكثف في ما قرب من أدبيات المسألة إلى تاريخ تأليف الكتاب بدرجة تضاهي القراءات المكتوبة بلغة الفيلسوف موضوع البحث بل أكثر وخاصة من حيث دورها في منظور القراءة المقدمة مع الغياب الكامل للمراجع الإنجليزية أو المترجمة إليها في تحليل المضمون. أما المراجع العربية التي ذكر منها المترشح ثلاثة فإن ما كان منتظرا من حضورها قد غاب أعني مناقشة الموجود لتبرير الحاجة إلى الوضع الاصطلاحي أو الخروج على السنن الفلسفية العربية دون تبرير إذا ما استثنينا مصطلح الملة الذي لا أراه اختيارا موفقا. فلكأن المترشح يكتب قبل عصر الكندي في حين أن اللغة الفلسفية العربية وراءها اثنا عشر قرنا. لم أفهم مثلا لما يستعمل بانتيسموس بدلا من المصطلح المستقر أعني وحدة الوجود فضلا عن مئات الاجتهادات التي تمر دون تعليق وكأنها من المتواضع عليه بين أعضاء الجماعة العلمية.
الثانية يغلب عليها الوجه السلبي لأن عدم استعمالها هو الذي جعل العمل يكون على ما كان عليه حسب رأيي. فأغلب الأدبيات المتعلقة بأحدث قراءات المرحلة الأولى من فكر هيجل القراءات التي لها علاقة بمراجعة ما تلا قراءة بوجولار في السنة الأخيرة من ستينات القرن الماضي لم يرد ذكرها ولعلها أبعدت لعدم تماشيها مع قص الحدوسات الفلسفية الأم قصها الذي اختاره المؤلف منهجا. وسأكتفي بذكر عشرة عناوين فأوردها بترتيب مقبل من تاريخ بحث بوجلار حول نسبة البرنامح الأقدم إلى هيجل إلى مقالة باول ردينج سنة 2006 في موسوعة ستانفورد وهي مقالة كتبت في الثمانينات ثم حينت في منتصف هذه السنة 2006 وتقدم معلومات مفيدة على منعرجات فلسفة هيجل ومنعرجات قراءاتها.
أما ما يتعلق بشروط فهم الإشكاليات التي أصبحت هم ثالوث المعهد الديني فانه كثير وسنعرج عليه رغم أنه لم يرد له ذكر في الكتاب. سأكتفي إذن بالعناوين المهمة التي سأعود إلى بعضها عودة مدققة خلال النقاش:
• 1-Das aelteste System-programm. Studien zur Fruehgeschichte des deutschen Idealismus Hrsg.v. R. Bubner. Bonn 1973. 2. Aufl. 1982 (Hegel-Studien.Beiheft 9).
• Klaus Duesing,
• 2-Hegel und die Geschichte der Philosophie (1983)
• 3-Die theologie in Kants Weltbegriff (1986)
• 4-Schellings und Hegels erste Metaphysik (1988)
• 5-Der Weg zum System. Materialien zum jungen Hegel. Hrsg.v. C. Jamme u. H. Schneider. Frankrurt a.M. 1990
• 6- مدخل الطبعة الثامنة لموسوعة العلوم الفلسفية من إعداد فريدهالم نيكولين وأوتو بوجولار سنة 1991 وفيه معلومات مفيدة حول تكوينية فكر هيجل وصياغة نسقه والقراءات المتوالية إلى تاريخ إعداد هذه الطبعة.
• 7-K. Duesing, Selbstbewusstseins modelle (1997)
• 8-The Reception of Kant’s Doctrine of Postulates in Schelling’s and Helgel’s Early Philosophical Projects (translated by Daniel O. Dahlstrom 1999)
• 9-Merold Westphal, Von Hegel bis Hegl: Reflexions on “The Earliest System-Programm of German Idealism. 1999.
• 10-Dieter Henrich, The Origins of the Theory of the Subject, translated by William Rehg MIT Press 1992
نقاش الكتاب نقاشا علميا
والآن أنتقل إلى النقاش العلمي حيث تبدأ المناقشة الفعلية بمسائلها السبع. وبين أن النقاش العلمي لا يقبل القسمة السطحية بين السلبي والإيجابي خاصة إذا كان صاحب العمل يعالج مثل هذا المسائل الجليلة. فكل حكم له أو عليه ليس هو إلا إشارة مفيدة ومن ثم فهو تحفيز للاستكمال. لذلك فما سأقدمه ليس تقويما بل هو حوار تساؤلي أكثر مما هو حكم جازم. والهدف منه لفت الانتباه إلى ما يمكن أن يكون مفيدا في مواصلة البحث.
المسألة الأولى: منظور العلاج ومنهجه
لعل الأمر الطريف في عمل المؤلف هو المفارقات التي تبرز في ضوء الطريقة التي اختارها: طريقة التأويل المستند إلى بناء "قصة الحدوسات الفلسفية الأم" على شرح عينات من النصوص. والطريقة التي تحمل هذا الاسم وذات الطابع الدرامي لتولد الأفكار الطبيعي يمثلان البديل من الطريقة التقليدية أعني طريقة تاريخ السير ذات التحليل المنطقي لأواصر الأفكار المتجادلة في نفس المجال والاختصاص. وهذه الطريقة قابلة رغم اقتصارها على تأويل العينات من النصوص طلبا للحدوس بل وربما بفضل ذلك لأن تكون قراءة ثرية بالاجتهادات والتخريجات الموفقة. لكنها قد تكون كذلك وبسب هذه الخاصية معرضة للمجازفات التأويلية التي لا تقبل التصديق لفرط ما يشوبها من الربط المتسرع بين الأفكار غير المحللة بآلية التداعي بين مقومات ما تريد التدليل عليه. ولعل المترشح يؤمن بمقولة أدرنو: "Hegel kann nur assoziativ gelesen werden" .
لكل ذلك فإن هذه الطريقة تغري المناقش بالفحص الدقيق فحص ما توسلت من حجج بوجهيها المنطقي والتأويلي. ورغم أني أعتبر شرعية هذه الطريقة مقصورة على الحالات التي تغيب فيها وسائل العلاج الدقيق عماد الطريقة التي استثناها المترشح أعني الحالات التي من جنس النصوص الدينية مجهولة المؤلف وظروف التأليف أو من جنس شذرات المتقدمين على سقراط حيث ليس للمؤول من وسائل أخرى غير الفيولوجيا لشرح النصوص والقص التأويلي بمقتضى فهم موقع حدوسات المؤلف المقروء وتنزيلها في الحدوسات الفلسفية الأم إما للإنسان من حيث هو إنسان أو للفيلسوف صاحب القراءة فإني لن أجادل المؤلف في اختياره المنهجي: فهذا حقه المشروع إذا ضمن الشروط التي نبني عليها النقاش هنا. وكان بوسع المؤلف أن يقتصد فيتحرر من الطابع الدرامي للقص إذ لا أظنه من جوهر الطريقة بل هو من أسلوب المترشح وفيه شيء من آثار التعريب الموسط لفرنسة أسلوب هيدجر في الكتابة. ويمكن تلخيص العناصر المغرية من اختيار المؤلف المنهجي في الصنفين التاليين وكلاهما مضاعف:
الأول هو تعليل العنوان: وقد ورد في الهامش 12 ص. 33 وهو تعليل بدا لي فيه المترشح وكأنه يعتبر تعويض وصف هيجل بالشاب بوصفه بالأول مغنيا عن مناقشة الصيغ الأخيرة التي عالجت الإشكالية. فاكتفى بمناقشة ما لم يقل به أحد ظنا منه أن صفة الثيولوجي لا تعني إلا ما تعنيه في علم الكلام المدرسي أو ما لم يعد يقول به أحد إذ قد عاد إلى أمور لم تطرح قط بالصورة التي عرضها عليها فضلا عن كونها لم تعد مطروحة في صيغها الفعلية. فظن مجرد التخلص من صداع القراءات السابقة بهامش أو هامشين في صدر الكتاب قابلا للإغناء عن هذه المناقشة.
لا أتصور اعتبار هيجل الأول بديلا من هيجل الشاب كافيا لتعليل هذا التخلص حتى مع ضم كتاب الفَرْق لهذه المرحلة غاية لها خاصة إذا كان القصد تقديم قراءة جديدة "تُعلْمِن" فكر هيجل أو "تُليِّكه" فتكاد تبحث عن ماركس أول في هيجل أول. كما لا أظن وصف هذه القراءات فكر هيجل الشاب بكونه لاهوتيا يعني أنها ادعت أن هيجل قد انتقل من "السفاهة الفلسفية" إلى "الرشد الفلسفي" بمصطلح المؤلف. فحتى اللاهوت بمعنى علم الكلام-وهو غير المقصود طبعا-ليس سفاهة بل هو بلغ درجة من الصوغ الفلسفي يبقى دونها الكثير مما يزعم فلسفيا. ذلك أول ما بدا لي من ألغاز هذه القراءة الطريفة: فمجرد تغيير الاسم وتأخير الغاية لا يغير المشكل بل يزيده عواصة.
الثاني هو إعلان التخلي الإرادي عن شروط منهجية متوفرة في حالة هيجل (الوثائق متوفرة) واستبدالها بطريقة لا تستعمل عادة إلا في حالة الاضطرار إليها كما في حالة النصوص الدينية مجهولة المؤلف وظروف التأليف أو في حالة شذرات المتقدمين على سقراط أو في حالة شذرات المتقدمين من متكلمينا الذين ضاعت أعمالهم ولم يبق منها إلا نتف في أعمال الرادين عليهم. هذا الاستبدال بطريقة "القص التأملي للحدوسات الفلسفية الأم بتاريخ السير" جاء صريحا في الهامش التاسع من الص. 22. وفي ذلك عندي الكثير من المجازفة التي لا مبرر لها في البحث العلمي الذي هذا نوع موضوعه حتى وإن كنت لا أنكر أنه قد يكون من المستحبات في المحاولات الفكرية لا في البحث الأكاديمي الذي لا تكفي فيه الحدوس. ولما كان هذا الإعلان عن التخلي الإرادي عن منهج تاريخ السير مستحيلا في مثل هذه الحالة فإننا لا نعجب من اضطرار المترشح لاستعمال أهم عناصر هذه الطريقة وإن بصورة تحكمية قصدت المراسلات والأحداث البيوغرافية.
لكن هذا التخلي الإرادي -ولنسلم جدلا بإمكانه- يؤدي طبعا إلى التساؤل عن الحدوسات الفلسفية الأم التي سيعتبرها المترشح ما طبيعتها؟
1- فلا تخلو من أن تكون حدوسات كلية كما يشير هيجل في مفتتح كتاب الفَرْق حدوسات شبة لازمانية تنبعث كل مرة عندما يلاقي العقل الكلي عقلا مجانسا له فتتعين في التجربة الحية للمتوالي من عباقرة الفلاسفة لأنها جوهر المطلق إذ يعبر بلسانه التاريخي في العقل التأملي (ردا على نظرية راينهولد في نظرته التطورية لتاريخ التراكم الفلسفي).
2-أو أن تكون خاصة بكل فيلسوف فتتُوسل طريقة لفهم تفرده العبقري بما يشبه تكون الخبرة عند حي بن يقظان مع عنزته أو روبنسن كروزوي في جزيرته أو ابن خلدون في قلعته.
3-أو أن تكون طريقة قص الحدوسات قراءة تستأنس بهيدجر فارئا للمتقدمين على سقراط مع غياب الجهاز العلاجي الذي يمكن هيدجر من ذلك (أعني التفنن الفيلولوجي والتحكم التأويلي).
4-أو استعمال أدوات الطريقة المستثناة بصورة غير صريحة لاستحالة التحرر من المراقبة التحققية بأدواتها الموجودة في حالة هيجل: فنصوصه شبه كاملة وليست مجرد شذرات وتواريخها وسياقاتها كل ذلك معلوم على الإجمال إن لم يكن بمطلق الدقة.
5- أو تقمص شخصية الفيلسوف موضع القص تقمصا لا مفر منه عند استعمال هذه الطريقة. لكن ذلك يوجب تحديد محاذير كثيرة للتخلص من الإسقاط خلال تحديد التوالي المعقول لمدارج التكوينية الفكرية ولتجنب حماس الشباب المؤدي في الأغلب إلى التسرع وعدم الحذر الواجب.
إن استبدال فنيات التحليل التي لها ضوابط شبه موضوعية بحدوسات التأويل التي ليس لها قاع في دوامة التأويل قد يحول دون مراقبة الفرضيات التي تسعى القراءة إلى إثباتها بل ودون صوغها الصوغ الذي يقبل التحقق منه. لذلك فإني أختم هذه المسألة الأولى بنص آملا ألا يبرح ذاكرتنا ونحن نقرأ القصة التي يقصها هذا الكتاب. فهو عندي نص حاسم وقد جاء في رسالة وجهها هيجل إلى شيلنج في أواخر شهر جانفي من سنة 1795 (الرسالة 17 من الجزء الأول):"لو توفر لي الوقت لحاولت بعد تأسيس الإيمان الخلقي أن أحدد بدقة أكبر إلى أي حد نحتاج نحن الآن وبنظرة مدبرة إلى بيان شرعية فكرة الله مثلا لتفسير علاقة القصدية (=الغائية) إلخ...وإلى أي حد يحق لنا أن ننقل هذه الفكرة من اللاهوت الخلقي إلى اللاهوت الطبيعي وعندئذ نعالجها هناك "[4].
فهذه الرسالة أولا تخرج ثلث المدة التي يمكن أن يكون فيها فكر هيجل الأول قد اتصف بالصفات التي يحاول المؤلف إثباتها[5] وهي تحدد وجهة الثلثين الباقيين من حيث موضوع الفكر وغايته[6] خاصة إذا قارنا مضمونها بما ورد في الرسالة المؤرخة في 2 نوفمبر 1800[7] والتي أحال عليها المؤلف في كتابه هنا وفي تقديمه لترجمته للفينومينولوجيا بترجمتين كاملتي الاختلاف بل والخلاف. فهذه الرسالة المتأخرة وإن كانت لا تحدد الزمن الذي حصل فيه ما أخبر به هيجل فإنها تخبر بأهم ما حصل قبل كتابة الرسالة. والرسالة الأولى تتكلم على أمر لم يحصل بعد ومن ثم فهي من جنس الوعد بما قد يحصل "إن شاء الله فوجد هيجل الوقت". وسنعلق عليهما كلتيهما.
المسألة الثانية: تعليل خطة النقاش
يعلم جميع من يهتم بهيجل-حتى وإن لم يكن من المختصين مثلي- أن مراجعة مراحل فكره الأولى في ضوء ما تفاجئ به الفينومينولوجا قراءها هم مشروع لأنها لا يمكن أن تَنْتَجِق هكذا دون مقدمات في مراحل فكر هيجل السابقة عليها. والمعلوم كذلك أن هذه المراجعة لم تتوقف حتى قبل محاولات دلتهاي تحليل دور المناخ الفكري في تكوينية هيجل أو محاولات أرنست كسيرر ييان دور هلدرلن[8] في تأسيس المثالية الألمانية ثم خاصة منذ محاولاتهما الشهيرة إلى الآن.
لكن دراسة هيجل وكأنه ربنسن في جزيرته أو ابن خلدون في قلعة بني سلامة بقص حدوساته الفلسفية الأم يبدو لي أمرا لا يُقبل منهجيا فضلا عن بينونه تعارضه مع ما استقر في تاريخ الفلسفة استقرارا جعل Dieter Henrich يحوله منذ نهاية نمانينات القرن الماضي إلى مسلمة منهجية في دراسة هذه اللحظة من تاريخ الفكر الإنساني. وهذه المسلمة المنهجية لا تقتصر في الحقيقة على هذه الحقبة بل هي ثابتة في كل لحظات هذا التاريخ: "ليس بوسع المرء أن يفسر تطور الفلسفة الموالية للكنطية بانجازات فكرية حقتتها نظريات جزئية. لا بد أن نحرر من البداية منظومة المشكلات التي تأتي تلك النظريات الجزئية للرد عليها"[9]. وتصح هذه القاعدة بالنسبة إلى المفكر المنفرد صحتها بالنسبة إلى النظريات الجزئية.
وما أربى حذري إزاء التأويل الوارد في هذا العمل هو الكيفية التي انقلبت بها عبارة عادية وردت في نص طويل ترجمه المترشح في الصفحة 67 من عمله هي عبارة "السوق العامة" auf dem allgemeinen Market التي صارت "سوق الكلي" der Market des Allgemeines في تعليقه على سلسلة من المقابلات استخرجها منه تلخيصا لجوهر قراءته التي أحاول فهم أسانيدها. ذلك ما دعاني إلى التساؤل عن حصافة التأويل أو على الأقل عن دقته وهو ما جعلني اختار أمانة الترجمة وانتخاب الشواهد مقياسا له للتأكد من مشروعيته بصورة موضوعية لأنها العامل الوحيد الموجود في قص الحدوسات الفلسفية الأم.
وأظن-وبعض الظن إثم-أن المترشح بحماسة الشباب أراد أن يثبت أكثر مما ينبغي في مثل هذه الدقائق فتعسف إلى أن قويت عندي علل الارتياب في أغلب تأويلاته وخاصة في ما يمكن أن يوصف بالإفراط اللاحق الذي يرد الفعل دائما على التفريط السابق: تقديم ثورة هيجل الفلسفية إلى أبعد مراحل تكوينيته تقدما مقابل تأخيرها السابق إلى أبعدها تأخرا وعدم الالتفات إلى القراءات الأخيرة التي اقتصدت فتوسطت بين التطرفين كما سنبين.
فهيجل هو القائل في الرسالة التي أشرنا إليها:"لو توفر لي الوقت لحاولت بعد تأسيس الإيمان الخلقي أن أحدد بدقة أكبر إلى أي حد نحتاج نحن الآن وبنظرة مدبرة إلى بيان شرعية فكرة الله مثلا لتفسير علاقة القصدية (=الغائية) إلخ...وإلى أي حد يحق لنا أن ننقل هذه الفكرة من اللاهوت الخلقي إلى اللاهوت الطبيعي لنستفيد من استعمالها فيه". أليس نقل فكرة الله من وظيفتها في اللاهوت الخلقي إلى وظيفتها في اللاهوت الطبيعي مقابلة تمام المقابلة لمحاولة تقديم الإثيقي والممارسة في المشروع الهيجلي على الميتافزيقي والنظري فضلا عن كونها من صميم نقد ملكة الحكم ومن ثم فهي ما تزال في إطار محاولات بناء الفلسفة على مصفوفة القضايا التي حددتها ثلاثية النقد الكنطية ؟
لا أنكر أن فريدريش نيكولين وأوتو بوجولار قد أكدا في مدخل نشرتهما للموسوعة أن ما حصل من قراءات لتكوينية فكر هيجل بين طبعتها السابعة سنة 1959 وطبعتها الثامنة سنة 1991 يثبت تقدم هيجل في بناء نسقه تقدما جوهريا خلال فترة بارن وفرنكفورت[10]:
لكنهما لا يقصدان الحدوسات التي يقصها المترشح بل ما سيكون عليه نسقه المتأخر الذي لم يكتمل إلا عند نشرة الموسوعة الأولى. وهما يقتصدان فلا يزعمان أن هذا النسق-حتى بما تفرد به عند الاكتمال- هو في قطيعة مع هموم جيله وخاصة هموم مساكنيْه في المعهد بل ويستدركان بالقول إنه لم يتمكن من استكمال ذلك حتى في نهاية فترة يينا. وإذن فلا أحد منهما ولا أحد غيرهما-على حد علمهما ويصعب ألا نصدقهما في هذا الحكم المتأخر والذي تؤيده بعض المراجع التي سنوردها لمصداقيتها وبعضها حُين أخيرا في 2006 – لا أحد زعم أن هيجل قد بدأ يحقق قطيعة مع هموم جيله فتفرد منذ شذرة توبنجن وبهذا الوضوح الذي تنبني عليه فرضية المؤلف ليس من حيث طبيعة الحلول فحسب بل وكذلك من حيث طبيعة الإشكال الفلسفي المطروح. وطبعا لو صح هذا لما وجد مشكل تحديد مؤلف برنامج المثالية الأول بل ولامتنعت محاولات نسبته إلى هيجل النسبة التي تشترط القرابة الحميمة بينه وبين كلا صديقيه (شلنج وهلدرلن) وهي قضية لم تزل الآراء فيها دون القول الفصل كما نبين. ويمكن أن نثبت أنه لو صح ما يريد المترشح إثباته لكان مناقضا لترجيحه نسبة البرنامج الأقدم إليه لما سنرى من العلل.
ثم إن الرجلين يؤكدان أن هيجل لم يصبح عضوا في الحلقة التي كانت محاولات تجاوز الكنطية بشكل النسق المثالي يمثل إشكالية عند أعضائها جميعا وهي عين إشكالية صيرورة الفلسفة إشكالا في تلك اللحظة التاريخية إشكالا قد يكون حجة كافية لنسبة البرنامج إلى هيجل نسبته إلى زميليه المنافسيْن له في البحوث المتعلقة بنسة النص حتى لو سلمنا بأن الاستشكال الهيجلي قد أدى إلى حل مختلف عن حلول أصحاب الحلقة وحتى لو سلمنا بأنه ينبغي أن يكون المؤلف احدهم وليس ثلاثتهم معا. فلمَ لا نتصور أنهم صاغوه معا خلال جدلهم المباشر وكان هيجل مسجل نتيجة الحوار أو بالمراسلة ولم يبق منه إلا النسخة التي بخط هيجل فيزول مشكل النسبة من الأصل لأن الاختلاف يكون صادرا عن محاولات تحقيق هذا الإعلان وليس قبله ؟
وهيجل لم ينتسب إلى الحلقة إلا بعد رحيله إلى فرنكفورت أعني مباشرة قبل حقبة يينا أما في بارن فكان يكتفي بالمراسلة وكانت مطالعاته السياسية وهمومه الدنيوية هي الطاغية. وقد استنتجا أنه إلى غاية فترة يينا لم تزل الصعوبات تعترضه في صوغ استشكال الفلسفة إن صح أن هذا المشكل تجدد بعد أن لم يكن وصوغ نسقه صوغا مستقلا وكاملا إذ هو قد اقتصر على مقدمته وعلى الفينوميونولوجيا مترددا بين ضمها إليه أو إخراجها منه ما يعني أن مضمونات فكره نفسها لم تزل غير محددة لأن بنية المضمون هي عينها هندام النسق.
بل إني أذهب إلى أن هيجل ظل إلى أن مات يراجع نفسه ويتقدم ليس نحو هندام النسق وحده-وذلك هو الوجه الإيجابي مما يسميه المؤلف استشكال الفلسفة- بل وكذلك نحو بنية المضمون -وهما عنده أمر واحد منظور إليه من وجهين- لم يقف فيهما على غاية على الأقل في ما نشر وهو حي نشرات عدة كلها مشفوعة بمراجعات جذرية أحيانا. ويكفي دليلا أن الفينومنولوجيا التي نضخم اليوم دورها-لسببين أولهما منبعه البحث عن جذور فكر ماركس الشاب والثاني هو القراءة الوجودية- أصبحت في نشرة الموسوعة المنقحة 1827 مجرد لحظة من لحظات الروح الذاتي تتوسط بين علم الأناسة و علم النفس ففقدت حتى دور التمهيدي للنسق بدليل استبدالها بالتصور التمهيدي أعني ال"Vorbegriff". لذلك فلا بد من تركيز المناقشة على فحص أدوات العلاج في مثل هذه الحالات قصدت وصف التأويل أولا ومنطق العلاج ثانيا قبل النظر في المضمون ببعديه.
تلك هي العلة التي جعلتني أضطر إلى وضع خطة المناقشة بهذه الصورة. ينبغي التركيز على أداتي العلاج (المسألتان الثالثة والرابعة) مدخلا لوجهي العلاج (المسألتان الخامسة والسادسة). أما المسألتان المتعلقتان بمنهج صاحب النص وبخطة النقاش فيمهدان لفحص أداتي العلاج ووجهيه. فمناقشتي تنطلق من ارتسام ولدته طريقة "قص الحدوسات الفلسفية الأم" ارتسام أردت أن اختبر أسانيده بالمناقشة التأويلية (لغة العلاج) أولا ثم بالمناقشة التحليلية (منطق العلاج) ثانيا. وارتسامي يغلب عليه الاندهاش بل وعدم الارتياح لهذا ال" قص" البديل من طرق علاج التكوينيات التقليدية رغم تسليمي بحرية الباحث في اختيار منهجه.
وقد جعلني هذا الارتسام أفرك عيني عديد المرات مسائلا نفسي خلال قراءة ما تنبني عليه هذه الحدوسات. ووجدتني أمام خيار إحدى الخليتين:
فإما أن يكون ضم استهلال كتاب الفَرْق غاية لفترة هيجل الأول وقراءة كل ما تقدم عليه به هي القراءة التي أدت إلى نفى أمرين ليس يمكن لأحد أن ينفيهما من دون أن يزيف حقائق تاريخية لا جدال فيها:
أولها عام ويتعلق بطبيعة الإشكال الفلسفي الذي كان محددا للقول الفلسفي في تلك الحقبة والذي لم يكن في انتظار هيجل لكي يحدد مفرداته وتشاجناتها بل والذي كان يمكن أن يؤول إلى ثورة أهم لو لم يحول وجهته ثالوث المعهد الديني الثالوث الذي لست أدري لماذا كان يتصور أن ما سكت عنه كنط كان يقبل العلاج في سياق إطلاق مبادئ كنط: تحويل ما اعتبره كنط من جنس الاستكمال المثالي في العقل إلى كمال فعلي في الواقع فصارت المثل الكنطية والأفكار التوجيهية حقائق وأفكار تحديدية وأصبح بيان شرعية المقولات في المنطق المتعالي بيان حقيقتها بالمنطق الميتافيزيقي القديم (كما هو بين منطق هيجل الذي حقق بهذا الاكتمال الوهمي للمثل الكنطية التوحيد المطلق بين المنطقي والميتافيزيقي لكأن المنطق المتعالي تجاوز مدلوله الكنطي فلم يعد تعليلا للشرعية الذاتية بل بات تحقيقا للحقيقة المطلقة في نظرية الحقيقة المطابقة وهو ما أدى إلى اعتبار التصور الحد وهما فأرجع الشيء في ذاته والذات في ذاتها إلى التعالي الوهمي قبالة الحقيقة الفعلية لذاتية فشته المطلقة ).
لكن لو سارت الأمور كما أراد لها ثالوث رانيهولد في تأسيس النقد ويعقوبي في ربطه إياه بالرد على مواقف لسنج من وحدة الوجود وهردر بما بعد النقد لكان علم المنطق وتحليلية الوجود وعلم اللسان منذئد أساس التفكير الفلسفي أعني ما حاول به هؤلاء الثلاثة تحقيق تجاوز ذاتية الترانسندتالية المتعالية قبل سعي ثالوث المعهد في الوجهة التي فرضها فشته ومحاولات تحررهم منها كل بطريقته: هلدرلن بنظرية الجمال وشلنج بنظرية الحرية وهيجل بنظرية النظر الذي يمزج بين المنطق والميتافبزيقا في شكلهما المعلوم. وكل ذلك ليس إلا إطلاقا غير مشروع للكنطية بدليل أن كنط رفض أن يقدم عليه حتى في آخر ما كتب فكان قريبا من "المثالية-المادية" المطلقة ونشر بعده أعني البوست سكربتوم.
والثاني خاص بهيجل ويتعلق بجعل فترة ما سمي بهجيل الأول تُؤَوَّل من بدايتها إلى غايتها تأويلا تصبح فينومينولوجيا الروح بمقتضاه وكأنها قد كتبت قبل عقد ونصف من نشرها أي سنة 1793 بدل سنة 1807 ويصبح هيجل وكأنه لم يتطور أصلا ولعل المترشح يطبق عليه الدائرية الهيجلية فتلتقي الغاية بالبداية لوجودها فيها ؟
وإما أن المترشح يلغي كل ما كان مادة نقاش فلسفي في الساحة الثقافية حول الإشكاليات لينسبه إلى ما يسميه تصيُّر حدوسات هيجل الفلسفية الأم بطريقة تغصب النصوص غصبا حتى تقول الأمور التي يقصها والتي أعطتني هذا الارتسام. وأصف حكمي بكونه ارتساما لأني لا أزعم القدرة على فهم كيفية اختبار المطابقة بين قص الحدوس والحدوس خاصة إذا كانت الحدوس فلسفية بل إني لست واثقا أن مثل هذا الأمر -حتى لو سلمنا بأن له وجودا-يقبل أن نتحقق منه. فالأفكار التي عمل عليها هيجل لم تكن حدوسا بل هي ما كان مطروحا على الفكر الفلسفي حتى قبل أن يذهب هيجل إلى المعهد الديني: علاقة الديني بالخلقي وعلاقة الخلقي والديني بالسياسي ويجمعها كلها علاقة الكلي بالعيني أو الفلسفي بالتاريخي. فهذه هي عين ما نشأ بمجرد أن تجاوز كنط نفسه بنفسه في حلقات النقد التقليدية الثلاث مع كتابي الدين في حدود العقل بمجرده و خصومة الكليات وربما بفضل نقد الأعلام الثلاثة الذين قلبوا الإشكالية نقلا إياها من الجواب على أسئلة كنط المشهورة إلى مساءلة فرضيات الجواب الكنطي ومبادئه ومن ثم التوجه إلى شروط الفاعلية التي ينسبها كنط إلى العقل بدلا من التوجه منها إلى مفعولاتها: راينهولد ويعقوبي وهردر.
وأهم من ذلك كله فإن الكلام عن التحولات الثلاثة التي حدثت في فصول القصة الواردة في هذا الكتاب تقتضي أن تكون أمورا حصلت لهيجل وليست أمرا ذاتيا للفكر الديني حصولا يغنيها عن محاولات هيجل اللهم إلا إذا كان القصد البحث في نفس هيجل: كيف صار هيجل واعيا بهذه المقومات في الفكر الديني وليس كيف اندرج فكره الفلسفي في ما هو ذاتي لموضوعه. فالفكر الديني في كل عصوره هو في حقيقته التي هي عكس فهمه العامي ديني غاية وخلقي وسطا وسياسي بداية وكل هذه الوجوه موصولة بما بين النظر النظر والعمل من صلات.
ومحاولة تصعيد هذه الوجوه للصوغ العقلي ينبع من بنيته الذاتية. فمن حيث هو دين هو معتقدات وعبادات الحكم فيها يتوهمه العامي لسلطة خارجية متعالية. ومن حيث هو أخلاق هو سلوكات وذوقيات الحكم فيها يراه المتروحن لسلطة باطنية. ومن حيث هو سياسي هو معاملات وتشريعات الحكم فيها لسلطة خارجية نائبة عن السلطة المتعالية في الثقافات التقليدية. لكنه كل ذلك كان ولا يزال سعيا إلى المعرفة النظرية والعملية سواء جاء ذلك في أسلوب المجادلة الكلامية أو المعاناة الصوفية أو الصياغة الفلسفية. وذلك هو ما جعله هيجل مادة لفكره في كلامه عن أرواح الأديان وربطها بالأفلاطونية المحدثة ونظرية المطلق والواحد والمتعدد والفيض والأقانيم الثلاثة.
من أين تأتي محاولات القول اللاهوتي والصوفي إذا لم يكن الفكر الديني بالجوهر عمليا بمستواته الثلاثة التعبدي والخلقي والسياسي أولا ونظريا بمعاني الأسطوري والكلامي والصوفي ثانيا مرقاة إلى التأمل الفلسفي في كل العصور حتى وإن تغيرت أساليب التعبير من الأسطوري إلى الشعري إلى الفلسفي ؟ فهل المؤلف يتصور هيجل حقق ذلك في وعيه الفلسفي الشخصي أم هو يراه قد حقق النقلة الفلسفية من اللاهوتي إلى الخلقي إلى السياسي إلى استشكال قدرة التفلسف على صوغ ذلك بإطلاق ؟ أليس ذلك هو جوهر العلاقة بين نقدي كنط الأولين وبيت القصيد في النقد الثالث بمستوييه الجمالي والجلالي؟ أليس ذلك هو موضوع البحث في ما يمكن أن نطلق عليه اسم النقد الرابع أو الدين في حدود العقل؟ أليس ذلك هو مطلوب خصومة الكليات التي هي بنحو ما نقد خامس لرفض كلية اللاهوت حق كلية الفلسفة في الكلام على الدين أعني الفلسفة في الدين ؟
ثم أليس نقد ملكة الحكم قد سعى فيه صاحبه لحل معضلتي العقل النظري أعني سبب حصره في الظواهر ومحاولاته رفض الوقوف دون البواطن على الأقل من حيث دور المثل التوجيهي في غياب دورها التحديدي فضلا عن كون محاولات بيان شرعية المقولات في النقد الأول هو بعد بداية للانتقال من التفكري إلى التأملي وهو أمر معلوم قبل هيجل؟ فالجمالي يحل مشكلة ما به يكون الفكر منفعلا (ملكة الإحساس وافتراض شيئا في ذاته وراء ظهور الظواهر) والجلالي يحل مشكلة ما به يكون الفكر فاعلا (ملكة العقل وافتراض ذاتا متعالية وراء فعل التصوير). أليس ما تَفْضُل به الصورةُ المادةَ في المعرفة هو ما اعتبره كنط مجرد مثل موجهة وهو في نفس الوقت مصدر الجلال وما تَفضُل به المادةُ الصورةَ فيها هو ما اعتبره كنط مجرد منبع عجيب للانفعال وهو مصدر الجمال؟ أليس بهذين الأمرين الفاضلين مصدري الجلال والجمال يتحقق نموذج الغاية التي يسعى إليها العقل النظري والخيال المبدع في محاولات تجاوز التجربة بالمثل نحو منبع الذات أعني مصدر الفعل وفي محاولات تجاوزها نحو منبع الشيء في ذاته أعني مصدر الانفعال؟
أليس ذلك هو ما أصبح شبه تأسيس لمسلمات الأخلاق والخير الأسمى والمشاركة الجمالية تجاوزا لقصور الفاهمة إلى كمال مثل العقل ؟ تلك هي صلة النظر بالعمل الصلة التي يمثل الدين في معناه الذي يعمل عليه هيجل في محاولات الشباب تاجها. والتجاوز الأول تحقق في الغائية العضوية فحصل الربط الفلسفي بين الثيولوجيا الخلقية والثيولوجيا الطبيعية وعادت الفلسفة إلى إمكانية الفكر التأملي فلا تكون المثل مجرد قواعد لتوجيه الفكر بل هي تصبح حقائق لفهم الوجود فضلا عن كونها تتصل بالنظر من حيث تأسيسها لغايته أعني النسقية العلمية.
وحاصل القول إن ذهاب المراجعة بقص الحدوس إلى حد قراءة تكتشف جل ما في الفينومينولوجيا إن لم يكن كله منذ أول أعمال هيجل وتنسبه إليه بوصفه تصيُّر حدوساته بمعزل عن كل ما كان يعتمل في تلك اللحظة يجعل الارتياب في مسلماتها ومنهجها أمرا مشروعا. وإليكم الجملة التي يمكن أن تلخص علل الارتسام الذي وجه فهمي لكتاب المترشج هيجل الأول وجاء تعليقه على ترجمته إياها بالصورة التي وصفت قبل قليل انتقالا من السوق العامة إلى سوق الكلي. فهو يقول في الصفحة 67 من محاولته تحديد ما ينسبه إلى هيجل بعد ترجمته نصا طويلا من شذرة توبنجن ترجمة فيها الكثير من التصرف ليدعم المقابل بين الكلي الأجوف والعيني المليء نسغا:" نعني تمييز الفكرة من المفهوم والعمل من النظر المجرد والدين من الثيولوجيا والتجربة من المعرفة والأخلاقية الحاقة من الأخلاق المحض". فهذه الجملة إذا قرئت قراءة ذات صلة بالتراث الفلسفي المتقدم على هيجل نفسه فضلا عنها على مراحل فكر هيجل المتأخرة لا غبار عليها لأنها يمكن أن تعني أمرين كلاهما لا جدال فيه:
فهي تعني أولا المقابلة التقليدية بين الحكمة النظرية التي تقدم الاستدلال المنطقي والحكمة العلمية التي تقدم الملكة الناتجة عن الممارسة منهجا وثمرة. فهذا معلوم منذ أرسطو وهو معلل في مقالة الألف الصغرى من الميتافيزيقا منهجيا ومعلل في أخلاق نيقوماخوس بطبيعة الفاعلية المقصودة أعني حظور فاعلية النفس الناطقة في فاعلية النفس المتشوقة.
وهي تعني كذلك مقابلة تقليدية من جنس ثان مقابلة تصح على الكثير من مفكري عصر هيجل المعارضين للمدرسة الكنطية-مثل راينهولد وهردر ويعقوبي بل وكل التجريبيين والحدسيين في تلك الحقبة: مقابلة بين العقل والحس أو بين العقل والعاطفة أو بينه وبينهما مجتمعين.
لكن المترشح ينقلنا من هاتين المقابلتين التقليديتين إلى مقابلة في مستوى النظر الفلسفي ذاته وهو بصدد الصيرورة استشكالا فلسفيا خاصا بهيجل وحيز إشكاله هو الإثيقي البديل من الديني والممهد للسياسي وليس المقابلة التقليدية بين النظر والعمل بعد أن صار العمل الموضوع الرئيسي للنظر. إنه ينقله إلى المقابلة بين تمثلات الفاهمة (ويسميها هنا مفهوم) وتصورات العقل (ويسميها هنا فكرة) وبين التفكر والتأمل وموحيا بأنها تتضمن ما يفهم في ضوء مراحل فكر هيجل المتأخرة فصارت تفيد بالوصف وإن ليس بالتسمية فكرا ينقد أخلاق كنط المحض ونسق شلينح المجرد فضلا عن فشته ويتجاوزهم جميعا: إي إن هيجل الفينومينولوجيا بات جله إن لم يكن كله موجودا في الخطوة الأولى التي خطاها هيجل الأول منذ 1793. وعندئذ لم يعد للكلام على تكوينية الفكر الهيجلي أدنى معنى حتى بطريقة القص للحدوس الفلسفية الأم.
وشتان بين ذينك الفهمين وهذا الفهم خاصة إذا علمنا أن هيجل لم يزل إلى حد 1800 يتكلم عن نسق تفكري وليس تأمليا كما يتبين من رسالته التي استشهد بها المترشح نفسه في مقدمة ترجمته للفينومينولوجيا وكذلك في هذا الكتاب وإن بترجمة مختلفة دون تعليل لاختلاف الترجمتين وكما استشهد بها بوجولار في تمهيد النشرة الثامنة للموسوعة لنفس الغرض ولكن للحد من النزعة المضادة التي بدأت تغلب على القراءات المتأخرة سعيا لإثبات تقدم ثورة هيجل واستقلاله منذ الفترة الأولى من أعماله. بدا لي إذن أن المترشح يحاول تأويلا سيؤديه لا محالة إلى غصب النص ليقوِّله ما لا يقبل التصديق إلا إذا تصورناه قد كتب بعد فينومينولوجيا الروح لأنه صار يقرأ في ضوئها. لذلك فإن هذه القراءة تبدو لي قراءة تزايد على المحاولات المشروعة التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي مزايدة ألغت كل إمكانية لقبول التأويل المقترح فيها لأن أساسيه وجودُهما مستحيل في بدايات فكر هيجل وخاصة في هذه الشذرة التي تؤرخ عادة بين سنة 1793-94 .
فمجرد القفز بالتأويل الباحث عن تفرد هيجل من مشروعه في نقد توظيف علم الكلام المسيحي لمسلمات الأخلاق الكنطية المحض والخير الأسمى من أجل الإصلاح الديني بداية وفي محاولة الربط بين الثيولوجيا الخلقية والثيولوجيا الطبيعية بالمعنى الكنطي للكلمتين من أجل استكمال المشروع الكنطي وتجاوزه وكلاهما أمر يشاركه فيه زميلاه في المعهد الديني إلى نقد هذه الأخلاق ذاتها حتى قبل شيلنح ومجرد إيراد ما يشبه الصورة الكاريكاتورية التي أعطاناها هيجل من شيلنج في مقدمة النسق التي وردت في صدر الفينومينولوجا واعتبرت مقدمة لها مجرد هذين الأمرين يشكك في قابلية هذه القراءة للتصديق.
فالنفس لن تطمئن إلى هذه القراءة إلا بأدلة حاسمة تنفي ما نفاه أحد أصحاب هذه المراجعات الكبار قصدت كلاوس دوزنج الذي ينفي جازم النفي هاتين القضيتين (نقد كنط ومحاولة تجاوزه ومعه شيلينج قبل منتصف فترة يينا) في مقال صدر له منذ 1975 وترجم إلى الإنجليزية سنة 1999 دون مراجعة سنتكلم فيه لاحقا. فلا شلينج كتب بعد ما جاءت صورته الكاريكاتورية هنا في الفنيومينولوجيا ولا هيجل استقل عنه بعد إلى هذه الدرجة التي تجعله يتقدم عليه إلى نقد أخلاق كنط المحض.
المسألة الثالثة: الترجمة
نأتي الآن إلى مساءلة أداة التأويل الأولى بفحص وجهيها أعني انتخاب الاستشهادات وأمانة الترجمة اللذين يعتمد عليهما المؤلف في تأويل نصوص هيجل لدحض القراءات السابقة (وهي محددة سلبا برفض العنوان التقليدي اللذين اعتبرا قائلين بالمقابلة بين السفاهة والرشد الفلسفيين مضمونا وبرفض طريقة تاريخ السير شكلا) والتأسيس للقراءة البديل منها والتي ننوي فحص مقوماتها الشكلية ثم المضمونية. وهذا المجال الأول من أدوات العلاج هو الأهم في عمل المترشح. لذلك نبدأ به وكان من الواجب أن نبدأ بالمسألة المنطقية وهو ما ينبغي أن يكون لو لم تكن التأويلات النصية أداة المترشح الوحيدة تقريبا بعد تخليه القصدي عن منهجية تكوينية السير الفكرية. والمعلوم أني لا أقصد الترجمة من لسان إلى لسان لعلمي أن ذلك خارج مجال النقاش لحرية الاجتهاد في خيار البدائل بل أقصدها من حيث دلالة دورها الأداتي على وثاقة التأويل الذي يؤسسه عليها الزميل انتخابا لما استند إليه في تأويله فترجمه واختيارا لكيفية ترجمته- فهي ستكون دليلنا إلى معنى تأويلاته لفكر هيجل.
وينبغي أن أنبه إلى أن الاعتراضات لن تتعلق بالمستوى العميق للأداة أعني ما يسميه الجرجاني بالنظم في توظيفاته البيانية بل سأقتصر على الحد الأدنى من البلاغة قصدت فقه اللغة بالنسبة إلى دلالة المفردات والنحو بالنسبة إلى سلامة التأليف بينها. وذلك لسببين: أولهما أن المترشح لم يستعمل هذا المستوى من النظم في تأويلاته والثاني هو أن التحليل المنطقي لا يبدأ إلا بعد تخليص النصوص منه بما يشبه الترجمة المنطقية المحررة له من المفعول البلاغي أو الخطابي إن شئنا.
أولا انتخاب الاستشهادات: فالمعلوم أنه قل أن يكون الانتخاب محايدا في كل عملية تأويل. لكن استحالة الحياد المطلق لا ينبغي أن تؤول إلى التحكم أو الخيار المبتور الذي يفقد التأويل ثمرته. ولما كان التمييز بين هذين الحدين شبه مستحيل بات من الصعب مناقشة هذه المسألة من هذا الوجه بل نكتفي منها بمسألة وجاهة الاقتطاع أعني تعليل ما يترك أو يلغى من الفكرة التي انتخب النص للدلالة عليها. ولن نناقش الانتخاب عامة للسببين التاليين:
1- فالمنتخبات يحددها المتوفر من النصوص ومن معلومات حول سيرة المؤلف (الرسائل) يصعب الحسم في المفاضلة بينها فضلا عن أن المترشح لم يدع اكتشاف نصوص أو إعادة النظر في تواريخ الأعمال.
2-والمنتخبات يحددها التأويل المقترح وغالبا ما يكون محكوما بموقف صاحب القراءة وهو موقف مناظري بالضرورة ما لم يحصل عليه إجماع أهل الاختصاص: Perspective.
ثانيا اختيارات البدائل في الترجمة الى العربية: وهي دليلنا على فهم المترشح لمقاصد هيجل. وذلك هو الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة دقيقة ليس من أجل دحض القراءة المقترحة فهذا ليس مطلوبنا فضلا عن كونه مستحيلا لأنه يتطلب تقديم فرضية أخرى بل من أجل التحقق من شروط توفر وسائلها ومن شروط قابليتها للتصديق. فالقول الفصل في تأويل أقوال هيجل المتنافرة إلى حد التناقض أمر يكاد يكون مستحيلا كما يجمع على ذلك جل شراحه أو نقاده وكما يلخص ذلك جيد التلخيص أدرنو في عبارات جمعت فوعت. لذلك فلن أهتم إلا بما هو واضح التحليل وله دور في التأويل المقترح فأهمل كل ما يمكن أن يكون دالا على مجرد السهو خلال عملية الترجمة والتأويل.
كما أسلفت لن أهتم بما لا يؤثر في وجه التأويل من بليغ المباني ولطائف المعاني حتى وإن كان لبعضها بعض التأثير مثل ترجمة Klugheit ببصيره خلافا لقصد هيجل أو مثل ترجمة mit weltlichen Vorteile بمزايا عالمية (ص.94). فالمقصود بالمفردة الأولى الكياسة لا البصيرة لأنها تقتضي العمل بحساب المصالح لا تقتضي العمل بالواجب الخلقي كما هو شأن البصيرة. ولذلك قابلها هيجل بخلق الحكمة السامي الذي يستجيب لقانون الأخلاق دون حسابات. والمقصود بالمفردة الثانية الدنيوية لا العالمية التي ليس لها هذه الدلالة في العربية. ونذكر من المعاني اللطيفة التي قد تؤثر في وجهة التأويل إذ يصعب أن يكون هيجل قد قصد معناها الحرفي كما فهم المترشح بل المعنى المجازي كما أرجح عبارة von einer ruhigen Waerme التي ترجمها المترشح حرفيا بحرارة ساكنة وهو ما لا معنى له. وأرجح بدلا من ذلك "دفء هادئ أو مريح" لأن القصد هو على الأرجح السكن أي اطمئنان النفس عند صاحب الحكمة أو عند من يستنير به لا السكون الذي هو نقيض الحركة.
ونذكر كذلك ترجمة von einem sanften Feur بنار هادئة بدل نار سلام لأن القصد هو على الأرجح كذلك حيوية النار التي تبلسم ولا تحرق أي النار التي هي برد وسلام لا هدوء النار الذي يفيد في العربية العكس تماما وخاصة في التعذيب أو في التخطيط والمؤامرة وليس هذا قصد هيجل طبعا: كأن نقول يشوى أو يطبخ على نار هادئة. ونذكر أخيرا الاقتصار على تعريب بربرا وباروكو دون ترجمة أو تعليق كأنهما اسمان علمان وليسا عبارتين تلخصان ضربي قياس بلغة المساعدة على الحفظ في المنطق الوسيط إلخ... سأعتبر ذلك كله من باب "لا مشاحة في الترجمة" إذ يحق للمترجم أن ييسر على نفسه الأمر فلا يُفرِط في التدقيق ولا يُفرَّط.
لكن إذا كان للمعاني المترجمة علاقة بتأويل النص تأويلا قد يقلب معناه رأسا على عقب فالحذر يصبح من أول الواجبات خاصة عندما تكون الطريقة التي اختارها المترشح أداتها الأولى و الأخيرة بل والوحيدة هي تأويل النصوص ل"قص الحدوسات الفلسفية الأم". وسأقتصر على ما أتصوره ذا دلالة في توجيه قراءة قصد هيجل الوجهة التي أخذتها قراءة المترشح.
وسنضرب بعض الأمثلة ننتخبها من كثير من نوعها. لكننا بسبب ضرورات المقام سنقتصر على القليل منها[11]. وهي جميعا تبين تصرف المترشح تصرفا لا أراه مشروعا بسبب ما ينتج عنه من حرف التأويل وصرفه عن مقاصد هيجل صرفا يخل بالمقصود سواء نتج عن التسرع في اقتطاع النصوص أوفي ترجمتها. وأظن الأمر بين للعيان حتى من دون تقص فاحص آملا ألا تكون الترجمات كلها من هذا الجنس لأنها في تلك الحالة تكون مضللة. وسنعتمد نص أعمال هيجل نشرة stw عدد 601 زوركامب الجزء الأول بعنوان الأعمال المبكرة. ونرتب الأمثلة مما يبدو غير دال وهو كبير الدلالة إلى ما دلالته حاسمة في الحكم للتأويل أو عليه.
مثال النص الأول قسمه الأول[12]: ص. 13-14 من نص هيجل وص. 56 من نص كتاب المترشح :
وهو أمر مهم رغم أنه يتعلق بمجرد فرق بين حركتين في شكل كلمة من كلماته. فالخلط بين Totes Kapitel و Totes Kapital التي توجد في النص على الأقل مرتين جعل المترشح يترجمها ب "باب ميت". ولما كان قصد هيجل هو رأسمال جامد أو غير منتج وكانت عبارة "لا تكون إلا بابا ميتا" في الترجمة عديمة المعنى فإن المرء يعلم دلالة مثل هذه الخلط. فلو ترجمت العبارة بهذه الصورة لا بتلك لصار قصد هيجل مفهوما. فهو يريد أن يزيل الجمود عن رأس المال-وهو هنا النظرية الخلقية والعقائد الدينية من حيث هي معارف ماتت فأصبحت غير مؤثرة- لكي يصبح فاعلا ومنتجا لا أن يزيل رأس المال هذا كما آل إليه تأويل المترشح ليستبدله بالبراكسيس لكأن البراكسيس لا تجمد عندما تصبح عوائد ميتة هي أيضا فتكون كذلك رأسمال جامدا !
مثال النص الأول قسمه الثاني[13]: ص. 14 من نص هيجل وص.56 من نص كتاب المترشح:
ترجمة مفردتين مختلفتين بمفردة عربية واحدة مبهمة ف:Wirksamkeit وتعني التأثير أو وقع المؤثر من فعل wirken و Taetigkeit وتعني تحقق الفاعلية تحققا ينفذ إلى خارج النفس أي إن التأثير يذهب إلى محيط النفس خارجها فيؤثر في العالم وهي من فعل taetigen ترجمتا بكلمة واحدة هي فعل. وكان بالوسع أن نتغاضى عن ذلك لو لم يكن مخلا بالمعنى بل وحائل دون فهم قصد هيجل. فاستعمال عبارة "باطن الماهية" مقابلا ل im Inneren des Wesens كلام لا معنى له.
فالماهية لا باطن لها اللهم إلا إذا كان القصد معنى لم يصبح ممكنا إلا بفضل الفينومينولوجيا أعني معنى باطن الجوهر في الحركة الثالثة من تجربة الوعي عند انتقاله من لحظة الإدراك الحسي إلى لحظة الإدراك العقلي مباشرة قبل الوصول إلى أولى لحظات الوعي بالذات. فهل القصد بباطن الماهية العلاقة بين ذات الشيء وصفاته التي من جنس الجدلية القووية في الشي وجدلية الموضوع ومحمولاته في القضية التأملية أعني حيوية الفاهمة؟ طبعا ليس هذا قصد هيجل في هذا النص وإلا لكان ذلك يعني أن هيجل قد وصل إلى نتائج الفينومينولوجيا بل والمنطق منذ 1793.
هل تكون فتوحات الفينومينولوجيا حاضرة في ذهن هيجل منذ شذرة توبنجان الأولى؟ ولو لاحظ المترشح خاصية مهمة في الاصطلاح الهيجلي قصدت إشباع الحرف الأول من المفردة لتحويل الصفة إلى اسم لفهم أن Inneren تفيد ما يقابل "سر" والمقصود هو سر النفس أو سر الذات المتأثرة بالمبادئ والفاعلة في العالم وليس علاقة باطن الجوهر بصفاته من حيث هي معبرة عن التفاعل القووي الذي هو عين بينة العقل. وبذلك يتبين أن كلام دلتهاي عن التصوف في وصف مرحلة فكر هيجل الشاب ليس مجرد تخريف أو قول ب"السفاهة الفلسفية" عند هيجل كما يزعم المترشح دون ترو لكأن دلتهاي هو أي أحد يتقحم الفلسفة وإنما هو قد ربط هذا المعنى بكلامه عن الحب الإلهي في هذه النصوص وهو أمر لا يغيب عن العين الفاحصة. وإذن ففي هذه العبارة التي أفسدتها الترجمة معنى الدعوة لتغيير ما بنفس الإنسان لتغيير ظروفه الخارجية لا أكثر ولا أقل: وهو معنى ديني وصوفي.
مثال النص الثالث[14]: ص.11 من نص هيجل ص. 59-60 من نص المترشح:
الترجمة المبهمة أو المرمرمة بمصطلح المترشح ل nur geschwangert بعبارة "تغمس فقط". ثم إن ترجمة هذا الاستشهاد قد أزالت الوضوح الذي تتميز به بنيته النحوية في الأصل إذ هي قد باتت تعني عكس المقصود منها تماما. فالنص العربي جاء على نحو لا يبين الصلة بين تجريد النظرية العملية وفصلها الضروري بين مسلمات العقل وفاعلية الخير الأسمى في السلوك وفاعلية الإحساس من جهة أولى وبين وصل العمل الفعلي بينهما في واقع الحياة الروحية من جهة ثانية. هذا وقد أسقط المترجم كلمة Ueberhaupt الواردة في بقية النص وصفا لزاوية النظر إلى الإنسان المقصود في عبارة هيجل وهي أساسية لأن القصد أن المحددات الحسية والحيوية ليست عارضة للإنسان بل هي من جوهره أو هي بلغة المعتزلة ليست من لوازم وجود الذات فحسب بل هي من مقومات ماهيتها كذلك.
وإذن فهيجل ينظر إلى هذه الصلة من زاوية الحد النظري وإذن فهي ليست أمرا عارضا. وهي صلة جوهرية حتى في المنظور الكنطي الذي لا ينفيها بل ينفي جعلها المحدد لقيمه الفعل الخلقية: فالعامل الحسي والعاطفي مؤثران في دينامية الفعل لكن تأثيرهما ليس هو مصدر قيمته الخلقية بل هما قد ينافيانه إذا جعلاه استجابة لهما وليس للأمر الخلقي القطعي. وذلك هو قصد هيجل في كل هذا النص حسبما نفهم إذا لم نرغم النص ليفيد حدوث قطيعة قبل أوانها هذا إن سلمنا أنها حصلت أصلا. ولعل قطع المترشح النص حيث لا ينبغي هو الذي حال دون التفطن إلى هذا المعنى. فالجملة السابقة تحدد القصد من هذا التمييز بين الفصل في التجريد النظري للفلسفة العملية -وهو عمل ضروري في كل فكر نظري ومن ثم فلا تثريب عليه- والوصل في الوجود الفعلي للإنسان عامة أو بإطلاق Ueberhaupt ولحياته الفعلية خاصة كما يقول النص.
والمترشح ينسب إلى الفصل النظري نية الحط من الإحساس وجعله في خدمة الحواس في حين أن هيجل بالعكس من ذلك لا يلوم النظرية الخلقية عن استتباع الحس للمبادئ في المنظور النظري لأن ذلك ضروري بدليل أنه يميز بين التأسيس النظري الذي لا يمكن أن يستمد من الحواس وإلا لصار بعديا والتأثر العملي الذي لا يمكن أن يستغني عن الدافع الحسي. إنما هو يلوم النظرية على تصور المبادئ مؤثرة في العمل بمجرد صورتها التي لها في النظر ومن ثم فهو يلومها على إبعاد الحس والعاطفة في دينامية عمل المبادئ وليس على جعلهما خادمين لها. ذلك أنه هو الذي يريد أن يعطي للحواس والعواطف في مشروعه الإصلاحي هذه الوظيفة وهو يعيب على الفاصلين في النظر الإبقاء عليه في العمل إبقاء يخرجهما من الأخلاق.
لذلك فهو يريد أن يرجعهما إلى الوحدة المتناغمة في الاستعمال دون نفي ضرورة التمييز في النظر حتى تصبح المبادئ بفضل الوحدة المتناغمة بفضل امتزاجها مؤثرة في كيان الإنسان المتحد في الواقع والمحلل إلى عناصره في النظرية. ولذلك فهو يبني مشروعه الإصلاحي لفاعلية الدين التي يعتبرها فقد فقدت جذواها على استخدام الحواس والعواطف والخيال وحتى الخرافة والأسطورة وكل ذلك بهدف جعل المبادئ التي حددها كنط للعقل العملي وخاصة الخير الأسمى ذات تأثير في سر النفس ومن ثم في محيطها الخارجي: من هنا يأتي توضيح قصده من هذا الاستعمال بالمقارنة بين دور المبادئ في الوجود الحسي للإنسان ودور الملح في الغذاء أو دور النور في الموجودات. فهل يمكن أن يكون الوضوح أكبر من هذه المقارنة الجميلة بالملح والنور؟ هل للغذاء طعم من دون ملح؟ وهل للموجود ظهور بل وقيام من دون نور؟
مثال النص الرابع[15]: ص. 17 من نص هيجل وص. 52 من كتاب المترشح.
فالنص كله يتعلق بكيفية جعل الاعتقاد في مسلمات العقل العملي وفي الخير الأسمى مؤثرا ودور الدين والثيولوجيا في ذلك. ورأي هيجل أنه يوجد اختلاف بين فاعلية الثيولوجيا وفاعلية الدين. لكن الترجمة جعلته يقول إنه يوجد خلاف. وهيجل يتكلم على الاختلاف في قوى النفس المؤثرة وفي استعدادات الروح المطلوبة في الثيولوجيا وفي الدين لا على خلاف بينهما. وحتى لو سلمنا بإمكان مثل هذا الخلاف فإن هذا النص بالذات لا يتكلم فيه. ذلك أن الخلاف يحصل عند حصول القطيعة بين الدين الموضوعي والدين الذاتي أي عندما يكون الأول قد أصبح رأس مال جامد كما هي حال الإسلام الرسمي اليوم.
لذلك فالمشروع هو طلب الشروط التي تزيل جمود رأس المال لئلا تبقى هذه القطيعة بين البعدين الموضوعي والذاتي من الدين: أي تحرير التعليم الديني أو الثيولوجيا من البرودة وإعطائها شيئا من الحرارة التي للإيمان بوجود الله والخلود كما هو بين من بقية النص. لكن الخلط بين الاختلاف والخلاف آل إلى اعتبار الدين مقصورا على الذاتي منه والثيولوجيا على الموضوعي. وهذا غير صحيح فضلا عن أن هيجل يؤكد في نفس النص على أن الثيولوجيا والوجه الموضوعي من الدين جزء من الوجه الذاتي إلا إذا حصلت هذه القطيعة القاتلة بينهما. وذلك ما يسعى إلى علاجه وذلك هو المشروع المقترح في نهاية هذه الشذرة. قصد هيجل هو: إصلاح العلاقة بين الوجهين الموضوعي والذاتي من الدين وهو لا يقابل بينهما إلا في دينامية الفعل الخلقي لا في طبيعته.
فمطلوبه في كل كتاباته الدينية الأولى هو كيف تصبح النظرية الخلقية فاعلة فيكون الخير الأسمى دافعا للفعل. وجوابه هو: لا يمكن ذلك من دون الدين الحي أعني حرارة الإيمان إذ إن التعين الأسمى لروح أي شعب هي دينه. والدين الحي ليس سلوكا فحسب بل هو كذلك فكر متفش في السلوك كالنور في الموجودات أو كالملح في الغذاء باستعارتي هيجل نفسه. فيكون المشروع كله أشبه بمشروع الغزالي في إحياء علوم الدين والتربية الدينية. ذلك هو هم هيجل من الإصلاح الديني الشارط للإصلاح السياسي. وهو هم لم يفارقه منذئذ إلى أن مات حتى وإن تغيرت عنده الصيغ والحلول: فلا ينبغي أن نسقط القراءات العلمانية الفرنسية على أعمال هيجل بحثا عن ماركس الشاب في هيجل الشاب أو سعيا لعلمنة فكرة منذ يفاعه.
مثال النص الخامس[16]: ص. 11 من نص هيجل ص. 48 من نص المترشح :
وهذا النص رغم بساطته بل وربما بسبب بساطته يمكن أن يعتبر أكثرها دلالة على الابتعاد عن مقاصد هيجل. فما ينفيه هيجل هو حصر مفهوم الدين في المعرفة النظرية وما فهمه المترشح كما يتبين من ترجمة Blosse ببسيط هو ما آل به إلى القول معلقا بعد الشاهد الذي ترجمة كما في الهامش:" فرق (هيجل) بين مفهوم الدين ...والوجه الإنساني الصرف للدين". فصار هيجل وكأنه يقول في نصه إن الوجه الإنساني للدين خارج مفهوم الدين ومفهوم الدين ليس من الوجه الإنساني منه. وهذا لعمري من العجائب خاصة والمترشح يترجم بمفهوم كلمة Begriff . فهل الوجه الإنساني من الدين يقابل تصوره أم هو عينه فيكون التصور مجرد مفهوم من دون ماصدق ؟
وبدلا من أن يفهم أن هيجل يقصد بهذا الكلام أن الدين عندما تموت جذوته يفقد جوهره الذي هو مفهومه الحقيقي فتنفصل المعارف عن الأعمال بل وتصبح الأعمال حركات شكلية فاقدة للجذوة جعل الأمر على خلاف ذلك فبات ممتنعا أن نفهم مشروع الإصلاح الذي يحاول هيجل تحقيقه في كتاباته الدينية الأولى اعني ما يجانس المقصود بإحياء علوم الدين عن الغزالي: إعادة الجذوة إلى الدين ليطابق تصوره أو "بجرفه" الذي هو وجوده الفعلي خاصة إذا صح أن هيجل بلغ في هذه المرحلة ما يزعم له من خصائص مرحلة الفينومينولوجيا. فهيجل يهدف في هذه الشذرة من مشروعه وما يليها من محاولات في الدين إلى تحقيق غايتين أعلن عنهما صراحة:
الغاية الأولى فلسفية نظرية خالصة هي إثبات صحة نظرية كنط التي تعتبر الدين تاج مبادئ الأخلاق سواء كان ذلك في نقد العقل العملي أو في ما يوصف بالنقد الرابع كتاب الدين في حدود العقل بمجرده أي إن الأخلاق عند كنط تكتمل في الدين لأن مسلماتها هي عينها جوهر الدين عندما تنقلب إلى إيمان وجداني ولا تبقى مجرد مسلمات كما في الرياضيات. فيكون الدين متمم مكارم الأخلاق ومثبتها في وجدان الشعوب وبذلك نفهم حضور المسيح المتحرر من سلطان الكنيسة في النقد الرابع أي في كتاب كنط الدين في حدود العقل بمجرده وحضوره في هذا المشروع الهيجلي بهذا المعنى في روح المسيحية.
والغاية الثانية عملية وهي بنحو ما بدايات تحقيق مقولة هيجل الشهيرة التي يمكن أن تجنب الألمان ما آلت إليه الثورة الفرنسية: تقديم الإصلاح الديني على الإصلاح السياسي لئلا ينقلب الأخير إلى ثورة تهديمية وإرهابية كما حدث في الثورة الفرنسية. فعند هيجل لا معنى لدستور عروقه غير ثابتة في روحانية الأمة أي في دين الشعب الذي هو جوهر روح الشعب بلغة هيجل. وفي الحقيقة فإن هذا المفهوم يقبل الرد إلى هردر قبل أي مفكر آخر وإن كان عنده أشمل وأوسع.
مثال النص السادس ويمكن أن يعتبر العلامة الحاسمة على غصب النصوص لتؤدي معان لم يقصدها صاحبها: ص.370-371 من نص روح المسيحية ص. 203-204 من عمل المترشح:
وما دمت استثني جهل المترشح بالألمانية فإني مضطر لافتراض التزييف المتروي لدلالة هذا الاستشهاد. وهو أمر خطير لأن الخطأ غير القصدي مقبول من العالم وهو أمر قل أن ينجو منه أحد. أما التزييف القصدي فهو خطيئة خلقية ونفي للنزاهة العلمية. ولأهمية هذه المسألة أورد النص في متن البحث لأعلق عليه مباشرة:
فكيف يمكن أن يقبل المرء ترجمة هذه الجملة[17]: “Reines Leben zu dendken ist die Aufgage, alle Taten, alles zu entfernen, was der Mensh war oder sein wird” هكذا:" أن نتفكر الحياة المحض فتلك هي المهمة "؟ هكذا بعصى سحرية صارت المهمة تتعلق بما يتقدم على كلمة مهمة في الجملة وليس بما تأخر عنها فيها ! لكن عندئذ ما محل بقية الجملة من الإعراب؟ فقد جعل المترشح "أن نتفكر الحياة الخالصة" هو المهمة في حين أن هيجل يقصد أن "أن نتفكر الحياة الخالصة" عملية مهمتها أن تقصي التحديدات التي ذكرها بعد كلمة مهمة بدليل ختمه هذا التعريف بالقول إن الحياة الخالصة هي الوجود لا غير والوجود هو أكثر التصورات تخلصا من التحديدات وبلغة صوفية أدركها دلتهاي جيد الإدراك فهو يتكلم على التجرد الصوفي الذي يصل إلى التحرر من التعينات ليذوب في المطلق حيث يلتقي الروح المحدود بالروح المطلق في معنى الحياة الخالصة التي سيأتي تحديدها مباشرة في بقية الدراسة الهيجلية من حيث هي الرباط أو العروة التي تمثل جوهر الروحانية الموحدة للجماعة.
وكيف يقبل المرء ترجمة هذه الجملة[18]:" Bewusstsein reinen Lebens waere Bewusstsein dessen, was der Mensch ist هكذا:" فالوعي بالحياة المحض كان يكون الوعي بما يكونه الإنسان"؟ ما حاجة هيجل هنا إلى الشرطية لو عوملت هذه الجملة وكأنها بمعزل عن الجملة السابقة؟ أليس قصد النص عند ربطه بما تقدم عليه وترجمته ترجمة مطابقة للقصد منها هو جواب شرط لعلاقة شرطية مضمرة بين :" فيكون وعي الحياة الخالصة عندئذ- أي إذا حققنا مهمة إقصاء التحديدات - وعي ما يكون الإنسان (أي جوهره الخالص من التعينات والتحديدات بعد تخلصه مما أشار إليه هيجل بسلوب هي عدم التنوع وعدم التعدد الفعلي والمتطور)".
أما الهامش 118 من ص. 203 تعليقا على شطب هيجل كلمة الوعي بالذات واستبدالها بالحياة الخالصة تعليقا دراميا وبأسلوب التهويل الخطابي الذي أشرنا إليه في البداية فهو لعمري من عجائب الدهر[19]:
ذلك أن هيجل كان ينبغي أن يشطب الوعي بالذات ويعوضها بالحياة الخالصة. فالقصد هو بيان وصول التخلص من التعينات أو التجرد ذروته. ولن يحصل ذلك لو أبقى هيجل عبارة الوعي بالذات إذ تكون الذات عندئذ ما تزال منفصلة عن المطلق. فيكون الفناء لم يحصل بعد فيه: وهو معنى صوفي خالص. وإذن فتعويض كلمة الوعي بالذات بكلمة الحياة الخالصة لا يفيد ما فهم المترشح بل بالعكس هو يفيد ما كان فعلا مطلوب هيجل أعني معنى أكثر كلية وبساطة من الوعي بالذات وفيه يمكن تصور الانصهار في الجماعة الروحية بخلاف الوعي بالذات الذي يفصل الواعي بذاته عن الجماعة ولا يصله بها.
والحياة الخالصة رغم كونها أمرا مضمونيا وليست أمرا شكليا فإنها أكثر تجردا وقربا من المطلق إذ هي تتطابق مع الوجود ولا شيء أبسط منه بل هو كما سيتبين في منطق هيجل المتأخر أفرغ التصورات إلى حد التطابق مع العدم. وتطابق الحياة الخالصة مع العدم هو التجرد من تعينات الذات لتتصل بالمطلق من خلال اندماجها التام في الجماعة كما يتبين من بقية النص حيث تحلل عبارات انجيل يوحنا بمصطلحات أفلوطين.
وطبعا فالحياة الخالصة هنا ليست الحياة العضوية بل هي الحياة الروحية التي مثل لها بصلة العربي بضيفه بعد شرب القهوة أصلا لكل وجود روحي هو المقصود بالحياة في نص روح المسيحية أو بالصلة بين الفرد العربي وجماعته مثالا عن روح الشعب الحر بحق حيث تكون لحمة الروح حائلة دون انفصال الفردي عن روح الجماعة كما هي الحال بالنسبة إلى أوروبا في عصره وخاصة في الحروب. حتى إني كدت أجد شبها بين هذا التصور وتصور العصبية الخلدوني في مستواها العقدي لا الدموي.
ولا أريد أن أستطرد في هذا المثال رغم ما يستدعيه. يكفي فقط أن أشير أن مطلوب هيجل لا يمكن أن يكون في هذا النص الكلام عن وحدة الحياة من حيث هي وحدة عضوية ممثلة للعين الفعلية من الغائية بالمعنى الكنطي للكلمة ومن ثم لفكرة النسق الفلسفي عند كنط الذي يمكن أن يجسر الهوة الفاصلة بين النظري والعملي. فهذا لا يمكن أن يكون كما يتصور المترشح بؤرة الثورة التي لاحظ وجودها من أول نص كتب هيجل لكأن هيجل الأول أصبح تولدا طبيعيا وطفرة نشأت كاملة من الحرف الأول الذي كتبه. فهاتان الفكرتان أعني الوحدة العضوية مثالا فعليا من الغائية ونموذجا للنسق العلمي من أساسيات نقد ملكة الحكم عند كنط ومن ثم فهما غنيتان عن ثورة فكرية يقوم بها هيجل ويبني عليها استشكالا فلسفيا تستند إليه طرافته.
وإنما حديث هيجل مداره الحياة الروحية الخالصة التي يتميز بها الإنسان فردا وجماعة والتي يمكنه بفضلها أن يدرك المطلق شرطا في العلاقة بالرب. لذلك فهي تصور صوفي خالص في مستوى الفرد وتصور لروح الشعب في مستوى الجماعة. وهي من جنس التجرد والحب لا التجريد والنطق بل هي جامعة بينهما ومن ثم فهي تعلل قراءة دلتهاي تعليلا ليس أكثر منه وثاقة ونفاذ بصيرة. ولعل استعمال مصطلحات أفلوطينية وخاصة نظرية الأقانيم لتحليل نصوص انجيل يوحنا مباشرة بعد هذا النص-بالمناسبة ومنها النص الذي علق عليه البابا في محاضرته الشهيرة لبيان العلاقة بين العقيدة المسيحية واللوجوس[20]- مما يزيد ذلك تأييدا: فالأب هو الواحد والإبن هو اللوجوس والروح القدس هو الحياة والرابط بين الكل هو الفيض.
لذلك فالأمر لا يتعلق بعد بالتأمل الهيجلي ولا بالحل الجدلي لتوالد التصورات بعضها من البعض بل هو نوع الجدل الذي لا يفارق الفكر الصوفي في محاولة تفسير علاقة المطلق بالنسبي علاقتهما التي يقتضيها القول بالحلول ووحدة الوجود ويقتضي تجريد الذات ذاتها بفعل التجرد المتجاوز للتحديدات من أجل شيء من فناء الذات في المطلق بتوسط التفكر في الحياة الخالصة. وكان يمكن أن أبدأ بهذا المثال وأن أقف عنده لأنه وحده كاف لرفض كل الفرضية التي تعتبر هيجل قاطعا مع هذا النوع من الفكر الديني ومستبدلا إياه بالإثيقية بداية لاستشكال فلسفي يخصه قد يحقق شرط ما تطلبه القراءة الفرنسية التي تبحث عن ماركس الشاب في هيجل الشاب (بتأثير واضح من بورجوا المختص في الهيجلية بتوسط واع أو غير واع لليسار الماركسي الفرنسي). لكن الأمثلة المتقدمة عليه كانت ضرورية لأنها ممهدة له بوصفه الحجة الحاسمة.
مثال النص السابع ص.21 من كتاب الفرق الوارد في stw عدد 602 الجزء الثاني من الأعمال ص.277 من كتاب هيجل الأول للمترشح
ولعل هذا المثال أطول نص نقله المؤلف إلى العربية في الكتاب وفيه من الحيد على مقاصد هيجل ما يستحق جلسة نقاش خاصة. ذلك أن كل الأمثلة التي سبق تعدادها تكثفت هنا لتبين أحد أمرين أترك للمترشح أن يختار بينهما. فإما أنه يستخف بالقارئ العربي فيترجم دون احترام لقواعد اللغتين المنقول منها والمنقول إليها أو أن ما يفعله يفعله بقصد لتزييف المعاني التي قصدها هيجل من أجل إثبات ما يتصوره قراءة جديدة ناسبا إلى هيجل ما لم يكن يتفرد به إذ هو عين ما تتجاوز به فلسفة كنط محاولات استكمالها كلها وخاصة الوصل بين تجاوز المقابلات التأملي (العقل) وتثبيتها التفكري (الفاهمة) خاصة وكتاب الفرق ذاته بحث في محاولتين تسعيان إلى هذه الغاية عند فشت وشلنج. لذلك فإني اكتفي بالإشارة إلى نص هيجل وترجمة المترشخ تاركا المسألة للقراء يفحصونها بحرية حتى يتأكدوا من أمانة المترجم.
مثال النص الثامن ص.378 من روح المسيحية stw عدد 601 الجزء الأول من الأعمال ص.218 من كتاب المترشح:
وهذا المثال يكفي لدحض كل الفرضية. فهو تفسير لنظرية ابن الله أو إن شئنا تأسيس منطق التثليث الجدلي على التثليث المسيحي بحيث لا تكون نظرية القضية التأملية والنسخ الحافظ إلا من أجل التعبير الفلسفي عن هذا السر المقدس. وبالمناسبة فالنص الذي يحلله هيجل هو كما أسلفنا نفس النص الذي استعمله البابا في محاضرته الأخيرة ليبين عقلانية المسيحية استنادا إلى انجيل يوحنا بحيث إن المقابلة مع لاعقلانية الإسلام عند البابا هي عينها المقابلة مع لا عقلانية اليهود عند هيجل. فكلا الروحين عندهما ينتسبان إلى الفاهمة دون العقل ومن جنسهما فلسفة كنط. والترجمة فضلا عن رداءتها أخفت بالاقتطاع دلالة النص اللاهوتية لأن الكتاب من البداية اعتمد على نفي الفهم اللاهوتي لفكر هيجل الأول وزعم اهتمامه بالإثيقا لكأن الإثيقا لا تقبل الاندراج في اللاهوتي فتقتضي نفيه.
أما من خارج كتاب هيجل الأول فسأقتصر على مثال واحد ورد في مقدمة المترشح لترجمة الفينيومينولوجيا:
مثال مقتطف من رسالة هيجل لشلينج الهامش 5 ص. 14 من مقدمة المترشح لترجمة الفينومينولوجيا (ويرد النص في هذا الكتاب كذلك ص.245 بترجمة مختلفة بعض الاختلاف عن هذه): أضاف المترشح أفعل التفضيل Superlativ في أن الوصف كان مقارنة وليس مفاضلة مطلقة ثم غير المترشح معنى الكلمة في ترجمة untergeordenetern. فهو قد ترجمها ب"الأكثر أولانية". ومعناها على الحقيقة أكثر ثانوية أو أزيد تبعية بمعنى المقارنة لا بمعنى أفعل التفضيل والقصد هو إذن أدنى. لكن معنى الكلمة بات غير مفهوم بمجرد وصف الحاجات بكونها "أولانية". فهل القصد حاجات الحسد مثلا أم إن هيجل يتلكم على العلوم الجزئية التي يحتاج إليها في بناء النسق مثل دراسة الفكر السياسي في مكتبة أسرة شتايجر ؟ في الحالة الأولى لا يكون للحاجات الأولانية أي دلالة على العلاقة بالغاية: زاد الإبهام حول "الحاجات الأكثر أولانية" رغم كونها في الرسالة محددة بطبيعة التكوين العلمي وبالإضافة إلى النسق الذي يدور حوله الكلام في الرسالة الموجهة إلى شيلنج: النسق التفكري. ولنا أن نعجب من عدم التعليق على استعمال هيجل وصف تفكري لوصف النسق بدلا من تأملي؟ أليس ذلك لأن العبارة تعارض فرضية المترشح كامل المعارضة . أليس في هذا دلالة ما على مراحل تكونه إذ من المعلوم أن التأملي Speculativ مرحلة أرقى من التفكري Refexiv من ثم فهي تليه في التكوينية ؟
وفي ختام فحص المسألة الأولى فإني أكاد أجزم أن جل المعاني التي نجدها في الترجمة أتت على غير قصدها عند هيجل فضلا عن كونها لو صحت لكان هيجل لم يتطور قيد أنملة خلال فترة أوليته وفضلا عن كون أعمال أي مفكر ليست بالضرورة متناغمة أو مندرجة في مشروع متصل مهما قصرت الفترة المنظور فيها من بدايتها إلى غايتها. ليس التناغم في العمل الفكري في الحقيقة إلا من جنس تثقيف القصيد الشعري بعد انبجاسه الفوضوي. والمهم أن نحدد بدقة الجواب عن هذه الأسئلة: هل كان هيجل ينقد في محاولاته الأولى فلسفة كنط الخلقية أم هو كان ينقد استعمالها المشوه لها عند بعض اللاهوتيين ومنهم من كان من أساتذته ؟ وهل كان يسعى إلى تحقيق إصلاح ديني ليس فيه فصل بين الإثيقي والديني والسياسي أم هو يستعيض عن أحد عناصر هذا الثالوث بآخر منه ؟ وهل هذه النقلة المضمونية حتى لو صحت تعني أن الفلسفي من حيث هو فلسفي بات مستشكلا عنده بمعنى الاستشكال الذي يقابل بين التفكري والتأملي من حيث أسلوب الصوغ الفلسفي ؟ ثم ما معنى أن يصبح الفلسفي مستشكلا عنده ؟ أتراه ليس هو كذلك عند أقرانه الذي كانوا يحاولون مثل الجيل المتقدم تأسيس مفروضات فلسفة كنط تأسيسا جذريا ينتهي عادة إلى تجاوزها ؟ وبأي معنى صار مستشكلا ؟
لكن المحير هو أني لا أذكر أحدا من قراء هيجل مهما كان ضحل المستوى الفكري اعتبر وصف أعمال هيجل الشاب بكونها Theologische مرادفا لعلم الكلام بالمعنى المدرسي أو أنها ما تلقاه في المعد الديني وأن هذا الوصف يعني اعتباره سفيها فلسفيا ولن يرشد إلا بعد التخلص منه بحدوسات فلسفية أم. إنما القصد عندهم جميعا كان يتعلق بفلسفة الدين أو بفلسفة التصوف وكلاهما من تأويل أصناف الروحانية أو بنقد الكلام الذي أساء استعمال مسلمات كنط والحد من قدرات العقل النظري. الوصف بالثيولوجيا هو بصورة أدق وصف بضرب من الفلسفة الدينية لها بداية ووسط وغاية كلها فلسفية.
فبدايتها كانت محاولات هيجل في إصلاح تربية الشعب الدينية بتطبيق فلسفة كنط الخلقية الدينية وبتأويل روح الأديان المنزلة الثلاثة (لتردده في الإسلام ضما إلى هذا أو ذاك من الاثنين الآخرين) وغايتها سنصبج من جنس ثيولوجيا الميتافيزيقا الأرسطية ووسطها هو المعنى الكنطي في تأسيس المسلمات والخير الأسمى ونظرية الدين في النقد الرابع أعني Die Religion innerhalb der Grenzen der blossen Vernunft؟ أليست أعمال كنط النقدية الخمسة الأساسية ذات صلة بهذا المشروع: المثلث الأساسي ثم ما بني عليه أعني الدين في حدود العقل بمجرده وخصومة الكليات التي في الحقيقة تأسيس لحق الفلسفة في تحرير الدين من الكلام وتأسيس فلسفة الدين.
المسألة الرابعة: المنطق
وننتقل الآن إلى الفحص المنطقي حتى يكون النقاش مستندا إلى اليابسة: ولأبدأ بتحديد البنية العامة لكل تحقيب أيا كانت مادته وأيا كان منهجه تاريخ تراجم أو قص حدوس وخاصة إذا تعلق الأمر بالتكوينيات. فمن دون ذلك لن تكون المناقشة فلسفية: فالكلام على أول كلام إضافي ضرورة إلى الكلام على آخر. والكلام عليهما يوجب أن نميز منهما الحد الذي يفصل بينهما بدقة متناهية. والحد الفاصل بين البداية والغاية ينبغي أن يكون غيرهما رغم كونه حدا أوسط بينهما. والحد الأوسط لا يتوسط إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: فلا بد أن يكون حدا فاصلا بين الأول والأخير وواصلا بالأول وواصلا بالأخير بوصفهما محيطين به قبله وبعده. والسؤال هو: كيف يجيب قص الحدوس فيحدد هذه الأمور التي لا بد منها ؟ فما هو الحد الفاصل بين الأول والأخير في قصة المترشح؟ وكيف يتصل هذا الوسط بما قبله ويتصل بما بعده ؟
وهو إذ يتصل بما قبله فهو يفصله عما بعده فبم فُصلت البداية عن الغاية ؟ وهو إذ يتصل بما بعده فهو يفصله عما قبله فبم فصلت الغاية عن البداية ؟ وهل يتطابق الفصلان إقبالا من البداية إلى الغاية وإدبارا من الغاية إلى البداية: أي هل يمكن أن نصعد من بداية فكر هيجل إلى غايته وأن ننزل من غايته إلى بدايته سالكين نفس السبيل سبيل الحدوس الفلسفية الأم ؟ وإذا وجد بين الأمرين قطائع فما هي وكيف حددت النقلة أم إن الحدوس طفرات حدسية لا تقبل التحديد التحليلي ؟ ما المحددات التي تؤدي هذه الأدوار في القراءة المقترحة مضمونية كانت أم شكلية ؟ تلك هي الأسئلة التي أتصور المترشح قد طلب أجوبتها في محاولته بطريق القص الحدسي. لذلك فإني أبحث عنها بضربين من الفحص: تحليلي يفحص منطق الخطاب وتأويلي يفحص فهمه كما يتعين في ترجمة بعض العينات المستشهد بها.
وكان ينبغي أن تتقدم مساءلة الوجه المنطقي من العلاج على الوجه التأويلي. لكن ذلك لو حصل لعارض خطة صاحب الكتاب. فأخرناه والمقصود به منطق الخطاب أو التحليل الذي يمكن من السيطرة على مجازفات التأويل في كل قراءة يريد لها صاحبها أن تكون محل توافق بين النظار. لكني لا أنكر أن المعادلة المنطقية لهذا النوع من البحوث معقدة بلا حد لازدواج محوريها وتشاجنهما فضلا عن الحاجة إلى الجمع بينهما رغم هذا التعقيد.
الوجه المنطقي الأفقي أي المنطق الذي يخضع له علاج الآراء المتجادلة حول المسائل المطروحة (قراءات أعمال هيجل الأول) وهو منطق مضاعف: منطق الآراء المقروءة ومنطق الآراء القارئة. ولا يمكن تحديد منطق الآراء القارئة إلا بعد نحديد الآراء المقروءة. فالآراء المقروءة قابلة للتحديد بالصورة التالية:
1- منطلقها هو وضع ألمانيا الروحي والفكري في علاقته بثورة كنط التي هي فلسفية ودينية
2- ثم تلقي هذه الثورة في محاولات رفضها (مثال هردر ويعقوبي)
3- وفي محاولات استعمالها (بعض أساتذة هيجل في المعهد مثلا) وكلاهما أميل إلى المنظور اللاهوتي
4- ثم تلقيها في محاولات تأسيسها (راينهولد وفشته)
5- وفي محاولات تجاوزها (نزلاء المعهد الثلاثة) وكلاهما أميل إلى المنظور فلسفي.
والوجه المنطقي العمودي أي المنطق الذي تخضع له علاقة هذا العلاج بالظاهرات التي تتعلق بها تلك الآراء ومنها آراء هيجل (أعمال هيجل الأول) وهو أمر مضاعف كذلك:
نسبة أراء هيجل إلى الظاهرات ونسبتها إلى الآراء المتعلقة بها عندئذ خلال تكون معالم فكره.
وتكون نسقه خلال الجدل مع الآراء المتعلقة بهذه الظاهرات في المناخ الفكري السائد عصرئذ.
وهاتان النسبتان قابلتان للحصر بعد حصر الظاهرات الموضوع وذلك بالصورة التالية: 1- فمنطلقها هو وضع ألمانيا الروحي والسياسي عندئذ في علاقته بالثورة الفرنسية وهي مجموعة ظاهرات سياسية فلسفية 2- ثم تلقيها في الردود الرافضة للثورة أو 3- في محاولات استعمال أفكارها وكلاهما سياسي 4- ثم تلقيها في محاولات تأسيسها 5- وفي محاولات تجاوزها وكلاهما فلسفي.
فثورة كنط الفلسفية اتجهت بالتدريج إلى الانقلاب على التنوير لأن استعمالها التنويري زال بمجرد أن أصبحت نظرية تستهدف الحد من فعالية العقل النظري والمسلمات العملية دعامة للاهوت ليس أقوى منها دعامة.
والثورة الفرنسية السياسية اتجهت بالتدريج إلى الانقلاب على الحرية بإرهاب دولة لأن استعمالها التحريري زال بمجرد أن أصبح الغزو الخارجي في كل أوروبا والإرهاب الداخلي دعامة للمحافظة السياسية ليس أقوى منها دعامة.
فإذا كان تأويل المترشح معتمدا على التحول في المضامين ألا يكون بيان طبيعة التدرج في التحول استنادا إلى المرور من حالة أولى إلى حالة ثانية في التكوينية الفكرية ومن ثم من حيث هو مرتبط بهذين الأمرين الفكري والتاريخي مع تراخي التدرج التاريخي على التدرج الفكري أو العكس فيكون المناخان الفكري والتاريخي ضروريين ضرورة الجدل بينهما في فهم التكوينية لكونهما يساعدان على فهم مواقف هيجل وخياراته للهموم الفكرية التي انشغل بها إذا اقتصرنا على مضامين فكره تفسيرا موضوعيا بدل الاكتفاء بنظرية تصيُّر الحدوسات الهيجلية التي غلبت على قراءة المترشح لكأن هيجل ربنسن كروزوي ؟
أما إذا كان البحث في صيغ تشكل الفكر فالأمر ينبغي عندئذ أن يعتمد على النظر في أصناف التأسيس والتجاوز الفكري والتاريخي اللذين بدآ يتحققان في تلك الحقبة بالقياس إلى فلسفة كنط وإلى ضربي التعامل معها اللذين أشرنا إليهما فكريا (وإلى الثورة الفرنسية عمليا لو أردنا أن نوسع البحث) مع العلم أن هذه الفلسفة كانت هي بدورها في تطور مستمر. وليكن مثالنا في مثل هذه الظاهرة التي نحاول فهم منطقها المضاعف فنقيسها على علاقة التلقي الأرسطي والتلقي الأفلوطيني لفلسفة أفلاطون مثلا تأسيسا وتجاوزا حتى لا نفسر الأمر بنفسه. والمقارنة شكلية خالصة: أي مقارنة النسب لا حدودها.
فافلوطين أراد التأسيس بالتجاوز إلى ما بعد فلسفة أفلاطون وأرسطو أراد التأسيس بالتجاوز إلى ما دونها. وبالتناظر فإن موقف أفلوطين من أفلاطون يمكن أن يقاس عليه موقف فشته وشيلنج في العلاقة بفلسفة كنط وموقف أرسطو من أفلاطون يمكن أن يقاس عليه موقف هلدرلن وهردر في نفس العلاقة به. وبين نوعي التمثيل المتقابلين نجد قطبي المناخ الثقافي في صلته بفلسفة كنط. فراينهلد قبل الجميع حصر الأمر كله في توحيد ملكتي المعرفة: الحساسية (مصدر مادة المعرفة) والعقل (مصدر صورة المعرفة). ويعقوبي بالتوازي حصر الأمر كله في توحيد ملكتي الموجدة: العقد والعاطفة. فهل يمكن الحسم في تكوينية هيجل من دون فرز الخيوط المتشاجنة في هذا النسيج المعقد كما حاول أن يفعل كل الذين سعوا إلى القيام بمثل هذا العمل باعتماد المقارنة مع أبناء جيله ؟
أما هيجل-وتحديد موقفه ببيان دور هاتين الثورتين وتلقيهما هو المطلوب في عمل المترشح حتى بطريقة الحدوسات-فقد حاول أن يؤلف بين كل هذه المناظير إذا كان قد تجاوزها. وفرضية المترشح وضعا لخصوصيته في الانتقال إلى الإشكالية الإثيقية وجعل الفلسفة إشكال التفلسف تقتضي أن يفهمنا علاقة ذلك بهذا المناخ وكيف تم القطع معه. ولم نختر المناظرة بين ما حصل في قراءات كنط وقراءات أفلاطون بالصدفة بل العلة هي:
أن هيجل قد ذهب إلى ربط عناصر هذه المعادلة عند اكتمال فكره بأفلاطون بداية لها ليحسم مسألة الجدل ما طبيعته: لم يعد الجدل منهجا فسحب كما كان شأنه عند أفلاطون بل صار عين حركة الأشياء بدءا بفشت واكتمالا عند شلنج قبل أن يصل هيجل إلى ذلك في الفينومينولوجيا والمنطق.
وأن ه ربطها بأرسطو غاية لها ليحسم مسألة وظيفة العلم الرئيس الذي لم يعد مراوحة بين النظري (الميتافيزيقا) والعملي (السياسة) بل جعلهما متطابقين في العالم الفعلي لحياة الإنسان التاريخي فاستدارت حركة الفلسفة بالمعنى الهيجلي للدائرة الفلسفية وتلامس المضمون المطلق أو الروح بوجهه العملي (الدين استوعب السياسة أو العكس لا يهم إذ هما في جوهرهما شيء واحد) مع الشكل المطلق بوجهه النظري (المنطق استوعب الميتافزيقا أو العكس لا يهم إذ هما في جوهرهما شيء واحد).
وبذلك يبقى كنط مركز العملية كلها بصلة مع محركي علمه ووجدانه قصدت هيوم وروسو. فالأول أيقضه من سنة الدغمائية النظرية والثاني من سنة الدغمائية العملية. وإذن فالفضل في بدء هذه الحركة أو في توجيهها هذه الوجهة هو من دون شك بعد الثورتين الفكرية والسياسية المذكورتين يعود إلى رجلين متقدمين على هيجل وهما:
1-راينهالد مهما حاولت السنن الجامعية إهمال دوره: فقد كان صاحب الشرارة الأولى في توجيه الفكر وجهتي التأسيس والتجاوز لما وصفه بكون نتائج دون مقدمات في النقدية المتعالية وذلك في مصنفاته الثلاثة الأساسية في هذا المضمار:
Karl Leonhard Reinhold,
1- Versuch einer neuen Theorie des menschlichen Vorstellungsvermoegens (1789)
2- Beytraege zur Berichtigung bisheriger Missverstandnisse der Philosophen(2 vols.1790)
3- Ueber das Fundament des philosophischen Wissens,( 1791)
2-ويعقوبي الذي وجه مناقشة فلسفة كنط وجهة ثانية بفضل كتابية حول العلاقة بين المعرفة والإيمان وحول مسألة الإلحاد ووحدة الوجود فجعل من فلسفة هيوم وفلسفة سبينوزا ندين لثورة كنط الفلسفية.
F.H.Jacobi 1- David Hume Ueber den Glauben, 1787 in Werke ed. F. Roth and F. Koeppen vol.2 Leipzig 1815
2- Ueber die Lehre des Spinoza in Briefen an den Herrn Moses Mendelssohn 1789.
لكن قراءة هيجل بتصير الحدوس يحول دون المؤلف وبيان علاقة ما يجري في فكره بما يجري في مناخه أولا وفي الحركة الكلية والموضوعية لعمل الفكر الفلسفي إذا صح أنه فكر حقيقي وليس تمثلات نفسيه المؤثر فيها هو تصير الحدوس في الأوعاء الفردية دون سواها.
المسألة الخامسة: استراتيجية الحجاج التحقيبي عامة.
الاستراتيجية التي أبحث عنها وأظن أني لم أجدها هي استراتيجية الحجاج التحقيبي أعني استراتيجية تحديد مقومات القراءة المنقودة بدقة ومناقشة حججها والحجج التي تدعو المترشح لاستبدالها بقراءة أخرى ذات مقومات ينبغي أن تكون محددة. فلا يكفي أن نقول تصير الفلسفة إشكالا فلسفيا. فالفلسفة لا تبرح كونها إشكالا بل هي لم تنشأ إلى لأنها صارت إشكالا. وكونها تصبح كذلك لزيد أو عمر مسألة تنتسب إلى علم النفس والسير وليس إلى الفلسفة والفكر. وأعتقد أن هذا هو الرأي الهيجلي الوحيد الذي لا يختلف فيه إثنان.
سؤالي هو إذن: هل هذه المقومات محددة في البديل الرافض والمبدل منه المرفوض في هذا العمل ؟ لعل Claus Duesing يقدم لنا مثالا مما أقصده بهذا التحديد كما ورد في مقالته المتأخرة ترجمته (1999) دون مراجعة ما يعني ثبات الموقف بعنوان The reception of Kant’s Doctrine of Postulates in Schelling’s and Hegel’s Early Philosophical Projects. فقد ربط الأمر بدور موقف هيجل من مسلمات كنط والخير الأسمى عنده في استعمالاتها اللاهوتية ثم في ذاتها ثم بدورها في المشروع الذي ينوي المفكر تحقيقه من علاج هذه المسألة الجوهرية في فلسفة كنط مقارنا في ذلك كله موقف هيجل بموقف شيلنج ومدعما مرة أخرى القول بتأخر النضوج الفكري عند هيجل عنه عند شيلنج. فيكون تحقيب التكوينية قابلا للتحديد بالتناظر بين منحنيين فكريين ما ييسر الحصر الدقيق للمطلوب تعيينه.
فهل يمكن أن نعتبر القول بالنقلة من المرحلة اللاهوتية مضمونيا ومن الفكر الفلسفي غير النسقي شكليا إلى المرحلة الفلسفية مضمونيا والفكر النسقي شكليا قولا شبيها بالقول بالنقلة من السفاهة إلى الرشد الفلسفيين كما يتصور المترشح؟ على حد علمي فإن السفاهة لا تقال بهذا المعنى. فغير الراشد قبل سن الرشد لا يوصف بكونه سفيها بل يعتبر غير مكلف. والسفيه هو من لم يرشد بعد سن الرشد أي من لم يكن في مستوى واجب التكليف.
ثم من قال بهذا الرأي ؟ لا أعلم أحدا ممن قال بالطابع اللاهوتي لفكر هيجل الشاب تصوره غير فلسفي أو استثنى منه الخلقي حتى بمعناه الحي في الممارسة فظن ذلك سفاهة بلغة المترشح حتى وإن نفى عنه النسقية الفلسفية التي صار عليها فكر هيجل لاحقا وإلا لما كان للتحقيب التكويني معنى. كما لا أعلم أن من تكلم في فلسفة هيجل الأخيرة وقدم فيها المنطق الذي استوعب الميتافيزيقا على ما عداه استثنى منها البعد اللهوتي والاثيقي حتى وإن وصفها بالنسقية. فهيجل نفسه لا يفصل بين هذه الوجوه لا في بداية فكره ولا في غايته إلا فصل التجريد بين الصورة والمادة التجريد الذي يحرر منه تصوره الجدلي البديل حيث تتبادل المادة والصورة الدور فتكون صورة المرحلة السابقة مادة المرحلة اللاحقة بمنطق النسخ الذي هو تجاوز حافظ Aufhegung بمعنى التصديق والهيمنة.
ثم ماذا يمكن أن يقال في القراءتين الممكنتين واللتين لم يرد لهما ذكر ربما بسبب تأثير المراجع الفرنسية أو بسبب عدم المتابعة لما كتب حتى بالألمانية ونشر مترجما بالانجليزية ؟ وأولى هاتين القراءتين حصلت فعلا وهي متعددة والثانية حصولها غير مستبعد عقلا ولعله يمثل مستقبل المحاولات السابقة التي تقبل الحصر بصورة سنحاول التلميح إليها:
القراءة التي حصلت فعلا: بعنوان من هيجل إلى هيجل مع المطابقة مع عنوان"من كنط إلى هيحل" بفهم أصيل وصاحبها هو Merold Westphal, Von Hegel bis Hegel: Reflexions on the Earliest System-Programme of German Idealism, in The Emergence of German Idealism, Studies in Philosophy and the History of Philosophy Volume 34, The Catholic University of America Press1999 pp.269-287.
وهذه القراءة يمكن أن تعتبر مثالا على ما أعنيه بالمقومات في القراءة المدحوضة وفي القراءة الداحصة. فصاحبها قد حدد خمس مقومات مستمدة من نص البرنامج لا بد من دحضها لتصح الفرضية القائلة بنسبة برنامج المثالية الأقدم إلى هيجل تأليفا وليس فقط نسخا بخطه فرضية قابلة للتصديق. وهذه المقومات وهي:
1- مقوم إرجاع الميتافيزيقا إلى الأخلاق بدلا من إرجاعها المنطق
2 – مقوم اعتبار نسق الأفكار التام ليس شيئا آخر غير نسق المسلمات العملية التي تعد مسلمات كنط أمثلة منها فلا تنحصر فيها وحدها
3- مقوم اعتبار الفكرة الأولى هي الأنا مطلق الحرية
4- مقوم زعم فكرة الإنسانية منافية تماما لفكرة الدولة (وهذه داهية الدواهي في المشهور من فكر هيجل ومن ثم فإثباتها يمكن أن يضاهي ما يسمى بالتجربة الحاسمة في العلم !)
5- مقوم القول إن الفكرة الجامعة لكل الأفكار هي فكرة الجمال بمعناها الأفلاطوني لأن الحقيقة والخير يتآخيان فيها.
فإذا أثبتنا عدم تناقض هذه المقومات الخمسة مع نصوص هيجل المعروفة من بداية تكونه إلى نهايته أمكن تصحيح النسبة وإلا فلا. وذلك ما حاول فعله فاستفال لينتج القول بالصحة دون الحسم لاستحالته بغير الدليل النقلي أعني نصا أو شهادة ممن يمكن أن ينسب إليه النص شهادة تنسبه إلى هيجل. لذلك فهي استراتيجية مقنعة لدحضها موانع النسبة. وهي إذن تعمل بقاعدة نقيض التالي ينتج نقيض المقدم أعني بطريقة إثبات الفرضيات العلمية من خلال بيان سلامتها من محاولة الدحض. فيكون الاستدلال هكذا: لو كان البرنامج من تأليف هيجل لما ناقضت دعاواه فلسفة هيجل المعلومة. لكنها لا تناقضها وإذن فالبرنامج قابل للنسبة إليه. لكن النسبة ليست بذلك ثابتة لأن إثبات الإمكان غير وإثبات الحصول غير الفعلي.
ومن جنسها قراءتان أخريان حصلتا فعلا ولم يرد لهما ذكر في مراجع عمل المترشح فآخر ما أشار إليه المترشح من كتابات Duesing يقف عند سنة 1976 وهو غير متصل مباشرة بالموضوع لتعلقه بمنطق هيجل وفكره المتأخر أكثر منه بتطور فكره الأول في حين أنه كتب بعد ذلك أكثر من سبع مقالات ذات صلة بموضوعنا أهمها بداية هي Die Theologie in Kants Weltbegriff وهي من سنة 1986ووسطا Shelings’s und Hegel’s erste absolute Metaphysik وهي من سنة 1988 ثم غاية مقالته الأخيرة التي سبق ذكرها ونحن نعيد التوكيد عليها هنا لعلاقتها المباشرة بإعادة النظر في قراءات هيجل الشاب وهي من سنة (ترجمتها الإنجليزية) 1999:
فقراءة Klaus Duesing التي نقلت إلى الإنجليزية بعنوان The reception of Kant’s Doctrine of Postulates in Schelling’s and Hegel’s Early Philosophical Projects (idem pp.201-237) قراءة لا تختلف عن قراءة Westphal من حيث استعمال نفس الاستراتيجية بتحديد المقومات التي ينبغي إثباتها ودحض ما يعارضها إن وجد. وهي تبني نسبة البرنامج الأقدم للمثالية الألمانية إلى هيجل( بين 1795 و97) على التسليم بأن الأفكار الخلقية أو المثل هي عينها المسلمات. لمت ذلك ليس بالأمر الضروري لأن كلمة أخلاق قد لا تعني مسلمات كنط بل قد تعني مفهومها عند سبينوزا كما في عنوان كتابه الأخلاق وهو ما ساد على رأي شلينج في كتابه "محاولات في جوهر الحرية الإنسانية". فيرجح ذلك النسبة إليه بدل النسبة إلى هيجل. ولا مخرج إلا بمحاذاة طريقة فاستفال: دحض ما يشكك في الفرضية لتبقى صالحة دون حسم إلى أن نجد الدليل النقلي لها أو عليها.
وقراءة الأستاذ الاسترالي Paul Redding هي الأحدث على الإطلاق إذ قد نشرت في أحد مداخل موسوعة ستانفورد الفلسفية سنة 1997 لكنها حينت في منتصف سنة 2006 بعنوان: Paul Redding, Georg Wilhelm Frederich Hegel وفيها يصنف آخر القراءات تصنيفا طريفا:
فهيجل يمكن أن يقرأ بوصفه قد نكص بالفلسفة إلى ما نفاه كنط عن قدرات العقل فيكون قد أعاد الميتافيزيقا الدغمائية.
ويمكن أن يقرأ بوصفه قد تجاوز كنط إلى ما راده كنط ولم يحققه.فيكون قد ذهب بالنقد إلى أقصاه وأسس لضرب جديد من الميتافيزيقا.
فهل المترشح لم يطلع على هذه البحوث فتكون متابعته لأدبيات هيجل قد توقفت في حدود ما احتاج إليه سابقا في كتابة الرسالة أو بعدها بقليل أم هو قد استفاد منها دون أن يذكرها ؟
أما القراءة الممكنة والتي أميل إليها شخصيا: فيمكن نظريا حتى وإن لم تجرب فعليا أن نتصور قراءة تنطلق من "كنطية النقدية المتعالية إلى كنطية المثالية الألمانية" بصورة تحدد العناصر المقومة المشتركة بين صنف القراءات التي تقع تحت مسمى "من كنط إلى هيجل" وصنف القراءات التي تقع تحت مسمى "من هيجل إلى هيجل". فكنط نفسه قد تطور إلى غاية يمكن اعتبارها النواة الأساسية للمثالية الألمانية بأشكالها الثلاثة: عند فشته (الأنا العملي المطلق) وعند هلدرلن (الأنا الجمالي المطلق) وعند شلنج (الأنا الجامع بين العملي والجمالي المطلقين مع تأويل سبينوزا على هذا النحو ) وكلها اجتمعت عند هيجل اجتماعا طريفا وأصيلا.
ولعل هذه القراءة تكون أكثر القراءات مطابقة لما حدث فعلا في مجريات التكوين الفلسفي للجيل كله ودائما بمركزية كنطية خاصة إذا أدخلنا في الحسبان ال "أبوس بوستموم" (أي المؤلف الذي ظهر بعد وفاة صاحبه) وموقف كنط من نقد ملكة الحكم الذي كان في البداية يراه ممتنعا وصار يعتبره ممكنا ثم حققه في الغاية لما اكتشف مبدأه وسيطا بين مبدأي النقدين الآخرين فبات بفضل هذا الإمكان مدار كل المحاولات التي تسعى إلى تأسيس الفلسفة المتعالية بتجاوزها إلى ما صار يسمى بالمثالية الألمانية سواء انطلقنا من غاية نقد ملكة الحكم غايته التي تكاد تجعل المسلمات حقائق أو من بدايته التي كادت تجعل الحدس العقلي أمرا فعليا.
المسألة السادسة: تأويل المؤلف واستراتيجيته
نسائل استراتيجية الحجاج عند المؤلف لنعلم معين الأدلة في هذا العمل "هيجل الأول" ما هو ؟ لا شك أن المعادلة في استراتيجية هذا النوع من البحوث التأويلية بهدف دراسة مراحل تكوينية فكر ما معادلة معقدة بلا حد كما أسلفت في الكلام على بنيتها العامة وفي الوجه المنطقي منها: إنها معادلة إثبات قراءة بدحض قراءات أو دحض تفسير سابق لأعمال مؤلف في حقبة ما واستبداله بتفسير آخر. والحقبة وصفت هنا بكونها حقبة هيجل الأول التي جعل كتاب الفَرق غاية لها. ومن ثم فلا بد من تحديد علاقة استراتيجية التفسير المدحوض باستراتيجية التفسير الداحض. ولا بد أن يكون التفسير المدحوض هو آخر التفاسير المقترحة لأن ما سبق دحضه قبل القراءة الأخيرة لا فائدة منه اللهم إلا إذا كان القصد استئنافه. ولما كان الأمر ذا صلة بالفصل في قراءات لتكوينية فكر ما-وهو من المهام شبه المستحيلة- فإنه لا يمكن أن يكون:
1- إلا باكتشاف نصوص جديدة تخص التكوينية .
2- أو بتقديم تأويل حديد للنصوص القديمة يبرره سلبا ما في التأويلات السابقة من تناقضات وإيجابا فرضية تفسير أفضل بوسائل فقه اللغة إما سندا للتحليل المنطقي أو سندا للتأويل الهرمينوطيقي.
والمترشح لم يدع الاعتماد على اكتشاف نصوص جديدة ولا الاعتماد على التحليل المنطقي للنصوص. فلم يبق إلى التأويل الهرمينوطيقي. لذلك فأنا لا أفهم كيف يندد بقراءة السير التي هي ضرورية في كل تأويل للتكوينيات بالاعتماد على النصوص على الأقل من حيث دور ما يسمى بالسياق الخارجي. لذلك فهو لم يستطع الاستغناء عن المراسلات التي هي بنحو ما جزء من السير. فيكون تعيير عمله متصلا بوجهين:
نقد التأويلات السابقة لاعمال هيجل الأول وبصورة أدق آخرتها التي ينبغي تحديدها بدقة.
وتعليل قراءته بالتفسير الأفضل للتكوينية كما يتبين من عنوان "هيجل الأول" بديلا من "هيجل الشاب".
فهو قد رفض كل ما دار حولها من جدل في الهامش الثاني عشر كما أسلفنا فضلا عن رفضه وصف الأعمال بكونها لاهوتية دون تحديد مضمون هذه الصفة التي لا تفيد مدلول علم الكلام فحسب لأن الكلام عن اللاهوتي الأرسطي مثلا لا يعني علم الكلام المدرسي. والمعلوم أن تسمية هيجل الأول ليست جديدة بل هي سابقة الوجود حتى قبل هذا النوع من المراجعة وإن لم يكن لها معنى رفض القول بأعمال الشباب عند من سبق إليها كما أني لا أذكر أن أحدا من أصحاب هذه القراءة اعتبر صراحة كتاب الفرْق قابلا لتأسيس مميزات أعمال هيجل الأول فعول على إدخاله لأحداث تغيير كبير في تأويل التكوينية الهيجلية وهي من كتاباتJena الأولى .
ولو اقتصرنا على فهم طبيعة عمل المؤلف هذا الفهم لأمكن تحديده بصفائح متراكبة من القراءات تحدد مسرح البحث. وبوصف هذه الصفائح هي الموضوع الأول والأخير للتأويل الجديد فإنه لا يكمن أن يكتفى فيها بهامش يرد في بداية العمل بل لا بد أن يكون البحث كله جدلا مع فرضياتها ومقترحاتها. ويمكن أن نحدد هذه الصفائح على النحو التالي:
صنفان أولان من القراءة ينتسبان إلى الرأي المدحوض هما:
1- قراءات عمل هيجل الشاب بالإضافة إلى قراءات فلسفة كنط المعاصرة لهذا العمل ويرمز إلى غايتها كرونارVon Kant bis Hegel .
2- وقراءات هيجل الشاب بالإضافة إلى دور ما اختير من قراءات فلسفة كنط المعاصرة له ويرمز إلى غايتها ببوجولار.
فبفضل الانتقال من التركيز على دور شيلنج إلى التركيز على دور هلدرلن تمكن بوجولار من نسبة البرنامج الأول للمثالية الألمانية إلى هيجل منذ آخر سنة من الستينات علما وأن ارنست كسيرر قد كتب في دور هلدرن منذ بدايات القرن. وقد كان لي شرف نقل نصه إلى العربية منذ التسعينات كما أسلفت. وهذه القراءة ليست الغاية إذ توجد قراءات حصلت بعدها وهي أكثر دقة منها وقدرة على الإقناع أشرنا إلى بعضها في المسألة السابقة.
ولنصطلح على القراءات الأولى باستعمال عنوان كتاب كرونار فنضعها تحت مسمى Von Kant bis Hegel وعلى القراءات الثانية باستعمال نفس العنوان ولكن بمعنى مراجعة فهم النقلة من عَلم البداية إلى عَلم الغاية مراجعة تحدد تكون فكر هيجل بحسب مسيرة قراءات فلسفة كنط المعاصرة له .
وصنفان ثانيان من القراءة ينتسبان إلى الداحض:
3- دحض القراءات السابقة على آخر القراءات وهو أمر لم يعد ضروريا أو إثبات ما سيق إلى إثباته غيره مثل ترجيح نسبة برنامج المثالية الأول إلى هيجل.
4- دحض القراءات الأخيرة وهو ما لم يحصل بل اكتفى المترشخ بتقديم بديل نحاول فهمه من مبدل منه لا ندري بدقة ما هو.
وفي الجملة فينبغي بدهيا أن يتعلق الأمر بدحض المترشح القراءة أو القراءات التي تحدد شروط نضوج فكر هيجل ولا يكفي لذلك الكلام عن التصير لكأن الأمر يتعلق بالتولد الذاتي أو لكأن الفكر يمكن أن ينضج من دون جدل محدد المقومات بالمناخ الفكري والواقع التاريخي السائدين في لحظة تكونه خاصة إذا كانا ممثلين لأهم موضوعاته عند تعميق التحليل. والبديل المطلوب في هذا النوع من العلاج بتأويل النصوص هو البديل من القراءة التي تمثل حصيلة القراءات المتوالية بين النص وصاحب الفرضية الجديدة. وذلك ما حاولنا أن نعلم ما هو دون جدوى لأن المترشح اكتفى بهامشين أحدهما يلخص القراءات السابقة والثاني يعلل اختيار العنوان؟
وحتى نعلم ذلك لا بد أن نرى المقومات التي يمكن أن تدحض أو تثبت فنستطيع تحديد تكوينية فكر ما أيا كان: فما المقومات التي دحضها المترشح والمقومات التي استبدلها بها بالمقارنة مع ما بينا في الأمثلة التي ضربناها في الفصل السابق من المناقشة ؟ أم إن الباحث يعتقد أنه توجد قراءة يمكن أن تستغني عن محددات المناخ الفكري والواقع التاريخي فيكتفي بكائن شبه خيالي هو تصير حدوسات هيجل التي تتكون بمجرد تصير الأفكار في عقله لكأنه ابن خلدون في قلعة بني سلامة ؟
فالمقابلات بالعناوين العامة مثل لاهوت وفلسفة وأثيقا وممارسة وإحساس دون تعيين مضامين هذه التصورات ليست محددات مقومة للتكوينية. وهي لا تكون محددات مقومة إلا إذا كانت ذات مضمون محدد يعرف بذاته وبالقياس إلى ما تقدم عليه وما تأخر. ونحن نستعمل مصطلح"التصور"Concept" لأنه عندنا أكثر مطابقة لمعنى Der Begriff من مصلطح "مفهوم": المفهوم هو عناصر التصور المحددة للمعنى الجامع بين عناصر ماصدق معين. والتصور بخلاف المفهوم لا يكفي فيه اسمه بل لا بد من مسماه الذي يحدده مفهومه بتعيين الصفات الجامعة بين أعيان الماصدق حتى يكون تصورا بالمعنى المنطقي التقليدي الذي لم يتجاوزه هيجل حتى في آخر مراحل فكره وهو قد أطلقه ليوحد بين المنطقي والميتافيزيقي بتوسط آلية تعليل شرعية المقولات في منطق كنط المتعالي الذي عممه هيجل على كل التصورات.
ومن دون ذلك لا يمكن أن نعلم الإحالة المرجعية التي يتعلق بها العلاج. ذلك أن استبدال التأويل المدحوض بالتأويل الداحض يعتمد على بيان النقلة الحادثة في أعيان الماصدق الذي يصدق عليه مفهوم التصور: كان كذا المشار إليه السابق بمفهوم التصور ثم صار كذا المشار إليه اللاحق وهو غير المشار إليه الأول غيرية قابلة للتحديد التصوري بمفهومه الجديد حتى يكون كلامنا فلسفيا.
فما محددات تكون الأفكار في تكوينية هيجل المحددات التي جعلته ينتقل من اللاهوت إلى الإثيقا أعني من لاهوت معين إلى إثيقا معينة: التصير في وجدان هيجل لا يكفي لفهم ذلك أولا ولتعليله ثانيا ؟ وما علاقتها بالأفكار الأخرى المتكونة قبله ومعه بشيء من التجادل والتخاصم المولد لمنظومة من تبادل التحديد في كل جيل ؟ كيف أثر واقع المؤسسات التاريخي تعبيرا عن تلك الأفكار وما دور تحول الواقع والأفكار ؟ ثم كيف أثر تفاعل الأمرين خاصة وهما لم يكونا ثابتين بل هما أيضا في تحول دائم ؟ والمهم في ذلك كله هو ما دلالة ذلك في استبدال هيجل الشاب بهيجل الأول من دون أن نقابل الأول بالأخير وبالوسط بينهما وبدوريه وصلا بالأول والأخير ؟
المسألة الأخيرة وتجمع بين وجهي العلاج
نسائل فيها طبيعة القراءة ووحدتها كما تتبين من التناغم بين الدال (إضافات المترشح الأسلوبية) في المجالين المتعلقين بشكل العلاج والمدلول (إضافات المترشح التأويلية) في المجالين المتعلقين بمضمونه ومن ثم طبيعة الإضافة الفلسفية التي يمكن أن نفيدها منها. لذلك فهي مساءلة واحدة رغم ازدواج وجهيها: مساءلة إضافات المترشح الأسلوبية وإضافاته التأويلية.
الإضافة الأسلوبية: ما طبيعة هذه القراءة ؟ هل يمكن أن ندرس تكوينية فكر بمجرد الكلام على الحدوس من دون مناقشة فرضية معينة تدحض التفسير الأخير السائد ؟ أما كان إذن من الواجب عرض الفرضية السائدة وبيان وجوه الخلل فيها ثم عرض الفرضية البديل وبيان وجوه سد الخلل الملاحظ؟
الإضافة التأويلية: ما يوحد بين عناصرها ؟ هل يمكن أن نزعم الوحدة المطلقة في العناصر التكوينية فنعتبر ما صار عامل وحدة في الغاية حاصلا في البداية من دون أن نتأكد من الانقطاعات الضرورية في كل مسار فكري حقيقي والانعطافات التي قد تكون أحيانا ثورات على الذات ؟
ولنضرب مثالا من مسار هيجل الفكري: فاعتبار كتاب الفرق من كتابات هيجل الأول هو الذي يمكن أن يفسد على القارئ تحديد مميزات هذه الفترة من تكون فكر هيجل. فآخر نص صاغ فيه هيجل ما يتصور عليه نسقه الفكري كان ينبغي أن يكون آخر نص في عمل هيجل الأول. وهذا المثال لا يمكن أن يكون حسب رأيي إلا شذرة خطة النسق. وفيه نجد العلامة الفاصلة بين ما كان عليه هيجل وما سيصبح عليه في Jena التي تبدأ بكتاب الفرق. ففي شذرة خطة النسق في آخر فترة فرنكفورت ينزل هيجل الفلسفة منزلة دون الدين في علاقتهما بالتحقيق الفعلي للامتناهي واللامحدود في الوجود الإنساني ويرسم للفلسفة مهمة تحرير العقل من المتناهي والمحدود فتكون بصورة ما في خدمة الدين (وسيؤول ذلك في الغاية إلى خدمة الدولة حتى يتطابق العقل والروح !).
وفترة يينا Jenaالتي أتت بعد ذلك والتي تتضمن كل النصوص التي صارت فيها مسألة الفلسفة هم هيجل الرئيس بدأت بكتاب الفرق أساسا وفيه يميل هيجل بوضوح إلى حل شيلنج ضد الحل الفشتي سعيا لتجاوز معضلة المقابلة الكنطية بين النظري والعملي ورد الأول إلى الثاني بعد قلع حجر العثرة الذي يمثله الشيء في ذاته. ويفيد ذلك بأنه بدأ يجد طريقه إلى الحل الذي سماه نسق العلم وقدم منه مقدمته التي تظن مقدمة الفينومينولوجيا ثم الفينومينولوجيا دون أن ينجز المشروع. وهذا النسق قلب سلم المنازل إذ منذئذ صارت الفلسفة موضوع فكره الأول والهم الأساسي فيها هو المنطق أي صورة المطلق فوق الدين ممثلا لمضمون المطلق وصار الفن في الرتبة الدنيا من السلم.
ذلك أن تحرر شيلنج المتدرج من الذاتية المتعالية وميله إلى جوهروية وحدة الوجود السبينوزية مع عدم القطع النهائي مع الذاتية التي بدأت تصبح عنده موضوعية بدءا بملاحظتها في العالم الطبيعي وغلبة الجدل على أسلوبه (حتى لو قبلنا وصفه الكاريكاتوري عند هيجل) يمكن أن يعد فعلا بداية الانقلاب الذي سيجعل الفلسفة ممثلة لشكل المطلق والدين لمضمونه كما سيكون عليه الحال في كل فلسفة هيجل بعد الفينومينولوجيا. ينبغي ألا ننسى قولة شيلنج الشهيرة حول جوهروية سبينوزا التي يعتبرها قد كتبت بأبجدية عبرية محتاجة إلى الشكل بمعنى وضع الحركات على حروفها وذلك هو صيروة الجوهر ذاتا لأن شكل الحروف بالحركات هو ما يجعل الجوهر ذا حيوية ذاتية ترفعه إلى مرتبة الروح كما يمكن أن نفهم من كتابه Ueber das Wesen der menschlichen Freiheit الذي صدر مباشرة بعد فينومينولوجيا الروح أي سنة 1808.
الخاتمة
„Die Philosophie ist…wie das Universum rund in sich, es ist kein Erstes und Kein Leztes -sondern alles ist getragen und gehalten- gegenseitig und in Einem” (Berliner Schrift 9 in Enzyclopedie s.XLI Einfuerung)
نذكر بقولة هيجل هذه لأنها لا تصح على تصوره الفلسفة وحده بل هي تصح كذلك على حياته الفكرية. فهو قد بدأ لاهوتيا بالمعنى التقدمي للكلمة بدأ بلاهوت تحرري عملا بمقولته الشهيرة ألا إصلاح سياسي أو ثورة سياسية من دون أن يتقدم عليهما الإصلاح الديني أو الثورة الدينية. ثم انتهى لاهوتيا بالمعنى الرجعي للكلمة بلاهوت تحفظي وظيفته تنظيم روح الأمة لتوحيدها لإيمانه بدور الدولة العقدي من حيث هي ممثلة للعقل.
والموقفان واحد. فالدولة لم تكن عنده ممثلة للعقل وكان الدين مع ذلك يدعم أركانها فكان يسعى إلى إصلاح السياسي بإصلاح الديني. فإذا صارت الدولة ممثلة للعقل – بعد أن تبنت فلسفة هيجل بدليل دعوته للتدريس في عاصمتها- يصبح من الواجب أن يقوم دين روح الشعب بهذا الدور الداعم لعقله.
والغريب أن ما وقع به التثوير في الحالة الأولى هو ما وقعت الثورة عليه في الحالة الثانية: الإحساس والعاطفة الدينية. فبعد الثورة بهما على لاهوت توبنجان الرسمي أعني اللاهوت الذي يسيء استعمال فلسفة كنط الأخلاقية (نقد العقل العملي) والدينية (والدين في حدود العقل بمجرده) هو ذا يثور عليهما كما تعينا في لاهوت يعقوبي وشلايرماخر. وينبغي ألا ننسى أن هيجل صار منافسا لشلايماخر على الحظوة لدى الدولة إلى أن ترأس الجامعة مثله في سنوات حياته الثلاث الأخيرة. وبالمناسبة فهذا الكلام لا يعني قياس عظام الرجال بصغارهم عبادة للكراسي. وحتى لا نظلم هيجل فعندما يكون جوته وزير ثقافة يحق له أن ينافس شلايماخر على رئاسة الجامعة. فشتان بين مهام الرجال في عالي العهود وبينها في سافلها حتى لا يظن البعض ظنا فيخلط بين الأصول ومسائخ النسخ.
وفي الجملة فإن الخاصية العامة لفهم المترشح وتأويلاته التي يقص بها الحدوس الفلسفية الأم كما توحي به الترجمة المعتمدة وانتخاب النصوص في كتاب هيجل الأول تجعل منظوره منحازا إلى فهم مسبق أصله قراءة هيجل قراءة تكاد تجعله براكسيسويا من جنس ماركس الشاب ربما بتأثير من برنار بورجوا. وهنا لا بد من الإشارة إلى خاصية عامة تشترك فيها جل القراءات الفرنسية لهذه الفترة وعلينا تجنبها: فهي تشبه إلى حد بعيد قراءة الأمريكيين اليوم لموقف أي عربي يحب الحرية والديموقراطية فيتصورونه معجبا باستعمارهم الذي يروجون له باسمهما.
فصاحب النداء للأمة الألمانية (فشته) وصاحب فلسفة توحيد ألمانيا (هيجل) صارا من المعجبين بالثورة الفرنسية هكذا بدون وصف وتحديد وخلطا بين القيم المنادى بها والأعيان الحاصلة. لكأن هيجل ليس هو الذي يعتبر منظريها قائلين بالفاهمة واضعا فكرهم في خانة التجريد الهدام المؤدي بثورتهم إلى الإرهاب ليس في فرنسا وحدها بل في كل أوروبا ويحاولون أن يجعلوا إعجابه ب"التاريخ على فرس" إعجابا بنابليون ولي مجرد أمل في رجل ألماني عظيم يقود التاريخ الأوروبي وسرعان ما جاء هذا الرجل العظيم وقد كان من المعجبين بهيجل وفلسفته قصدت بسمارك. ولعل من أفسد ثمرات هذه القراءة محاولة نفي دور الدين عند هيجل الذي يكاد يصبح بهذا الفهم لائكيا ألا فرنسا. فالزعم بأنه استبدل دور الدين بدور السياسة يجعل الإثيقية الهيجلية شبه علمانية من جنس ما يقول به ماركس.
وهذا لعمري أمر مناف تماما لكل مراحل فكر هيجل: فالسياسة عنده لا تقبل الفصل عن الدين لأنها من جوهره إذ إن أرواح الشعوب هي في الأساس أديانها ومن ثم فلا يمكن أن تكون السياسة بديلا منها يغني عنها بل إن الدساتير الوحيدة القابلة للتأثير غير العنيف تنبع من الأديان. والعلمانية بمعناها الصحيح عند هيجل هي جعل قيم الإصلاح الديني تتحقق في التاريخ كما يقول هو نفسه في مقارنته بين الإسلام والمسيحية في دروس فلسفة التاريخ وهو يرتب الأديان بهذا المعيار في دروس فلسفة الدين.
ما يثور عليه هيجل في شبابه ليس الدين بل الاستبداد في الدين والسياسة على حد سواء. ومطلبه خلال هذه الفترة هو إحياء الدين وتحريره وتحرير السياسة به من الاستبداد. وطبعا فليس هذا محل السؤال عن صحة هذه الرؤية أو عدم صحتها بل المطلوب نقرير رؤيته ما هي دون أن نحكم لها أو عليها لنفهم تكوينية فكره وعلة غلبة المباحث الدينية في شبابه بصيغة الإصلاح التربوي ثم بعد ذلك بإصلاح الفكر كله بحيث يصبح الروح هو الموضوع الأول والأخير والروح هو بالأساس مضمون الدين وجوهره ولست الفلسفة عنده إلا صورته التأملية لاتحادهما في طلب الحق المطلق.
وفي الختام فإني أعود فأحيي هذا العمل الذي بذل فيه المترشح جهدا يذكر فيشكر ويمكن أن يعتبر هذا النوع من العمل انعراجة حقيقية في الفكر العربي الفلسفي الحالي: إذ يمكن أن يعتبر من الأعمال التي تمثل الانتقال من مجرد تعريفه بمضمونه اقتصارا على علاج قضايا فكرنا الوسيط إلى تعريفه بشكله أيا كان الموضوع الذي يعالجه وخاصة الفكر الغربي الحديث والمعاصر. فهو فلسفة عربية لأنه ناطق بالعربية من منظور يسعى ضرورة إلى إحياء سنن الفكر الفلسفي الناطق باللسان العربي فيكون كلامنا عليه من جنس كلامنا على الفكر الفلسفي الألماني أو الفلسفي الفرنسي أو أي فكر آخر. التعريف بلسان القوم وسننهم الفكرية هو التعريف الوحيد الذي يمكن أن يمثل مستقبل الإسهام الفكري للأجيال المقبلة من مفكري العرب حتى لا يبقى فكرنا مقتصرا على تاريخ الحقب الماضية ويسهم في الراهن والمقبل من التاريخ الإنساني.
ويمكن في غاية المناقشة أن نقترح الجدول التالي لتحقيب حياة هيجل الفكرية تماشيا مع بنية التحقيق المنطقية التي وصفنا في آخر الفصل الرابع من المناقشة وبالتناظر مع مراحل حياتة العلمية والمهنية.
1
حد البداية هي كتابات Tuebingen بين 1788 و 1793
المرحلة الأولى ورمزها الكتابات الدينية والسياسية وتجربة الشتفت في توبنجان وإليها تنتسب المذكرات ومقتطفات القراءات.
2
السابق الفاصل مع البداية هي كتابات Bern (1793-96( وFrankfurt بين1797 و 1800
المرحلة الثانية ورمز بدايتها مشروعات الإصلاح الديني والسياسي ورمز نهايتها شذرة النسق الأولى: « Die Philosophie muss eben darum mit der Religion aufhoeren…“ (s.423 stw 601) System Fragmente von1800.
3
الوجه الفاصل مما سبق هو مرحلة كتابات Jena بين 1800 و1808
المرحلة الثالثة تبدأ بالفرق وتنتهي بالفينومينولوجيا: وفيها جل الكتابات التي صارت تدور حول التفلسف وخصائصه ومقوماته وفيها بدأ التأليف الفلسفي التعليمي مع المحاولات الفكرية في شكل نقد كتب أو تدخل في خصومات فكرية. لذلك فبدايتها ونهايتها مميزتان فعلا وتمثلان نقلة نوعية.وفيه بدأت حياته الجامعية بعد الحصول على التأهيل مساعدا ثم استاذا . والمرحلة فاصلة لسببين:
أولا لأنها تجمع بين وجهي عمل هيجل بمعنى أنها حققت التوحيد بين مضمون الدين وشكل الفلسفة وجهي الروح المطلق علما وعلما
وثانيا لأنها الواسطة مع الكتابات التي لم تنشر في حياته أعني تاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ وفلسفة الفن وفلسفة الدين وهي المراجعات الحقيقية للفينومينولوجيا إذا دققنا النظر فضلا عن صلتها بVorbegriff في تنقيح الموسوعة الجذري سنة 1827.
4
الوجه الواصل بما لحق مع الغاية هي كتابات Nuerenbeg (08-16) وHeidelberg (16-18)
المرحلة الرابعة بدايات المصنفات التدريسية (في المدينة الأولى المنطق1812 وفي المدينة الثانية الموسوعة 1817) فاكتمل المنهج الهيجلي وأصبح مطبوعا ببنية المنطق أي الجزء الأول من ثلاثية أجزاء النسق أكثر منه بشيء آخر وأصبحت الفينومينولوجيا من الماضي فاعتبرت مجرد فصل من الروح الذاتي في الموسوعة. لذلك فهيجل لم يطورها قط بخلاف الأعمال الأخرى التي صارت أدوات تدريس ثانوي أو جامعي وظلت تحت المراجعة إلى موت صاحبها.
وفي الحقيقة فإنه يوجد وجه شبه كبير بين الفصل مع البداية والوصل مع الغاية: ذلك أن مرحلة الفصل يمكن أن تعد مرحلة اكتمال تعين المطلق المضموني أعني الدين الذي سيدور عليه كلام هيجل كله في فلسفته كما تعد مرحلة الوصل مرحلة اكتمال تعين المطلق الشكلي أعني المنطق الذي ابتلع الأنطولوجيا العامة.
5
حد الغاية هي كتابات برلين بين 1818 و1831
المرحلة الأخيرة تبدأ بإعادة كتابة الموسوعة والمنطق ونص مبادئ فلسفة الحق مع الدروس التي نشرت من بعده في فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة والفن وفلسفة الدين مع الإضافات الشفوية للموسوعة.
[1] أول عمل جامعي أكاديمي انشغلت به كان الشك في فينومينولوجيا الروح لهيجل. وقد توقفت عن أتمامه بسبب عدم تمكني من قراءة النص بلغة صاحبه ولإدراكي الحدسي أن ترجمة هيبوليت التي عملت عليها وحضرت بعض دروس صاحبها وأكبر تلامذته (فوكو) لم تكن كافية فأرجأت الأمر حتى أصبح قادرا على درسه في نصه. وهو ما سعيت إليه لاحقا بعون الله وتوفيقه دون أن يكون من أجل شهادة جامعية بل لإتمام التكوين.
[2] وليس من شك في أن الاهتمام العربي بالترجمة منذ أن تكونت المؤسسة العربية للترجمة وتنافست الأنظمة العربية حول الترجمة له الدور الأول في توجه الشباب نحو الترجمة والاهتمام بتحقيق شرط التعريب الناجح أعني ترجمة الأمهات. ولما كان الأستاذ العونلي من مترجمي الفلسفة الألمانية المرموقين فإن المشاركة في ترشيد عمل الترجمة والمترجمين يمكن أن تعد هي بدورها من الإسهام المفيد. وقد سبق لي أن كتبت عن اللغة الفلسفية العربية الحالية وقضايا الترجمة وإذن فهذا العمل مواصلة لنفس الهدف.
[3] يقتضي المنطق أن أقدم مستويي العلاج على أداتيه إذ لا بد من استخراجهما منهما: لكن ذلك لا يناسب العرض الشفوي فضلا عن كون المترشح حدد الأداتين بمجرد تحديد المنهج فأغنانا عن الانتظار إلى ما بعد تحليل العلاج. وهذا التقديم قد ينتح عنه ما يشبه التكرار. لكن الأمر لا يتعلق بتكرار بل بعودة إلى العلاج بعد أن وقع البحث في متانة الأداتين.
[4] “If I had time, I would seek to determine more precisely how far, after the establishment of moral belief, we now, looking backward, need the legimited idea of God, for example, in the explanation of the relation of purpose and so forth, how far we are permitted to take it with us now from ethico-theology to physico-theology and manage then with it there”
[5] لعكسها الوجهة من الخلقي إلى اللاهوتي تماما ككنط: ففكرة الله بمعناها الخلقي مسلمة لكنها أصبحت في هذه الرسالة أصلا يثبت ثم يبنى عليه بالانتقال من اللاهوت الخلقي إلى اللاهوت الطبيعي.
[6] فأما الموضوع فهو هذه النقلة من اللاهوت الخلقي إلى اللاهوت الطبيعي وأما الهدف فهو استكمال فلسفة كنط: ذلك أن هذا لا يمكن أن يتحقق ما لم تصبح المسلمات حقائق أو مبادئ يبنى عليها. وذلك يقتضي شرطين: التحرر من المقابلة بين الحكم التوجيهي والحكم التحديدي فتصبح أفكار العقل مما هو كائن وليس ما ينبغي أن يكون وقبل ذلك لا بد من القضاء على حجر العقبة في كل ذلك: ما يحول دون العقل وتجاوز الظاهرات إلى الباطنات أعني الشيء في ذاته.
[7] "In Meiner Wissenschaflichen Bildung, die von untergeordnetern Bedurfnissen der Menschen anfing, musste ich zur Wissenschaft vorgetrieben werden, und das Ideal des Juenglingsalters musste sich zur Reflexionsform, in ein System verwandeln” in Briefe von und and an Hegel Hersg. Von Johannes Hoffmeister Hamburg F. Meiner vol. I, s. 59.
[8] وقد كان لي شرف نقل هذا النص إلى العربية منذ نهاية القرن السابق ونشر في مجلة الحياة الثقافة التونسية. وقد يعاد نشره نشرة علمية في ما تم لنا نقله من نصوص ألمانية إلى العربية تخص الفلسفة والكلام والتصوف وما له بها من صلة سواء في الفلسفة العربية الإسلامية أو الفلسفة الغربية.
[9] „One cannot render the development of post-Kantian philosophy at all comprehensible in terms of the successive achievements of individual theories. It is necessary at the start to secure the problem constellations they had to react against” وهو يحيل على هذه المسلمة التي حررها في:
Konstellationen, in Lothar Berthold, ed. Architektonik der Vernunft (East Berlin 1987)
[10] “Wohl ist inzwischen deutlich geworden, dass Hegel schon als Berner und Frankfurter Hofmeister entscheidende Schritte zum spaeteren System hin getan hat”(s,VI)
[11] قد يكتفي القارئ المتعجل باثنين أقلهما دلالة على قصد التمحل وأكثرها: أي الأول والأخير من الأمثلة المأخوذة من الكتاب.
[12] نص ترجمة المترشح: "يمكن أن تنتمي المعارف العملية أيضا إلى الدين الموضوعي لكن من حيث لا تكون إلا بابا ميتا" لنص هيجل التالي: « Zur objektivern Religion koennen auch praktische Kenntnisse gehoeren, aber insofern sind sie nur ein totes Kapital…. »
[13] نص ترجمة المترشح:" الدين الذاتي إنما يكون حيا ويفعل في باطن الماهية" لنص هيجل التالي: « Subjektive Religion ist lebendig, Wirksamkeit im inneren des Wesens un Taetigkeit nach aussen”
[14] نص ترجمة المترشح" فأفكار العقل إنما تغمس فقد طبيعة الإنسان" لنص هيجل التالي: “…die Natur des Menschen ist mit den Ideen der Vernunft gleichsam nur geschwaengert…”
وقصد هيجل كما هو بين هو معنى الحمل أي إن عقل الإنسان حامل بالمثل مثل العقل بالمعنى الكنطي هنا. فيكون المعنى أن: "طبيعة الإنسان ليست بمعنى ما إلا حبلى بمثل العقل" (أي إنها توجد فيها كإمكان وينبغي للتربية أن تنقلها إلى الوجود الفعلي).
[15] نص ترجمة المترشح:" فإذا كانت الثيولوجيا من شان الذهن والذاكرة (....) وكان الدين بالعكس من شأن الفؤاد وكان ذا بال interessant بفضل حاجة تخص العقل العملي يمسي من البين بنفسه أن قوى النفس التي هي فاعلة في الدين مخالفة (بدل مختلفة عن) للتي هي كذلك في الثيولوجيا وأن الاستعدادات الروحية التي يقتضيها الدين هي أيضا غير التي تقتضيها الثويولوجيا" لنص هيجل التالي:” Wenn Theologie Sache des verstands und des Gedaechtnisses ist (….) Religion aber Sache des Herzens wegen eines Beduerfnisses der praktischen Vernunft interessant, so erhellt von selbst, dass verschiedene Seelenkraefte bei Religion un Theologie wirksam {sind} und auch verschieden Vorbereitungen des Gemuets fuer beide erfordert werden” لا أفهم كيف يترجم إنسان درس الفلسفة الألمانية كلمة interessant ب"ذي بال" وهو يعلم أن هيجل يستعملها بالمعنى الكنطي ! ؟ أليس القصد مصلحة من مصالح العقل بالمعنى الكنطي فيكون المعنى بالأحرى:"... وكان الدين شأنا قلبيا ومصحلة لأنه يلبي إحدى حاجات العقل العملي...."
[16] نص ترجمة المترشح:" ما يكمن في مفهوم الدين هو أن الدين ليس علما بسيطا بالله وصفاته وعلاقتنا وعلاقة العالم به وخلود نفوسنا (...) وإنه ليس معرفة تاريخية أو مماحكة بسيطة بل الدين يشغل الفؤاد ويؤثر في مشاعرنا وتعين إرادتنا" لنص هيجل التالي: “Es liegt in dem Begriff der Religion, dass sie ist nicht blosse Wissenschaft von Gott, seinen Eigenshaften, unserem Verhaeltnis und dem Verhaeltnis der Welt zu ihm un der Fortdauer unserer Seele (…) nicht eine blosse historische order raesonierte Kenntnis ist, sondern dass sie das Herz interssiert dass sie einen Einfluss auf unsere Empfindungen und auf die Bestimmung unseres Willens hat…”
[17] نص الترجمة ص. 203 ونص هيجل ص. 370.
[18] نفس الإحالتين.
[19] نفس النص المحال عليه في المثال السابق التي علق المترشح على شطب هيجل في نصه كلمة الوعي الخالص بالذات وتعويضها بالحياة الخالصة.
[20] المحاضرة الشهيرة التي ألقاها في مدينته يوم 12 أيلول 2006 بعنوان صريح هو العقل والإيمان (في المسيحية) وبعنوان ضمني هو الدين والعنف (في الإسلام) كما بينا في تحليلنا للمحاضرة. والغريب أن المترشح في نقله نص هيجل قفز على عبارة التثليث تأسيسا للحمل التأملي عند هيجل حتى يدعم نظريته في أن المسألة أثيقية وليست عقيدة دينية !