



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
آرية دونها آرية هتلر
أبو يعرب المرزوقي
نبهني الصديق عبد العزيز قاسم إلى مكاشفاته التي أجراها مع الأستاذ البليهي منوها إلى أهميتها وواصفا مكاشفه بأنه أحد المثقفين السعوديين المهمين. وقد قرأت أجوبة الأستاذ البليهي فهالني ما قرأت. هالني بما يعبر عنه من موقف بأسانيده وبمنهجه وأساليبه. ولو كان كلام الأستاذ البليهي اقتصر على وصف ما يراه على سطح التاريخ الراهن لوجدنا له بعض الأعذار لأن من يقارن حضارة تعاني من انحطاط وتخلف داما قرونا مع تبد باد في مؤسساتها وسلوكاتها بما يوجد في الغرب الحالي يمكن أن يذهب هذا المذهب خاصة إذا كان قصده استنهاض الهمم.
أما وهو قد عمم وجعل موقفه فلسفة في التاريخ الحضاري الإنساني فإني مضطر للتساؤل عن مدى علم الأستاذ بمقومات الحضارة ومحددات مراحل تاريخها وسهم الأمم فيها. فما قرأته في هذه المكاشفات جميعه لا ينم عن علم بالغرب ولا بالشرق ولا بمعنى الحضارة وخصائصها فضلا عن المفاضلة بينها. ولن أهتم كثيرا بما جاء في المكاشفات إلا لوصفه حتى يعلم القارئ علل تفضيلي لما هو أهم من الواجهة.
فأن يكذب بعض مفكري الغرب كذبتين ويصدقونهما أمر يعنيهم خاصة لما كانت ألمانيا بحاجة إلى تأسيس دور لها بين أمم أوروبا التي نهضت قبلها فاحتاجت إلى توهم أصول ما أتى الله بها من سلطان. وهذا التزييف التاريخي والتوهم أمر قد لا يتوقف ضرره وضراره عليهم إذ كما نرى في مثال الأستاذ البليهي فإنه يخلق تشويها عجيبا في صورة التاريخ الإنساني يزيف كلتا بدايتيه الحضارتين المختلفتين بالنوع القديمة والحديثة:
فأما الكذبة الأولى فهي التي جعلت الحضارة القديمة ببعديها العلمي والعقلي تبدأ مع اليونان والتي يفسرها هؤلاء المزيفون بما يطلقون عليه المعجزة اليونانية ولا يدرون أن مجرد هذا الاسم دال على تزييفهم: فحاجتهم إلى التفسير الإعجازي دليل على أن تفسيرهم ليس تفسيرا أصلا وأنهم تجاهلوا العلل الحقيقية لما ظنوه معجزة في التاريخ الإنساني.
وأما الكذبة الثانية فهي التي جعلت المنعطف الحضاري الحديث ببعديه العلمي والفلسفي يبدأ مع الأوروبيين والتي يفسرها نفس المزيفين بما يطلقون عليه نفس الاسم مع تغيير المنسوب إليه مدعين أنه أحفاد اليونان في حين أنه ليس إلا من أهماج الجرمان: ونفس التفسير الإعجازي يدل على نفس التجاهل لتعليل الثورة العلمية والفلسفية في التاريخ الإنساني تعليلا علميا الثورة التي منذئذ صارت أساس كل حضارة تعمل ذاتها على علم بشروطها ومحدداتها.
وسيكون سؤالي إذن حول ما وراء هذه الواجهة التي ظنها صاحبنا فلسفة في التاريخ الحضاري وهي مجرد تزييف حصل لما كانت أوروبا تبحث عن هويتيها العقلية والروحية. وكما أسلفت فقد نجد عذرا لصاحبها بينا لكل مثقف متزن. فقد تكون تعبيرا عن الضيق بالأوضاع العربية الإسلامية الحالية وتعبيرا عن ثورة عليها أكثر مما هي تفكير تاريخي حضاري رصين. ذلك أني أستبعد أن يكون الأستاذ البليهي قد صار ليبراليا عربيا جديدا لأن خام هؤلاء هو في العادة يتامى اليسار الذين كانوا من عاشقي الديموقراطية الشعبية فصاروا من هواة الديموقراطية البرجوازية: وهم في الحقيقة لا من هؤلاء ولا من هؤلاء بل هم من محترفي الرقص على طبل من يدفع أكثر (ماديا أو حتى رمزيا بدوزة النجومية في الإعلام الغربي تمثيلا للحداثة) لقابلي التوظيف ضد صمود الأمة أمام الهجمة على حصانتها الروحية.
وسؤالي هو: ما الخلفية التي تجعل مثل هذه المواقف ممكنة عند بعض من صاروا يلقبون بالمفكرين من نخبنا ؟ سأخصص مداخلتي للبحث في علل مثل هذه المواقف مقدما عليها وصفا سريعا لردود الأستاذ البليهي لئلا يعتبر العنوان الذي اخترته لهذه المداخلة تحكميا: آرية دونها آرية هتلر. ذلك أني لما قرأت النص اضطررت لفرك عيني عديد المرات وبذلت جهدا كبيرا لأتذكر ما سبق لي أن قرأته ذات مرة في شبابي خلال الدراسة في أوروبا وقبل العودة إلى الوطن. وقد وجدت ظالتي أوردها هنا حتى يرى القارئ أني أقرب ما يكون من أمانة الوصف. وجدتها في كتاب هتلر "معركتي أو ماين كامف" الذي يمثل ذروة البشاعة أي مآل الكذبتين: فعندما تزيف التاريخ إلى حد غير معقول تحوله إلى أسطورة ذات وجه وقفا:
الصهيونية أي إحياء عنصرية شعب الله المختار العبرانية دينيا
النازية أي إحياء عنصرية شعب الله المختار الجرمانية فلسفيا
وبين أن الأولى هي قفا البشاعة التي آلت إليها هذه الفلسفة التاريخية التي أسسها تحريف الفلسفة الهيجلي بعد الإصلاح الذي رد المسيحية إلى التوراتية والثانية هي الوجه من نفس الفلسفة التي أسسها تحريف التوراة دينيا ثم أعاد تأسيسها تأثرها بالنازية وحصول التشايل بين العنصريتين عنصرية شعب الله المختار دينيا وشعب الله المختار فلسفيا كما جمع ذلك هيجل في مدخل فلسفته التاريخية.
سأترك للقارئ المقارنة بين نص هتلر وما جاء في مكاشفات الأستاذ البليهي مكاشفاته التي تجاوزت الحد المعقول في الانبهار السطحي حتى وإن تجنب صاحبها التفوه ببلاهات الليبراليين الجدد الذين يعتبرون كل الحضارة الإسلامية مجرد حركة تهديمية قادها زعيم البدو النبي محمد كما قال أحد أغبيائهم المسمى نضال نعيسة: فعنده أن كل الإسلام مجرد قصة بدو الجزيرة وأهماجها احتلوا الشام المتحضر بقيادة زعيم متعطش للدماء اسمه محمد بن عبد الله. إليك ما كتب هتلر:" إن ما نراه اليوم من ثقافة إنسانية ومن حصائل الفن والعلم والتقنية هو منتج يكاد مبدعه أن يكون الآري حصرا. وهذه الواقعة بالذات تسمح بأن نستنتج استنتاجا ليس عديم التأسيس بأن الآري هو مؤسس الإنسانية السامية عامة ومن ثم فهو النموذج الأصلي لما يمكن أن نقصده بكلمة "إنسان"".
" Was wir heute an menschlicher Kultur, an Ergebnissen von Kunst, Wissenschaft und Technik vor uns sehen, ist nahezu ausschliesslich schöpferisches Produkt des Ariers. Gerade diese Tatsache aber lässt den nicht unbegrüdeten Rückschluss zu, dass er allein der Begründer höheren Menschtums überhaupt war, mithin der Urtyp dessen darstellt, was wir unter dem Worte“Mensch“verstehen“
ولست بغافل عن أن كلام هتلر يختلف عن كلام الأستاذ البليهي من وجهين حتى لا نظلم محاور الأستاذ قاسم:
الأول: فيمكن القول إن هتلر قد كان دون الأستاذ البليهي غلوا في آريته لأنه أضفى بعض النسبية عندما استعمل "كاد" في حصره الإبداعات الحضارية في الآريين. لكن التنسيب اختفى عند الأستاذ البليهي. إنه ينسبها كلها دون "كاد" الهتلرية بحيث إن الحضارة عامة والحضارة الحديثة خاصة لم يسهم فيها أحد من غير الغربيين. استغفر الله من غير الآريين.
الثاني: ويمكن القول كذلك إن الأستاذ البليهي –الذي هو ربما آري رمت به الصدف إلى بلاد بلهاء الساميين-كان دون هلتر منطقية لأنه لم يذهب إلى استنتاج ما استنتجه هتلر: لم يقل إن الآري هو النموذج الأصلي للإنسان أو هو الوحيد الذي يستحق هذه التسمية. ولعل ذلك من نتائج عدوى الساميين غير العقلانيين: لم يستنتج منطقيا لأن المنطق آري ولا علاقة له ببلهاء الساميين.
لكن هذين الفرقين رغم كونهما استثنائين مهمين فإنهما لا يلغيان الحقيقة التالية: موقف الأستاذ البليهي يقبل الوصف بكونه أكثر آرية من آرية هتلر من منطلق الوجه الأول وهو ليس أقل منه آرية من منطلق الوجه الثاني لأنه يثبت صحة الموقف الهتلري إذ صار عقيدة عند أحد المنتسبين إلى ضحاياه (لأني أظن الأستاذ البليهي ساميا وليس آريا). فغير الآري (البليهي) بمقتضى وصفه لغير الآريين لا يمكن أن يكون منطقيا وهو منهم ليستنتج من المقدمات النتيجة التي يقتضيها اكتمال مفهوم الإنسان لكون معناه التام مقصورا على الآري: إنه السامي الذي يسلم بدعوى الآري ويتحمس لها أكثر من صاحبها حتى وإن لم يستنتجها بنفسه مما وضعه مقدمات مؤدية إليها.
وإليك صورة الدليل: إذا وفقط إذا كانت الحضارة كلها غربية وكانت ثمرة العقل متعاكسة معه وكان الإنسان يعرف بكونه عاقلا فكل من لم تظهر عليه علامات العقل المتعاكسة معه ليس بإنسان. النتيجة أنه لا يستحق اسم الإنسان إلا الآري أو بلغة مهذبة الغربي دون سواه. ذلك ما استنتجه هتلر وخفي عن الأستاذ البليهي.
وحتى لا يظن أحد أني أظلم الرجل فلألخص كلامه. إن محاور ما اطلعت عليه من المكاشفة بلغت عدتها اثنتي عشرة مسألة. لكنها تقبل الرد إلى خمس دعاوى عجيبة نكتفي بتحليل اثنتين منها هما حداها المؤطران لكل ما جاء فيها. وسنحاول التعقيب عليهما بصورة تعيد الأمور إلى نسبيتها مع الرجوع إلى الحقائق التاريخية التي تفضح التزييفين اللذين أشرنا إليهما في البداية. وفي الحقيقة فكل ما يقوله الأستاذ البليهي علته الجهل بهذين التزييفين اللذين حاول الأستاذ رشدي راشد كشف الثاني منهما (خرافة تأسيس الغرب وحده للعلم الحديث) واجتهدت للكشف على أولهما (خرافة تأسيس اليونان وحدهم للعلم القديم).
فها أنت تسمع إنسانا فاقدا للثقة في نفسه وفي أمته إلى حد نفي دورها ودور كل الإنسانية لتمجيد معبوديه الذين هم مستعبدوه وينسى أنه ينتسب إلى حضارة أكثر كونية من الحضارة الغربية الحديثة التي يهيم بها (أوروبا) حضارة لم يعد أحد قادرا على نكران دورها الحضاري الكوني إلا جاهل بالتاريخ الحضاري لأن أعداءها مهما بلغ بهم الغلو صاروا يتطفلون عليها ليجدوا لأنفسهم دورا فيها (اليهود عامة ومسيحيو الشرق خاصة). ثم هي حضارة فضلا عن الدور الحضاري في العالم الحديث تعد أكثر عراقة حتى من الحضارة الشرقية القديمة التي أكثر هي أكثر عراقة من الحضارة الغربية القديمة والحديثة (الصين والهند).
فالحضارة الإسلامية جمعت بين حقب التاريخ الأربع المعروفة على الأقل من حيث المدة ومن حيث ما تتأسس عليه من المبادئ والقيم فضلا عن المنجزات: الحضارة العربية الإسلامية جمعت جمع مواصلة وتجاوز بين الوسيط وما قبله (التاريخ القديم الذي حافظت على تراثه العلمي والروحي وأصلحتهما) والحديث وما بعده (التاريخ الحديث الذي صارعت فاشياته وحررت نصف العالم منه وهي الآن تكاد تكون الوحيدة المتصدية للطاغوت والاستكبار في العالم).
إن العصر الوسيط كان بؤرة التاريخ الإنساني كله لأنه كان ثمره قديمة وبذرة حديثه والحضارة الإسلامية هي بؤرته التي ننتسب إليها (لما شاب دور الشرق الأقصى من هامشية لم يتخلص منها إلا الآن) لكونه كان ساحة الصراع والتعاون بين الشرق والغرب الناهضين في نفس اللحظة ممثلين بالعرب والجرمان –أعني بناة العالم الحديث بالإصلاحين الديني والفلسفي خلال تنافسهما وصراعهما المتواصلين إلى الآن-وكان مدار الصراع النهوضي حول تأويل ما قبل التاريخ الوسيط من الحضارة المادية العلمية ومن الحضارة الروحية الدينية وحول الخيارات المؤدية إلى تحقيق ما بعده. ولا يزال الأمر كما كان: صراع بين الحضارتين المحيطتين بالأبيض المتوسط لأن كل الحضارات الأخرى انضمت إلى هذا الصراع وهو ما يعلل كون الرهان صار الإسلام وداره ورسالته حتى وإن تصور الليبراليون العرب الجدد بما عرفوا به من سذاجة أن الرهان لا يتعدى رفاهيتهم الشخصية ومتعهم الذاتية.
إن المسائل الخمس التي نرد إليها كلام الأستاذ البليهي لنرد عليها بتحليل الاثنتين الأساسيتين منها هي المسائل الدالة على تجاهل معنى الحضارة وبمعنى الغرب وبمعنى الشرق وبدور الإسلام في تجاوز الشرق والغرب معا لئلا أقول على الجهل المدقع بهذه المعاني. فالحضارة الإسلامية مثلها مثل الزيتونة التي وصفها القرآن الكريم بكونها لا شرقية ولا غربية. وليس ذلك بمعنى التحديد السلبي إلا لفظا. إنما المعنى العميق هو كونها ليست أيا منهما أي إنها حررت الإنسانية من التنافي بينهما بأن تجاوزتها فوحدت بين تعينات الإنساني في كل مكان وفي كل زمان لأنها تستند إلى مفهوم الإنسان المستخلف وتؤمن بالأخوة الإنسانية وتعتبر الصلة بين البشر صلة رحم عضوي وروحي أداتها هي التعارف القرآني الذي يعني المعرفة والمعروف المتبادلين بين البشر الأخوة.
وإليك الدعاوى الخمس التي نكتفي بتحليل الأوليين منها لئلا يتجاوز الكلام الحد المقبول في مثل هذا النوع من العلاج:
الدعوى الأولى: تتعلق بمفهوم الغرب دوره في الحضارة الإنسانية واستثناء الأمم الأخرى منها.
الدعوى الثانية: تتعلق بالإستراتيجية التقليدية في التمييز بين المسلمين والإسلام حتى نعود إلى القولة الشهيرة بوجود إسلام بغير مسلمين في ومسلمين بغير إسلام في الشرق.
الدعوى الثالثة: تتعلق بتحديات الحاضر العربي الإسلامي ومن ثم بهم محركات التاريخ الإنساني.
الدعوى الرابعة: تعلق بمفهوم الحضارة والخلط بين مظاهرها وأعماقها ومن ثم بسطحية هذا الفهم للغرب والشرق على حد سواء.
الدعوى الأخيرة: وهي أصل كل هذه الدعاوى هي النظرية التي توصل إليها هتلر لكونه منطقيا في استدلاله وأغفلها البليهي ربما لأنه أدرك بلاهة القول بها: إنها التفسير العنصري للتاريخ الإنساني.
الدعوى الأولى
مفهوم الغرب دوره في الحضارة الإنسانية واستثناء الأمم الأخرى منها.
ما أظن الأستاذ البليهي سيجادل في التسليم للقراء بأنه ليس أعرف باليونان من أرسطو وأفلاطون. لذلك فنصيحتي له أن يقرأ كتاب السياسة للأول وكتاب الشرائع للثاني. فسيعلم من الكتابين أن كلامه عن أوروبا خاصة والغرب عامة ليس إلا صدى إيديولوجيا الغرب الأوروبي الحديث الذي كان عديم الأصل والدور في تحديد مقومات الإنسانية التي كانت قد تمت بعد في الشرق الأوسط فبحث له عن أصل ودور. وقد وجد بعض مزيفي التاريخ الإنساني هذا الأصل والدور في ضم العلم اليوناني والدين المسيحي إلى أوروبا. فمن ضم اليونان صارت العلوم والفلسفة إرثهم دون سواهم ومن ضم المسيحية صارت الأديان والحكمة إرثهم دون سواهم. لكن اليونان لم يكونوا معتبرين أنفسهم أوروبيين فضلا عن المسيحية.
فأرسطو-ولعله أقل علما من الأستاذ البليهي-باليونان وبمن هم حدد ذلك في كتاب السياسة خلال كلامه على خصائص شعبه بالمقارنة مع الحدين الأقصيين بالاعتماد على تأليف خاصيتين: الشجاعة والذكاء وضديهما. فكانت الحصيلة أنه اعتبر الحد الأول ممثلا بالشعب الصيني الذي يعتبره ذكيا وجبانا. واعتبر الحد الثاني ممثلا بالأوروبيين الذين يعتبرهم شجعانا وبلداء. ثم يميز اليونان عن هذين الشعبين فوصفهم بكونهم أذكياء وشجعان. وهم كما هو بين من نظريته في التوسط غير صينيين وغير أوروبيين لأنه ينسبهم إلى حضارة مهد الحضارات أعني الشرق الأوسط الذي تأسست فيه الحضارات منذ القدم المصري والبابلي ببعدها المادي وأدواته العلمية والتقنية وببعدها الروحي وأدواته الدينية والرمزية.
وأفلاطون –وقد يكون أقل علما من الأستاذ البليهي-بعلم اليونان ينصح في تصوره للمنظومة التربوية بأن يعمم اليونان تعليم الرياضيات في المدارس الابتدائية كما يفعل المصريون حتى يمكنوا أبناءهم من الثقافة العلمية التي تتوسل للتعامل مع المحيطين الثقافي والطبيعي. ترى هل من الصدفة أن كان جميع علماء اليونان في الرياضيات يقضون مدة تدرب عليها في مصر تماما كما نفعل نحن الآن عندما نريد أن نتمكن من العلم في الجامعات الغربية؟ وأخيرا هل من الصدفة أن قال أرسطو في مقالة الألف من كتاب ما بعد الطبيعة أن أول من أسس العلم النظري بالمعنى الدقيق للكلمة هم علماء الدين المصريون لتفرغهم للبحث العلمي وعدم الحاجة للعمل من أجل القوت ؟
والحصيلة أن اليونان ليسوا أوربيين وليسوا غربيين وأن علمهم ليس معجزة وإنما هو مواصلة للتجربة الإنسانية التي بلغت شأوا في الحضارات القديمة وخاصة في حضارة ما بين النهرين وحضارة النيل. وقد كتبت في ذلك كتابا حول الرياضيات القديمة ونظرية العلم الفلسفية وكذلك كتابا حول الإبستمولوجيا البديل التي تحُررنا من الأسطورتين اللتين يتغني بهما عنصريو أوروبا الحديثة ويكررها الجاهلون منا بالتاريخ العلمي والحضاري للشرق والغرب على حد سواء. لكن الأستاذ البليهي غني عن القراءة.
وحتى لا يتهمني الأستاذ بالكلام على الماضي الغابر والتغني به فإني أسأله عن مقومات الحضارة عامة ما هي؟ أليست ابتداع أصول الرمز الممكنة من السلطان على المحيط الطبيعي بأدوات العلم والتقنيات وعلى المحيط الثقافي بأدوات العمل والفنون ؟ فمن اكتشف الحرف والرقم وأين اكتشفا؟ أليس الحرف هو أساس الفنون عامة والآداب خاصة؟ أليس الرقم هو أساس العلوم عامة والتقنيات خاصة ؟ ثم من أسس شكلي الوجود العمراني البشري ذي النظام المؤسسي أعني شكل الجماعة السياسية أو الدولة ورمزها الأمن المادي والجيش والمنظومة الإدارية والجماعة العقدية أو الأمة ورمزها الأمن الروحي أي السلطة الدينية والمنظومة التربوية ؟
ثم ما الدولة؟ أليست هي نظام المؤسسات الساهرة على تنظيم سد الحاجات أعني وظيفة العمران الأولى بلغة ابن خلدون عند النظر إليه أداتيا؟ وهل يمكن تصور الدولة مؤسسيا من دون الرقم رمزيا ومعرفيا ؟ وما الأمة؟ أليست هي نظام المؤسسات الساهرة على تنظيم الأنس بالعشير أعني وظيفة العمران الأولى بلغة ابن خلدون كذلك عند النظر إليه غائيا؟ وهل يمكن تصور الأمة مؤسسيا من دون الحرف رمزيا ووجدانيا ؟ وبعد هذين الاكتشافين المعرفي والوجداني وما يتأسس عليهما من مؤسسات الدولة أو الجماعة السياسية والأمة أو الجماعة الروحية كل ما يأتي بعد ذلك ليس هو إلا نتائج ثانوية لم تغير من التاريخ الإنساني شيئا يذكر إلا بمعنى التغيير الكمي.
فيا أستاذ لا تغرنك الأضواء والنصاعة التي تكثر من الكلام عليها كالطفل البريء يدخل أول مرة مغازة عامة أو سوبر ماركت. لا يغرنك اكتشاف الكمبيوتر فما اكتشافه إلا تطبيق للرقم وليس هو إلا لعبة بالقياس إلى الإبداع المؤسس لشروط إمكانه إنه مجرد تطبيق لهذه الثورة التي ليس لما تسميه غربا ناقة فيها ولا جمل وحتى الوسائط بين البداية والغاية سترى أنها أيضا بنت الشرق الأدنى عامة والقسم العربي الإسلامي منه على وجه الخصوص. فهؤلاء الذين تحتقرهم وتحتقر نفسك معهم لأنك منهم شئت أم أبيت لهم الباع الأول في توظيف الرياضيات العلمي والعودة بها إلى دورها المصري البابلي كأدوات للعمران ببعديه أعني للعلاقات بين البشر ولعلاقاتهم بمحيطهم الطبيعي ومن ثم تحريرها من مجرد التأمل السحري في التنجيم والهرمسيات التي صارت طاغية على العلم والفلسفة بعد ما انحطت الحضارة القديمة قبيل الثورة القرآنية التي أتت لتصحيح ما أصاب التراثين العلمي الفلسفي والروحي الديني من تحريف وانحطاط.
الدعوى الثانية
الإستراتيجية التقليدية في التمييز بين المسلمين والإسلام
العلاقة بمقولتي إسلام بغير مسلمين ومسلمين بغير إسلام.
ذكرني كلام الأستاذ البليهي بمهارب الليبراليين الجدد من يتامى اليسار العربي اللذين يستعملون تقية التمييز بين الإسلام والمسلمين وهي تقية كانت في البداية طرفة تنسب إلى محمد عبده-ربما باطلا على حد ما أعلمني بذلك الأستاذ محمد عمارة- أعني تلك التي تقول إنه قد وجد في الغرب إسلاما بلا مسلمين وفي الشرق مسلمين بلا إسلام. وإني لأعجب من رجل يقول مثل هذا الكلام في بداية عصر استعمار بلاده: ألمجرد استضافته من الاستعمار الفرنسي في تنافسه مع الاستعمار الانجليزي صار الغرب عنده بلدا يطبق قيم الإسلام حتى وإن لم يسلم أهله ؟ طبعا لو صح أنها لمحمد عبده أو لمن شابهه من القائلين بها فإنها كلمة دالة على جهل مطبق بالغرب. لكنها على الأقل لم تكن تقية في ذلك الوقت بل كانت تعبر عن بلاهة المعجبين غير النقديين. لكنها الآن صارت تقية تدل على البلاهة والجبن في آن: بلاهة الجهل بالغرب وجبن عدم التصريح العلن بالقول إن علة تخلف المسلمين هي الإسلام.
ذلك أن اعتبار الغرب مثالا يقاس به الإسلام المقدس عند فصله عن المسلم المدنس فيه حط من شأن الإسلام لا يقبله عاقل: فأين الغرب من الإسلام الذي لا يعتبر القيم خاصة بشعب مختار بل هي عنده شاملة لكل البشر بل ولكل الموجودات ؟ هل ما يباهي به الأستاذ البليهي يقول الغرب بكونيته أم هو مقصور على الغربيين دون سواهم لأن من عداهم عندهم جوهيم ؟ كيف ينسى المعجبون بالغرب تجويعه لثلاثة أرباع البشرية ؟ وإفناءه جل الشعوب التي استعمرها أو استعبدها ثم يصفونه بالحضارة التي وجدوا فيها الإسلام دون المسلمين ؟ وهل الإسلام يسمح بمثل هذا وهو الذي لم يشرع الجهاد إلا لعلتين: 1-حماية المستضعفين 2-وحماية حرية العبادة؟ كيف يعجب المرء بمن أفسد الطبيعة والثقافة في آن ويعتبر ذلك حضارة جديرة بأن تمدح وتحاكى: افنوا لأنواع النباتية والحيوانية وحافظوا على عينات منها في الحدائق النباتية والحيوانية وأفنوا الثقافات واللغات والفنون التي كانت عين الثراء الإنساني الذي اعتبر القرآن الكريم أنه ما لأجله خلق المخلوقات عند كلامه على الاختلاف والتنوع ؟
هل صارت الحضارة مجرد الرفاه الذي لا يتمتع به إلا أمثال الأستاذ البليهي المعجبين بالأنوار والأضواء والنصاعة والبضاعة والخلاعة ويتناسون كل ما حل بالعالم من الشناعة ؟ ألا يرى الأستاذ أن جل البشر يتضورون جوعا ولعله لم ينظر حتى حوله في أحياء بلدته ؟ هل صارت الحضارة ترسانات الأسلحة التي يمكن أن تفني الكون؟ وهل الحضارة هي أن تقلع الشعوب من بلادها أو تفنى بالتجارب الطبية لإخلاء المعمورة تجنبا للندرة: فكما أفنوا الهنود الحمر بالجدري والسلاح والخمر يفنون الأفارقة بالإيدس والسلاح والمخدرات.
إن لله في خلقه شؤون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام