


ما الذي بقي من محمد أركون؟
جهاد فاضل
· فهم أركون مبكراً أن النقد ليس هواية أو عادة عربية
· أيد أركون العلمانية وانتقد سلبياتها في آنٍ
· ينبغي ألا يُحْسَب أركون بسهولة على طرف ضد طرف، وألا يصنف تصنيفاً قاطعاً بشكل سطحي لا يتفق مع حقائق فكره
· يتلخص محمد أركون في كلمات قليلة منها المنهج العلمي والفكر النقدي
· عمل أركون لمشروع عربي إسلامي يتسم بالحداثة والعقلانية
كان المفكر الجزائري الكبير الدكتور محمد أركون، الذي فقده الفكر العربي مؤخراً، معجباً أيما إعجاب بجانب حضاري عرفه القرن الرابع الهجري يتمثل بنزعة الأنسنة كما تتجلى في تراث أبي حيان التوحيدي ومسكويه. وحول هذه النزعة سينجز أركون لاحقاً أطروحته للدكتوراه في جامعة السوربون، وسيظل طيلة حياته يتذكر هذه الصفحة النضرة في تراثنا ويكتب عنها وينوّع عليها. وقد ذكر مرة في حوار له ما يلي: «تأثري الوحيد كان بأبي حيان التوحيدي الذي أعتبره أخي التوأم، ويمكن أن يحرقوني معه فلا أعترض». كان أركون ينظر إلى لحظة الأنسنة هذه على أنها لحظة استثنائية غير عادية.
في هذه اللحظة أشرقت ما نسميه اليوم «الحداثة» على مجتمع عربي كما ولدت روح «ديمقراطية» للإنسان فيها قيمة كبيرة. «الإنسان» كان كلمة السر التي همس بها التوحيدي لمحمد أركون الفتى الأمازيغي القادم من إحدى قرى منطقة القبائل لأبوين فقيرين. في البداية لم يكن محمد أركون يعرف العربية، ولكنه درس هذه اللغة وأتقنها في جامعة الجزائر قبل أن يقصد باريس لإنجاز دراساته العليا في الإسلاميات. لم يكن أركون الطالب في جامعة الجزائر يتصور أن محاضرة بسيطة سيلقيها في بداية الخمسينيات من القرن الماضي أمام زملائه الطلبة تحت عنوان: «مظاهر الإصلاح في مؤلفات طه حسين».
ستثير غضب بعض هؤلاء الزملاء. إعجاب أركون بطه حسين جعله يعكف طيلة سنوات لدرس مؤلفات صاحب «الأيام» قبل أن يخلص إلى غياب الانسجام في مشروع طه حسين. لكن من يجرؤ على انتقاد طه حسين في فترة كانت فيها شعارات القومية العربية أحد أهم أسلحة حركة التحرر الوطني؟ لهذا استاء الطلبة من أركون وقاطعه معظمهم.
منذ البداية فهم الباحث الشاب الدرس جيداً. النقد ليس هواية أو عادة عربية. لكن المشكلة هي أن روح النقد كانت تلبست تماماً ابن القرية الأمازيغية «تاويرت ميمون» التي قدم منها أركون. ولم يعد هناك من مجال للتراجع.
ولكن لأن النقد يحتاج إلى أدوات، فقد غادر أركون الجزائر في عام ١٩٥٤ قاصداً باريس لتعلم منهجية البحث على أيدي مستشرقين كبار من أمثال شارل بلّا وهنري لاووست، وأساساً ريجيس بلاشير المتخصص في فقه اللغة وقد تعلم منه منهجية تحقيق النصوص والتدقيق فيها ودراستها على الطريقة التاريخية الوضعية.
مزدوج الثقافة متعدد اللغات يجيد الفرنسية والعربية والإنجليزية والأمازيغية ويحاضر بها معاً. وهو بتكوينه المتنوع الغني هذا يدرك تماماً مسيرة الفكر والفكر الفلسفي ثم الديني على كلتا ضفتي المتوسط. ولا يصح أبداً أن يُصنف مستشرقاً ولا أوروبياً ولا عربياً ولا إسلامياً، وإنما يمكن أن يجمع أطرافاً من كل ذلك في آن واحد تثري عالميته وإنسانيته.
إن أول ما يهدف إليه أركون قد يكون من النظرة الأولى هو تهديم الأفكار المسبقة والنماذج الجاهزة السلبية والقديمة المتوارثة لدى طرف تجاه آخر. فالغرب، حسبما يرى أركون، ليس تجسيداً للشيطان المادي غير الروحاني والكافر. كما أن الإسلام ليس ما يختصر في التطرف الأصولي، فيما هو عنيف وارهابي غير قابل للديمقراطية والحداثة.
يطرح أركون فكره حول العلمانية ويدافع عنها كقيمة إنسانية تشمل العالم الإسلامي، ولكن في إطار من ضرورة التذكير بأن يوضع في الحسبان خصوصيات تلك الثقافة في تاريخها. إلا أن دفاعاته عن العلمانية لا تخلو من نقد هذه العلمانية، ونقد الأشكال الخاصة التي استعارتها في التاريخ والتناقضات التي تمخضت عنها والتي يجب تجاوزها، والتي تتلخص كما يقول في فهم الثقافات الأخرى.
يقول أركون: «إنني اجتهد منذ سنوات ابتداء من النموذج الإسلامي الـمُساء فهمه وتفسيره، في أن أفتح طرقاً وآفاقاً جديدة للفكر القائم على الدراسات المقارنة لتخطي كل نظم المعنى سواء الدينية أو العلمانية التي تحاول أن تنصّب المحلي والتاريخي الاحتمالي، والخبرة الخاصة والعامة، والاستعلائي والمقدس المتعذر تبسيطه. إن كل ذلك يتضمن مسافة نقدية متساوية في نظر كل القيم الموروثة في كل تقاليد الفكر حتى عقل الأنوار، ويشمل هذا العقل كذلك، وكذلك الخبرة العلمانية المنحرفة في اتجاه العلمانوية الناشطة والمنحازة.
هذا هو أركون الذي يجب ألا يُحسب بسهولة على طرف ضد طرف، وألا يُصنف تصنيفاً قاطعاً ولا حاسماً بشكل سطحي لا يتفق مع حقائق فكره. هو يدافع عن العلمانية ولكنه ينقدها. إنه يرى أن الفكر العلماني في إطاره المؤسسي الأكثر تقدماً «أي الجمهورية الفرنسية» مازال حتى اليوم في طور نقد العقل الإسلامي. ونقده هذا لا يعني أبداً عملاً سلبياً، ولا يعني أبداً مساساً بالتجربة الروحية الكبرى للإسلام الحنيف. وإنما يعني نقد التجسيد التاريخي والتطبيقي للمبادئ المثالية الروحية. فهو يفرق بين الوحي وبين التاريخ، بين المثل الأعلى والتطبيق.
إن منهج أركون في البحث يتجاوز المنهج الاستشراقي الفيلولوجي. إنه نقد يتسلح بكل علوم الإنسان والمجتمع، ويدخل في حسبانه مفهوم المتخيل أو الأسطورة أو الحقائق السوسيولوجية الكبرى لحشد كل العلوم الإنسانية اليوم ومنها علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا وأنثروبولوجيا الأديان وعلم اجتماع الأديان المقارن وتاريخ الأديان وعلم النفس وعلم اللغة. ويدعو إلى تسليط هذه السيمفونية المتداخلة من العلوم على حالات الإسلام الراهن لدراسته وتحليله بهذه المنهجية الجديدة التي يسميها «الإسلاميات التطبيقية».
ماذا يعني أركون بالإسلاميات التطبيقية؟ يقول: «في الواقع هذا المصطلح ليس مفهوماً جدالياً يناقض الإسلاميات الكلاسيكية «الاستشراق» التي كانت ولدت في القرن التاسع عشر في فرنسا على وجه الخصوص. قام بهذه الكتابات أو الدراسات عسكريون وإداريون كولونياليون استعماريون وتبشيريون وأساتذة جامعيون. مهما تكن القيمة التثقيفية لهذه الكتابات، فإنها تبقى مع ذلك تعكس جهد نظرة خارجية ورؤيتها. إنها فوق ذلك متأثرة بنزعة عرقية مركزية مؤكَدة مفهومة ضمن الوسط التاريخي الذي ولدت فيه. وحتى الدراسات الجامعية تسبح في المحيط العام لهذه العرقية المركزية. ذلك أن تفسيراتها وتحليلاتها تعكس في الغالب رؤية سلبية للإسلام. إننا نشهد اليوم ظهور نظرة جديدة تأتي من داخل المجتمعات الإسلامية نفسها. هنا تكمن نقطة الانطلاق من الحتمية إلى الإسلاميات التطبيقية».
وبمحاولة تطبيق المناهج العلمية على النصوص الإسلامية المؤسسة تكرس مشروع «الإسلاميات التطبيقية»، وتوالت مؤلفات أركون المخلخلة للدرس الإسلامي التقليدي، ومنها: «القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني»، و«الفكر الأصولي واستحالة التأصيل»، و«تاريخية الفكر العربي الإسلامي»، و«الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد»، و«الفكر الإسلامي: قراءة علمية»، و«أين هو الفكر الإسلامي المعاصر»؟
ضمن هذا المناخ العلمي الذي عاشه أركون في فرنسا على امتداد أكثر من ستين عاماً، بدأ في تأسيس قراءته الجديدة للإسلام التي لا ترتكز إلى الاجتهاد والتأويل، وإنما إلى المنهج العلمي والفكر النقدي. ويعتقد كثيرون أن هذا المشروع لم يخضع حتى الآن لقراءة معمقة في المجتمعات العربية والإسلامية. فهو مايزال محصوراً في بعض الأوساط الجامعية التي تبحث عن نوافذ أخرى وسط عالم يزداد انغلاقاً على نفسه. أما من جهة الوسط الثقافي الفرنسي، فلم يُلتفت لنتاج أركون الذي تمحور حول نقد العقل الإسلامي، أولاً لأن هذا العمل بحسب أركون نفسه يتوجه في المقام الأول إلى المسلمين أنفسهم، وثانياً لأن القراء الفرنسيين كانوا غارقين في الإسلاميات الكلاسيكية، ولاحقاً، بعد السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، في خطاب العلوم السياسية.
ويرى كثيرون أن محمد أركون كرس معظم عمله الفكري التأسيسي في سبيل مشروع عربي إسلامي يتسم بالحداثة والعقلانية. وكان إلى ذلك قد اشتغل على صعيد البحوث والدراسات المنهجية. وكان حذراً حيال النزعات الآلية في هذه الدراسات نظراً إلى خصوصيتها العربية والإسلامية على صعيد الفلسفة وعلم الكلام والأنثروبولوجيا وما اصطلح على تسميته بسوسيولوجيا الاخفاق. وقد اقتحم مواقف مهمة وصل منها إلى اتهام مستشرقين فرنسيين بخيانة البحث العلمي في حقول الدراسات الإسلامية، انطلاقاً من أنهم لم يعمموا ما سماه بالإسلاميات التطبيقية، مفضلين ابقاءها بعيداً عن النظر من قبل الطلبة العرب في أوروبا ومن قبل الباحثين العرب وسواهم.
كان أركون نزيهاً مخلصاً أيما إخلاص لمناهجه وأدواته، يريد إعادة النظر بموروثاتنا وتسليط أضواء العلم والنقد والمناهج عليها، على نحو ما فعلته شعوب أخرى وحضارات أخرى. يقول في مقدمة أحد كتبه: «قراءات في القرآن»: «لكي يحموا العقائد الدينية الموروثة، فإن المسلمين يرفضون المناهج الحديثة في البحث العلمي، ويزعمون أنها لا تنطبق على التراث الديني لأنها اختزالية أو وضعية لا تأخذ البعد الروحي أو الديني بعين الاعتبار".
هنا تكمن استراتيجية الرفض للعقلية الدوغمائية الخاصة بالمؤمنين التقليديين في كل الأديان وليس فقط في الإسلام. فالمسيحيون الأوروبيون أيضاً رفضوا في البداية تطبيق المنهج التاريخي على الإنجيل مثلما يرفض المسلمون اليوم تطبيقه على القرآن. كل علوم الأرض تتوقف عند أبواب النصوص المقدسة لا يحق لها أن تدخل إليها. وحتى النقد اللغوي التاريخي أو الفيلولوجي القديم على طريقة المستشرق الألماني نولدكه لايزال يدخل في دائرة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لرجال الدين المسلمين المعاصرين».
ويضيف أركون: «يحصل ذلك كما لو أن الفكر العلمي لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام منذ العصور الوسطى! وبالتالي فالمسلمون في أغلبيتهم الساحقة لا يزالون مسجونين داخل المناخ العقلي للقرون الوسطى». (الهوامل والشوامل حول الإسلام المعاصر».
تتلخص غاية أركون في كيفية الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العلمي دون التضحية بجوهر الدين ومثله الأخلاقية العليا وروحانيته. وهذا يعني أن نقد العقل الإسلامي لا يؤدي بنظره إلى الإلحاد أو العدمية كما يخشى البعض، وإنما إلى إيمان جديد.لماذا نقول إن المشكلة المطروحة علينا حالياً هي نقد العقل الإسلامي وليس نقد العقل العربي؟ كان أركون يقول إنه لا يوجد شيء اسمه عقل عربي أو إيراني أو باكستاني، وإنما عقل إسلامي. فالمسلمون جميعاً محكومون بنفس المسلمات اللاهوتية التي تتحكم بالعقل وطريقة اشتغاله وتسييره.
انهم جميعاً محكومون، ما عدا بعض النخب المثقفة، بعقلية القرون الوسطى، لا عقلية القرون الحديثة العلمية والفلسفية والليبرالية في فهمها للدين. وذلك على عكس الشعوب المتطورة في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث انتصر عقل الأنوار وخرج الناس من العصور الوسطى ما عدا بعض الأقليات المتطرفة المنحرفة عن الخط العام والتي تشكل جزراً معزولة داخل البحر العام للمجتمع الليبرالي التعددي.
ولايشك بعض الباحثين في كون محمد أركون من أعلام الفكر العربي الحديث. لقد تصدى بجرأة وعمق لقضايا الفكر الديني وأعاد قراءة التراث والنصوص في ضوء معطيات العصر الذي عاش فيه. إنه رائد من رواد الفكر النقدي، وقد اختط منهجاً جديداً لقراءات التراث الفكري الإسلامي يختلف عن المنهج الاستشراقي القائم في شكل أساسي على التحليل الفيلولوجي أو اللغوي. وقد بدا أركون مختلفاً في مقارباته عن خط المفكرين التقليديين والمحافظين.
في إسلامياته التطبيقية أكد أركون أنه ليس من الكافي في القراءة النقدية والتحليلية الارتكاز إلى تحليل اللغة والمفردات، فلابد من وضع النص في سياقه التاريخي والاجتماعي والمعرفي. وقد أضاف أركون الكثير من الاجتهادات والمقاربات في نتاجه الفكري. كان يرى أن التاريخ موسوم بالصبغة الأيديولوجية، وأن كل قراءة ايديولوجية هي قراءة موجهة وغير قادرة على الوصول إلى الحقيقة الموضوعية البحتة. وقد أصر على المعرفة العلمية للدين التي تتيح حسب رأيه إمكان إعادة النظر في التاريخ الإسلامي كله.
في ظرف زمني متقارب، فقد الفكر العربي ثلاثة أعلام كبار: الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد أركون. لكل من هؤلاء الإعلام مشروعه الخاص به ولكن هناك ملامح عامة، تجمع هذه المشاريع الثلاثة. ثمة إلحاح على العقلانية والنظرة النقدية العلمية وإعادة النظر بالتراث وتسليط أضواءالعصر الحديث عليه. في هذه المشاريع الثلاثة يعثر المرء على جوانب إيجابية وسلبية كثيرة، وهذا قدَر المجتهدين يصيبون ويخطئون.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2010 |