البحث في الموقع    

يتم تحيين الموقع دوريا والمسؤولية على ما يُنشر شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

.

 

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

مساهمة في نشر الفكر الاستئنافي الحضاري الأصيل يخصص الموقع  فضاء للفيلسوف العربي أبي يعرب

   السيادة  الوطنية   في  ظل  العولمة.

        صراع  غير  محسوم 3/3

              الشاذلي العياري

    

                          السيادة الوطنية في دوامة متغيرات العولمة.


لقد واجهت السيادة الوطنية في ظل هذه المتغيرات التي أفرزتها العولمة و مشتقاتها تحديات جسيمة لم تعرف لها سابقة منذ تجسيدها أو ترميزها في منظومة الدولة-الوطن في أواخر الثامن عشر ميلاديا كما كنا بيناه أعلاه. ولعله من المهم أن نذكر هنا أن الدولة-الوطن هي التي بعثت العولمة للوجود و مولّت – و لا تزال- بناها الأساسي و وضعت - و لا تزال - قوانينها و أطرها العملية و باتت تروّج لها و تحميها بالسلاح و النار عند الحاجة من كيد نقادها و معارضيها و تبجّل روادها و مناصريها. حدث ذلك- و لا يزال- في بلاد الغرب و في بلاد الشرق، في بلاد الشمال و في بلاد الجنوب، في بلاد اليسر و في بلاد العسر على السواء. صحيح أن الدولة-الوطن التي ولدت ثورية و تنويرية معا كما أسلفنا ذكره كانت على الدوام في طليعة التقدم و التحول والتحديث و الجهاد من أجل الحقوق و الحريات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية معا. لكنها لم تتبنّ قط قضية إلا و اكتسبت من وراءها قوة على قوة و زادت بفضلها إشعاعا على إشعاع...عدا في هذا الزمن العولماتي حيث غدت الدولة- الوطن و لأول مرة في سجل حياتها الطويل - غدت و كأنها تؤسس لانقراضها و تعد لانتحارها و تعمل من أجل زوالها - إلى حدّ أن بعضهم أصبحوا لا يترددون في القول بأن النيو-ليبيرالية في صيغتها المعولمة إنما هي في طريقها إلى تحقيق أمنية اليوطوبيا الفوضوية (l’utopie anarchiste) التي برزت في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر ميلاديا: القضاء على أي شكل من أشكال الدولة و السلطة و السيادة قضاء نهائيا.

غير أن هذا الاستنتاج يمثل في نظرنا قراءة غير صحيحة لواقع الدولة و السيادة الوطنية المعاصر في بلاد الشمال كما سنبينه لاحقا.

مسألة الدولة و السيادة الوطنية في ظل العولمة: النموذج الشمالي.

''مجموعة السبع'' ، تشكيلة من سبع ' فضاءات سيادية وطنية'

إن القوى الصناعية و التجارية و المالية و التكنولوجية و الثقافية - و الأهم من الكل- العسكرية الشمالية التي تكوّن ما يسمى ب''مجموعة السبع'' (G.7) : الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأسمى ( la puissance suprême)، مضافا إليها المملكة المتحدة و اليابان و ألمانيا و فرنسا و كندا و ايطاليا هي في الواقع تشكيلة من ''فضاءات سيادية وطنية '' (des espaces de souveraineté nationale) أكثر منه من دول وطنية بالمفهوم التقليدي . هذا و لئن كانت أربع من بين السبع الدول المذكورة تنتمي إلى تكتلين إقليميين – الاتحاد الأوروبي ( المملكة المتحدة و ألمانيا و فرنسا و ايطاليا) و ثلاث منها إلى الاتحاد الاقتصادي و النقدي الأوروبي أو منطقة الأورو ( ألمانيا و فرنسا و ايطاليا)- فان الفضاءات السيادية الوطنية السبعة المشار إليها هي في الواقع فضاءات متميزة و مستقلة عضويا بعضها عن بعض و غير متساوية معا باعتبار المكانة المهيمنة التي تحتلها الولايات المتحدة الأمريكية ضمن هذا التكتل الشمالي المسيطر.
الفضاءات السيادية الغربية السبعة، هي المؤسسة للعولمة الحديثة
إن مجموع هذه الفضاءات السيادية السبعة هي المؤسسة في الواقع للعولمة و القائمة على شؤونها و المحددة لخياراتها و سياساتها و آلياتها و المتحكمة في توزيع نعمها و نقمها. العولمة ليست قضاء و قدرا و لا هي ذاك الجن الأسطوري المنفلت من قرورته و لا هي ذاك الربوط المجنون العصي (le robot devenu fou) الذي خرج على حين غرة عن طاعة سيده ليستهتر و يعيث فسادا في الأرض ... و لا هي حتمية يفرضها العمر المعرفي الرمزي الناشئ بل هي صنيعة إرادة بشرية واعية و نتاج لتخطيط محكم و تجسيم لاستراتيجية بعيدة النظر تهدف إلى ضخّ نفس جديدة في الديناميكية الليبرالية و تثبيت سلطان الرأسمالية العالمية المطلق.
في مدلول ' الفضاء السيادي الوطني'
و حتى نفقه كيف جاءت العولمة نتيجة لإرادة أقلية مهيمنة من بلدان المعمورة، نرى من الضروري أن نتبسط بعض الشيء في مفهوم ما سميناه أعلاه ب ''الفضاءات السيادية الوطنية ''.

إن في اعتمادنا لغة ''الفضاءات السيادية'' بدلا من لغة ''السيادات الوطنية'' انتفاء لكل شكل من أشكال السيادة المجسدة أو المرمزة أو المجمدة أو المحنطة بطريقة أحادية و قسرية في مؤسسة ما بما في ذلك الدولة. إن مصطلح ''الفضاء'' يعني هنا التعددية و التنوع و الحرية. إن نسيج الفضاءات السيادية مركب من فعاليات و من مراكز قوى و نفوذ عمومية و خاصة معا، حكومية و مدنية معا، ذات صبغة سياسية و غير سياسية معا، كما أشرنا إليه أعلاه. فعندما يلتقي رؤساء الدول أو وزراء الخارجية أو وزراء المالية أو محافظو البنوك المركزية لمجموعة السبع بقصد التداول في قضايا العالم و أخذ ''ما يرونه صالحا'' من قرارات و من إجراءات بشأنها، فإنهم يفعلون ذلك من منطلق ''السيادة المشروعة'' (la souveraineté légitimée) التي يحملونها و يجسمونها علنيا و ضمنيا معا لا فقط باسم الحكومة أو الدولة التي يمثلونها شكليا بل و كذلك باسم مجموعة الأطراف و الفعاليات الوطنية و غير الوطنية التي تتأسس منها الفضاءات السيادية . و من هنا تأتي في الواقع سيادة و شرعية و قوة و نفوذ السياسات التي يسنونها و القرارات التي يعتمدونها.
فك الربط بين السيادة و الدولة-الوطن.
ففي ربوع الفضاءات السيادية الشمالية المشار إليها هنا، جاء التحول نحو اقتصاد السوق و تحرير المبادلات التجارية و الرأسمالية و الانفتاح على عمر معرفي جديد و إعادة توزيع سلطة القرار و النفوذ بين الدولة و الفعاليات الأخرى و حتى تقلص ظل السيادة النقدية الوطنية التقليدية في بعض الحالات كما هو الشأن بالنسبة لجزء عريض من أوروبا الغربية- جاء كل ذلك ليؤسس ديناميكية تغييرية (une dynamique du changement) على مستوى نماذج القيادة (modèles de gouvernance) السياسية و الاقتصادية المعمول بها في عهود ما قبل العولمة. و لقد شكل فك الربط بين السيادة و الدولة- الوطن في مفهومها التقليدي أهم تطور في هذا السياق. و هكذا انصهرت الدولة لا الدولة-الوطن في فضاءات سيادية متعددة الأطراف والفعاليات و الحساسيات، ديمقراطية البنية و الثقافة و متفتحة على الحداثة و على المعرفة و على التقدم العلمي والتكنولوجي.
وظيفة الدولة في النظام القيادي الحداثي الشمالي.

 لقد أدى هذا التحول في النموذج القيادي و في مفهوم وممارسة السيادة الوطنية إلى إعادة صياغة شبه كلية لوظائف الدولة و مهامها. فباستثناء النفوذ الأمني و النفوذ القضائي و النفوذ العسكري و النفوذ الضريبي المركزي أو الفيديرالي و النفوذ النقدي الكامل أو الجزئي والتمثيل الدبلوماسي، لم يبق في الواقع للدولة الشمالية الحديثة صلاحيات ملكية أخرى تذكر. و حتى فيما يتعلق بتوفير الخيرات و الخدمات ذات الصبغة العمومية أو الجمعية (les biens et services publics ou collectifs) الذي يمثل بعدا جوهريا فيما نسميه ب ''الصالح العام''، فان التوجه السائد اكثر فأكثر هو إخضاع الدولة إلى ما يسمى ب Principe de subsidiarité . و معناه هو أن توزيع الصلاحيات والوظائف بين الدولة و قطاعها العمومي من جهة والقطاع الخاص من جهة ثانية أصبح يقوم على قانون الجدوى و النجاعة و التنافسية الاقتصادية في مدلولها الرأسمالي. و كأن الوظائف المنوطة بالدولة غدت سلعة خاضعة إلى مبدأ ''الميزات النسبية'' le principe des avantages comparatifs) المعمول به في ميدان التجارة الدولية. فكلما كان أداء الدولة لخدمة ما تنافسيا أي أقل كلفة و أكثر اتقانا مقارنة بنظيرها- القطاع الخاص، يسمح لها بالقيام بالمهمة المعنية. و العكس بالعكس طبعا. و كأن دور الدولة و قطاعها العمومي تحول إلى دور-مناولة (un rôle de sous-traitance). في الأساس.- مما شدّ نقاد العولمة إلى التنديد العلني بما يسمونه ب ''ظاهرة خصخصة الدولة'' بل و خصخصة السيادة الوطنية ذاتها.

و على كل، و حتى و إن تبقى أنساق هذا التحول متباينة بحكم ما يميز البلدان الشمالية بعضها عن بعض من حيث استعدادها الثقافي و الذهني و المؤسساتي على مواكبة التحول في الاتجاه المذكور، فان نزوع (convergence) نظم القيادة السياسية و التنموية في بلاد الشمال تجاه نموذج الفضاءات السيادية الوطنية الموضح أعلاه بات سمة رئيسية في تفاعلها الموفق مع مستجدات الحداثة الثانية و متغيراتها.
أزمة السيادة الوطنية و الدولة- الوطن في بلدان الجنوب.

سيادة وطنية شكلية أكثر منها فعلية.
لما بدأت أخبار العولمة تنتشر هنا و هناك في أواسط التسعينات تقريبا، كانت معظم بلدان الجنوب قد فقدت بعد نصيبا غير يسير من مقومات سيادتها الوطنية الفعلية. صحيح أن المظاهر الشكلية للسيادة الوطنية في تلكم الأقطار لم تزل قائمة. غير أن هذه الصلاحيات الملكية التي بقيت الدولة تمارسها في تلكم الأقطار إما فقدت كلا أو جزء من شرعيتها بحكم ''العجز الديمقراطي'' ( le déficit démocratique) الخطير الذي تعاني منه جل البلدان المعنية منذ زمن طويل - مما أضفى عليها ميزة تعسفية و قمعية متفاقمة و إما فقدت نصيبا وافرا من فعاليتها نتيجة لعدم كفاءة القيادات الاقتصادية المحلية أو لقلة الموارد الذاتية المتاحة للدولة - مما أفضى إلى ازدياد تبعيتها حيال المساعدة الخارجية و الاقتراض من جهات أجنبية - أو نتيجة لضآلة أو لتراجع المكانة الاستراتيجية العلمية للبلدان المعنية في ظل التحولات المستجدة على مستوى الموازين الجوو- سياسية و الجوو- الاقتصادية والأمنية و العسكرية على الصعيدين الإقليمي و الدولي.
تعريض بلدان الجنوب بأسرها للزخم التحولي العولماتي.
تلك هي الأوضاع التي كانت عليها بلدان الجنوب لما أحل بها ركب العولمة الزاحفة. صحيح أن تعريض تلكم الأقطار للزخم التحولي العارم الذي تفجر في أواسط التسعينات كان متفاوتا بحكم ما يميز بين شتى الاقتصادات من حيث صلابة و تنوع بنياتها الصناعية و من حيث وفرة / ندرة مواردها الإنتاجية - الطبيعية و غير الطبيعية (المالية و البشرية و غيرها) المتاحة و من حيث سعة انفتاحها على التجارة الخارجية و من حيث قدراتها التجديدية و طاقاتها الاستيعابية للتكنولوجيات الحديثة و للاستثمارات الأجنبية. غير أن الديناميكية التغييرية التي كنا حللنا مكوناتها في فقرة سابقة من هذا الحديث شكلت في الواقع تحديا جسيما آخر بالنسبة إلى معظم تلكم الاقتصادات النامية .
العولمة، نموذج مرجعي أحادي.
لقد غدت النظم القيادية القائمة في العديد من أقطار العالم الثالث على ثقافة الدولة-الوطن التقليدية رغم فقدانها لنصيب وافر من صلاحياتها الملكية كما كنا وضحناه أعلاه - غدت غير قادرة بالفعل على مواكبة تحديات العولمة المفروضة عليها . فأمام هذا المأزق، كان لا بد للنظم القيادية المعنية أن تتصرف. كيف؟
و لعله من المهم أن نذكّر قبل كل شيء بالنموذج الوحيد- الأحادي المعروض على بلدان الجنوب بقصد اندماجها أو إدماجها في بوتقة الحداثة الثانية. يتأسس هذا النموذج الاندماجي (le modèle d’intégration) من آليات و من قيادة سامية أو بالأحرى أسمى. و يمكن اختزال الآليات التي نعنيها هنا في الرباعي التالي: صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و المنظمة العالمية للتجارة و مجلس الأمن للأمم المتحدة . أما القيادة الأسمى، فهي مجسدة فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية في الدول الصناعية الكبرى السبع المشار إليها سابقا وفيما يتعلق بالشؤون السياسية و الأمنية في الدول- الأعضاء الخمس في منظمة الأمم المتحدة التي تمارس دون سواها حق النقض التعسفي و تتصدر في ذات الوقت قائمة الدول المنتجة و المصدرة لوسائل الدمار التقليدية و النووية.
إن انصهار أو اندماج بلدان الجنوب- و إن على مراحل- في هذا النموذج العولماتي ( le modèle global) الأحادي يعني في الواقع ما يلي: أولا) دخول بلدان الجنوب حلبة العولمة كفضاءات استثمارية أو أسواق تجارية لا كوحدات سياسية و اجتماعية و ثقافية و حضارية مميزة. ثانيا) تأسيس المنظومات التنموية والسياسية في تلكم الأقطار على النهج الليبرالي أو النيو-ليبرالي دون سواه و هو النهج المبني على ثقافة الخصخصة و الإنتاجية و المردودية و الربحية و النجاعة التنافسية (l’efficience compétititive) و الانفتاح على الأسواق الخارجية و على التقدم العلمي و التكنولوجي و على قيم الحداثة التنويرية الأولى و الثانية. فلم يعد في الواقع لدول الجنوب خيار سوى إخضاع أي شكل من أشكال الدولة- الوطن و أي مفهوم من مفاهيم السيادة الوطنية إلى متطلبات العولمة كما حدث و يحدث ذلك في البلاد الشمالية بنجاح كامل.
و هكذا و بعد ما اكتملت صياغة ''النظام العالمي الجديد'' بإنشاء المنظمة العالمية للتجارة في ربيع 1994، غدا الخطاب النيو-ليبرالي يروّج بإلحاح متزايد ل ''نموذج عولماتي مرجعي'' (un modèle global de référence) . صالح لكل مكان و لكل زمان، داعيا معشر الأمم و الشعوب – الغنية و الفقيرة، المتقدمة و المتخلفة - للانضواء تحت راية ''الاقتصاد الجديد'' باعتباره الخيار الوحيد الكفيل بتوفير كل أسباب السعادة و الرخاء و التقدم للبرية جمعاء. و انه لمن المفارقات الغريبة حقا و التي يجدر التنويه بها هنا أن نشهد الليبرالية التي تأسست تاريخيا على مبادئ الحرية و التعددية و التنوع أي على مبادئ الديمقراطية - أن نشهدها في نهاية القرن العشرين تعتنق مذهب '' النموذج المرجعي'' الذي انبنت عليه النظرية الماركسية- الليلينية و بخاصة خلال حقبتها الستالينية السوداء .
العولمة، فجر كاذب.
إن صورة أداء الدول النامية ، باستثناء ما ينعت ب "الأسواق الصاعدة"، منذ حلول عهد العولمة ليست صورة مشرقة على العموم - و إن كانت تعكس هنا و هناك ثلة من ''التجارب الناجحة'' (success stories) من بينها التجربة التونسية. إن التحاليل و التقييمات المتواترة و الصادرة عن كبريات المؤسسات الدولية مثل البنك العلمي و صندوق النقد الدولي و الأمم المتحدة و غيرها لتؤكد سنة بعد سنة على التدهور المتعاظم الذي بات يميز الأوضاع التنموية و البشرية في معظم الأقطار الجنوبية و بخاصة في إفريقيا السوداء و جنوب آسيا و بحر الكريبي و في أصقاع أخرى من بلاد العالم الثالث. كما أن أجزاء جنوبية متقدمة صناعيا و ميسورة ماليا و مندمجة اندماجا شبه كلي في منظومة العولمة - نعني الاقتصادات أو الأسواق الصاعدة- واجهت هي الأخرى منذ أواخر 1994 سلسلة من الأزمات المالية و النقدية و البرصية العنيفة التي قوّضت أركان منظوماتها الاقتصادية و الاجتماعية و شردت أعدادا غفيرة من مواطنيها - بدء بما حدث في المكسيك في ديسمبر 1994 و مرورا بما جرى في جنوب شرق آسيا (اندونيسيا و كورية الجنوبية و تيلاندا و ماليزيا) خلال صيف 1997 ثم في البرازيل في أعقاب 1999 و انتهاء بما استجد في تركيا و الأرجنتين في نهاية 2001-- بداية 2002.

الموقف التسويغي- التسويفي للخطاب العولماتي.
و يرّد الخطاب النيو-ليبرالي على نقاده بخصوص هذه التطورات السلبية التي تراكمت خلال الدفعة الأولى من العولمة، يرد كما يلي : أولا) إن نصيبا مهما من هذه النتائج غير المحمودة المسجلة على الساحة الجنوبية راجع إلى سوء القيادة (la mal-gouvernance) الاقتصادية و السياسية في البلدان المتضررة و الناجم بدوره عن عجز إصلاحي كمي و نوعي كما تفرضه مقتضيات الحداثة الثانية - و ذلك على مستوى المؤسسات المحلية – العمومية منها و على رأسها الدولة و جهازاها التنفيذيان: الحكومة و الإدارة المركزية- و الخاصة- قطاع الأعمال بكل روافده الصناعية و المالية و المصرفية و التجارية. كما يعزى جانب غير قليل من هذا العجز الإصلاحي إلى الجمود و إلى مقاومة التغيير الفطريين الذين تتسم بهما ثقافة الدولة القومية و السيادة الوطنية في العديد من الأقطار المعنية. ثانيا) إن استشراء الفقر الذي غدا يطال مساحات متنامية من الكرة الأرضية و فئات اجتماعية جديدة من المواطنين و كذلك الانتشار المذهل للهزات المالية و النقدية و البرصية في القارة الواحدة بل عبر القارات ليعكسان في الواقع إفرازا '' طبيعيا'' من إفرازات الزمن الحداثي الثاني و المتمثل في عولمة المخاطر كما بيناه سابقا.
و يؤكد الخطاب النيو-ليبيري على أن مثل هذه التشوهات (distorsions) التي لم يعد من الممكن إنكار خطورتها أو غض الطرف عنها لا تدين في الواقع العولمة من حيث سلامة مبادئها و قيمها بل إنها تعكس بعض الممارسات المخطئة – بما فيها التشبث بمفاهيم ماضوية للدولة القومية و السيادة الوطنية-
مصداقية العولمة في الميزان.
هذا هو الكلام الذي أضحت تردده القيادات المعتلية عرش السلطة و النفوذ في منظومة العولمة- حكومات (مجموعة السبع) و منظمات دولية (البنك العالمي و صندوق النقد الدولي و المنظمة العالمية للتجارة) و قطاعا خاصا معولما ( أسرة المؤسسات متعددة / عابرة الجنسيات ). إلا أن احتكار الدول الشمالية لنعم العولمة و الحداثة و المعرفة المرقمنة من جهة و احتكار الدول الجنوبية لنقمها المتمثلة في الآفات المعولمة كما أصبحت تنعت: الفقر و مشتقاته و التردي البيئي و الأمراض الوبائية و الاهتزاز المالي (l’instabilité financière) والإجرام الخ. من جهة ثانية جعلا الخطاب النيو- ليبرالي يفقد كل مصداقية أو يكاد لدى جمهور البلدان النامية بخاصة في ضوء النتائج المحبطة التي أفرزها تحرير التبادل التجاري تحت مظلة المنظمة العالمية للتجارة. و سرعان ما تحول الإحباط إلى نقمة و أدى إلى قيام حركات احتجاج و تنديد و إدانة علنية حيال 'الاقتصاد الجديد'' ورموزه.
مركزية قضية السيادة الوطنية في الحركات المناهضة للعولمة
طلائع المناضلين ضد العولمة: غياب الحكومات و زعامة المجتمعات المدنية.
و لعله من المهم أن نتوقف هنا قليلا قبل أن نواصل حديثنا لنتساءل بخصوص الفعاليات التي أضحت تجسم و تتزعم و تقود الحركات المناهضة للعولمة و لنتساءل كذلك بخصوص المبادئ و القيم التي تؤسس ''الخطاب المعادي للعولمة'' (le discours anti-mondialisation)..
إن الملاحظة الأولى التي نود تقديمها في هذا السياق هو أن القيادات السياسية العليا- أي الحكومات- في بلاد الجنوب المعنية بما في ذلك مكوناتها الأكثر فقرا و إقصاء- لا وجود لها أو يكاد ضمن طلائع حركات الاستنكار و التنديد التي أشرنا إليها سابقا. - أ كان ذلك على المستوى الفكري أم على المستوى السياسي أم على المستوى الميداني. إن الأسباب التي تقف وراء هذا الغياب ترجع في الواقع أ) إما لقناعة القيادات المعنية بتفوق المذهب النيو-ليبرالي على أي نظام تنموي بديل. و نجد أمثلة من هذه القيادات موزعة على طول و على عرض شريط البلدان الجنوبية و بخاصة في أمريكيا اللاتينية. المكسيك، الأرجنتين، البرازيل، الشيلي. ب) و إما ل ''واقعية'' ولـ ''براغماتية'' ( le pragmatisme) تلكم القيادات الحريصة قبل كل شيء على تزويد برامجها التنموية بما تحتاج إليه من موارد مالية و تكنولوجيات و خبرات و أسواق التي تتوفر في البلدان الشمالية دون سواها. وهذا شأن أغلبية القيادات الجنوبية.

فلا غرو إذن إن تزعمت المنظمات غير الحكومية تحت عنوان ''المجتمعات المدنية'' بأشكالها و حساسياتها المتنوعة بل المتباينة غالبا - إن تزعمت حملات الاستنكار و التنديد و الاحتجاج حيال العولمة و أخواتها و مشتقاتها داخل أوطانها في الأول ثم على مستوى دولي في مرحلة ثانية ضمن حركات تطورت مع الزمن من مجرد مظاهرات عفوية فوضوية سلمية و أخرى عنيفة لا رأس و لا ''أجندا'' لها إلى تنظيمات مؤطرة مثل التي تعرف تحت عنوان ATTAC إلى إنشاء ''منتدى اجتماعي عالمي'' أو ما أصبح يسمى ب ''قمة برتو أليغر''.
أما الملاحظة الثانية التي نود أن نسوقها هنا هو أن ''أجندا'' المنتدى الاجتماعي العالمي كما نلحظه من واقع ''قمة'' بورتو ألغر I ( جانفي 2001) و ''قنة'' برتو ألغر II (جانفي- فيفري 2002) مثقل ببنود متعددة جاءت لتعكس الحساسيات و الحركات و التنظيمات المتنوعة المنضوية تحت راية ما يسمى ب ''المجتمع المدني الدولي''. هذا و لا يزال المنتدى الاجتماعي العالمي بعد مرور عقد كامل من الزمن على تأسيسه - لا يزال يبحث عن هويته. هل هو رفض مطلق و مبدئي لكل شكل من أشكال الليبرالية بل لكل ضرب من ضروب الحداثة في مدلولها التنويري الغربي؟ أم هو حركة جنوبية من أجل استبدال العولمة الرأسمالية المجحفة التي يروج لها نظيره الشمالي، ''المنتدى الاقتصادي العالمي'' المعروف ب ''منتدى دافوس'' - استبدالها بعولمة أخرى ''ذات وجه إنساني'' (une mondialisation à visage humain) ؟ أم هي أبعد و أعمق من ذلك- ثورة ''الجماعي أو الجمعي'' (le collectif) ضد ''العولماتي '' (le global) و ''الخاص'' و ''الوطني'' معا؟
لقد أضحى المنتدى الاجتماعي العالمي مزيجا من كل هذه التيارات و النزعات السياسية و الأيديولوجية و الثقافية المعتدلة / المتطرفة، الإصلاحية/ الثورية معا بل و موطنا لمناورات إنتخابوية (manœuvres électoralistes) غربية مستغلة القضايا الجنوبية المطروحة و متبنية إياها لخدمة مآربها الخاصة كما حدث ذلك خلال قمم "العولمة المضادة" أو "العولمة البديلة" المتعاقبة منذ بداية القرن الحالي و التي اعتاد أن يؤمها عدد مهم من كبار السياسيين الغربيين، من ضمنهم بعض المرشحين للانتخابات رأسية أو غيرها.
إلا ما يهمنا هنا على وجه الخصوص هو نزوع الخطاب الجنوبي المناهض للعولمة نحو تبني قضية الدفاع عن السيادة الوطنية الجنوبية المعطوبة و المقهورة باسم مجموعة الشعوب المستضعفة لا باسم الدول –الأوطان التي تنتمي إليها. و هكذا غدا المنتدى الاجتماعي العالمي يروج ل ''سيادة جنوبية جمعية'' (une souveraineté Sud collective) تمثلها الشعوب السليبة دون سواها، معلنا في ذات الوقت أن الدول و الحكومات و البرلمانات وغيرها من المؤسسات الدستورية الوطنية - فضلا على الفعاليات الأخرى التي تشكل أطرافا مهمة مما سميناه أعلاه ب ''الفضاءات السيادية''- لم يعد لها حق أو شرعية كانت لتمثيل السيادة الوطنية بما أنها أصبحت لا تجسد مصالح الشعوب و طموحاتها. إن مثل هذه النظرية التي تتموقع بين الفلسفة السياسية الروسوئية و المذهب الفوضوي اللذين تعرضنا إليهما سابقا في حديثنا تنطوي على مخاطر و على مجازفات يجب التنبه لها. فبقدر ما نؤيد و نبارك كل أشكال النضال من أجل قيام نظام تنموي عالمي سليم من التشوهات و من المظالم و من الإقصاءات التي رافقت - و لا تزال- العولمة منذ نشأتها، بقدر ما نرى ضرورة اعتماد نهج الحيطة و الحذر حيال الانحرافات المحتملة التي ينذر بها الخطاب السياسي الجنوبي في صيغته البرتو ألغرية- إن صح هذا التعبير. هذا وحتى و إن اعتبرنا أن مسألة السيادة الوطنية و الدولة- الوطن مدعوة إلى التطور شكلا و محتوى كما بيناه سالفا وكما سنؤكد عليه لاحقا في ضوء المستجدات الأخيرة على الساحة الاقتصادية و السياسية و الأمنية العالمية، فان أطروحة ''السيادة الشعبية الجنوبية'' الموحدة التي يروج لها المنتدى الاجتماعي العالمي تبقى في نظرنا لا وهمية فحسب بل و كذلك خطيرة على التوازن المؤسساتي و الاستقرار السياسي و الممارسة الديمقراطية في مشارق ومغارب البلاد الجنوبية على السواء.
IV
من العولمة إلى العالمية إلى القولبة القارية.
لقد دأب المحللون الاقتصاديون على التنويه بالسمة التطورية (le caractère évolutif) التي تمتاز بها ظاهرة العولمة. فمنهم من يرى أن الظاهرة يرجع تاريخها إلى القرن التاسع عشر ميلاديا حيث كانت المبادلات السلعية و الخدمية و الرأسمالية و كذلك البشرية تنساب عبر القارات حرة طليقة في حدود التسهيلات الاتصالية المتاحة آنذاك - حتى الحرب العالمية الأولى. و منهم من يعتبر أن انطلاق العولمة تزامن في الواقع مع نهاية الحرب العالمية الثانية و منهم من يرتئ أن العولمة جاءت نتاجا مشتركا لتقنين تحرير المبادلات التجارية لأول مرة في التاريخ و لرقمنة المعلومات و الاتصالات المكثفة و المتسارعة منذ بداية النصف الثاني من عقد التسعينات تقريبا. ثم تطورت العولمة في مرحلة لاحقة إلى ''عالمية'' (mondialisme) أو ''قولبة قارية'' (globalisation) لما استولت المؤسسات متعددة الجنسيات على الكون و انتزعت مقاليد السلطة و النفوذ من أيدي الدول و الحكومات، معلنة هكذا عن نهاية القوميات و الأوطان و الدول و السياسة معا.
محاولة تغييب الدولة و السياسية، محاولة فاشلة.
إلا أنه سرعان ما تبين أن محاولة تغييب الدولة و السياسة - و لا نقول القوميات و الأوطان- تغييبا كاملا أو شبه كامل لأول مرة في التاريخ- من الفضاءات القرارية (les espaces décisionnels) المعولمة ثم العالمية (mondialistes) أو المقولبة قاريا (globalisés) كانت في الواقع محاولة فاشلة.

فعلى الصعيد الشمالي، لا تزال ما سميناه أعلاه ب ''الفضاءات السيادية الوطنية ' قائمة بكل فعاليتها العمومية وغير العمومية من ضمنها الدولة السياسية. و حتى و إن اعتبرنا أن جانبا مهما من صلاحيات الدولة السياسية هناك أصبح محصورا في وظيفة تحكيمية une fonction d’arbitrage) بين مصالح فئوية متناقضة، فان دور الدولة هناك لا يزال دورا مرموقا.

أما على الصعيد الجنوبي، فلقد بات من الواضح كذلك أن التنمية المنشودة في ظل هذا الزمن الحداثي الجديد : التنمية المتفتحة و العصرية و الناجعة و الشاملة و العادلة و المستديمة معا لا تستقيم و لا تتحقق إلا إذا كانت وراءها دولة مستقرة مسؤولة جادة إيرادية عصرية و ديمقراطية معا. لقد بدأت أدبيات البنك الدولي، أحد الرموز الرئيسية للنيو-ليبرالية المعاصرة، - بدأت منذ أواسط التسعينات تروج لضرورة إعادة الاعتبار لدور الدولة في التنمية و تؤكد على أهمية ما تسميه ب ''تملك التنمية'' ( l’ appropriation du développement) أي تمكين الدول النامية من حق تقرير خياراتها و سياساتها التنموية تقريرا حرا و ديمقراطيا معا . و كأن البنك الدولي غدا معترفا هو الآخر بحق الدول النامية في السيادة التنموية الوطنية بعد ما قاوم على امتداد نصف القرن أو أكثر تأميم الممتلكات الأجنبية في تلكم الربوع باسم ''السيادة على الموارد الطبيعية''.

عجز اقتصاد السوق عن احتواء و معالجة الكوارث المعولمة.
لقد مثلت تراكم التداعيات السلبية للعالمية و القولبة القارية خلال العقدين الأخيرين منعرجا جديدا و مهما في موقف القيادات الشمالية حيال دور الدولة و السياسة. لقد تميزت السنوات القليلة الماضية من هذا العمر الحداثي الثاني باستفحال المعضلات و المخاطر و الكوارث ذات الطابع الكوني استفحالا جنونيا. و جاء هذا التفاقم ليؤكد بلا ما لا يدع مجالا للشك على عجز النيو-ليبرالية عموما و نظام اقتصاد السوق خصوصا عن احتواء ومعالجة التشوهات و الانحرافات عابرة القارات التي باتا يفرزهما بأنساق متعاظمة. فمن استشراء الفقر و البؤس و المجاعة و الإقصاء و البطالة و التشرد، إلى التردي البيئي بكل روافده، إلى تفشي الأمراض الوبائية - و مرض السيدا الملعون على وجه الخصوص- إلى نضوب الموارد المائية، إلى انتهاك حقوق الإنسان و حرياته الأساسية، إلى ازدهار تجارة الأسلحة المدمرة و المخدرات و تبييض إيراداتها عن طريق ''الفراديس الضريبية'' ،(les paradis fiscaux) ، إلى انتشار الحروب العرقية و الدينية و الأسلحة، إلى تقويض المنظومة المالية و النقدية والبرصية الدولية، جاءت كل هذه الإفرازات لتؤكد على ضرورة تأطير اقتصاد السوق المعولم و ترشيده (régulation) و احتواء مخاطر استهتاره و معالجة تشوهاته . هذا و لئن لا تزال النظريات متباينة فيما يتعلق بنوعية الآليات و الطرق المطلوب اعتمادها للغرض ، فان كل المشاريع المتداولة حاليا بهذا الخصوص لتؤكد على أهمية دور الدول و الحكومات و السلطات الوطنية عموما في سن السياسات الترشيدية المبتغاة ضمن تعاون يجمع بين المؤسسات العمومية الوطنية و المنظمات الدولية المختصة و الأمم المتحدة و القطاع الخاص الوطني و ما فوق الوطني ( الشركات عابرة القارات) و المنظمات غير الحكومية.
نحو إنشاء فضاءات قيادية- سيادية وطنية و أخرى معولمة جديدة.
و لقد جاء هذا التوجه و كأنه إعلان عن قيام فضاءات قيادية- سيادية وطنية و أخرى دولية جديدة لتدبّر شؤون التنمية المحلية من جهة و معالجة القضايا المعولمة المذكورة من جهة ثانية.
غير أن هذا النموذج القيادي- السيادي الجديد يحتاج، على المستوى الوطني، إلى مأسسة النفوذ السياسي ودمقرطة ممارسته و احترامه المطلق للحريات و للحقوق الفردية، كما يفترض، على المستوى الدولي، التعاون والتضامن و التسامح و الترابط (interdépendance) الصادق و الفعال بين الشمال و الجنوب.
و في هذا الصدد يالذات، فإنه لمن الواضح كذلك أن المشاريع الدولية المروجة حاليا بخصوص احتواء و معالجة المخاطر الكونية بأنواعها لا تستجيب في الواقع في هذا الصدد بالذات لمتطلبات الشراكة و التضامن و الترابط المنشود. إن الطاقم المخطط لتلكم المشاريع لا يزال الشمال الأمريكي - الأوروبي- الياباني - حكومات وبنوكا مركزية و برلمانات و قطاعا خاصا- و الجهات المكلفة بصياغتها ثم بتنفيذها إذا ما كتب لها أن تبعث إلى الوجود لا تزال ذاك الرباعي المهيمن على شؤون تمويل التنمية ( البنك الدولي) و على برامج الإنقاذ العاجل لصالح الأقطار المتأزمة ( صندوق النقد الدولي) و على تحرير تبادل السلع و الخدمات عبر القارات ( المنظمة العالمية للتجارية) و على الموازنات الأمنية الدولية من منظور القوى العظمى دون سواها (مجلس الأمن للأمم المتحدة)- منظمات يقال أنها متعددة الأطراف. شكلا ، نعم لكن مضمونا، لا. و هكذا امتازت تلكم السياسات الإصلاحية فيما امتازت به بتغييب شبه كلي للدول الجنوبية - أ كان ذلك على مستوى التخطيط أو على مستوى التنفيذ.
أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 و تفعيل دور الدولة و السياسة على المستويين الوطني و الدولي .
إلى أن جاء خريف الغضب، خريف 2001 التعيس... لقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 البائسة و المتمثلة في الهجوم الإرهابي المباغت على برجي مدينة نيويورك الشهيرين منعرجا آخر في وظيفة الدولة و السياسة ضمن الفضاءات السيادية التي كنا أشرنا إليها سابقا. لقد كان الزلزال الذي تفجر الخريف الماضي في أحشاء رمز الرأسمالية العالمية و التقدم التكنولوجي و المعرفي و النفوذ العسكري و المناعة الأمنية - لقد كان هذا الزلزال من منظور أمريكيا المتضررة ما يشبه ''حربا عالمية ثالثة'' . إننا لا نود أن نناقش هنا إن كان مثل هذا التعريف لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تعبيرا صائبا أو مخطئا. إلا أن الحقيقة التي جاءت تلكم الأحداث لتؤكدها تأكيدا لا يحتمل شكا هي أن الإرهاب غدا قادرا على عبور القارات دون عناء و على تدمير المنشآت الاقتصادية و المباني الحكومية مهما شمخت و على قتل الأرواح البريئة بالجملة في أية بقعة من بقاع المعمورة بما فيها حصونها المحصنة بأحدث التكنولوجيات الوقائية و الأمنية في العالم. فمن هذا المنطلق، الإرهاب حرب و الحرب تحتاج إلى قيادة و قيادة الحروب بأبعادها العسكرية و الاقتصادية و الاجتماعية هي وظيفة سياسية موكلة للدول دون سواها .
و هكذا جاءت الحاجة لمقاومة الإرهاب المعولم لترفع من مكانة الدولة و من مكانة ''السياسي'' عموما ضمن الفضاءات السيادية الوطنية التي تحدثنا عنها سابقا كما يتجلى من النموذج القيادي الأمريكي ما بعد أحداث الحادي من سبتمبر حيث تدعم التدخل الحكومي المركزي على المستوى الاقتصادي عن طريق ضخ مبالغ مالية عمومية مهمة في النشاطات الإنتاجية المتضررة و في برامج الإنقاذ و الإغاثة الملحة - فضلا على التعديلات النقدية التي اعتمدها البنك المركزي الأمريكي و المتمثلة في تخفيض أسعار الفائدة. كما تدعّم التدخل الحكومي المركزي على مستوى الإجراءات الأمنية الداخلية بما في ذلك تشديد الرقابة على شبكات الاتصال الرقمي وغير الرقمي. و لقد نسج العديد من الدول الأخرى في الغرب و في الشرق على ذات المنوال و بخاصة فيما يتعلق بتشديد الإجراءات الأمنية و الرقابة على وسائل الاتصال التقليدية و الحديثة.
إلا أن المسألة التي باتت ملحة في ضوء هذه التطورات هي إن كانت الفضاءات القيادية الدولية المشتركة التي نوهنا بها سابقا ستتحول فعلا أم لا إلى فضاءات قيادية عالمية شراكتية متكافئة حقا تفتح المجال لمساهمة دول الجنوب على مستويات التخطيط و القرار و التنفيذ فيما يتعلق باحتواء و بمعالجة المخاطر و الكوارث ذات الصبغة الكونية و التي تهدد أمم الأرض و شعوبها كلها- أغنياءها و فقراءها، أجيالها الحاضرة و أجيالها اللاحقة على السواء.
أ سمينا هذا النموذج القيادي العالمي المنشود ''عولمة ذات وجه إنساني'' أم ''منظومة للتنمية المشتركة'' ( un système pour le co-développement) شمال-جنوب أم شيئا آخر، ليس هذا المهم. إن جوهر القضية التي نرفعها هنا هو إن كانت أحداث سبتمبر الأسود ستحدث تلكم الصدمة الصحية (ce choc salutaire) المنشودة بل و الملحة في العلاقات الدولية - مفهوما و ممارسة- حتى يحل الأمل محل اليأس و النمو و الرخاء محل التخلف و الإقصاء و يحل العدل و الحريات محل الظلم و الاستبداد و الأمن و الاستقرار محل الإرهاب و الدمار في ربوع المعمورة كلها.

فإذا كانت صدمة الحادي عشر من سبتمبر صدمة صحية بهذا المدلول، و غدا العالم يحتكم للقيم الإنسانية السرمدية لا لقيم اقتصاد السوق و أخواته، فان قضية السيادة الوطنية، بالمفهوم الذي أوردناه أعلاه، تكون قد اكتسبت أبعادا جديدة، أبعادا حداثية تنأى بها عن ذالكم الجمود و عن ذالكم الإحباط و عن ذالكم العقم الذي لازمها منذ أمد طويل.
---------------------------------------
لقد تساءلنا في مقدمة هذه التأملات إن كان هناك مجال لإضافة فقرة رابعة لهذا الحديث- تساءلنا قائلين ما يلي: '' و حيث أننا نعتقد أن هناك حاجة ملحة في البحث عن سبل استبدال الصراع بميثاق و النزاع بعقد يؤسس لعهد حضاري، لعهد إنساني جديد حقا يصالح بين توقنا إلى الحداثة و المعرفة و التقدم العلمي و التكنولوجي والانفتاح على الغير و حرصنا على صون قيمنا و خصوصياتنا الذاتية -كل ذلك ضمن منظومة عالمية توفر كل أسباب الكرامة و الحرية و الديمقراطية و العدالة و المساواة و التضامن و الرخاء و الأمن و الطمأنينة لشعوب الأرض كلها، فسيكون لنا بالضرورة فقرة رابعة ننهي بها رحلتننا عبر الجدلية التي اخترناها موضوعا لهذا الملتقى، محاولين ألا نختتم هذا الحديث ببريق من الشؤم بل ببريق من الأمل- و إن كنا نجهل إن كانت الأحداث القادمة ستحققه لنا أم ستحوله إلى وهم آخر من بين الأوهام المفقودة ( les illusions perdues) التي أضحت سمة من سمات هذا العمر الذهبي الموعود.''
فبعد كل هذا التحليل الطويل و التجوال المضني في ثنايا قضية السيادة الوطنية و العولمة، لا نزال نجهل ما تحمله لنا الأحداث القادمة. إن تبعات الخريف الأسود لعام 2001 - السياسية منها و الاقتصادية و الأمنية والعسكرية- على الصعيدين الأمريكي و العالمي معا لم تفتأ تتواتر و تتراكم يوما بعد يوم، ملقية بظلالها على مجرى حياة الشعوب في غير قطر من أقطار المعمورة و منذرة بإعادة تأسيس العلاقات الدولية شمال- شمال وشمال- جنوب و جنوب- جنوب على مقاييس و على تحالفات و على قيم يقول البعض عنها أنها بمثابة صياغة لنظام عالمي آخر قائم على تصنيف الدول بين دول ''شريرة'' و أخرى ''فاضلة'' (vertueuses).
لقد كان لنظرية ''محور الشر'' (l’Axe du Mal) التي الرئيس جورج بوش الوقع العميق في عواصم الدنيا كلها. أ كان الإرهاب الدولي بكل روافده ''شرا'' يجب مقاومته، فهذه حقيقة بل و متطلب لا يختلف حولهما اثنان شريطة أ) ألا تنفرد دولة ما مهما عظم شأنها و كبرت مصائبها بتعريف الإرهاب – الدولي و غير الدولي وبتحديد طرق و وسائل محاربته. ب) ألا ينحصر مفهوم ''الشر'' الذي تتعرض له البشرية في الإرهاب مهما كانت بشاعته و مفهوم ''الخير'' في مجرد غيابه أو الالتزام بمقاومته بإمرة أمريكيا. إن الإرهاب كارثة من بين الكوارث المعولمة المتعددة و بندا من جملة البنود الملحة المدرجة في ''أجندا'' المجموعة الدولية و التي تحتاج إلى معالجة جماعية تضامنية من قبل أسرة الدول كلها.


Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010