



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
أبو يعرب: 17/01/2009
أسئلة الأخوة الكرام:
هيثم حمدان وحسن نوفل ومحمد أمين رضوان
والجواب عليها
تمهيد:
قبل كل شيء أقدم اعتذاري للأخوة هيثم حمدان وحسن نوفل ومحمد أمين رضوان عن تأخري في الجواب عن أسئلتهم. وآمل أن يقبلوا عذري إذ هم يعلمون أن المشاغل كثيرة والوقت قصير. كما أود أن أنوه إلى أن أجوبة الأستاذ حليم مدة غيابي هي مما أرضى عنه وأدعم كل ما جاء فيه. فليس من واجب الطالب أن يكرر كلام أستاذه حكمه وتحليله بل المهم أن يكون كلاهما مجتهدا بالشروط المنهجية والخلقية الواجبة. ففي تنوع الحلول والأساليب والمناهج ثراء لا يقدر. وذلك هو الخيار التربوي الذي أومن به بل هو عينه ما فسر ابن خلدون بضده انحطاط الأمة الإسلامية <مع العنصر الثاني من صورة العمران أعني الدولة التي فسدت فساد التربية فأفسدا مادة العمران أعني الإنتاج الرمزي أو الثقافة والإنتاج المادي أو الاقتصاد>.
ولعل جوهر الخلاف مع الساعين إلى إحياء الفتن هو هذا المنظور التربوي الذي يستند إلى الطاغوت الفكري ويعتبر المتعلم تابعا للمعلم ولا يفهم أن المعلم هو بدوره متعلم حتى وإن كان أحيانا أكثر خبرة من طلبته في مجال محدود هو مجال الاختصاص الذي يدربهم عليه. المشكل الجوهري في تخلفنا هو عدم الانتقال إلى النظام التربوي التحرري والتخلص من النظام الاستبدادي في التربية والسياسة: وذانك هما الاستبدادان اللذان أراد ابن خلدون فهمهما ليفهم من خلالهما العلل التي آلت بالمسلمين إلى التخلف والانحطاط. ولما كنت كلي ثقة في رجاحة عقل الأستاذ حليم وسداد رأيه وعمق رويته فإني قد نوبته في الجواب بدلا مني كلما حالت دوني الظروف والاستجابة لرغبة السائلين. وما حصل في أجوبته الفلسفية كان كما أنتظر منه دائما ملتزما بالقيم المشتركة بين العقلاء والمؤمنين ومستأنسا بالمنهجية المتروية فجزاه الله خيرا وزاده من نعمه.
وسأجيب بصورة تصل بين سؤالي الأخ هيثم حمدان وسؤالي الأخ محمد أمين رضوان بصورة مترابطة العناصر للترابط بين ما يطلبانه. فما يطلبه الأخ حمدان من منطلق فائدة الكلام يطلبه الأخ رضوان من منطلق فائدة التأويل. فيكون علاج ثاني السؤالين اللذين يطرحهما الأخ رضوان شرطا منهجيا<مسالة التأويل> في علاج ثاني السؤالين اللذين يطرحهما الأخ حمدان. والأول من سؤالي كلا السائلين لا أجيب عنه إلا عرضا لكونه يتعلق بعرضيات المواقف وليس بالقضايا الفلسفية التي تهم المطلوب العام في مباحثنا حول شروط النهوض واستئناف الدور الكوني للأمة.
فإذا كان الكلام على التأويل جزءا من الكلام في فائدة الكلام قبولا أو رفضا فإنه يكون من الواجب الربط بين الأمرين ربطا يجعل مسالة التأويل شرطا في فهم مسألة منزلة الكلام. وإذا كان علاج مسألة التأويل شرطا في علاج مسألة الكلام فإنه لا بد من جعلها المسألة الشاملة لكل وجوه الكلام العائدة إلى أصلها التأويلي. لذلك خصصت لهذا الأصل حصة الأسد من الجواب. ويمكن في هذا التمهيد أن أطمئن الأخ رضوان في مسألة الجمود: فالخشية من وقوعه علتها عدم التمييز بين أصناف التأويل أعني الخلط الكلامي بين عمومه اللساني وخصوصه المعرفي.
فعند تعيين طبيعة التأويل المرفوض في المجال المعرفي لا اللساني سيتبين أن الجمود لن يحصل. ذلك أن التأويل المقبول في المستوى المعرفي يشمل كل ما يقبل العلم القابل للتثبت منه ولا يستثني إلا ما يبعد عن الحركة التاريخية الفعلية ليعوضها بالمناقشات البيزنطية حول ما لا يمكن للحسم العلمي أن يحصل فيه لأنها ليست من مجال المعرفة أصلا. والتخلص من البيزنطيات الكلامية هو سر كل إبداع في ما يمكن للإبداع أن يكون فيه ذا معنى: فهم معنى الوجود من خلال التفكر في آيات الأنفس والآفاق وصلتهما بالله مع السعي إلى تحقيق شروط التكليف والاستخلاف أعني أداء الأمانة التي هي حقيقة الوجود الإنساني. كما سأقدم جوابا سريعا عن سؤالي الأخ حسن نوفل بالاعتماد على إحالات من أعمال أخرى يمكن أن توفي أسئلته ما تستحقه من عناية.
الأسئلة:
سؤالا السيد رضوان
1-أتابع أنا وعدد من أصدقائي المهتمين بالفكر الإسلامي كتاباتكم باهتمام. ولي عند حضرتكم مطالب صغيرة. وهي اختصار ردك على أسئلة الأستاذ غسان وجعله مباشراً لكي نفهمه جيدا. لأن متابعة ردك كان متعباً ولم نقف فيه على جواب مباشر على استفساراته.
2-ومن جهة أخرى قرأت لك ولطلابك في هذا الموقع الكريم أن علم الكلام له فائدة في الرد على المشككين وشيء من هذا القبيل. فما رأيك في هذا الموضوع. لأننا نريد التوفيق بين محاربتك لعلم الكلام وقولك هذا. وشكرا جزيلا لك.
سؤالا السيد رضوان
* سؤال أول يجيبني عنه الأستاذ أو أحد كتاب الموقع : هل تتساوى عندكم مدارس علم الكلام التي ترون فيها الزيغ والفتنة ؟
* سؤال خاص لو يتكرم الأستاذ فيجيبني رغم ضيق وقته كما فهمت: ما هي الشروط التي تجعل الاحتراز من التأويل لا يتحول إلى ضرب من الجمود إذا ما اعتبرنا التأويل "ذهنية" وليس مجرد "آلية" ؟
الجواب عن أسئلة الأستاذين هيثم حمدان محمد أمين رضوان
أخوي الفاضلين:
المطالب ليست صغيرة مهما استصغرناها. إنها حقا كبيرة. وسأكتفي بالجواب عن السؤال الثاني من المجموعتين لأن السؤال الأول أجاب عنه ابني حليم في رده على تعليقات الأستاذ طوقان. وليس عندي ما أضيفه لما قاله ملخصا وموضحا فضلا عن كون تلخيصه قد أحال على الشرح المستفيض لابني المنصوري وكذلك بعض ما ورد في بحوث ابني المحمودي. فدونكما وما كتبوه فهو شديد الوضوح. وإني لشاكر لله نعمته على ما أمدهم به من وضوح العبارة ودقة الإشارة.
أخوي الفاضلين أنا لا أحارب الكلام. لو فعلت لكنت ممن يحاربون نواعير الطواحين وكاريكاتور العلماء. فالكلام بمعناه المدرسي انتهي عند الأمم الحية وعوضه كلام من جنس آخر وضع في موقع الله بديلا منه بين علة موت الكلام. ومعنى ذلك أن ما كان باطنا من حقيقة الكلام صار ظاهرا. فالكلام في حقيقته يعود إلى منهجه وقانونه وكلاهما يبين أنه تأنيس للرب كان ضميرا في كلام القرون الوسطى وصار صريحا في عصرنا وخاصة عند الغربيين.
وقبل علاج هاتين المسألتين العلاج النسقي والمعمق أود أن أشرح بسرعة معنى القبول المشروط بالكلام. فمنذ أن قبل الكلام في الثقافة السنية أعني مباشرة بعد تخلي الأشعري عن الانتساب إلى الاعتزال كان تعليله بوظيفته الدفاعية على السنة. لكن من حدد معنى الدفاع المقصود هو الغزالي بداية وابن خلدون غاية. وطبعا فإني لن أقدم في هذه العجالة كل الأدلة التي تكفل بها ابناي المنصوري والمحمودي بصورة نسقية وعالجها عرضيا ابناي حليم والراجحي. وحاصل الاستدلال الذي تجدانه في غير موضع من أعمالي هو أن كلا الرجلين يعتبران الكلام من جنس المحظورات التي تبيحها الضرورات. وتنقسم الضرورات المبيحة للكلام إلى نوعين:
داخلي نفسي: كيف نعالج متشككا في العقائد بالجدل الكلامي بشرط ألا ينتقل من الجدل بالحكمة والموعظة الحسنة إلى ما يعرف به الأسلوب الكلامي من التنابز والصراع الذي يذمه الغزالي في كلامه على المذموم من العلوم في الباب الرابع من الكتاب الأول من الإحياء.
خارجي مذهبي: كيف نرد على مشكك في العقائد من أعداء الدين سواء كان مندسا في الجماعة أو من الجماعات المنافسة التي من دين مغاير. وهذا النوع الثاني هو الذي طغى فألغى النوع الأول أو كاد. وهو في الحقيقة لم يلغه لرغبة من أصحابه بل لأن الكلام ينتهي دائما وبمقتضى طبيعته إلى ما وصفه به القرآن الكريم: الانقلاب إلى تأويل المتشابه ومن ثم إلى تأسيس سلطان كنسي في المجال العقدي فيصبح مصدر الفتنة لكونه في الحقيقة صادرا عن زيغ القلوب.
وحتى أحلل هذه المعاني فأبين أن هاتين الحجتين لقبول الكلام قبول المحظور الذي تبيحه الضرورة ليستا صحيحتين < أي إن الكلام لا يعالج متشككا بل هو يزيده شكا ولا يرد مشككا بل هو يزيده جرأة > فلا بد لي من تحليل نسقي قد يزعج الكثير من القراء ما فيه من نفس فلسفي. لكن ما باليد حيلة. فآخر الدواء هو الكي. وهذا ما أنوي تقديمه في هذا الجواب. فليعذرني القارئ إن وجد في الأمر ما هو أعسر مما اعتبر بحاجة إلى الشرح في الجواب عن أسئلة الأستاذ طوقان. ولنعد إذن إلى مسألتي تعليل فساد الكلام منهجا <قيس الغائب على الشاهد> وقانونا <التأويل> مع إضافة مسألة ثالثة جامعة للمسألتين بالعودة إلى أصلهما العميق هي مسألة التمييز بين مفهوم التأويل اللساني والتأويل الكلامي:
أولا منهج الكلام
رغم أن الكلام قد قسم موضوع بحثه إلى مجالين هما مجال جليل الكلام ومجال دقيق الكلام فإن منهجه واحد: إنه منهج قيس الغائب على الشاهد. وهذه التسمية المزعومة منهجية وعلمية ليس فيها شيء من المنهج والعلم بل هي ليست شيئا آخر غير الموقف الذي يكثر القرآن الكريم من ذمه: موقف هذا ما وجدنا عليه آباءنا أي تحكيم العادة المعتادة في ما يتعالى على كل عادة.
فهذا المبدأ الكريه لا يصح في دقيق الكلام فضلا عنه في جليله. ففي دقيق الكلام يستعمل هذا المنهج بصورتين مختلفتين كلتاهما منافية للمعرفة العلمية. فإذا حصل بصورة غفلة كان مجرد تحكيم للعادة الغفلة ومن ثم فهو طرد ساذج للمعتاد دون دليل على شرعية الطرد. وإذا حصل بصورة تجريبية كما في المعرفة العلمية قبل فهم شروطها النقدية كان مؤداه نفي الحاجة إلى التجربة من الأصل. ذلك أنه لو كان المعتاد قابلا للطرد من دون انتظار الجديد في الغائب بالقياس إلى الشاهد لما بقي الغائب غائبا ولصار شاهدا ومن ثم لما كانت هناك حاجة إلى التجريب الدائم: غيابه هو بالذات هذا الذي لا يقبل القيس على ما في الشاهد.
فإذا كان هذا ما نقوله عن الغائب من عالم الشهادة فما بالك إذا تعلق الأمر بعالم الغيب ؟ وكلا عالمي الكلام لا بد فيهما من الغيب. فأما الجليل فكله من الغيب لأنه يبحث في ذات الله وصفاته وأفعاله. وأما الدقيق فليس شاهدا منه إلا نتائجه وظاهره أما علله وباطنه فكلاهما يعودان إلى الغيب أي إلى صلة عالم الشهادة بعالم الغيب. فهل بعد ما بيناه من الطابع الغفل لقيس الغائب على الشاهد يبقى لمنهج المتكلمين معنى غير ما آل إليه في النهاية؟
إنه في الحقيقة نفي للغيب بل ولكون الله ليس كمثله شيء. إنه في الحقيقة موقف يرى أن كل ما ينسب إلى الله من تعال على المعرفة الإنسانية ليس إلا من صنع الوهم الإنساني خياله أو عقله لا يهم. وقد اكتمل الأمر فصار صريحا في ما يسمى بعلم الكلام الجديد الذي وضع الإنسان في الخانة التي كان يشغلها الله في الكلام الوسيط. وبذلك يتبين أنه لا فرق بين المتكلمين والعلمانيين إلا بين من يستعمل التقية ومن له الجرأة لإبداء ما يخفيه من يبدو ضديده وهو نديده.
وكلاهما أكثر نفيا للمتعاليات من الكلام والفلسفة الغربيين. فهذان وضعا الإنسان مكان الله في بحوثهما لكنهما بخلاف كلام المتعالمين من مفكرينا بدون علم يعلم أصحابهما أن الإنسان نفسه له من التعالي ما يجعله كله أسرار وغيب وخاصة بعد تحررهما من العلم المطلق الذي يتشدق به المتكالمون منا. فأصحابهما قد تجاوزوا أوهام القرون الوسطى حول قدرات العقل الدالة على السخف وقلة المعرفة لا على قوة العقل وحدة الفهم. وهم يفهمون أن المناهج التأويلية ليست للكفر بالمتعاليات كما يتوهم علمانيونا ومتكلمونا الغافلين بل هي للحد من أوهام العلم المطلق وللسعي إلى بيان محدودية المعرفة الإنسانية ببيان أنها في الغاية لا تتجاوز الأحكام المنظورية: وهو معنى الهرمينوطيقا أي التأويل المدرك لمنظوريته ومن ثم لحدود علمه وليس التأويل بالمعنى الكلامي الذي يختزل موضوع تأويله في منظوره وهو معنى قيس الغائب على الشاهد. وذلك هو معنى القول إن الإيمان يتعالى على المناظيرية ولا يمكن أن يرد إلى أي منظور لأنه إسلام الأمر إلى الله جل وعلا.
العلم سواء كان عقليا أو نقليا لا يكون ممكنا إلا برفض قيس الغائب على الشاهد بل واعتبار الشاهد نفسه ليس إلا ظاهرا علينا أن نبحث في ما يكمن فيه من غائب فيكون كل شاهد سؤالا وليس جوابا. والشاهد من حيث هو سؤال هو معنى الآية التي تحيلنا دائما إلى ما ورائها مما يمكن أن يبحث عنها من غيب فيها. فيكون العلم عقليا كان أو نقليا في الحقيقة قيسا للشاهد على الغائب وليس العكس.
فالموجود هو دائما جملة من القرائن والأعراض الدالة على أمر أعمق نبدع منه صورة فرضية لتكون إحداثيات قراءته ثم بعد المقارنة التجريبية بين المنظومة العقلية المبدعة نموذجا تفسيريا أو تأويليا نعيد النظر في ما نشهده لنحدد دلالاته ومعانيه وهكذا إلى غير غاية في اجتهاد العقل البشري لفهم ما يشهده من الظاهرات بالقياس إلى ما لا يشهده ويكفي بافتراضه أو باستيحائه مما أمد الله به الأمة من تسهيل في الوحي إذا تعلق الأمر بمجالات متعالية على الفكر الإنساني بإطلاق.
ثانيا قانون التأويل
قانون التأويل هو الصيغة الثانية من نفس المبدأ أعني مبدأ إطلاق المعرفة الحاصلة دون تعليل لتسهيل تطبيق المبدأ السابق. فإذا وجد المتكلم أمامه عقبة نقلية أو حتى عقلية تحول دونه وطرد ما يتصور نفسه قد علمه من الشاهد يلجأ إلى الحل السحري المسمى تأويلا. قانون التأويل هو التحكم الكلامي لتيسير طرد قيس الغائب على الشاهد: وهو في الحقيقة أداة كذب الخاصة الكاذبة على من جعلوهم عامة بمجرد أن صيروهم يعتقدون أنه يوجد من يعلم الأمور الغيبية ويمكن أن يجيب عن كل سؤال حتى إنك تراهم يفتون في كل شيء بزاد معرفي لا يتجاوز الابتدائية وحتى إن من لم يعد حتى الشهادة الأولى في البحث العلمي يصبح محددا لمعايير المنهج والاجتهاد كشيخ هذا الموقع الذي صارت طلبته تدعوه بمولاي.
كل ما لا يوافق أحكام المتكلم المسبقة عن الشاهد والتي يسميها علما عقليا يطلقها ثم يجعلها المعيار الذي يحكمه في دلالات القرآن ليجيب عن أسئلة كان النبي نفسه يعترف بأنه لا يعرف جوابها. فما وافق جهله الذي يتصوره علما قبله وما لم يوافقه أوله حتى يتحقق التوافق فيدعم شرط الكذب الدائم على الناس المستفتين. فلكي يبقى على سلطانه الزائف البديل من العلم لابد أن يكون له جواب حاضرا على أي سؤال في حين أن العلم هو بالأساس التحير في الجواب وطلبه وليس الجواب اليسير حتى إن البعض صار يفاخر بأنه يكتب كتبه في عشية وردوده على أحد كبار المناطقة والرياضيين من علمائنا فضلا عن العلوم الدينية في نصف ساعة قصدت شيخ الإسلام.
وذلك هو ما يسمونه قانون التأويل: إنه حيلة التدجيل. ومفادها: كيف يمكن أن تجيب عن أي سؤال بغير علم فتغالط الجاهلين لتبقيهم في الجهل شرطا لسلطانك الكاذب عليهم ؟ أولوا الآيات الكونية مثلا في ضوء فلك بطليموس حتى يردوا النقل إلى ما يزعمونه عقلا. ولما تبين فساد نظريات بطليموس أعادوا التأويل. فتكون حقيقة القانون هي عينها أساس دجل القائلين بالإعجاز العلمي: رد النقل إلى ما يزعم عقلا بالتأويل. ولما كان العلم العقلي بالطبع تاريخيا أي إنه لا توجد حقيقة علمية واحدة يمكن لعالم يحترم نفسه أن يزعمها نهائية فإن القرآن يصبح بهذه الصورة تاريخيا ويكون المتكلم وأصحاب دعوى الإعجاز العلمي علمانيين إلى "شوشة رأسهم" كما يقول المثل التونسي.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن القرآن قد نهى عن التأويل وعلل اللجوء إليه بمرضين هما زيغ القلوب وابتغاء الفتنة فإن المتكلم ليس هو فحسب نافيا للمعرفة العقلية السوية بل كافر بالأمر الإلهي إن كان حقا مؤمنا بأن القرآن كلام الله ولم يتحيل لكي يقول إنه من تأليف النبي بحجة التمييز بين الكلام النفسي والكلام اللفظي كما هو بين من تقية الأشاعرة: وقد صدق مجنون بديع الزمان الهمذاني عندما وصف المتكلمين بمخانيث الخوراج. لذلك فينبغي أن نعتبر الأشاعرة مخانيث المخانيث لأن مجنون بديع الزمان وصف المعتزلة بمخانيث الخوراج والأشاعرة هم مخانيث المعتزلة. فيكونون مخانيث المخانيث.
ثالثا: التمييز بين التأويل اللساني والتأويل الكلامي
والمسألة الحاسمة في المضمار هي مسألة جامعة بين المسألتين السابقتين ومطلبها هو التمييز بين التأويل اللساني والتأويل الكلامي <الذي ينسب إلى المعرفي ما ليس منه>. فستجد من يقول لك إن التأويل أمر لا بد منه لأنه من جوهر اللسان: فكل لسان من طبيعة تأويلية وكل كلام إنساني حمال أوجه. ولما كانوا يضمرون أن القرآن مجرد كلام بشري فإنهم يزعمون أنه حمال أوجه وليس بيانا للناس حدد ما يقبل وما لا يقبل التأويل المشروع بتحديد ما نهى عن تأويله التأويل اللامشروع. وهنا نصل إلى ذروة الخلط: فلكأن التأويل من طبيعة واحدة والأوجه المحمولة من جنس واحد.
إن قائلي مثل هذا القول يخلطون بين التأويل الذي هو من جوهر اللغة -وهو محكوم بما يحتكم إليه في مجال التداول البشري أعني بالشاهد من تجاربنا- ومن ثم فهو بالضرورة ما تحدده طبيعة الوظائف اللغوية أعني التواصل في ما يقبل التواصل خبريا كان أو إنشائيا والتعبير عما يقبل التعبير بهما وبما ينتج عن أثر كل منهما في الآخر لأن الخبر فيه بعد إنشائي والإنشاء في بعد خبري حتما. وهذا لا علاقة له بالتأويل المنهي عنه في القرآن الكريم لأنه يتعلق بما لا يقبل التواصل ولا التعبير لأنه من مجال الغيب. وإذن فهم يقدمون على مغالطتين أو ينطلقون من جهلين <من كان منهم على حسن نية>. وفي كل الأحوال فذلك صادر عن الفهم المتسرع للظاهرة اللسانية ولمفهوم التأويل. وكلاهما عالجهما علامة الإسلام ابن خلدون منذ القرن الثامن الرابع عشر كما بينت في غير موضع:
مغالطة أولى حول طبيعة التأويل الخاص بالرمز اللساني.
مغالطة ثانية حول طبيعة التأويل المنهي عنه في القرآن.
المغالطة الأولى:
تتعلق المغالطة بطبيعة الرمز اللساني وما يستوجبه من تأويل للفهم معياره الأول والأخير هو طبيعة الترميز اللساني في صلته بالمشترك الإنساني من التجارب المعيشة والتي لا نسبة بينها وبين الغيب لا من قريب ولا من بعيد. وقد حدد ابن خلدون هذا المعنى في كتابه شفاء السائل بوجهيه فقال" (...) العبارة عن تلك المدارك والمعاني المنكشفة من علم الملكوت (كل الكلام في الصفات والذات من علم الملكوت) متعذرة لا بل مفقودة لأن ألفاظ التخاطب في كل لغة (وهذا معنى تجاوز اللغة والوحدة واعتباره خاصية لسانية) إنما وضعت لمعان متعارفة من محسوس ومتخيل ومعقول تعرفه الكافة إذ اللغات تواضع واصطلاح فلا توضع إلا للمعروف المتعاهد. فأما ما ينفرد بإدراكه الوحد في الأعصار والأجيال فلم توضع له (كل التجارب الروحية والجمالية والخلقية إلخ..) ولا يصح أيضا التجوز بهذه الألفاظ على طريق المجاز إذ التجوز إنما يكون بعد مراعاة معنى مشترك أو نسبة ولا نسبة بوجه بين عالم الملكوت وعالم الملك (فهي إذن) متعذرة ومفقودة . فكيف يتكلم بما لا يفهم فضلا عن أن يودع الكتب؟" <راجع أبو يعرب المرزوقي دراسة تحليلية للعلاقة بين السلطان الروحي والسلطان السياسي عند ابن خلدون مقدمة تحليلية لكتابه شفاء السائل لتهذيب المسائل الدار العربية للكتاب تونس 1991م (ص: 210 )>.
فاللغة بهذا المعنى لا تؤول بل تفسر بحسب تصرفات اللسان في صلتها بعالم الحياة وتجاربها كما تحددها التجربة المشتركة للجماعة في ثقافة معينة: تأويل الكلام اللغوي هو فهمه من حيث أبعاد الإفادة اللسانية بمحددات الإفادة التي هي خمسة وليست ثلاثة كما يزعم أصحاب النظريات اللسانية المحدثة. ذلك أنه بالإضافة إلى المحددات الثلاثة المعلومة <أي البعد الدلالي والبعد التداولي والبعد النظمي> لا بد من محددين آخرين من دونهما تكون الأبعاد الرمزية الثلاثة غير ممكنة. فلا بد من التمييز بين طبائع العناصر التي عرفت هذه الأبعاد بإضافتها إليها فكانت من ثم إضافات بينها:
1-بعد العلاقات الموضوعية: فلا بد أولا من أن نضيف ما يحصل خلال تقاطع الأبعاد الثلاثة في إضافاتها التي تتحدد بها أعني شرط التجاوز إلى ما يفترض وراء الموضوعات التي يدور حولها الخبر والإنشاء في فعل الترميز من حيث صلته بها <وبالإضافة إليها يتحدد البعد الدلالي الذي هو علاقة الرمز بموضوع الترميز وبصورة أدق بما بين الموضوعات من علاقات مرموزة>. ويمكن أن نقترح تسميته بـالنظريات ما بعد الطبيعية أو عالم الموضوعات المجردة التي يعليها الإنسان على ممارساته مع العالم الخارجي ليجعلها مفهومة.
2-بعد العلاقات الذاتية: ولا بد ثانيا من أن نضيف ما يحصل خلال تقاطع الأبعاد الثلاثة في إضافاتها التي تتحدد بها أعني شرط التجاوز إلى ما يفترض وراء الذوات التي يدور بينها الخبر والإنشاء في فعل الترميز من حيث صلته بهم <وبالإضافة إليها يتحدد البعد التداولي الذي هو علاقة الرمز بالذوات الرامزة وبصورة أدق بما بين الذوات من علاقات مرموزة عندها>. ويمكن أن نقترح تسميته بـالنظريات ما بعد التاريخية أو نسيج عالم الذوات المجردة التي يعليها الإنسان كذلك على ممارساته مع عالمه الباطني أو ذاته ليجعلها مفهومة.
وافتراض عالم من الموضوعات وعالم من الذوات المجردين كلاهما هدفه تحديد شرط إمكان البعد الثالث من الإفادة أعني بعد النظم الرمزي الذي لا يمكن أن يكون نظما مفيدا إذا لم يفترض ضمنا أو صراحة أن منطق النظم الرمزي يحاكي منطق النظم الوجودي أو أن قوانين العقل <المستوى المعرفي> لا تكون ذات معنى ما لم تكن مطابقة لقوانين الوجود <المستوى الوجودي>. ويحق لنا أن نفخر بأن حضارتنا كان لها شرف اكتشاف الدور الجوهري للنظم في كل المعاني البلاغية ومنها كحالة خاصة المعاني المنطقية ومن ثم شرط كل تأويل ممكن: الجرجاني.
ومن دون هذا الشرط يمتنع على الأنظمة الرمزية أن تكون قادرة على أداء الوظيفتين السابقتين المشروطتين في الأبعاد الثلاثة التي يهتم بها علم اللسانيات الحديث. فهذا النظم يفترض الأمور التالية: فهو يفترض علاقة أفقية بين الرموز تكون مرآة لعلاقتين عموديتين بين هذه العلاقات الأفقية وما بين الموضوعات من علاقات وما بين الذوات من علاقات حتى يتم الترائي الرامز وإلا لأصبح الترميز عاجزا عن الإراءة بالنسبة إلى الأوعاء المتراسلة بواسطته:
فالعقل الإنساني يفترض نظما وجوديا موضوعيا تنتظم بمقتضاه علاقات الموضوعات وعليه تعدل منظومات الرموز لتكون ذات إفادة دلالية حقيقية وليست وهمية.
وهو يفترض كذلك نظما وجوديا ذاتيا تنتظم بمقتضاه علاقات الذوات وعليه تعدل منظومات أفعال الترميز لتكون ذات إفادة تداولية حقيقية وليست وهمية.
وكل ذلك لعسره تجنبت الكلام فيه مع من لا يفهمون إلا خرافات أبي سعدية وقد اضطررتي بسؤالك العميق أن أبدي فيه بعض الآراء السريعة يمكنك أن تعمقها بقراءة كتابي في الشعر المطلق مثلا أو في نظرية الترجمة أو في فلسفة الدين أو في اللغة الفلسفية. وهذان العالمان المجردان <عالم العلاقات الموضوعية وعالم العلاقات الذاتية من حيث هما شرطا عالم العلاقات الرمزية التي هي الواسطة الوصلة بين العالمين والجاسرة بينهما> اللذان يحددان النظمين الوجوديين هما اللذان أشار القرآن الكريم إلى منهجية السعي إليهما قدر المستطاع أعني التواصيين في سورة العصر لكونهما شرطي فهم الأبعاد اللسانية الثلاثة التقليدية أعني ما جعلته آية استخلاف آدم علة استئهاله الخلافة رغم تشكيك الملائكة: القدرة على التسمية أو على الترميز عامة واللساني خاصة.
وهما شرطان قبليان للترميز عامة بل وحتى لوجود الجماعات الإنسانية التي لأجلها كان التكليف والاستخلاف: التكليف مشروط بالخطاب والاستخلاف مشروط بالتواصل. ونحن لا نعلم النظم المطلق الذي هو الغيب المطلق أو اللوح المحفوظ أو الكتاب الذي بعث الله منه رسالة خاتمة تقول لنا إنه متعال على كل علم إنساني وإن الإنسان لا يقيس عليه إلا ما يستجيب لوظيفة شبيهة به بسبب ما طلبه الله منا من ضرورة التشبه بأخلاق القرآن ومناهجه: فيكون القيس ليس عليه بل على الفرضيات المتعلقة بشروط معارفنا عن الشاهد من آثاره في الدنيا وفي ما حدده لنا القرآن من أبعاد التكليف والاستخلاف. ولهذا الغيب مصدران: الوحي المرسل إلينا حول شروط الاستخلاف إيمانا بالغيب وسعيا لعلم الشاهد بالعقل في حدود لا تنفي أن الشاهد نفسه علمه محدود بما فيه من الغيب.
والوحي بهذا المعنى وفي حدود ما أراد الله أن نحيط به من علم مطابق للعقل. إنهما متطابقان في القرآن عندما يقرأه القارئ وهو متجه علميا وعلميا إلى عالم الشهادة لا إلى عالم الغيب لتحقيق شروط الاستخلاف بعلم الأنفس والآفاق والعمل على علم. وتلك هي علة الختم وكون المعجزة الوحيدة للرسول الخاتم قد كانت عين حقيقة الإنسان أعني تعليمه الأسماء أو الكلام فكانت الآية الخاتمة هي كلام الله أو القرآن.
المغالطة الثانية:
ولما كان الكلام يمكن أن يدور حول ما لا يقبل العلم حتى للإشارة إلى هذه الخاصية فإن كونه من اللغة يجعل الكثير يتصورون أن التأويل اللساني يشمله فيكون التأويل المعرفي منسحبا على كل ما ينسحب عليه التأويل اللساني. ومن هنا تأتي المغالطة الثانية: العلوم الزائفة والكلام على ما لا يعلم وعلى حدود العلم وعلى ما يتعالى على العلم كل ذلك يكون بالرموز اللسانية لكن التأويل اللساني لا يمكن أن ينطبق عليه إلا بمعنى يحده ما يحد العلم الممكن. فعندما نتكلم في الغيب لنقول عنه إنه غير معلوم فمعنى ذلك أن المجاز اللساني كما قال ابن خلدون لا ينطبق عليه. ذلك أن المجاز يقتضي التناسب المشروط بين ما يزعم حقيقة وما يزعم مجازا أي التناسب إما في وجوه الشبة التي هي منبع الاستعارات أو في أنواع الترابط التي هي منبع الكنايات وكلا الأمرين مجهول من حيث الصور والعلاقات عندما يتعلق الأمر بالغيب. ونفي ابن تيمية للمقابلة بين الحقيقة والمجاز هو بهذا المعنى.
فشيخ الإسلام أعلم الناس بأن طبيعة اللسان مجازية بالجوهر. لكنه يعلم كذلك أن اللغة لا تكون كذلك إلا عندما يدور كلامها على ما يقبل العلم حيث يكون التمييز بين الحقيقي والخيالي ممكنا: أي ما يقبل المحسوسية الممكنة في الحياة الدنيا. أما إذا دار الكلام على ما لا يعلم أصلا لكونه ليس من مجال المحسوسية الممكنة بل من مجال الإيمان فإن المقابلة تصبح عديمة المعنى. فلا يمكن أن نتصور الله متكلما عن نفسه أو عن غيره وعنده ما عندنا من نقص يلجئنا إلى التمييز بين الواقعي والخيالي <أعني المسافة الفاصلة بين المقدور عليه والمعجوز دونه>. كل ما يمكن تخيله إنسانيا يمكن أن يكون من المقدور عليه لو كان الإنسان مطلق القدرة. والله مطلق القدرة ومن ثم فلا وجود عنده بين حقيقة ومجاز. كل شيء يفعله الله أو يقوله حقيقة. لذلك فالله لا يتكلم بالمجاز. والإنسان ينبغي له ألا يستعمل المجاز إلا في مجالين لا ثالث لهما:
إما في الإبداع الفني حيث يكون المبدع المحدد لمعين الاستعارة والترابط الخياليين <محض الإمكان> فيكون خالق موضوعه ومن ثم فله الحق في أن يتصور المجاز كما يريد في العالم الذي يبدعه ليكون مجال الفعل الدرامي في الإبداع الفني.
أو في الإبداع العلمي حيث يكون المبدع المحدد لمعين الترابط الاستعارة والترابط الفعليين <الإمكان المجرب> فيكون خالق نموذج البنية المعرفية لموضوع لم يخلقه بل كأنه الخياط الذي يقيس عليه رداء يخيطه ليلبسه إياه: النظرية رغم كونها من إبداع العالم فهي لا تصبح علما إلا إذا كانت بمقاس الموضوع.
أما في المجال الثالث أعني مجال الغيب فلا وجود للمجاز أصلا. كل ما يقوله النص المقدس ينبغي أن يؤخذ كما هو وكله حقيقة لأنه لا معنى للتمييز بين الواقع والخيال في المتعالي عليهما معا أعني في الحياة المطلقة التي يكون فيها الله مطلق الوجود والحياة والقدرة والعلم والإرادة. كل ما نتخيله ممكنا يمكن أن يكون واقعا بالنسبة إلى هذه الحالة. ومن ثم فالتمييز بين الممكن والواجب والممتنع أمور نسبية إلينا ولا معنى لها بالنسبة إلى المطلق. ولذلك فكل ما جاء في القرآن هو كما هو فيه ولا معنى لتأويله. وكل تأويل لما وصفه القرآن بالمتشابه لا يعبر إلا عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة.
المغالطة الثانية هي إذن الزعم أن التأويل المنهي عنه في القرآن عام وليس محددا: يتجاهل المتكالمون أن ما نهي عنه من التأويل هو ما يحاول أن يتجاوز التكليف والاستخلاف إلى ما لا نسبة بينه وبين مجال الرمز اللساني أعني المتشابه أو الإخبار عن الغيب. فالمتشابه من القرآن هو كل ما يتعلق بالإخبار عن الغيب سواء تعلق بذات الله وصفاته وأفعاله أو بعلل التكليف والاستخلاف والخلق والأحكام والحساب. وإذ يخلطون فلا يفصلون بين القصد من المتشابه <ما يتعلق بالغيب> والمحكم <ما يتعلق بالتكليف والاستخلاف> فإنهم يوهمون الناس بأن القرآن قد نهى عن التأويل عامة دون حصره في أحد أنواعه: نهي القرآن مقصور على تأويل المتشابه وهو بالذات ما يتعلق بالغيب وبرده إلى الشهادة.
فكل ما وصفه القرآن بكونه من الغيب أعني ما وصفه المتكلمون بالموضوع الجليل وكذلك صلة ما وصفوه بالموضوع الدقيق به هو المنهي عن تأويله: كل ما جاء في القرآن الكريم حول الله ذاتا وصفات وأفعالا ينبغي أن يفهم لغويا مع حرز ليس كمثله شيء ونفس الأمر يقال عن الحياة الأخرى وعن الوجه الواصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى وبينهما وبين فعل الله لهما وتدبيره لهما.
فإذا جمعنا بين التحرر من المغالطة الأولى ففهمنا معنى التأويل اللساني ومن المغالطة الثانية فحددنا التأويل المنهي عنه أمكن لنا أن ندرك أن كل ما يدعيه المحتجون بطبيعة اللسان لتبرير التأويل حيث يمتنع التأويل هو عين المبدأ المنهجي وقانون التأويل في صيغة ثالثة تستعمل للاحتجاج ضد من ينفي التأويل عن النص القرآني لكأنه ينفيه بصورة عامة ولا يحصره في المعنى المقصود في الآية السابعة من آل عمران.
فالقرآن له توجهان يتوسط فيهما كليهما بين الله والإنسان مرسلين ومرسل إليهما. والله قال في رسالته أنه ضمنها محكما ومتشابها. فأما الأول فقد أمر بعلمه والعمل به ومن ثم فهو قد جعله مفهوما بما يفهم الإنسان به كلامه مع غيره من البشر. وأما الثاني فهو قد أمر بتجنب الخوض فيه والاكتفاء بالإيمان به في العلم والعمل لكون الإيمان به يؤدي وظيفتين:
بيان حدود المعنى الأول حتى لا يتحول العلم والعمل بالشاهد إلى طاغوت وهو بالضبط ثمرة قيس الغائب على الشاهد.
وتذكير الإنسان الدائم بعلاقته بما يتجاوز قدراته ليس الفعلية فحسب بل وكذلك التوهمية إذ إن كل إطلاق علته الوهم.
ولم يكتف القرآن بذلك بل هو حدد علامات الفصل بين الأمرين:
1-فالمحكم هو ما يتعلق بالإنسان من حيث هو مكلَّف أولا ومن حيث هو مستخلَف ثانيا. ومن ثم فكل ما يتعلق بما يساعد الإنسان على تحقيق ما كلفه الله به يكون موضوع الاجتهاد وهو مثاب في كلتا الحالتين أصاب أو أخطأ بشرطين منهجي وخلقي حددتهما سورة العصر إذ جعلت التواصي بالحق لمعرفته والتواصي بالصبر للعمل به علامتين على صدق الإيمان وصلاح العمل ووثاقتهما: ولما كان التواصي يتم بالخطاب المفهوم بين البشر فالمعيار هنا هو معيار التفاهم بين البشر بكلام لا يعتبر تفسيره تأويلا بل هو تفسير لا غير بشروط التفسير المعلومة في كل لغات العالم.
2-والمتشابه هو ما يتعلق بالله من حيث هو المكلِّف والمتسخلِف ذاته وصفاته وأفعاله ومعايير أحكامه: فلا يمكن لهذه الأمور أن تؤول بقيسها على الشاهد بل هي الغيب المحض والكلام عليها لتقريب المعاني مع حرز ليس كمثله شيء ويتبع ذلك كيفيات الجزاء والعقاب وعلامات الصدق والإيمان التي في السرائر لأن الله وحده هو الذي يتولاها ونحن لا نحكم إلا بالظاهر.
ولست أدري ما الذي حدث فانقلبت الأمور وأصبحت مسائل العقائد المتعلقة بالسرائر وبالغيب مادة الدعاوى الكاذبة بالعلم القطعي والمطلق ومجال التحكم التأويلي وراء ما هو بين من النصوص الصريحة التي تحدد المقومات العامة للعقيدة بنص القرآن حتى صارت مادة لتعدد الصيغ العقدية التي تتناحر حولها الفرق الكلامية فيكفر بعضها البعض في أحكام هي بنص القرآن غير قابلة للحسم عقلا بل وحتى النبي لا يعلمها لأنها بالجوهر محجوبة على الجميع ولا يعلمها إلا الله. فبات الخلاف حول:
1-كيف يتكلم الله
2-وكيف يعلم
3-وكيف يستوي
4-وكيف يفعل
5-وكيف يحاسب فيجازي ويعاقب ومن يعاقبه ومن يعفو عنه.
أصبح كل ذلك يقاس غيبه على شاهد الإنسان فحكمت أحكام الإنسان المسبقة في كيفيات كلام الله وعلمه واستوائه وفعله وحسابه. حتى ذهبت المعتزلة إلى تحكيم العقل في الله عدلا وظلما وجعلت العقل محسنا ومقبحا. وذهبت الأشعرية إلى ما هو أدهى وأمر رغم ادعائها مناقضة المعتزلة في ذلك. فهي قد حكمت العقل الإنساني في الله وجوبا وامتناعا وإمكانا في الخلق والإبداع ظنا من بلهائهم أن أحكام العقل أو جهات الوجود متقدمة على الإيجاد الذي بات خاضعا لها.
لست أدري كيف لا يفهمون أن تطبيق الجهات الوجودية على الله أكثر عدوانا على حدود الله من تطبيق التحسين والتقبيح العقليين: فالعدوان على القدرة الإلهية ليس أقل تعديا على حدود الله من العدوان على الإرادة الإلهية. إن الله قادر على كل شيء وما يفعله هو الواجب وما لا يفعله هو الممتنع. ولا معنى لممكن بذاته. ولا لواجب بذاته. ولا لممتنع بذاته. فذلك كله يكون كذلك بالإضافة إلى قدرته وإرادته إذا كنا حقا نؤمن بوجوده وبوحدانيته وبأن الإيجاد الخَلقي والتشريع الخُلقي لا معنى لهما قبل قدرته الخالقة وإرادته المشرعة. والله أعلم.
الجواب عن سؤالي الأخ الفاضل حسن نوفل
حسن نوفل 2008.12.18:
1-يتحدث جماعة تخريب الأصلين عنك وينسبونك إلى الحداثة وكأنها تهمة يجب أن تتبرأ منها. فإذا تكرمتم بينوا لهؤلاء الناس ما معنى الحداثة التي يعبر عنها فكركم. وأن تنوروا هؤلاء الناس في ما توافق وتخالف فيه من أفكار الحداثة وما بعد الحداثة إجمالاً.
2-ويقوم زعيمهم سعيد ومن لا لب له بمقارنتكم مع المفكر الكبير محمد أركون. ورد عليهم بعض الإخوة في موقعكم ولكنه لم يكن رداً كافياً. فليتك تبين لهم ما توافق به أركون وما تخالفه فيه لكي يتوقف هؤلاء الناس عن الهراء. وتحياتي لكم.
أخي الفاضل لا يهمني ما يقوله غيري عني. لذلك فالرجاء ألا تسألني في ذلك. إن المطلوب من المرء ليس أن يرضي الناس بل أن يرضي ضميره وألا يخشى في الحق لومة لائم دون أن يكون ذلك تنكرا للتواصي بالحق ولا رفضا لسماع الغير إذا كان كلامه في موضوع الكلام وليس في حصر المقال في تبادل التهم: وعلم الكلام لا يمكن أن يتجاوز تبادل التهم لأنه سلاح إيديولوجي لا غير.
لن يكون لجوابي عن سؤاليك أي صلة بمن أشرت إليهم فيهما سواء من يحكم على فكري <جماعة الأصلين> أو من يقارن به فكري <أركون>. وهو جواب لا أحتاج إلى كتابته من جديد. فقد سبق أن عالجت مفهوم الحداثة في كتابي الشعر المطلق الذي أحيلك عليه وخاصة على الصفحات 90 إلى 101 من طبعة دار الطليعة بيروت. وفيها ستجد تعريف الحداثة عند أكبر فيلسوف غربي معاصر <هيدجر> وتعليقا أحلل فيه المفهوم ورأيي فيه شروطه ونتائجه وحقيقته.
كما أن الفكر الغربي الحديث الذي يتصور البعض أني مندرج فيه من حيث مضامينه والتزاماته الوجودية ولا يميزون تقدم العلوم الأدوات وتحريرها من الالتزامات الوجودية التابعة للخيارات الوجودية المختلفة من حضارة إلى أخرى. ولعل جوابي الحالي على سؤالك هو بالذات النص الذي ينشر في هذا الأسبوع في صدر الموقع بعنوان "التنكر الثيولوجي" وهو تحليل لأهم المقومات التي يستند إليها الفكر الغربي الحديث في أهم تياراته بالشواهد الأصلية مع ترجمتها بلسان عربي مبين. وبذلك يكون سؤالك المهم حقا قد نال حصة الأسد في جوابي وإن بصورة غير مباشرة أعني بالإحالة السابقة وبالنص المنشور في الموقع هذا الأسبوع. والسلام.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام