البحث في الموقع

الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

راسلنا

أرشيف المقالات

فضاء أبو يعرب


فضاء البكالوريا
مقالات ودراسات

منهج وبيداغوجيا



   


  موقع الفلسفة في: 03/.12/2011    

                           الثورة وإعادة تشكل علم الاجتماع

                                                  محمد سراج

 

تُعنى القوى العالمية اليوم بكيفيات تشكل السلطة البديلة عن تلك التي كانت سائدة في بعض الأنظمة العربية، وهذا ما قد تستطيع تطويعه نسبيا، لكن التغير الحتمي الذي حصل هو ذلك الذي حدث على مستوى الفرد في العالم العربي بأسره، التغيير في مستوى الخيارات الفردية، هذا التغير حتما سيؤسس لفعل اجتماعي قائم على استراتيجيات بديلة جديدة تم استحداثها بفعل التغيير.

لذلك فعلى الوعي العلمي السوسيولوجي في المجتمع العربي أن ينتبه لذلك أيما انتباه ويلاحق هذا المستجدات الضوئية التي ستضع علم الاجتماع الخاص بنا على المحك، فإما أن يكون علم الاجتماع منتبها ومقتنصا للتغيرات الفعلية الحاصلة اليوم على المستويات الذرية في المجتمع العربي - والتي سينشأ عنها ولو بعد حين واقع اجتماعي جديد- أو لا يكون. فعلى المتابع السوسيولوجي أن يركز اهتمامه على متابعة الشأن الاجتماعي للتخفيف من غلواء الإثارة السياسية، إنما المستوى الفردي للمواطن العادي هو الذي يمكن ملاحظته الملاحظة العلمية الرصينة البعيدة عن صالونات ومهرجانات السياسة السلطوية والشعبية على السواء، ملاحظة تسعى إلى وعي ولملمة الانعكاس النفس-اجتماعي للمجتمع العربي، ذلك أن حالة الفوران السياسي قائمة في جميع البلاد العربية وتلك الحالة ذاتها ستنتج الواقع الاجتماعي الجديد وتخرجه من أنقاض السياسة، تضخ دما جديدا في عروق الاجتماع العربي الإسلامي.

فسقوط أنظمة قديمة بقبضة يد المواطن الفرد الذي صار يستشعر الثقة في نفسه أكثر من أي وقت مضى، فهذه الثقة وإضافة إلى "هامش الحرية" المستحدث سيقود إلى عمليات بناء اجتماعية كبرى يكون حتما علم الاجتماع الجديد الوليد عقلها المدبّر المفكر، فليس على علم الاجتماع أن يحاول لي عنق الحقيقة الاجتماعية الجديدة الأكيدة لتفسيرها ضمن المنطق القديم، وإلا كان من مخلفات الماضي؛ فالاستبداد القديم قد تم لفظه نهائيا من أعماق غالبية الشرائح الاجتماعية القديمة -مع احتفاظ شريحة به كضرورة اجتماعية-، ضمن دوائر عديدة: الدائرة الثقافية للعالم العربي، الدائر الفكرية للعالم الإسلامي، الدائرة الكونية للبشرية. وذلك بدليل تفاعل جميع تلك الدوائر مع الحاصل في بعض البلاد العربية.

على أن علم الاجتماع الجديد لايهمه أن يؤقنم الفعل الثوري في صيغة واحدة هي التغيير الفعلي والمباشر لهرم السلطة، بل يرى إمكانية تجدد أنماط التغيير، على أن الأول كان لابد منه للتحرير النفسي، وهذا ما يفترض أن تكون الغاية مما حصل ويحصل تتجاوز الهدف المعلن إلى أساسية عنوانها: "إصلاح العلاقة بين الماضي والحاضر"، لأن أقنمة التغيير في وجه واحد هو خادم أمين للأهواء الانتقامية المنحصرة في الأفراد فضلا عن الأطماع الخارجية ذات الآلة الاستراتيجية الجامعة للقوى المانعة للتحرير، كما أن إصلاح العلاقة مع الماضي أيضا يمر حتما عبر عقل مدبّر (ناقد وموجّه) لا نتصوره أمرا آخر غير علم الاجتماع.

فإذا كان علم الاجتماع الغربي قد ولد متحيزا إلى الفئة البورجوازية فعليا كما عند كونت، ومتقابلا مع الفئة البروليتارية كما صاغ لها كارل ماركس، ومتحيزة رمزيا كما عند دوركايم في دفاعه عن أولوية الجماعة على الفرد، ومتقابلا مع غابريال تارد في دفاعه عن أسبقية الأفراد العظماء؛ فضلا عن كون علم الاجتماع ذاته تحيز إلى الحفاظ على مكتسبات الثورة الاجتماعية في أوروبا، بما جعل منه علما محافظا، وكما ترجم ذلك تالكوت بارسونز في نظريته البنيوية الوظيفية التي تلاعبت بالمفاهيم من أجل خدمة المحافظة على النظام الأمريكي إلى درجة تحوله إلى رجل صوفي لا يفهم رموزه إلا هو، أو علم اجتماع ثوري كما عند بورديو وأدورنو الذين أمعنوا في المحاولات التنظيرية الثورية التي تجعل من الحِرمان أصلا للوجود، وإن لم أكن هنا بصدد القدح في أعمال كبرى ليس من الموضوعي أن تنسف بجرة قلم، بل فقط حاولت لملمت المسعى الذي سعت إليه، إذ أن ذلك يقتضي المصنفات الكثيرة.

وغاية القول أن علم الاجتماع الوليد (ودون تحديد صفته الرئيسة) يتعالى عن التصنيفات (الطبقية، والنظرية والغائية على الترتيب وكما وردت فيما تقدّم)، وهذا ليس رغبة شخص أو وحي قلم، بل لا يسعه أن يكون إلا ترجمة موضوعية للحاصل الاجتماعي الآتي من أعماق التاريخ والجغرافيا، غايته المثلى "إصلاح العلاقة بين الماضي والحاضر" دونما حصر لكيفيات هذا الإصلاح الذي هو متعدد بتعدد الشرائح الاجتماعية الممثلة لكل تصور، حيث الجامع المشترك هو بلوغ ذروة تتلاقى فيها المساعي ضمن مناظير تسمو وتنخفض تبعا لدرجة اشرئبابها إلى تحقيق البديل وضمن توازنات يكاد يكون الوعي العقلي عصيا على تنظيمها وترتيبها، ولكنه علم الاجتماع يسعى ليقوم بذلك، ولذلك وجد.

ثم وهو يريد أن يقف زمنيا في لحظة محورية من التغيير النفسي-الاجتماعي الذي انعكس على منطق السياسة كذروة للتغييرات الداخلية التي حصلت وتحصل خلال قرني النهضة العربية الإسلامية، وهي تتجه اليوم لإعادة التأسيس الفعلي للمجتمع بعد أتم موضوعيا صياغته النفسية والنظرية، فلم يبق إذن إلا الإعلان الرسمي لميلاده. فبماذا يعدنا علم الاجتماع الجديد وإلى أية وجهة يريد أخذنا؟

إن محاولة تحديد الوجهة التي يأخذنا إليها هي خروج عن منطق علم الاجتماع الجديد نفسه، فليست غايته أن يوجّه بل يسعى إلى الفهم ضمن منطق المجتمع ذاته لا يعزب عنه إلى المبالغات ولا إلى المفارقات، وهو يتغيا الصياغات الموضوعية الأقرب للصواب عندما يتولى التصوير المفهومي للحالات الاجتماعية القائمة محررا علاقتها بالماضي والحاضر، وفقا لمنطقي العقل والمجتمع الأهليين، استنادا إلى تحديدات مسبقة هي ذاتها النماذج المنطقية المتوافقة تماما بين المنطق العقلي المسبق والمنطق الاجتماعي التالي، وبينهما تنكشف الحقائق الجزئية التي لابد لها وأن توصل برباط العقل بين مبتداها العقلي ومنتهاها الاجتماعي.

ما الوعود التي يقطعها لنا علم الاجتماع في ظل الوضع الاجتماعي العربي المفترض جديدا؟ من المنطقي أن لا ننتظر وعودا منه مادام يحجم عن تحديد الوجهة التي يعزم أخذنا إليها، بل إن المفارقة تكمن في أن وعده هو الصمود من أجل ألاّ يقدم وعدا لأن مهمته أن يقف حائلا دون الاستكانة إلى الوعود، وهذا حفاظا على طبيعته النظرية الصرفة ذات الهدف التوعوي "النضالي" المحض، أضف إلى ذلك عدم اعتباره الحقيقة الاجتماعية جامدة بل هي حية حيوية الكائن الإنساني ذاته، بل الحقيقة الاجتماعية ذات ملابسات متعددة أهما خضوعها للتاريخ.

إن ما سينتج من توجهات تطفو على السطح السياسي في المشهد العربي القادم لن يكون إلا انعكاسا لأطياف المجتمع بما فيه تلك التي لم تستسلم لرياح التغيير، ففي المجتمع كانت تختمر الكتل الاجتماعية التي ستلعب الدور القادم بعد انهيار جدر السلطة السائدة، ومحور كل هذه الكتل هو "الفكرة الدينية" المؤسسة للمجتمع العربي، حيث تختلف باختلاف نظرتها إلى تنزيل القيم الاجتماعية على أرض الواقع بما فيها اليسارية واليمينة.