


أصدقاء الثورة وأعداؤها
أبو يعرب المرزوقي
أملي أن تكون الأذهان قد استعدت للتدبر من أجل التدبير العقلي السوي وإخراج تونس من مخلفات العهد البائد بأقل ما يمكن من الخسائر وتحقيق أقصى ما يمكن من مطالب الثورة الشعبية: فلا يمكن لأي ثورة أن تنجح إذا لم تستند إلى إستراتيجية المصالحة الوطنية لتتحرر بأسرع وقت ممكن مما علق بها من عداوات ونقمة قد تصل بها إلى الحرب الأهلية لا قدر الله. لذلك فلا عجب إذا قلنا إن الثورة الشعبية الحالية أصدقاؤها أكثر من أعدائها وإنهم قادرون على صيانتها وإن هؤلاء الأصدقاء والأعداء موجودون في كل التيارات السياسية والفكرية التونسية: ومعنى ذلك أن كل الحركات السياسية والاجتماعية والفكرية في بلادنا منقسمة إلى مؤيد ومعارض للثورة مع غلبة المؤيدين فيها جميعا على المعارضين لفرط ما حصل من ظلم واستبداد طال الجميع ولم يستثن أحدا عدا من خدم العهد البائد بالتوظيف المتبادل بينه وبين المافية التي حكمت بجهازين مادي ورمزي موازيين لأجهزة الدولة والمجتمع الشرعية..
سبق أن اُقترح مشروع (1990) قبل فوات الأوان للخروج من المرحلة التي بدأت بشرعية مقبولة يمكن وصفها بـشرعية الإنقاذ من التردي الذي حصل بين آخر مؤتمر للحزب الحاكم وئدت فيه محاولات الانتقال السلمي للديموقراطية بعد فشل التجربة الاشتراكية في تونس (1971) وخرف الرئيس بورقيبة النهائي (1986) مشروع تمثل في فصل الدعوة إلى الدولة عن الأحزاب وتخصيص دورة كاملة تشريعية ورئاسية لبناء القوى السياسية المنظمة حتى تيسر عمل المؤسسات عملا ديموقراطيا منظما ومؤطرا للجماهير لئلا يكون التغيير عملا طفريا يمكن أن يؤول إلى فوضى المزايدات بسبب فقدان القيادات الراشدة.
لكن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن. فكان ما كان وشوه الدستور إلى أن وصلنا إلى ما يشبه خرف بورقيبة مع ما صاحب هذا الخرف الثاني من نهج مافيوي لم تعرف البلاد مثله من قبل: باتت الدولة ضحية الجهازين الموازيين وأفسدت كل الأحزاب السياسية بما فيها الحزب الذي حُكم باسمه رغم كونه قد كان المدرسة التي تخرجت منها كل قيادات تونس بما فيها قيادات المعارضة السليمة من الانتهازية بل حتى مؤسسات الدولة الأساسية مثل العدالة والصحة والتربية والجمارك كلها تقريبا قد أصبحت لعبة بيد المافية التي سيطرت على البلاد والعباد. وعلينا الآن أن نبدع الحلول التي تمكن من تحقيق شروط الحياة الديموقراطية الجامعة جمعا موفقا بين النظام والتقدم أعني بين الأمرين اللذين ليس منهما بد في كل حياة سياسية واجتماعية حقيقية. وكل ذلك مشروط بتحرير هذه المؤسسات جميعا مما حصل لها بسبب سلطان المافيات التي ذكرنا خلال العقدين الأخيرين.
وهذا المطلوب يقتضي ألا تتحول الثورة إلى سعي غير سياسي يقضي على شروط الحياة السياسية الحقيقية بمنع شروط الحفاظ على الحياة الجمعية السلمية فنرمي الرضيع مع ماء حمامه كما يقول المثل الفرنسي. ذلك أن تحويل الثورة إلى تصفية حساب بين القوى السياسية ومحاربة القاعدة السياسية المتنوعة (لأنها تتضمن جل التيارات الفكرية في البلد الليبرالي والاشتراكي والقومي والإسلامي) القاعدة التي شوهها النظام البائد بدعوى الحكم باسمها رغم أنه كان يحكم بمافية مفروضة عليها فرضها على غيرها من القوى السياسية الأخرى سيؤدي إلى الحرب الأهلية واختلال النظام إلى ما لا حد له: لا يمكن أن تحقق تحولا سلميا إذا أنت أعلنت الحرب على نصف قرن من تاريخنا السياسي بدلا من تحييد الجراثيم التي هاجمته تحييدها لتحويله إلى صالح الثورة بعد تجديد القيادات وتشببيها.
والمعلوم أن هذه المافية قد جندت الفاسدين من كل الأحزاب بما فيها أحزاب المعارضة وخاصة من الذين خانوا اليسار واليمين والقومية والإسلام لغطاء حكم المافية العائلية والنظامين الموازيين المادي (الأمن الموازي الذي شوه الأمن الوطني السلم في الجملة) والرمزي (الثقافة الموازية التي شوهت الثقافة الوطنية). لا بد لنا إذن من مرحلة انتقالية تعد لإعادة بناء القوى السياسية فتخلصها ممن خانوا قيمها وبرامجها القوى التي ستتنافس في الانتخابات الحرة والنزيهة لاستئهال قيادة سلطات الشعب الخمس وتحريرها من أعداء الثورة لصالح أصدقائها معتبرين العلامة الفاصلة للتمييز بين النوعين متمثلا في طبيعة العلاقة بالنظام البائد:
1-السلطة التشريعية: وهي أساس كل السلط المباشرة لتحديد المعايير الصريحة لحياة الجماعة استقراء من المعايير المعتادة في ثقافة الأمة وطموحاتها الروحية والمادية كما تتعين في رغبات قواها السياسية والتربوية والثقافية والاقتصادية والروحية.
2-والسلطة التربوية: وهي أساس الأساس ولكن من حيث تربية المواطنين على قيم الأمة وإعدادهم ليكونوا حماتها والعاملين على تحقيق شروط بقائها المادية (بالبحث العلمي والإبداع الفكري والتقني) والروحية (بإعداد الإنسان الحامي للحقوق والقيم).
3-والسلطة الثقافية (ببعدي الإبداع والإعلام): وهي أساس المناخ الروحي والقيمي في كل أمة استعلاما برصد حركات الوعي الروحي والقيمي وبنشره بالإعلام بمعنييه العادي والمعرفي عامة.
4-والسلطة القضائية: وهي الحكم الفاصل بين الفرقاء في كل جماعة لا تخلو من الاختلاف والتنافس في جميع المجالات التي تقدم الكلام عليها.
5-والسلطة التنفيذية: وهي السلطة التي تنوبها السلطات السابقة لتنفيذ ما أعدت إليه المواطن بمراعاة ما وطدته السلط السابقة من قوانين وقيم ومناخ عام الحكم النهائي فيها هو السلطة القضائية المستقلة عن السلطة التنفيذية.
وهذه القوى التي هي بصورة شبه بينة للجميع ليست أمرا يتحدد بالاستقراء من التاريخ السياسي العيني فحسب بل هي قابلة للتحديد القبلي والمبدئي بمقتضى طبيعة الفعل السياسي عامة والفعل السياسي المنتسب إلى تراث معين:
فبحسب معيار الرهان السياسي الاجتماعي عامة وبصرف النظر عن الانتساب إلى تراث معين يمكن أن نشير إلى تيارين متنافسين على شرعية القيادة في كل هذه المجالات:
1-تيار اليسار الذي يقدم مطلب العدالة الاجتماعية والتضامن بين البشر أو القانون الخلقي على مطلب حرية المبادرة والتنافس بين البشر والقانون الطبيعي في العلاقات البشرية.
2-تيار الليبرالية الذي يعكس الترتيب بالقياس إلى تيار اليسار فيقدم حرية المبادرة والتنافس على العدالة والتضامن.
لكن التاريخ السياسي الحديث بين خطأ المقابلة بين التيارين فاقترب كلاهما من خيارات الثاني وبات اليسار لا يهمل مطالب الليبرالي لكونها شرط الفاعلية الاقتصادية خاصة أعني شرط مطلوبه والليبرالي لا يهمل مطالب اليسار لكون فاعلية التنافس والحرية بحاجة إلى التضامن شرط السلم الاجتماعية المشروطة في الفاعلية الاقتصادية.
وبحسب معيار الانتساب إلى تراث معين تقتضي البنية الحضارية والثقافية للأمة وجود تيارين متنافسين على تمثل الشرعية:
3-التيار القومي: والأول ينبع من حركة إحياء ثقافية تاريخية علمانية.
4-التيار الإسلامي: والثاني ينبع من حركة إحياء روحية دينية إسلامية.
وهنا أيضا بين التاريخ السياسي الحديث أن الإحيائين مترابطان بحيث اقترب التيار القومي من التيار الإسلامي لتجاوز الصراع العرقي والعكس بالعكس لتجاوز الصراع المذهبي ففقدت القومية حدتها التي شتت وحدة الأمة الإسلامية بحسب الانتساب العرقي وفقدت الإسلامية حدتها التي شتتت وحدة الشعوب بحسب الانتساب المذهبي.
5-ولما كانت كل الحساسيات السياسة التونسية موزعة على هذه الخيارات الأربعة مع قاعدة أكبر تتضمن كل هذه الخيارات في آن باعتبارها ممثلة للأغلبية الصامتة التي على أرضيتها تظهر هذه القوى المتمايزة لتكون الأحزاب الموجودة على الساحة فإن كل هذه الأحزاب ضرورية في بناء الثورة بشرط تحريرها مما دب فيها من فساد بحكم تأثرها بالنظام السابق وتحقيق حلف أصدقاء الثورة الذين سيضمنون الانتقال السلمي إلى العهد الجديد الذي تطلبه الثورة.
وبذلك يتبين أن القوى السياسية الأربع الرئيسية قد تقاربت بحيث إن تحريرها من الجراثيم التي سيطرت عليها خلال العهد البائد يمكن أن يوفر المناخ الذي يقبل الوصف بأنه حلف أصدقاء الثورة المؤلف من يساريين ويمينيين وقوميين وإسلاميين يشتركون في حب الوطن وعدم الغلو العقدي والمذهبي بحكم ما أشرنا إليه من تقارب. ذلك أن التقارب لم يقتصر على فريقي الصنفين بل إن كل الفرقاء تقاربت. فالقومي قريب من اليساري والإسلامي من الليبرالي: فالجميع صار يؤمن بأن من شروط العمل السياسي التخلص من المطلقات والقول بالحلول الوسطى الذريعية لشروط البقاء الجمعي التي هي من جنسين:
جنس التعاون لسد الحاجات
وجنس التسالم للأنس (بالعشير بلغة ابن خلدون)
أو بلغة الفلسفة مجتمع الضرورة ومجتمع الكمال.
ومعيار التحرير من الجراثيم معلوم للجميع: فكل من تورط تورطا مباشرا بتحمل مسؤولية في النظام البائد أو استفاد منه بصورة غير شرعية للاستحواذ على سلطان أو جاه أو مال أعني خاصة كل من كان ذا صلة مباشرة بسياسته في المجالات التي ذكرنا أعني السياسي والتربوي والاقتصادي والثقافي ينبغي إبعاده من الإسهام في العمل الثوري الذي يؤسس للعهد الجديد وفي الترشح لأي خطة في هذه المجالات ما ظل حيا دون انتقام ولكن مع الإعداد للمحاسبة القانونية الموضوعية والعادلة.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |