معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              الصلح الواجب بين السياسي والحضاري

                                                                         أبو يعرب المرزوقي

                                                        (1)

أعلم أن الكلام في موضوع المصالحة التاريخية الضرورية بين قطبي الساحة السياسية التونسية (وفي كل بلاد العرب نجد ما يناظرهما) قد لا يكون ذا صدى شعبي بعد الشيطنة النسقية التي أُخضع لها طرفا المعادلة السياسة التونسية الأكبرين بالتوالي (بدءا بالنهضة وختما بضم الحزب الدستوري إليها) ثم بالتساوق كما يحصل الآن بعد أن بدأ موعد الانتخابات يقترب وكذلك اختلاط الحابل بالنابل وعدم التمييز بين الغث والسمين في الأحزاب والحركات السياسية. ذلك أن مثل هذا المناخ يسهل اتهام كل محاولة من هذا الجنس بكونها انتهازية سياسية.

ولهذه العلة فإني أفهم السياسي الذي يتبرأ من مثل هذا الكلام رغم كون  القياسات الخاطئة هي التي تجعل الناس يعتبرون الحزب الدستوري من جنس الحزب الذي كان يحكم مصر فيعامل من الثوار معاملته في حين أن سن الأول وظروف تكوينه ودوره في تاريخ تونس لا تقبل المقارنة بسن الثاني وظروف تكوينه ودوره في تاريخ مصر. فإذا أضفنا إلى ذلك أن منطق تقاسم الساحة السياسية بمعيار القانون الطبيعي لتكون الجماعات السياسية في المجتمعات الإنسانية  يجعل كلتا الحركتين الإسلامية والدستورية منتسبتين إلى يسار اليمين أو المحافظين الجامعين بين عقيدتي الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية أعني القائلين بالتوفيق بين مطلب الحرية (تشجيع الملكية الخاصة والمبادرة الشخصية) ومطلب العدالة (تشجيع سد حاجة الجميع) في آن.

ومن ثم  فالناموس الطبيعي (الحرية) والقانون الخلقي (العدالة) يجعلان التقارب بين جمهوريهما من البديهيات ما يؤدي حتما بالمنطق السياسي والانتخابي أن تتبع نخبهما في المناخ الديموقراطي رغبات الجمهورين فيتكاملان عند الحاجة ويتنافسان عند الحاجة كذلك بحسب التوازنات السياسية الظرفية. والتوازنات الظرفية الحالية تقتضي التكامل والتعاون لتجاوز الهزات التي تعقب الثورات لأن الثورة زلزال وكل زلزال له هزات ارتدادية لا يمكن للثورة أن تنجح من دون السيطرة عليها وتوجيهها الوجهة التي تناسب أهداف الثورة.

لكني أفهم مع ذلك أن يكون التصدي للأحكام العامة ليس من الأمور اليسيرة خاصة بعد تحولها إلى شبه عقيدة متعالية على كل نقد وفي ظرف المزايدات الناتجة عن حسم الموقف من الماضي القريب: إلا أن الشعوب تبقى دائما بحاجة إلى من يقول ما يراه صوابا وضروريا لمصلحة البلاد ومستقبل الثورة ولا يبالي بالأحكام المسبقة خاصة إذا كان ممن ليس لهم في السياسة ناقة ولا جمل بعد أن بلغ من الكبر عتيا يبرئه من كل طموح سياسي مشروع عند الشباب ويمكنه من تحليل الأمر بما يستطيع من الموضوعية الهادفة إلى تمكين الثورة من شروط النجاح في تحقيق أهدافها أعني تحرير الإنسان التونسي خاصة والعربي عامة مما يرمى في طريقه من قشور موز وعوائق  تحول دون بناء الدولة الديموقراطية وسلطان القانون وكلاهما شرط في ألا تبدأ دولة الثورة بالتنكر لتاريخ الأمة القريب باسم تاريخها البعيد فلا تضع حوافز لبناء اللحمة الوطنية على أسس المحبة والإخاء اسسهما التي لا تتنافى مع ضرورة عادل الجزاء لمن أجرم بما يثبته نصيف القضاء.

إن الأمم تحتاج دائما إلى ما يحرز خطاها فيجنبها العثرات التي تنبني على مغالطات قد تبعدها عن حقائق الأمور فتحول دونها والخيارات الصائبة الضرورية لمستقبلها.  ذلك أنها مناقضة لما أقنعوها به بمنطق التعميم والخلط بين الصالح والطالح في ماضينا القريب والبعيد. ومن ثم فهي قد تصدها عن فهم شروط تحررها مما نصب لها من حبائل تحبكها الأحزاب الهامشية التي تعيش بالتطفل الدائم على كل حزب قائم أو له بحسابات خاطئة يظنونها دهاء سياسيا وهي إلى الحمق أقرب. فهذه الأحزاب الطفيلية بحاجة إلى مثل ذلك حتى تجد لنفسها دورا في المشهد السياسي ولو بمغالطة الشعب وإبعاده عن الخيارات المحققة لأهداف ثورته. ولعل أهم وسائل هذه المناورات التركيز على الحقائق (شرط المسموعية) التي يراد بها الباطل (الهدف غير النبيل من التركيز) خلطا للعسل بالسم والتعميمات التي يراد بها حجب الوقائع واستبدال الصواب بالخطأ فيكون العلاج الذي يقتضي المصالحة بين الفرقاء تأجيجا للخلاف بينهم ومن ثم الحيلولة دون بناء المستقبل المشترك.

 لذلك فإني لم أجد أبلغ من هذه العبارة العامية القائلة "إللي يحسب وحده يفضل له" لوصف الأوهام التي تخيم على كواليس الأحزاب الهامشية التي ألفها المتآمرون على الثورة لمنع الصلح بين الحركتين الممثلتين لقوى الشعب السياسية الحقيقية رغم ما يبدو من تباعد بينهما كرسه تاريخ الصدام الذي حرصت النخب العميلة على تأجيج دواعيه الشكلية. وأفضل علامات ذلك ورموزه تمثلها مناورات المستبدين بالجهاز الذي لقبوه تجملا باسم من أسماء الأضداد "هيئة تحقيق أهداف الثورة والإصلاح" الهيئة التي سبق لي رفض الانتساب إليها علما وأني قد قدمت على ذلك فوصفتها بكونها هيئة عماية أصحاب الثورة المضادة. وقد برهنت الأحداث أن قادتها ومحركيها قد حاكوا ما ستكون نتائجه وخيمة على الثورة إذا تم لهم ما خططوا له خاصة وهم يتصورون أنفسهم دهاة سياسة فتلاعبوا ما شاء الله أن يتلاعبوا على الحبلين التاليين:

 فهم يسعون في الخفاء للحلف مع بقايا الحزب الذي كان الحكم جاريا باسمه بعد حرصهم على حله واسترضاء بعض قياداته التي يستحمقونها فلا يتصوروها متفطنة لحيلهم أو فاقدة لطموح تمثل نفسها بنفسها بحيث تكون بحاجة إليهم للعودة إلى الساحة. وطبعا فهذا التعامل مع جمهور الحزب الدستوري بمنطق التركة التي لا وارث لها من علامات السذاجة  السياسية عند الطامعين في أصواتهم مع التنكر لخياراتهم السياسية وتجاهل النظيف من زعاماتهم. فما كانوا يخشونه في عهد ابن علي لم يعد موجودا ومن ثم فهم سيعبرون عما يعتقدون حقا وفقا لمصالحهم الآنية والمستقبلية.

وهم يسعون للحلف ضد الحزب الذي كانت المعارضة جارية بفعله بعد حرصهم على توريطه في هذه المناورة مع القبول به في هيئتهم لإضفاء الشرعية على وجودهم في المشهد مساواة بين نسبة حضوره وحضور الأحزاب التي لا يتعدى أعضاؤها عدد ممثليها في الهيئة. وهنا أيضا فإن تجاهل المشترك بين الحركتين الإسلامية والدستورية دليل على سذاجة من يغفل ما سينجر عن حرية التعبير عند جمهور الدستوريين الذين يتوددون إليهم لضمهم إليهم في محاربة هوية الأمة عامة والحركة الإسلامية خاصة.

                          ويمكرون ويمكر الله

وإذ يمكرون جهلا بمكر خير الماكرين فإن مكرهم كما نبين لن تكون حصيلته إلا حصيلة المكر السيء وهو ما تعنيه عبارة  "إللي يحسب وحده يفضل له". فلن يفضل لهم إلا الوهم بأن الصادق من نخب النهضة أو الحزب الدستوري غافلون عن مكرهم ولا يعلمون أن الصلح بين الحركتين حاصل حتما في قواعدهم حتى لو لم يعقدوه صراحة وذلك بمقتضى ما يوجبه العقل السليم ولعلم نخبهما المخلصة للوطن أنهما وجهان لنفس الظاهرة إذا تجردت مما طرأ عليها خلال ما حصل من صراع بين مقومي الفعل السياسي السوي من تحريف جعل العاجل السياسي والآجل  الحضاري في قطيعة لا مبرر لها وعندما تثبت لهما التجربة ضرر صراعهما على مصالح البلاد والعباد عامة وعلى مصالهما خاصة:

 فأولاهما هي الحركة التي غلب عليها الوجه السياسي من حركة الإصلاح والصحوة العربية الإسلامية الوجه الذي فقدت قياداته صلتها بغايته الحضارية وبعضهم عاداها.

والثانية هي الحركة التي غلب عليها الوجه الحضاري من حركة الإصلاح والصحوة العربية الوجه الذي بدأت قياداته تؤسس لصلة بأداتها السياسية الحديثة (تكوين حزب مدني).

والمعلوم أن أعداء الثورة يقودهم حاليا أو على الأقل يغطي عليهم "ثلاثي الخياطين" المترئسين للدولة والحكومة والهيئة أو مجلس الظلام الساعي إلى إفراغ المجلس التأسيسي من كل مضمون وجعله مجلس "بني وي وي" (ولعل الثالوث ليس أصحابه إلا  دمى تحرك خيوطها ومن ورائها قيادة خفية). فهم يسعون إلى تأجيج الحرب بين وجهي حركة الإصلاح الحرب التي أنشأها الاستعمار عندما قسم نخب تونس ومثلها كل نخب البلاد العربية والإسلامية إلى قسمين:

 فجعل من استبد منهم بوجهها السياسي وسيلة لتحقيق إستراتيجيته في الحكم تطمينا بهم أي إن قاعدة الحزب الذي حكم تونس بعد الاستقلال لم تكن موضع شبهات من حيث حب أفرادها لتونس لأن هذه القاعدة الشعبية مؤمنة بماضي تونس وبمستقبلها لكن بعض النخب التي حكمت باسمهم قدمت العاجل على الآجل بظاهر من الفاعلية  السياسية والاقتصادية هما جوهر التحديث التابع لحاضر مستلب يهمل الماضي فحققت أهداف الاستعمار التربوية والثقافية.

وجعل من استبدوا بوجهها الحضاري وسيلة لتحقيق إستراتيجيته في المعارضة تخويفا منهم أي إن الحركة التي عارضت في تونس بحق بعد الاستقلال لم تكن موضع شبهات من حيث حب منخرطيها لتونس لأن قاعدتها الشعبية مؤمنة بمستقبل تونس وبماضيها لكن بعض النخب التي عارضت باسمهم قدمت  في البداية هموم الآجل على هموم العاجل بظاهر من الفاعلية الروحية والثقافية لم تتخلص من التأصيل التابع لفهم مستلب بطابع رد الفعل الخالي من الروية والحنكة السياسية فأغفلت هم المستقبل ومن ثم حققت أهداف الاستعمار عملائه السياسية والاقتصادية من حيث لا تعلم.

وبذلك فقد تكامل الدوران خلال الثلثين الأولين من القرن العشرين إهمالا للماضي باسم التحديث عند بعض قيادات الحزب الدستوري وإغفالا للمستقبل باسم التأصيل عند بعض قيادات التوجهات الإسلامية في البلاد فنجح الاستعمار إذ جعل وجهي الحركة الإصلاحية في خدمته سلبا بالمعارضة عديمة الفطنة السياسية أو إيجابا بالموافقة عديمة الوعي بالبعائد. لكن ذلك لم يتماد في الثلث الأخير منه (عندما حاول الحزب الدستوري الخروج من أزمته بالعودة التدريجية إلى التركيز على الهوية بعد أزمة التعاضد ومؤتمري الحزب الحرجين في أواخر عهد بورقيبة). وعلى كل فهو لا ينبغي أن يتمادى بعد الثورة لأنها أتت عليه وتريد أن تحقق وحدة الشعب حول أهدافها العليا.

 فلا يمكن بناء المستقبل والوصل مع الماضي بنفي ما يتوسط بينهما حتى  وإن غلب على هذا الوسيط محاولة القطع معه في العهد البورقيبي فضلا عما بينته تجربة الحركتين خلال القرن الماضي للمخلص من نخبيهما فساد الخيارات في الحالتين فسادا جعلهما في حرب سجال أضعفت البلاد وأرهقت العباد. ومن ثم فشروط الصلح تحققت بفضل الثورة خاصة وقد اكتمل في عهد ابن علي ما نشير إليه هنا من تلازم واضح المعالم بين ضرب فرعي حركة الإصلاح من قبل نفس المناورين الحاليين أعني متطرفي اليمين واليسار لكأنهم يسعون إلى خراب الديار وخدمة الاستعمار:

فالمخلصون من الحزب الدستوري ضُربوا لأن ابن علي بصورة أوضح من بورقيبة لم يحكم بالحزب لا بفكره ولا برجاله بل هو استبدلهم بالنخب التي خانت قيم اليسار وأصبحت ليبرالية بأفسد معاني الكلمة أعني العمالة الدائمة لأصحابها من الاستعماريين القدامى سعيا منهم لاستكمال ما كان يسميه مهمة التحضير بل إن عنوانهم كان أكثر قبحا لأنهم سموا سياستهم بسياسة تجفيف المنابع .

ومن ثم فهؤلاء الفاسدون من نخب اليسار الذين حكم بهم ابن علي لم يكن لهم من سياسة إلا السعي إلى تجفيف المنابع والحرب على الحضارة العربية الإسلامية ببعديها الديني والثقافي من خلال النظام التربوي والثقافي وهي منابع مشتركة بين قاعدة الحزب الدستوري (وحتى الكثير من قياداته قديمها وحديثها) رغم ما طرأ عليه من تحريف وقاعدة الحركة الإسلامية بحيث حولوا جهاز الدولة التربوي والثقافي والقانوني إلى هندام حرب شعواء على  هوية الأمة.

 

                      كسوة خروتشاف البالية

لكن خروتشاف (=الشعب) لن يلبس ما يخيطه الخياط الروماني (انظر خطبة الجمعة التي ألقاها السبسي بيانا سياسيا افتتح به عهده) ولن يرضى هذه المرة بخياطتهم المدعومة من قبل نفس القوة الاستعمارية بل هو -بعبارتهم الرمزية- سيؤدي دور غربتشاف التطرف اليعقوبي الذي سيقضي على دكتاتورية الأبارتشيك التربوي والثقافي والسياسي والاقتصادي الحاكم والمعارض من المنتسبين إلى بلاط العهد السابق ومحيطه الراعي في ما يسمى بالسياق الفرنكفوني الذي يخوف بالحركة الإسلامية ويغازل الحركة الدستورية ظنا منه أن المخلصين من هؤلاء لا يعلمون أنهم لا يمكن أن يستردوا فاعلية حركتهم من دون الحلف مع ما ينطبق عليه مدلول كلمة الشعب "لا يصح إلا الصحيح" أو "ما يبقى في الوادي إلا حجره".                    

فماذا أخاطوا ؟ وكيف أخاطوه ؟ ولماذا لن يرضى يخياطتهم أحد ممن له وزن في الحياة السياسية التربوية والاقتصادية والثقافية التونسية أعني القماش التونسي الذي ليس قماشا مستوردا من جنس دورموي المثال الذي ضربه السيد قائد السبسي. أخاطوا قماشا يسعى إلى إفساد الأصناف الأربعة من فاعلية الشعب فاعليته السياسية وفاعليته التربوية وفاعليته الاقتصادية وفاعليته الثقافية ومن ثم فهم قد تصوروا أنهم بذلك سيغيروا القماش الأصلي للبلاد التونسية بأن يقطعوه إربا إربا فيحافظوا على الصراع بين وجهي تعينه التاريخي سياسيا وحضاريا.

لكنهم نسوا شيئا أساسيا لم ينسه الحريصون على قماش تونس لحمة وسدى والذين يعلمون أن أعداء الصلح التاريخي قد انقسموا إلى صنفين متلاحمين أحدهما يزين نظام ابن علي ويحكم معه ليخرب حصانة البلاد الروحية والثاني يخطط مع العدو الخارجي لاستكمال هذه المهمة مع الاشتراك في تلميع صورتهم بالتقدمية الزائفة في الحكم وفي المعارضة الشكلية مع ثابت لا يتغير في الحالتين هو الحرب على أصل مناعة الأمة للقضاء على وحدة تاريخها وروحها الشارطين لتواصل دورها في إطار فاعلية فاعلياتها كلها: أن تكون تونس لكل أبنائها الذين يؤمنون بأنها لا يمكن أن تكون تابعة بل رائدة في هذه المجالات الخمسة جميعا.

 

                                        (2)                                           

                  محاولات تمزيق القماش الشامل

وجه قادة الأحزاب الطفيلية وخبراؤهم في هيئة عماية الثورة المضادة سهامهم إلى شرط شروط استعادة الوحدة بين القوتين السياسيتين الوحيدتين اللتين يمكن أن ينبع منهما الحكم والمعارضة السلميين للبلاد أعني الحكم بالفعل والحكم بالقوة (المعارضة) الحاصلين على الرضا والقبول من أغلبية الشعب التونسي الحركتين اللتين لو دخلتا بعد الثورة في حرب فواصلتا التنافس بينهما المتقدم عليها فلن يهدأ لتونس مشهد ولن تتحقق أهداف الثورة بل هي تصبح وبالا على تونس فيأتي غلو الهامشيين في المشهد السياسي بالأخضر واليابس. والمعلوم أن أعداء الثورة قد شعروا بأن إمكانية تحقيق الصلح بين هاتين القوتين قد تؤذن بنهاية كل أحلامهم المتطرفة ذات اليمين وذات الشمال فجعلوا حربهم ذات وجهتين حربا تنتهج التعميم والتدليس ضد الحركتين اللتين تحددان تاريخ الوطن في الحكم والمعارضة بمجرد أن تتحررا من تزييف إرادتهما في الحكم وفي المعارضة.

ومثلما أن المبادرين لتأجيج الحرب بين الحركتين هم أعدى أعداء هوية الأمة فإني  أرى أن  من ينبغي أن يبادر إلى تحقيق الصلح بينهما لا بد أن يكون بالذات  أصدق أصدقاء هوية الأمة. لا بد لحزب النهضة من أن يبادر إلى تحقيق هذا الصلح ليتحرر الدستوري الأصيل من تقديم العاجل على الآجل فيعديل العلاقة بينهما بعد أن يكون النهضوي قد تحرر من التقديم المقابل فحقق التعديل الضروري في العلاقة بصورة تصالح بين السياسي والحضاري إذا يكونان سويين.

ذلك أن أعداء الثورة في الداخل والخارج يعلمون أن كلتا الحركتين تمثلان انبعاث الأمة منذ بداية القرن تمثيلا متلازما حتى وإن غلب على التاريخ الصدام بين الناطقين باسميهما. ومن ثم فهما تعبران عن حركة الإصلاح العربية الإسلامية على مستويين لا بد أن يتكاملا ليتحقق الغرض منهما. ويعلم أعداء الثورة كذلك أن مدار التقابل والتنازع بينهما كان في البداية خيارات الإستراتيجية الإصلاحية بمعيار العلاقة بين التحديث والتأصيل ومن ثم فهم يحاولون توريطهما في ما يحول دونهما وعلاج هذه العلاقة بالعقل الخلقي إذ حتى بمنطق الحساب السياسي البراغماتي فإن التحرر من الصراع الإيديولوجي العقيم هو المنطق السليم من أجل تحقيق أهداف الثورة.

لذلك ترى أعداءها يسعون دائما إلى دفع نخب الحركتين إلى ما يبقي المدار في الغاية نفس المدار بشكله الصدامي رغم أن التجربة أثبتت لنخب كلتا الحركتين أن المستفيد من هذا الصراع هم أعداء الأمة والثورة أعني كل الذين يؤججون الحرب بينهما بعد الثورة تحويلا للأنظار عن الأعداء الحقيقيين لأهدافها. ومن ثم فالصلح الممكن بين المخلصين من ممثلي حركة الإصلاح والنهضة في الحزب الدستوري وممثليها في حركة النهضة هو تحقيق التآلف بين هاتين الحركتين بعد أن جربتا من حيث هما تعبيرهما الحالي الذهاب بخيارهما إلى غايته فاكتشفتا أن كلا منهما تنتهي إلى طريق مسدودة عندما لا تعتبر إلا نصف حقيقة فعل النهوض السوي:

فتقديم العاجل السياسي إلى حد نفي الآجل الحضاري ينتهي إلى فقدان الغايات.

وتقديم الآجل الحضاري إلى حد نفي العاجل السياسي ينتهي إلى فقدان الأدوات.

فأصبح كلاهما وسيلة للحكم وللمعارضة اللذين باتا حكرا على من يخون الوطن باستعمال الحزب الدستوري والحركة الإسلامية في آن. ولعل رمز هاتين الخيانة هي ما مثله زعيما الحزبين اللذان شاركا في حكومة الغنوشي الأولى والثانية بل وكانا مستعدين للمشاركة في حكومته حتى لو بقي بن علي وهما لا يزالان على هذا الخيار لأنهما حاليا يقودان الحرب على النهضة والسعي لقطف ثمرة حل الحزب الدستوري:

 والمعلوم أن الحزب الدستوري لم يكن  الحكم به بل كان بالتخويف به.

والمعلوم كذلك أن حركة النهضة لم تكن المعارضة بها بل كانت بالتخويف منها.

كان ذلك في الحالتين الإستراتيجية الوحيدة عند الفاقدين للوزن السياسي والحضاري في البلاد سواء كانوا ممن خان قيم اليسار أو ممن خان قيم اليمين في المشهد السياسي التونسي (ومثله يصبح على أمثالهم في المشهد العربي عامة). وهؤلاء هم من النخب التي خانت قيم اليسار الهادفة إلى تحرير الإنسان اجتماعيا وقيم اليمين الهادفة إلى تحرير الإنسان سياسيا (لأن من لن يخن هذه القيم لا يختلف إثنان في رفضه لهذه الاستراتيجية وعدم معاداته للتقدمي من قيم الأمة) النخب التي تعلم أن الشعب لن يرضى بخيانتها لهذه القيم المشتركة بين كل من يؤمن بأهداف السياسة النبيلة وهو لا يقبل بخياراتها السياسية والحضارية فاستندت إلى الاستعمار لاستمداد القوة المادية وإلى هذين الغطائين لاستمداد القوة الرمزية.

                 الصلح بين الوجهين ضرورة تاريخية

لما كان من الممتنع أن يحكم شعب بالمغالطة الدائمة أو بقيم منافية لقيمه وكان لا بد أن يدرك الخلص من نخبه أن كل نهضة حقيقية ينبغي لها أن تتجاوز سطح هذين البعدين في الفعل التاريخي فإن الخلاف الناتج عن المقابلة بين العاجل السياسي والاقتصادي من جهة أولى والآجل التربوي والثقافي من جهة ثانية ينبغي تخطيه من أجل التناسق بين بعدي الفاعلية المادية والرمزية لكيان الأمة من أجل التآلف الشارط لعنفوان فاعليتها التاريخية: فذلك هو شرط تحقيق أهداف الثورة بصورة سلمية توفيرا لشرطي الرضا والقبول فتغني عن الصراع الدموي وهو ما بدأت به سلسلة مقالاتي حول الثورة. لكن دهاة الأحزاب التي لا وزن لها يذكر استعملوا كل الوسائل الممكنة للوقيعة بين هذين البعدين حفاظا على الحرب التي لم تتوقف بين التعبيرين السياسي والحضاري لحركة الإصلاح.

 فمن البين أن العلاقة بين هذين الوجهين من البناء الحضاري في كل النهضات هو المحدد الأول للإستراتيجيات الحزبية في نفس الإطار الحضاري والقيمي. وهو معيار إستراتيجية الكفاح قبل أن يتحول إلى خيارين متضادين بسبب دهاء المستعمر الذي وضع إستراتيجية معادية لطرفي المعادلة الوطنية وموطده للعداء بينهما وضعا يمكنه من انتخاب من يساعده من النخب المنتسبة إليهما على الاستعاضة بالاستعمار غير المباشر عن الاستعمار المباشر فيحقق أهدافه بواسطة أبناء البلد وتحت شعارات التحرير نفسها.

فكان من الطبيعي ألا يُعرض الخلاف على حقيقته بوصفه خلاف إستراتيجيتين في التحرير من منطلق تصورين مختلفين لمفهوم التحرر التام. كان الدهاء السياسي يقتضي أن يعرض من يقدم العاجل على الآجل في إستراتيجية التحرير الخلافَ بوصفه مجرد اختلاف بين منهجيتين في التعاطي السياسي مع الاستعمار وليس كما هو في حقيقته: خلافا بين من يريد تحرير تونس من التبعية بكل أبعادها وخاصة بعديها الرمزيين أي التربية والثقافة اللتين تحددان الإستراتيجيتين  السياسية والاقتصادية بوصفهما أداتي التحرر التربوي والثقافي.

            القوتان القادرتان على تحقيق شروط السلم المدنية

فأما القوة الأولى فقد كانت الترجمة السياسية لحركة الإصلاح ترجمة فقدت بالتدريج بعدها الحضاري لانتقالها من منطق السياسة السوية إلى منطق السياسوية الباحثة عن النجاح السريع بالحلف مع خطط الاستعمار الذي تدعي مقاومته وباستعمال النخب العميلة  التي ترى التحديث مشروطا بالحرب على هوية الأمة وقيمها الخالدة. فهي قد كانت حركة يُحكم باسمها وبأدبياتها أعني الحزب الحر الدستوري. لكنها لم تكن تحكم إذ إنها حكمت بمن اختاره من استبد بأمرها حليفا يزين صورته لدى سادته: الحلف مع من جاء إلى الحزب من الاتحاد العام التونسي للشغل أو من جاءه من اليسار المرتد عن قيم اليسار.

كلنا يعلم أن الحكم لم يكن أبدا مُرضيا لقاعدة هذه القوة رغم دور أدبياتها وقاعدتها الشعبية في تحرير تونس. فمن استبد بالحزب كان دائما ذا دهاء سياسي يمكنه من إيهام القاعدة الدستورية بأنها قاعدة حكمه رغم أنه يضعه بيد غيرها من النخب المستعدة لمقاومة القوة الثانية التي تمثل بداية الحزب باعتباره تعبيرة سياسية عن حركة الإصلاح ومن ثم لتوطيد الاستعمار غير المباشر في السياسة التربية والاقتصاد والثقافة.

وأما القوة الثانية فقد  كانت الترجمة الحضارية لحركة الإصلاح أعني الحركة الإسلامية المعبرة عن الهوية العربية الإسلامية بصورة لم تتخذ الشكل الحزبي. وقد كانت حركة يُعارض باسمها دون أن تكون قيادة المعارضة بيدها رغم دورها في تحرير تونس كذلك على الأقل بصورة الحفاظ على مقومات الهوية. وذلك لأن من استبد بالمعارضة كان ذا دهاء يستفيد من زخمها الشعبي ويوجهه إلى مبتغاه اللاشعبي.

ولعل آخر هذه المحاولات ما نراه من تحويل الثورة التي هي بالأساس حركة شعبية نبعت من أعماق أعماق الوطن أعني جهاته المقاومة للاستلاب والساعية إلى التحرر من التبعية بكل أصنافها السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية في رقعة الوطن عامة وفي محيط كل المدن الكبرى أحيائها الشعبية التي لم يفسدها التحضر الزائف للخالطين بين الإبداع الحضاري المستقل والتبعية في شكليات العيش المترفه بالعيش على الديون والمضاربات التي يباع فيها مستقبل البلاد ليستمتع أرخص العباد. ولعل أفضل مثال لعبة من تصور نفسه بعد جالسا على كرسي الرئاسة بمجرد المشاركة في حكومة الفضلات الثلاث فصار يعتبر الحركة الإسلامية عدوه الأول لعلمه بأن 'حانوته' أصبحت خاوية على عروشها بمجرد أن حصلت الحركتان الإسلامية والقومية على الوجود السياسي القانوني. 

              شروط استئناف الإصلاح أو التحديث الأصيل

وشرط هذا التلاحم هو استرداد كلتا القوتين ما سلب من دورهما خلال توظيف نخبها واحدة لتكون أداة حكم يخون قيم قاعدة الحزب والثانية لتكون أداة معارضة للتخويف بالإسلام وقيمه ومن ثم لطلب العون من الغرب على الحركات الإسلامية التي صارت فزاعة يخوفون بها الغرب والنخب التابعة له في مجالات السياسة والاقتصاد والتربية والثقافة التي عمها الفساد وصارت معادية لمصالح البلاد:

فلا بد  للتعبيرة السياسية عن حركة الإصلاح من أن تسترد غايتها الحضارية.

ولا بد للتعبيرة الحضارية عن حركة الإصلاح أن تسترد وسيلتها السياسية.

وعندئذ ستصبح الحركتان قادرتين على التداول على الحكم والمعارضة أو للتحالف من أجل قيادة الحكم أو المعارضة بصورة سليمة لكونهما حائزتين عند غالبية الشعب على شرط كل حياة مدنية سلمية أعني الرضا والقبول المشروط بالصلح بين العمق والسطح في الحالتين. فأما الحزب الذي حكم فقد مر بمرحلتين متقدمتين على الوصول إلى ثمرة حركة التحرر من الاستعمار أحداهما  حركة الحزب الدستوري بمراحله الثلاث الأولى أعني ماقبل بورقيبة وما قبل بن يوسف وما قبل بن علي.

وعندئذ كذلك تعود الحركات المتطرفة التي تستعمل الأصالة أو الحداثة استعمالا سياسويا يفرط في مصالح الأمة العاجلة والآجلة من أجل نهوض يهمل المستقبل عند الأولين ونهوض يهمل الماضي عند الثانين بدلا من أن يكون التأصيل سعيا للإحياء المبدع بتحديث قيم الأصالة والتحديث سعيا للتجذير المبدع بتأصيل لقيم الحداثة. وعندما يفهم متطرف العلمانية والأصولية أن الحياة المدنية لا تكون سلمية بما ينال الرضا والقبول من القيم فسيقتنعون بأن الأمة لا يحكمها إلا من توفر فيه شرط الصلح بين:

 التحديث الأصيل الذي لا يمثله إلا من كان جامعا بين العناية بشرط تنمية قيام الأمة والعناية بمنابعها.

والأصالة الحديثة  التي لا يمثلها إلا من كان جامعا بين العناية بمنابع الأمة وشروط تنميتها المستدامة.

 

ولعلهم عندئذ يدركون أنه عليهم التخلص من الحلم بما توهموه من إمكانية الإبقاء على ما أمدهم به العهد السابق من وزن لم يبق لهم بعد الثورة أدنى شروطه: أعني الحاجة إليهم لتزيين النظام في الغرب ولتخويف العالم الغربي من الإسلام والنهوض المستقل. سيدركون أن وزنهم الهامشي وحمق مناوراتهم هي حقيقتهم الوحيدة. ذلك أنه من الحمق تصور المخلصين من الحزب الدستوري سيختارون التحالف مع هؤلاء المناورين ظنا أنهم يجهلون هامشيتهم وعدم قبولهم الشعبي ومن ثم فهو سيقلونهم ويبتعدون عنهم مهما غازلوهم حتى من باب المصلحة الانتخابية الآنية. كما أنه من الحمق السياسي عدم الاستفادة من الوزن القليل بتعديل المضمون السياسي للبرنامج للحصول على الرضا والقبول من القاعدة الشعبية بفضل الصلح مع قيمها الأصيلة. وعندئذ يمكن يتخلصوا من أوهامهم الماضية فيندرجوا في حياة سياسية سوية يقل فيها دور المناورات الضيقة المضحي أصحابها بالمصلحة العليا للوطن من أجل مصالحهم الحقيرة ونظراتهم القصيرة.

حينها يمكن أن يصبحوا جزءا مقوما من المشهد السياسي  العام ممثلين للحلم بالمطلقات العلمانية  والأصولية التي هي أوهام لا وجود لها في تاريخ البشر لا في الماضي ولا في الحاضر. حينها لن يبقوا جماعتين تنغصا مناخ المشهد السياسي والثقافي بمناوراتهما التي لا تخدم إلا أعداء الثورة:

فالإسلامي الأصولي الذي صنعته المخابرات الأجنبية أو المحلية لمحاربة صورة

الأصالة المبدعة.

والعلماني اليعقوبي الذي صنعته الايديولوجيا الأجنبية أو المحلية لمحاربة صورة

الحداثة المبدعة.

 كلاهما يحارب بتطرفه وحمقه ما يتكلم باسمه ومن ثم فهو عدو ما يدعي تمثيله وعدو للأمة والإنسانية المحتاجتين دائما إلى الأصالة والحداثة المتصالحتين تصالح بعدي التاريخ ماضيه وحاضره في إبداع مستقبله فهما لحديث الأجداد وحلما بحدث الأحفاد.

المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي