
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



التفلسف :
أهوفن طرح المشكل أم قدرة على ابتكار حل له ؟
زهير الخويلدي
" في اعتباري أن الهاوي في الفلسفة هو الذي يقبل حدود المشكل العادي كما ترد عليه...أما التفلسف بحق فيتمثل هاهنا في خلق/طرح المشكل وفي خلق الحل..." برجسن.
توطئة :
التفلسف هو الهدف الذي نسعى الى تحديده حتى نتمكن من الولوج الى الفلسفة ونقف على أرضها ونتصرف بهديها وحتى يكون جوابنا عن سؤال : ما الفلسفة ؟ جوابا متفلسفا ونكون نحن بأنفسنا في الطريق المؤدي الى ممارسة التفكير الفلسفي وذلك بالدخول في حوار مع الفلاسفة وتحقيق التوافق والانسجام مع ماهية الفلسفة."ان الهدف من سؤالنا هو أن ندخل في الفلسفة وأن نقيم فيها فنسلك وفق طريقتها أي نتفلسف لذلك يتحتم على الطريق الذي يسير فيه بحثنا ألا يكون واضح الإتجاه فحسب بل لابد لهذا الإتجاه أن يعطينا في نفس الوقت الضمان بأننا نتحرك داخل الفلسفة لا أن ندور حولها من الخارج"
ان التفلسف من حيث هو بحث مضيقي aporétique متشكك لا يخلو من عنصر الاثارة الفكرية والقلق المعرفي والتوتر الوجودي ولا يقتصر على احصاء المنظومات الفلسفية التي ظهرت عبر التاريخ أو تعداد لما قد نعثر فيها من قيم خالدة وجواهر نفيسة وحقائق نهائية بل هو أيضا تحسس الصعوبات واثارتها في صيغة مشاكل وتحديات وأسئلة والحرص على طرح هذه الأسئلة والمشكلات في صيغة دقيقة وسليمة.
ان كانت الفلسفة نفسها أطروحات ومقاربات ومذاهب وأنساق وكان البحث عن الحقيقة وحب الحكمة وتشريع القيمة واضفاء المعنى هو ما يجمع بينها فإن تاريخها نفسه يمكن أن يغدو عديم الأهمية وبلا جدوى ما لم نعزم مرة واحدة على اليقظة عما في الوجود من التباسات واشكاليات وما لم نصمم ولو للحظة واحدة على اثارة المشاكل الثاوية وانتشال المسائل النائمة من سباتها واعادة تحريكها على مسرح جديد وجعلها تنقلب ضد نفسها حتى يسهل طرحها ومن ثمة معالجتها وحلها.
على هذا النحو يصبح التفلسف فنا في طرح المشكل مع قدرة على اجلاء معطياته انطلاقا من أسئلة مباشرة لا تتطلب الا مجرد جواب واحد وذلك بتحليل المعاني العامة وابراز التناقضات والتفكير في المفارقات,ويصبح هاجس الفلسفة الأول هو اثارة المشاكل وبناء المسائل وابتكار الأجوبة وابداع الحلول خصوصا "أن المسألة تنتمي الى نفس الحقل الدلالي للسؤال " وأن البعض من طبيعة السؤال تعدي الجواب وهذا السؤال يقبل أن تكون له أجوبة متعددة ومختلفة ومتنوعة.
إن كان مطلب التفلسف مطلبا متأصلا في الانسان وكان الانسان هو الذي يعنيه التفلسف من جهة كونه المقصود بهذا المطلب والقاصد اليه فإنه لابد أن نتساءل: أي مقصد يطلبه الانسان حتى يعبر به عن أصالة التفلسف؟ كيف يبدأ المرء في التفلسف ومتى ؟ وما الذي يجعله قادرا على خوض تجربة التفلسف الأصيل؟ وما الغاية من تفلسفه ؟ هل يتفلسف من أجل طرح الأسئلة واثارة الاحراجات والمشاكل أم لغاية بناء رؤية تأويلية للعالم وانتاج المعنى ومن ثمة يعمل على تغييره ؟
أن يزعم الانسان أنه يتفلسف الوقت كله وأنه على بينة من معنى التفلسف في مستوى مجالاته ومناهجه وغاياته فذلك عين الجهل وصنيع المثقف الهائم ونتيجة الوقوع فريسة حكم مسبق لم يقع نقده أو خلخلته ذلك أن التفلسف هو جهد لم تتحدد طبيعته بعد وفعل لم يحسم الفلاسفة أمرهم بشأنه بدليل أنهم مازالوا يطرحون سؤال: ماذا عن التفلسف ؟ ومازالوا منقسمين فيما بينهم بشأن الجواب الذي يمكن اعطائه لسؤال: من هو الفيلسوف على الحقيقة والاطلاق ؟
اللافت للنظر أن الكائن الانساني يجد في ذاته مصدر تفكيره الفلسفي وأن التفلسف ينبثق من المصدر الأصلي للأنا ومن معايشته لتجارب قصوى ووضعيات عبثية وينمو عندما يسخر المرء من نفسه ويقضي على الاعتقادات الباطلة ويفلت من تحجر عادات الفكر الناشئة من الاتصال بالتجارب المألوفة وعندما يحطم أشكال المسايرة وضروب مجاراة الحدوس الأولية.
ان كانت "الفلسفة تستمد قيمتها من طابعها غير اليقيني ذاته"وتسمح للوجود الانساني باجتياز سجن الأحكام المسبقة فإن التفلسف غير قادر على أن يمنحنا الجواب الشافي للشكوك التي تحاصرنا وللصعوبات التي تعترضنا وليس له من مهمة الا زعزعة اليقينيات التي استقرت فينا بالقضاء على وثوقياتنا وذلك بأن يجعلنا نصوب نحو منطقة الشك المحرر ويخلصنا من استبداد العادة ويحافظ على بكارة شعورنا بالتعجب بأن يرينا الأشياء المألوفة في مظهر جديد ويثير فينا امكانيات توسع مجال تفكيرنا وتنمي معرفتنا. بهذا المعنى يكون التفلسف تلك العملية التساؤلية التي يحاور فيها الانسان ذاته ويتجادل مع الآخرين ومع العالم والتي لا يهتم فيها بايجاد حل للمشاكل بل يكتفي بطرح المسألة بشكل دقيق ويعمل على مواصلة البحث والاسطلاع والتفتيش خصوصا وأن" ما يهم الفيلسوف ليس بلوغ الهدف بل تلك الأشياء التي يلتقي بها في الطريق". بيد أنه ثمة من يعتبر التفلسف ضرب من النظر العقلي الذي يهدف الى معرفة الأشياء على حقيقتها لأن الانسان لا يبدأ في التفلسف الا حين يفكر تفكيرا نقديا في كل ما يفعله في هذا العالم فيحول الحدث بالفكر الى تجربة ويعود الى الفكرة المباشرة المرتبطة بالتجربة المعيشة ليكتشف معناها ويستخرج حقيقتها المجردة أي أن التفلسف هو الجهد الذي نبذله لنفكر ولنتعلم الطريقة المثلى للحياة بأن نترفع عن واقعية انشغالنا بأنفسنا ونحيا الحياة الحقيقية.
بيد أنه لا قيام للتفكير الفلسفي دون أن نجعل من نقطة انطلاقنا هو الانسان نفسه بوصفه ذلك الموجود الذي لا يكف عن وضع نفسه موضع التساؤل ولا حياة للفلسفة ما لم يحاول الانسان أن يفلسف حياته ويحيا فلسفته وآيتنا على ذلك أن التفلسف يقظة وتبصر وأنه يعلمنا ألا ننخدع وأن نعترف بغرابة وجودنا من جهة كوننا كائنات ملقية على عرض العالم وقادرة على تجاوز هذه المنزلة الهامشية والتعالي نحو الحق. كما أن التفلسف يسمح لنا بأن نحتفظ بثقتنا في معرفة أسس الأشياء التي يستعصي فهمها وبقدرتنا على حل كل الإشكاليات المستبهمة وإيجاد مخارج لكل الطرق المتشعبة ما دامت الفلسفة قادرة على إصلاح طريقتنا في التفكير والتحول إلى عامل خلاص وأداة انعتاق بأن تقنع الناس بسداد رأيها وتصون كرامتهم عندما يتدحرجون من قممهم نحو المنحدر الخطر وتتكلم بأفواههم وتعلمهم مواجهة الكارثة المحتملة.
ربما يكون الفيلسوف هو الإنسان المتأمل الذي يثير القلق في صميم طمأنينة العالم ويتطلع إلى الوجود بأسره ويستوعب الأزمنة كلها، يندرج في العالم بالكلمة والفعل يقترن قدومه للعالم مع ولادة شيء فريد في جدته ويجعل من تفلسفه تخطيا لمحدوديته وتناهيه ويبدع أشكال جديدة من الحياة ويبتكر نظرة كلية للأشياء, يربط بين النظر والعمل ويقترن عنده الوفاء للحقيقة بالإلتزام والمغامرة وتحمل المسؤولية في كل حالة . ولكن إن كانت العولمة تعدم السؤال تحت أكوام هائلة من الأجوبة وتحجب عنا براءة "المايحدث" وتسرق منا "خامية" حوادث العالم الأصلية بأن تأسر الإنسانية بين فكي السؤال والجواب وبين الباث والمتقبل و بين العين والعالم وبين الصورة والمادة فإن التفلسف هو إختراق لهذا الحصار وتنشيط للفكر والذاكرة حول حوافي الوجود وداخل مناطق الصمت وغياهب النسيان لانتشال المعنى من الضياع على قارعة الطريق وللفوز بغنيمة من الأسئلة الكينونية .
ألا ينبغي في هذه الحالة أن نوثن الجواب ونعتصم بالسؤال ؟ وألا يجب أن نعرف كيف يجب أن نتساءل ؟ ومتى يجب أن نتساءل ؟ ولماذا ينبغي علينا أن نتساءل ؟
إن كان التفلسف فنا في طرح المشكل ألا ينبغي أن ندرس منزلة المشكل في الفلسفة وأن نتساءل : لماذا ينبغي إثارة مشكلات جديدة دائما وفي ظل أية ضرورة ولأي استعمال ؟ ومن أجل ماذا ؟ فماذا يفيد هذا النشاط الخاص بطرح الإشكليات الذي يختلف فيه النشاط الفلسفي عن النشاط العلمي وعن الابداع الفني؟ ما الفرق بين السؤال والمشكل والاشكال ؟ ولماذا ينبغي أن نميز بين السؤال والتساؤل والتسآل ؟
كيف يقع المرور من الطرف الأول إلى الثاني ثم الى الثالث؟ هل هناك مشكل أفضل من كل المشاكل الأخرى؟ وكيف توجد مشاكل تفرض نفسها ضد مشاكل أخرى؟ هل من المحتم علينا أن نميز بين مشكلات علمية ومشكلات فلسفية أم من المستحسن أن نبذل الجهد للتفريق بين مشكلات زائفة ومشكلات حقيقية؟ وإذا كان السؤال بداية التفلسف وكانت له مكانة بارزة في تحديد ماهية كل فلسفة فإنه من الضروري أن نجيب عن هذه الإشكاليات: بأي معنى يستطيع سؤال الفلسفة أن يكون فلسفيا ؟ وهل المعرفة بماهية السؤال الفلسفي وبطبيعته تكون ضرورية لكل من يريد التفلسف ؟ وما هي نماذج الأسئلة الفلسفية الممكنة التي تشكل نواة الإستفهام الفلسفي ؟ وما الفرق بين السؤال العامي والعلمي والفلسفي؟ كيف يمكن أن نميز بين التسآل والإستشكال وبين الإستفهام والإستجواب ؟ وإن كان تاريخ الفلسفة هو تاريخ الأسئلة والأجوبة وكانت الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة لأن كل سؤال يفترض جوابا وكل جواب يتحول إلى سؤال جديد فإنه لابد أن نعرف كيف نخلق الحاجة إلى الجواب بقدر معرفتنا كيف نخلق الحاجة إلى سؤال ونتجاوز العوائق التي تقف دوننا وابتكار حلول لمشاكلنا فهل هناك وضع يكون فيه الإنسان مكتف بطرح السؤال وإثارة المشكل دون الحاجة إلى حل وجواب ؟ أي وضع هذا ؟ وما قيمة التفكير الذي لا يدفع الإشكاليات إلى حدودها القصوى ويعثر على أجوبة ؟ فما السبيل إلى التغلب على أكبر عائق أمام المعرفة والفهم وهو عدم الإكتفاء باليقينيات وممارسة التظنن والإرتياب لخلق وضعية للجواب ؟ وكيف نجعل التفلسف ينتقل من مجرد فن في طرح المشكل إلى قدرة على ابتكار جواب له ؟ فأي مسألة في الفلسفة هي ملكة كل المسائل والجواب عنها هو أمير الأجوبة ؟
ماهو غني عن البيان أن المساءلة الفلسفية ليست غاية في حد ذاتها بل أن الفيلسوف يسئل لأجل أن يعرف وأن يسير بخطى ثابتة في هذه الحياة لينتهي إلى فائض في المعنى وفهم أمور لم يكن يفهمها من قبل بالصعود إلى المبادئ التي تجعل الإجابة عن السؤال وحل المشكل أمرا ممكنا خصوصا وأنه كما يقول هوسرل : "إذا وجدت إنسانا يسأل ولا تنتهي أسئلته إلى شيء ما فاعلم أنه إما أن يكون حالما أو عابثا "[5]. ان العقل الإنساني لا يسأل عن شيء لا يكون موجودا أو لايكون قادرا على إيجاده وإن طرح المشكلات وبذل الجهد لحلها هما قريبان جدا هاهنا للتعادل لأن المشكلات الحقيقية والكبرى لا تنطرح إلا حين تحل,فكيف يمكن أن نوفق بين هذا الفن في طرح الأسئلة والقدرة على ابتكار حلولا مقبولة لها ؟وإلى أي مدى يكون التفلسف هو فنا في طرح للمشكلة وحل لها في الوقت ذاته ؟
إن ما نراهن عليه في هذا المجال وما هو في ميزان الفكر هو أن نخلص التفلسف من العدمية التي ارتبطت بالنزعة الريبية التي تطلق حركة التساؤل دون توقف ومن الوثوقية التي جعلت من الأجوبة نواة جوهرية للروح المذهبية والتصور العقائدي للعالم من أجل خلق تفلسف نقدي يستيقظ عن الإشكالي ويؤول الحياة ضمن قراءة متواصلة لنص الوجود تكرس حق الاختلاف وتضمن التآنس والتعايش بين الذوات والأمم .
Ι/ التساؤل/الاستفهام :
من الاكتفاء بالجواب الى الحاجة الى السؤال :
" اقتضاء القول هو السؤال"
" الاستفهام استعلام ما في ضمير المخاطب,وقيل:هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن فإن كانت تلك الصورة وقوع نسبة بين الشيئين أو لا وقوعها فحصولها هو التصديق والا فهو التصور."
غالبا ما تتجه همة الانسان العامي متى تعلق الأمر بسؤال مطروح عليه الى البحث المضني عن جواب يعتقد أنه جاهز في موضع ما وأنه موجود بشكل مسبق في مكان ما من العالم وماعليه الا نفض الغبار عنه والكشف عنه وكأن " ثمة سؤال يكون هو فينا ويكون جوابه في الأشياء" بعبارة أخرى كأن السؤال نفسه هو انتظار الجواب أو العتبة التي توصل الى باب الحلول.
من هذا المنظور فإن خطاب العامي يستعجل بوضع الحلول قبل حتى الاستعلام والاستفهام ويعتقد راسخا أنه يعلم ما يعرفه ولا يعرف أنه لا يعلم ويقتنع باليقينات الجاهزة ويؤثر البديهات والمسلمات على الصعوبات والاحراجات لما توفره له من "طمأنينة في مجال الرأي واعتدال في الضرورات" ويحاول قدر الامكان تفادي تجارب الشك والحيرة والدهشة والتساؤل ويحبذ التقليد والاتباع والتسليم ويركن الى الايمان العجائزي وتمجيد التراث وتقديس السلف دون أي نقد أو تمحيص ولهذا فإنه يبحث في الكلام اليومي عن السؤال من حيث هو منقول الى الجواب لأن السؤال الذي لا يلقى جوابا عنده هو ليس بسؤال شرعي بل هو سؤال نزوة أو لا سؤال يفقد دلالته وتنهار دعائمه.
زد على ذلك أن الفكر التداولي يركن الى الحلول الجاهزة والوصفات المألوفة من تعويذات الجمهور وشعوذات الدجالين ويأنس لها وتأنس به وهو في كل ذلك يصبر على اثارة السؤال ولا يطيق غمرة الاشكال ولا يعيش محنة القلق لأنه غير قادر أن يحقق كفاية نفسه كما أنه في الوقت ذاته عاجز عن تجاوز وضعيته. وحتى في الخيال العام وعند الموقف الطبيعي فإن السؤال له وجود عرضي يظهر فجأة ليختفي بسرعة أما الجواب فإنه يتأبد ويترسخ بعد الحكم بالنفي أو الاثبات على الرأي الصحيح ليصبح من اليقينيات التي لا تتزعزع والبديهيات التي لا يمكن أن نضعها موضع شك.لهذا السبب لا يزال كل سؤال معلقا بجوابه مشدودا اليه متوقفا عليه وماتزال مهمة الجواب الغاء السؤال الذي سبقه وكان سبب وجوده وكان" السؤال في التجربة اليومية للإنسان العادي هو استفهام حول موضوع يستشعره السائل ولكن لا يدري ماهو. يسأل عن رجل: من هو ليعرفه وعن شيء لم يره ليستطيع استخدامه ".
هذا بالاضافة الى أن السؤال في التجربة اليومية للانسان العادي هو السؤال العام يزعم أنه يمتلك معرفة ما بموضوعه منذ البدء ويريد الوصول اليه وله غاية نفعية مباشرة فهو استغراب حول موضوع يستشعره السائل ولكن لا يدري ماهو؟ وأين هو؟ وكيف يصل اليه؟ نستنتج من ذلك أن الانسان العامي يحب الجواب ويكره السؤال ,وقد قيل:" حبك للشيء يعمي ويصم وقد دل على أن محبتك يمتزج بها الهوى وتتجاذبها الشهوة وتذهل معها النفس ويكل عندها العقل فذاك هو الاعماء والاصماء" وانما ارادته التمثيل باللفظ والزجر بالمعنى وهذه المحبة على ما اتصل بالدنيا وأسبابها موقوفة على الانسان العادي أما أمور المعرفة وطرائق الحكمة لفإن حبها لايعمي ولا يصمي بل يزيد في السمع ويقوي في الرغبة ويضيء البصر وينور القلب ويطهر الخاطر ويجعل الانسان يأنس الى ما لايعرفه ويستوحش ممن يعرفه . لكن لم كان الانسان ميالا للجواب هاربا من السؤال ؟ لماذا يحتاج الانسان الى تعلم العلم ولا يحتاج الى تعلم الجهل ؟ لم صار في حفظ الصواب أنفذ منه في حفظ الخطأ ؟ لم يطلب الدنيا بالعلم ولا يطلب العلم بالدنيا ؟ لماذا يحرص على ما منع عليه ويسرع الملل اليه في ما بذل ؟ لماذا صار اليقين اذا حدث وطرأ يثبت ويستقر والشك اذا عرض أرسى وربض ؟ لم قيل ان الرأي نائم والهوى يقظان ولذلك غلب الهوى الرأي ؟ وما معنى قول آخر: العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ؟ فما سبب هذه الصداقة مع هذا العقوق وتلك العداوة مع تلك المتابعة ؟
من هنا أتى رأي شائع ضد الفلسفة يعتبرها قولا نافلا لا حاجة لنا به ويتهمها بالقصور وعدم الحزم في معالجة القضايا المستعصية وفي تفكيك الصعوبات التي تثيرها السياسة والاقتصاد والايديولوجيا لافتقارها لحلول جذرية لمشكليات اليومي والوضعية التي يوجد فيها الانسان.فإن كانت كل معرفة هدفها في النهاية بلوغ نوع من بساطة اليقين وراحة العقل وثبات الوجود فإن هذا اليقين لا مقياس له وهذا العقل نشاط دائم وهذا الوجود هو دوما متحفز وصائر وإن الفلسفة هي التي تملك السؤال الذي يظل له جوابا منفتحا أبدا أمامه وإن المسألة التي تمتلك جوابها لم يعد لها انتماء للفلسفة أما هذه الأخيرة فكأنها اختصت بذلك النوع من الأسئلة المفتقرة الى أجوبتها وبالتالي ليس ثمة خطاب للفكر يمكن اعتباره جوابا نهائيا ان لم يكن ذلك الجواب في حد ذاته قادرا على تقديم أرضية لأسئلة جديدة تجاوزه نحو حقول وقارات معرفية أرحب.
كما أن فيلسوف السؤال هو على خلاف فيلسوف الجواب وعلى خلاف العامي فإنه في مرتبة وسطى بين الجاهل والعالم حين يتكلم فإنه يتكلم باسم الانسان والانسان رجل تساؤل وتعجب واستفهام تؤرقه كلمة لماذا؟ وتقض مضجعه كل مشكلة تعترضه. " ان الفيلسوف هو انسان المشكلة ورجل التساؤل وخالق علامة الاستغراب,إنه الموجود الذي لا يزال أبدا سالكا سائرا حائرا عابرا ناظرا ومسافرا...إنه المخلوق الذي يجد دائما في اثر الحقيقة ولكنه يعلم في الوقت نفسه أن التأمل الفلسفي مهمة لا يمكن أن تنتهي لأن في توقفها نكران لذاتها... فهل يشبه فيلسوف السؤال الملك شهريار الذي كان يريد دائما أن يضع حدا لمخاطرته بقطع رأس ضحيته دون أن يفعل أم يشبه شهرزاد التي كانت تواصل كل مساء سرد قصة كانت قد بدأتها في الصباح ؟
ان الفلسفة كألف ليلة وليلة ليس فيها نهاية حاسمة وانما هي على الدوام بداية متجددة وطرح مسترسل للأسئلة وفتح مستمر للآفاق "لا تعتبر نفسها منتهية في كل ما تقوله بل هي عود على بدء وتجربة متجددة لما بدأته" تعيد تعليم رؤية العالم والفيلسوف هو أيضا مبتديء دائم لا يعتبرأي شيء مقررر بشكل نهائي ولا يؤثر مصلحته الخاصة بل يفكر مع الآخرين ومن أجلهم .
من هنا فإن الفضيلة الأولى للفيلسوف الحق هي اخلاصه للحقيقة ووفاؤه للوجود لا يملك سوى أن يضع المسألة وضعا جديدا ويعيد النظر في الحلول السابقة تاركا مجال البحث مفتوحا على مصراعيه و" الفيلسوف الجدير بهذا اللقب هو الذي لم يقل أبدا غير شيء واحد بل انه ما فتىء يحاول قوله دون أن يتحقق له ذلك..."الفيلسوف هو موظف الانسانة يحفظ صحة اصحابه حتى لا يعتريهم مرض الجهل, غرضه في علمه اصابة الحق وفي عمله العمل به و"ميزته انه حتى نظرياته الخاطئة واستدلالاته الساذجة التي يبدو انها تتيه تماما في ترهات التفاهة والابتذال انما هي تخفي حقيقة راقية ومستترة رغم ان كل شيء يسمح بسبرها".
اذا كانت المعتزلة قد قالت:" السؤال نصف العلم فكن مع السائل فإنه المستخرج والمسألة علة الجواب وليس الجواب علة المسألة" فإن العامي لا يقدر على التوجه الى السؤال وهو قاطن في تراث الحلول الي ورثها ومتكرر من جاهزية الجواب المسبق التي يؤمنها له الخطاب الثقافي السائد والنظام المعرفي الذي ينتمي له, ان الحشد يطرد السؤال ويدجنه ويصعب عليه فتح أقفال هذا التراث الجوابي الذي تكون من شبكة من الحلول المكرورة.
على هذا النحو تتمثل الوضعية العرجاء للفلسفة في أنها تجد نفسها مجبرة في أحيان كثيرة أن تتحمل عبء الاستماع الى أناس لم يكلفوا أنفسهم أية مشقة من أجل البحث عنها ولم تنتابهم أي رغبة من أجل فهمها بل يرزحون تحت وطأة الأراء الشائعة والأحكام المبتسرة ويتلذذون بالتحدث في موضوعات يعرفها مستمعيهم سلفا ويحفظونها عن ظهر قلب ولا تحتاج منهم الى المزيد من التفسير والتوضيح . من ناحية أخرى يبدو أن هؤلاء العامة يتحدثون عن الفلسفة حديث العالم بكل دقائقها اذ تراهم لا يترددون في نقد الفلسفة وادعاء امتلاك الحكمة دون أي اعداد مسبق ودون أن يتجاوزا التعليم العادي لا سيما تحت تأثير علاقة التواصل التي يقيمونها مع المواقف العضوية والعاطفة الدينية وذلك لإرتباطهم بالوجدانيات والأفكار الشائعة والنظريات الشعبية في المعرفة," ان الناس يتفلسفون في مرحلة معينة من التطور الروحي أو عند درجة معينة من الثقافة العقلية ".[10]
هنا ليس لنا من مهرب اذا عزمنا على التفلسف سوى طرح الأسئلة التالية :
هل تكفي بعض الخطرات وفلتات الذهن لنلحق زمرة من أصحاب الرأي بالفلاسفة ؟ ألا يخفي رفضهم للفلسفة الرسمية توقهم للحصول على تصور مألوف لديهم ؟ ماذا يحصل عندما يحرم الذهن من استخدام أفكاره المألوفة ويتنقل الى منطقة الفكر الخالص؟ ألا يشعر بأن الأرض التي يقف عليها من قبل بثبات ويحس معها بأنه في بيته قد مادت تحت قدميه ولم يعد يعرف أين هو؟ أليس برفضه للأجوبة واعتصامه بالأسئلة يتمكن من استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق ورفع حضيض التقليد والهداية ببقاع الاستبصار ؟
ما يمكن ملاحظته أن كل المذاهب التي ابتدعت أجوبة وجللتها باليقين والثبات انتهت الى أن أصبحت عقائد متحجرة في حين أن الفلسفات النادرة الناجية هي التي احترفت التشرد والترحال على طول المسافة الفاصلة بين السؤال والجواب وبين المنطلق والمبتغى وبين البدء والنهاية,وهي كذلك فلسفات لم تتورط في جواب يدفن أسئلتها الأولى أو يخفيها بين طبقات اللامفكر فيه الى الأبد,ولم تلوذ بالموقع التساؤلي الذي ينقلب بين الفينة والأخرى الى حد الموقف الريبي اللاأدري والعدمية القيمية التي تصحر الوجود وتعمق الهوة بين عالم الحياة وعالم الفكر وبين واقع التقنية ونظام القيم .
ان سقراط هو أول من ابتنى ثقافة السؤال مقابل أكوام الأجوبة التي يوفرها الموقف الطبيعي فهو أول من ألقى عرض الحائط الريبية المتشككة التي تكتفي بطرح الأسئلة ورفض المذهبية الجوابية الوثوقية وتوقف عند العتبة ليفتح عهد العقلانية الجذرية الباحثة وليدشن الفصل الأول من فصول فلسفة السؤال.بينما الكندي كان أول من وضع في حضارة اقرأ رسالة في الفلسفة الأولى حدد فيها المطالب العلمية عندما صرح:" أشرف الفلسفة وأعلاها مرتبة الفلسفة الأولى أعني علم الحق الأول الذي هو علة كل حق.ولذلك يجب أن يكون الفيلسوف التام الأشرف هو المحيط بهذا العلم الأشرف لأن علم العلة أشرف من علم المعلول لأنا انما نعلم كل واحد من المعلومات علما تاما اذا نحن أحطنا بعلم علته لأن كل علة اما أن تكون عنصرا واما صورة واما فاعلة- أعني ما منه مبدأ الحركة- واما متممة أعني ما من أجله كان الشيء...والمطالب العلمية أربعة كما حددنا في غير موضع من أقاويلنا الفلسفية : اما هل واما ما واما أي واما لم . فأما هل فإنها باحثة عن الانية فقط.وأما كل انية لها جنس فإن الما تبحث عن جنسها وأي تبحث عن فصلها وما وأي جميعا تبحثان عن نوعها ولم عن علتها التمامية اذ هي باحثة عن العلة المطلقة "
لقد عبر كانط عن هذه العلاقة الوثيقة بين الأسئلة والعقل الفلسفي بقوله في مقدمة نقد العقل المحض : " للعقل البشري في نوع معارفه هذا القدر الخاص أن يكون مرهقا بأسئلة لا يمكنه ردها لأنها مفروضة عليه بطبيعته نفسها ولا يمكنه أيضا أن يجيب عليها لأنها تتخطى كليا قدرته ..."ويفيد هذا القول أن الأسئلة التي يطرحها العقل ولا يمكنه تفاديها هي المصدر الذي ينبثق منه التفلسف الانساني فلو كانت له القدرة على تلافيها أو حلها لما كان هناك فلاسفة وتفلسف وفلسفات عندئذ يكون السؤال هو بداية الفلسفة ويكون التفكير الفلسفي قدرة على طرح أسئلة لا يقدر العقل البشري على عدم طرحها ولا يستطيع الاجابة عليها.فإذا كان السؤال يحتل مكانة بارزة في الفلسفة فكيف يستطيع أن يكون فلسفيا ولا يقع خارج الفلسفة ؟
غني عن البيان أن السؤال كان ولا يزال أحد أشكال الاستفهام وفعلا يقود الى ممارسة الفهم والاستعلام وطلب المجهول من المعلوم أو طلب الغائب من الشاهد والأدنى من الأعلى, أما الاستفهام فهو طلب الفهم من الذات ومن الغير بعد الشعور بسوء الفهم وانعدامه وهو كذلك استنجاد بالواضح والجلي من أجل فك رموز المعقد الغامض.هكذا ظل السؤال يرمز الى الطريق المؤدي الى المعرفة لأن الانسان لو عرف كل شيء لما احتاج الى طرح أسئلة أو التعجب والحيرة, لذلك يتراءى لنا السؤال فعلا يعبر عن شعور برغبة في المعرفة لسد النقص ورأب الصدع وملىء الفراغ الذي يخشاه الانسان والطبيعة على السواء. زد على ذلك أن السؤال يفضي الى ممارسة الجدال والجدل بالتي هي أحسن لأنه تعبير عن موقف ما من دعوى الآخر واستدراج صاحب الدعوى للدفاع عن أطروحته بتقديم الحجج والأدلة وفحص مدى قدرتها على الصمود أمام ضربات النقد الذي يحاول السائل اخضاعها له من أجل دحضها أو اثباتها أو تعديلها. كما يمكن السؤال الانسان من الحضور في العالم والمشاركة في بناء المعنى وتأسيس المعرفة مع تربيته على الابداع والنقد والحوار بتحميسه في الانخراط في التفكير لعلاج المشكلات المرتبطة بذاته وبالعالم البيئي المحيط به,أضف الى ذلك أن السؤال يجعل الانسان محبا للحياة ومن عشاق التنوع والصيرورة والاختلاف والتجدد ويدفعه لاتخاذ موقف متبصر من كل مجريات الأمور. ان السؤال بدء يتشبث بموقعه الانفصالي ليؤسس فلسفة البدء نظرا لكونه وقفة بين حالين,مما يعني أنه قد يفتح مقترقا من غير أن يكون له جهة وما أن يحدد الجواب الجهة حتى يختفي المفترق ويتمكن السؤال من اجتيازه والقضاء على نفسه وبعبارة أدق السؤال بدء لا ينتهي في كل ما يلحق به بل سيظل موجودا في كل ما يتبعه,"ان السؤال هو ما لايدري عن نفسه بعد ماهو حتى يتمكن من استدراج أجوبة لا يتوقعها أبدا ".
حركة السؤال اذن هي حركة استقلال تجعله يجلس منقطعا عما ينبغي أن ينتهي اليه من حصاد الفكر وأكداس المعرفة,فالسؤال لا يتخلص من نفسه بلقاء ثمة جواب ما بقدر ما يتضاعف فيه الحس بالافتقاد نحو جواب يعادل خارجية السؤال ويجلسه على عتبة الأبواب المغلقة .وهكذا اعتصم البدء بالسؤال ورفض أن يتقدم عليه الجواب لأن الأجوبة لا تسد رمق الفيلسوف ولا تشفي غليله اذ يجترح بينه وبين المنتهى مسافة قد تفضي الى لامكان,ان الأجوبة تمر وتمضي,تظهر وتختفي بينما الأسئلة تطرح وتبقى معلقة في سماء المفهوم المجرد وتستمر في لمعانها وبروقها,ان السؤال يبقى حتى بعد ميلاد أجوبته فكأنها لم تستنفذ سؤاليته وكأنه يبحث عن الجواب الذي لن يلتقيه أبدا و لن يكون جوابا نهائيا عنه وله.لذلك ليس الجواب هو الأصل الذي ترجع اليه كل الأسئلة وتتجمد بل السؤال هو الأصل الذي ينبغي أن تنطلق منه الأجوبة دون أن تتوقف لأنه مصدر كل ما يأتي من بعده من أجوبة.لقد ذهب كارل ياسبرس الى:" أن ماهو هام في الفلسفة ليس الأجوبة بل الأسئلة لأن لكل سؤال جواب وهذا الجواب يتحول الى سؤال جديد ". أما هيدجر فيرى أن: " التفلسف هو تساؤل خارق للعادة خارج النظام عما هو خارج النظام " ومن هذا المنطلق يكون دور الفلسفة اختراع الأسئلة فحسب والتورط في أجوبة غير جوابية بحيث يبدو أننا أمام قلب لما قاله السلف من لكل سؤال جواب الى لكل جواب سؤال بل لكل سؤال سؤال و لكل سؤال أسئلة عديدة وجماعها تنشأ المسألية الفلسفية,ويتعلق الأمر في السؤال الفلسفي لا بايجاد الجواب وانما بالبحث عن خلفيات ذات السؤال وتقصي مأتاه وطبيعته وظروف نشأته وعما يمكن أن يثيره من أسئلة أخرى وما يمكن أن يحيل عليه من سجلات.
أهمية السؤال تكمن في كونه يستشعر الغريب في المألوف والباطن في الظاهر والسري في العلني ويتحرر من كل أجوبته السابقة و" يرفع عنه ثقل الميراث لكي يعود الى التراث",صحيح أن السؤال محله اللسان ولكن موضوعه هو لسان حامله الذي ينطق به ويسمي العالم كله من حوله,وان كان السؤال العامي ليس بعد سؤال في وعن السؤال و ليس بعد لماذا لماذا ؟ فإن السؤال الفلسفي يكتب كما لو أنه لم يكتب من قبل,كلما شرع في تناوله فيلسوف كأنه يفارق غربته حتى لا تحاصره ولا يجد خصوصيته الا في شمولية موقفه وكونية انتمائه,انه يستشعر ضرورة البدء ولا يعثر على ذاته الا في السؤال عندما يحس بافتقاد الماهية و يشرع على التو في البحث عنها وانجازها ويحاول جاهدا انتزاع المسلمات الضمنية وتجاوز الفرضيات المسبقة ليبدأ كل شيء من جديد. ان السؤال عتبة فهو لا يتقهقر الى الخارج الذي أتى منه ولا يتقدم نحو الداخل الذي يهدده بالامحاء والانطواء طالما أنه ليس ثمة داخلية تعادل خارجية السؤال وليس ثمة خارجية يمكن أن تعوض داخليته. عندما يستخدم الفيلسوف السؤال فانه يسلك طريق العودة الى البداية في كل شيء ويصعد المقام الذي انحدر منه ليكتشف بداية مغايرة لتلك التي كان قد انطلق منها وهذه الخاصية ليست نقصا فيه أو افقارا له ولكنها تؤلف جسر الاتصال الاستثنائي بثابت التغير الدائم."ان السؤال السقراطي هو أساسا بداوة شوارعية وسقراط في النهاية يكف عن التساؤل لأنه يصير صيرورة لبيت السؤال وبالتالي فإن سقراط هو بيت السؤال وجواب شوارع المدينة وآفاقها الممزقة...[ في حينٍٍ] أن ديوجين يصر على اضاءة مصباحه والتجول به في وقت الظهيرة ...ان ديوجين لم يكن أبلها ولا مجنونا لأنه يتشبث بضوء مصباحه منارا في واضحة النهار بل كان يصر على الاحتفاظ بذبالة الضوء النحيلة التي تخصه وحده دون رحابة النهار جميعه".[13]
ان السؤال يتيح للفقير الفلسفي أن يتخلى عن نعلته المهترئة التي يخلفهاوراءه على قارعة العتبات ليغوص بأطرافه في ارائك قصر اللامعرفة وذلك بالاطلال على استحالة الحسم فيه دون القيام ببحث يمكن من فهم لماذا لم نفهم ماهو مطلوب من هذا السؤال؟," ان العالم يولد بكرا جديدا مع كل سؤال...فمثلما في البدء كان السؤال كذلك يأتي السؤال جديدا كأحد الحدود لتقدم البدء في كل مايليه".
ما نستخلصه بديا أن الفلسفة ليست أبدا وطنا للجواب بل هي دائما وأبدا وطن السؤال فتاريخها كان دائما فرارا أمام السؤال دون أن يسبقه ولو مرة واحدة والسؤال الفلسفي لا يهبط من لامكان ومن فراغ ومن خواء بل يهبط من نسيان ومن عدم ولكنه نسيان ممتلىء ببواعث ومحفزات السؤال,انه يهبط من التسآل. لكن من أدراني أن التسآل هو طبيعة السؤال ومنبته الذي يخصه وحده دون غيره؟ ما هو الفرق المفهومي والتداولي بين السؤال والتساؤل ؟ وما الذي يجعل عملية المرور من التساؤل الى التسآل أمرا ممكنا ؟ ما المقصود بالفكر السؤالي وسؤالية الفكر ؟ وكيف يتورط جوهر التسآل في العلاقة الالتباسية بين الموجود الانساني والوجود ؟
ΙΙ/ التسآل :
في اعتصام الفكر بوضعية التساؤل[14] :
" الفرضية المستبعدة الوحيدة هي الاستقرار في الطريق الراهنة. وليس المطلوب ايجاد أجوبة جديدة لمشكلات قديمة وانما نحن مطالبون ازاء المهام المستجدة التي تواجهنا بتغيير طريقة طرح الأسئلة بالذات. ومطالبون في المقام الأول بأن نطرح الأسئلة الحقيقية انطلاقا من المشكلات التي تربط بيننا لا من الايديولوجيات التي تفرق بيننا".[15]
اللافت للنظر أن كل فلسفة هي استنطاق لفلسفات سابقة من أجل نقدها وتجاوزها, اذ قلما نجد فيلسوف ينطلق من نقطة الصفر بل هو بالضرورة مجبرا أن يسكن الأبنية الفلسفية المشيدة قبله وأن يعترف على الرغم من ذلك بجهله و"أن ينذر في المعرفة فقرا" ليطرح أسئلة حارقة معبرا عن عجزه عن الادراك لغموض الأشياء المحيطة به ومحدودية ملكاته الادراكية. بيد أن السؤال الذي يطرحه هكذا انسان لا ينمو بسرعة الا تحت الحاجة كما أن طفولته لا تهرم أبدا فهو يحافظ على براءة صيرورته وكأنه مطروح منذ الوهلة الأولى فهو المفهوم الذي تنقصه عدة الفهم وهو الفكرة التي ينقصها الوضوح والتوهج.
ان ما يتلقاه السؤال من أجوبة لا يملأ فراغه ولا يسد رمقه ولا يشفي غليله ولايرتد عليه منها ما كان يتوقعه بل يظل السؤال مداهما طارئا مباغتا له من الغرابة والفرادة ما يجعله العجب العجاب الى الأبد, وعندما تسكت كل الأسئلة يبقى سؤال الجواب وحده قائما ويظل باحثا عن جواب لا يستقدمه أبدا كما لا يمكن للسؤال أن يقف خارج مغامرته ويترك لآخر أن ينعطي ويكتفي هو بالتفرج وبالتلقي . ان الأجوبة تتساوى جميعها من حيث المعيار عندما ينعدم السؤال الجاد ويغيب وما يعقد الأمر أن الحلول قد تتناسل من بعضها البعض من دون أن تمر بلحظات طرح الأسئلة وبالتالي فهي تتحول الى أجوبة مغلوطة تتشدق بصحتها لا العقول والأفراد بل وكذلك الأطر المعرفية والجماعات العرقية.
"ان كان تاريخ الفلسفة فرارا متواصلا أمام السؤال دون أن يسبقه مرة واحدة" فإن السؤال كان دوما عملية اكتشاف للموضوع والالتقاء به طاهرا نقيا دون أي ارادة سيطرة أو رغبة استحواذ بواسطة جواب ما,انه السؤال العفوي والأولي والمباشر والجوهري الذي يقضي الفكر عصورا بأكملها باحثا عنه دون أن يجده,وآيتنا في ذلك أن العالم نفسه يولد بكرا مع كل سؤال جديدا وأن العائد الأبدي بعد كل جواب هو التسآل نفسه الذي يظل ابتلاءا فلسفيا ومحنة وجودية. لكن لماذا نقول عن هذا السؤال عينه أنه فلسفيا ؟ ولم لا يكون كل سؤال مها كان نوعه وجنسه هو الفلسفي أصلا ؟ أليس ثمة فرق بين سؤال عامي وسؤال فلسفي؟ وهل من الواجب التمييز بين سؤال فلسفي وسؤال علمي طالما أن الفلسفة كانت ولازالت ملكة جميع العلوم ؟
" السؤال الفلسفي يختلف هنا أيضا عن السؤال العادي في كونه لا غاية نفعية مباشرة له. وان موضوع السؤال يظل طافحا ما وراء حدوده,أي يصعب تعيينه أو تجسيده. ثم ان كل انسان يمكنه أن يطرح أهم الأسئلة الفلسفية دون أن يكون عارفا بتاريخ الفلسفة ولا بتقنيتها وأفكارها وأجوبتها على مثل أسئلته تلك. وهنا الفارق بين السؤال الفلسفي والسؤال العلمي كذلك, اذ يبدو هذا السؤال العلمي أنه غير ممكن طرحه الا من خلال نصوصه وثقافته, أي أن يكون السائل منتميا الى خطاب العلم المختص بموضوع سؤاله. قد يتلقى غير المختص جوابا ولكنه لن يدخل سؤاله في صلب الخطاب العلمي".
ان نكتة الاشكال ليست في الجواب الصحيح أو الخاطىء بل في علامة الاستفهام ذاتها وفي طرح السؤال لأنه عندما يتحول السؤال الى مجرد محقق أمني أو مقرر عدلي يخترق الأستار ويتهكم على الأسرار ويفصل بين الأشياء والمفاهيم وبين الجواهر والأعراض فإنه يتوارى عن الأنظار ويتيه في مساحة انبثاقه وأشكال طرحه ويغدو مطاردة يائسة للأصول و"للأشباه التي لا تتشابه مهما تشابهت".
ان السؤال مولد الفوارق وحارس البينونة وباعث الأمل ووأده قبل أن يولد ناتج عن نسيان السؤال عن الوجود واحلال السؤال عن الموجودات مكانه,لكن ما قيمة تساؤل عن الموجود والوجود بأسره غارق في الابهام؟
ان السؤال مفترق طرق بين الوجود والعدم وبين الواحد والكل وبين الذات والصفات, انه يعيد رسم جسور التواصل بين هذه الضفاف المتناظرة ويعيد طرح اشكالياتها كما لو أنها طرحت لأول مرة لأنه يعلو على طرق الطرح السابقة جميعها. ان السؤال لا يتوقف عند حواجز الصعوبات فحسب بل يندمج كليا في طياتها ليتكلم لغتها ولا يحلق فوق الأوطان بل يستوطن التحليق ذاته,انه يذكر الاحراج في الوقت الذي تتساوى فيه البديهيات وتتعادل المواقف ويعيد فتح الطريق مجددا أمام المفاهيم لكي تغادر قوالبها الجاهزة وتبارح النمطية ذاتها بتصحيح التغيير عينه وذلك بنقله من نهج الابدال بالموضة الى نهج المواجهة المباشرة مع القولبة السائدة.ان الذات لا تكف عن التسآل والا ابتلعها السديم والسؤال هو عتبة الوصل والفصل الذي تبنيه الذات عند العتبة لتحمي نفسها من الفوضى. انها بطرحها للسؤال تحطم مرايا الفكر وتزحزح أشياء العالم وتجعل التفكير فن التقاط الأشياء كأفكار والأفكار كأشياء لأن السؤال هو لحظة خواء تنتظر توالد الأشياء وتناسخ العوالم ولذلك كان ولابد بعد كل رحلة أن يعيد السؤال تسآل ذاته مستفسرا عن مجاهيله وغوامضه خصوصا وأن الفكر السؤالي هو القادر على مبارحة وظائفه التقليدية كمرآة عاكسة للمايحدث وكفاهم ملتقط للمعاني المعروضة على قارعة الطريق ليغدو إعصرايا كارثيا ممتنعا عن مبارحة حالة الفوضى صائرا في كل ما يصيره.
إن السؤال الفلسفي,الذي لا صفة له تأتيه من خارج أحرفه، يقيم الشك الجذري في مملكته وهو أقرب ما يكون إلى وجودية الفرد في خصوصيته معانقا الكونية والشمول في طموحه وغاياته,إنه يفارق قبليته الصامتة ويمشي ناطقا بصوت الوجود الأخرس مستغرقا في ضجيج لفظياته البعدية المتزاحمة على أبوابه,وعن علاقة السؤال بالحروف يقول الفاربي :" وحروف السؤال كثيرة: ما وأي وهل ولم وكيف وكم وأين ومتى .وهذه وجل الألفاظ قد تستعمل دالة على معانيها التي للدلالة عليها وضعت منذ أول ما وضعت وتستعمل على معان أخر على اتساع ومجازا واستعارة..."[17]
عندئذ يبدو هذا السؤال راهنيا فوق كل الأبعاد الزمنية افتراضيا وجزافيا يتحرك خارج التاريخ وداخله في آن واحد ويهبط من الفراغ إلى الملاء ومن الملاء إلى الفراغ بلا انتهاء بحيث لا يكون إقباله كادباره وذهابه كإيابه. إن السؤال في حد ذاته لا معنى له ولا فائدة منه ولكن لا شيء في الفلسفة وعند الإنسان في حياته ممكن دونه. تسآل سقراط وفنه في المجادلة والحوار أنموذج يحتذى وسقراط الأثيني هذا يترك نفسه وأصدقائه ومحبي الحكمة أثناء تجواله على قارعة الطريق ويرتحل مترجلا وأهم ما يبقى من فلسفته الجديرة باسمها هو سؤالها وإعجازية هذا السؤال السقراطي ماذا تعرف ؟ هو هل نعلم ما نعرف؟
جلي للعيان أن سقراط أنشأ كل الفلسفة دون أن يبرح حدوده ويخرج من مسطحه ودون أن يقدم أية أجوبة. من هنا نرى غربة السؤال الفلسفي وغرابته في آن معا ونرى قدرة التسآل على الإتيان بالعجيب الخلاب وبالمدهش،إن حاجة التسآل إلى الكل لايحدها كل وطلبه الملحاح هو استرجاعه على حافة البينونة حيث مكانه الأول وأين يفتك به القلق العريق . إن السؤال هو الواحد الذي يمكن الكل من الإنسحاب وإن الإنسحاب هو الذي يسمح للسؤال من أن يسترد العتبة ويحتل الحافة في كل المساحات. سقراط وضع فن التوليد بالتهكم والسخرية والجهل الحكيم العارف بجهله ولكن التوليد ليس مسؤولا عما يولده لأن أصل السؤال الفلسفي هو تسآله ولو لم يكن كذلك لما كان سؤالا.
إن السؤال الفلسفي مجلبة للشك ومهلكة لكل يقين،معتصم بحال واحدة وهي التسآل وتسآله ليس تسكعا بالوقوف على عتبات الأبواب الموصدة بل هو استفهام،دعوة للتفاهم وتحريض على الفهم.فإن أسس فلاسفة التبشير ودعاة الجنات الموعودة قواعد اليقين وفندوا دعائم الشك فإن فلاسفة السؤال ودعاة الظنة والتفكير الحر أثبتوا أنهم لا يقدمون أية ضمانة للحقيقة سواء بالسلب أو بالإيجاب,لذلك يبدو السؤال الفلسفي مربكا وغير مخيف في الوقت ذاته والسبب في ذلك أنه الخوف عينه فهو متخفف من كل حمولة، يسير مع الملائكة ويدخل الخلاء إلى الممتلئ واللامعنى للمعنى ولكنه يرفضه الغوص في الأعماق وبقطعه مع حديث الجواهر النفيسة يسخر من نفسه ومن غيره ويجهز على كل الأشرعة القديمة وكل الحقائق المذكورة في سفر التكوين.
إن الفيلسوف المتساءل لا يستفهم من أجل الفهم بل من أجل وضع الفهم نفسه موضع تسآل والسؤال يضفي من طبيعته ومن تسآله على أدواته طالما أنه مسكون بالفوضى والعماء واللامعنى والمضاد للمعنى في بداياته الأولى نظرا لأن لحظة العتبة التي يسكنها السؤال تمتنع عن كل حسم فهي ما يسبقها وما يلحقها ،الخارج والداخل ولم يتقرر الأمر بشأنها بعد.يحمل السؤال الفلسفي من جهة كونه مبصوم بطابع الدهشة مفارقة وتعاليا: فالسائل في الفلسفة يتميز من حيث هو عارف بوعي حدود معرفته ومن حيث هو جاهل يرفض هذه الحدود ومن حيث هو سائل بإرادة العبور وتخطى الحدود وتحمل مسؤولية عبوره .إنه ضرب من المفارقة والتعالي تمارسه الذات كأحد أفعالها القصدية وليس هو تعال فوق الجهل فقط ولامفارقة لحدود المجهول فحسب بل هو تعال فوق المعروف ذاته ومفارقة لمحدودية المعرفة ذاتها.
سؤال سقراط عن الشجاعة تميز بتناقض الرغبة في المعرفة مع التشكيك مسبقا في امكانية التوصل إليها وامتلاكها وكأننا أمام معرفة تفترض مسبقا جهلا بذاتها: إنني أعرف أنني لا أعرف شيئا فكيف أرغب في المعرفة إن كنت أعرف مسبقا أنني لن أعرف شيئا ؟
إن طابع المفارقة والتعالي يجعلان من السؤال الفلسفي تساؤلا لا مجرد سؤال,فماذا نعني بالتساؤل؟
وما الذي يبرز الانعطاف من السؤال نحو التساؤل ؟
يصرح آلان جيرانفيل بخصوص تعريف التساؤل وارتباطه بالسؤال :
"ان نمط التساؤل الفلسفي يشكل خاصية أساسية أخرى فهو تساؤل لا مجرد سؤال،ان السؤال المنفرد لا يكفي وحده لكي يشكل سؤالا فلسفيا ،اذ يجب على السؤال الفلسفي أن يكرر لا بمعنى تكرار نفس السؤال ... بل بمعنى تكرار سؤال آخر ينتمي الى نفس التساؤل الفلسفي..."[18]
إن التساؤل يعتمد تقنية التكرار والبناء وتوضحه سلسلة من الأسئلة المتتالية والتي تكون بنية استفهامية ويسمح التساؤل بتحويل المعطى البديهي إلى استفهام والسؤال إلى مجموعة من الأسئلة المنظمة والمتدرجة والمحرجة انطلاقا لنظرية فلسفية،علمية وتاريخية تحول تساؤلية السؤال الفلسفي إلى سؤال إشكالي. فالسؤال الفلسفي هو أصلا تساؤل ولو كان غير ذلك لما كان سؤالا ولذلك فان السؤال معتصم بحال واحدة ليس لها تحديد خاص وهي التساؤل فحسب.
إن ما هو متعارف عليه أن التساؤل ناتج عن الدهشة والاستغراب والتعجب وأن الدهشة أول باعث على التفلسف والتأمل,وهي ليست شعورا بسيطا نحس به من شيء غير منتظر لم نسمعه قط أو لم نره أبدا وإنما من شيء كان شائعا تماما ومعروفا جيدا وصرنا نراها بعيون جديدة كأننا نراه للمرة الأولى.وإن ما يميز الفلسفة هو كونها ليست معرفة أو منهج يوجهها بل هي إرادة فهم وايثار للحكمة وتشوق الى المبدأ وحنين الى الأصل تنشأ عندما يصطدم الفيلسوف بما هو غير قابل للفهم فيتعجب ويدهش وتسمح هذه الدهشة للتفكير بأن :
- يعترف بجهل ما كان يعتقد أنه تداركه ويكتشف الإشكالي في ما هو واضح ويضع ظنونه موضع تساؤل لمحدوديتها ونقصها وارتباطها بالوهم .
- أن يتساءل كدليل على يقظة وعيه حول مغزى الوجود .
- أن يوجه عقله نحو كشف غرابة الوجود بتحويله إلى موضوع للتساؤل .
-أن يعود على ذاته ويستنطق معارفه الأولى ويقيم ذاته على نحو مستقل ويحرص على حريته.
- أن يظل يسأل ويسأل دون أن يمل أو ييأس معرضا نفسه على الدوام لمعرفة السؤال.
إن بروز الفلسفة عند الاغريق ناتج عن الاستعاضة عن الميتوس باللوغوس وعن الشعر بالفكر وعن السحر والخرافة بالعلم والتقنية في مستوى العلاقة التي يقيمها العقل مع الطبيعة أين ظهر أن الإنسان بتفكيره يمكن أن يدهش الآخرين عن طريق الإستدلال وبالبرهنة على أمور لم يفكر بها أحد قط أو لم تكن الجرأة الفكرية على وضعها موضع تساؤل.إنه منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يتساءل لماذا ؟ ومن أين ؟ وإلى أين ؟ بدأ يتفلسف ليتجاوز كل ماهو قائم ويتساءل عن المألوف والإعتيادي وليرفع غربته عن العالم الذي يحيا فيه وليدري أن الأشياء المألوفة تثير من المشكلات ما لا يمكن الإجابة عنها إجابة تامة، في هذا السياق يعلن" لو كانت حياتنا أبدية خالية من الألم فلن يقع لأحد أن يتساءل عن سبب وجود العالم وعن سبب حمله لهذه الطبيعة الخاصة بل ستكون كل الأشياء مفهومة من تلقاء نفسها."[19]
غني عن البيان أنه لا وجود لفلسفة دون السؤال لأنه يقوم في أساس المشروع الفلسفي بكامله، به افتتح ظهور الفلسفة وهو الذي يستمر في امدادها بالديناميكية والتطور وإذا كان للسؤال هذه القوة فإن البحث في علاقته بالفلسفة وتحوله إلى تساؤل وتسآل أمر ضروري وأمر مرغوب فيه.وإن كان السؤال الفلسفي يتميز عن السؤال العلمي والعامي بكونه فعل إنساني واعي يرتبط بالذات وينفتح على العالم بحكم قصديته انفتاحا نقديا فإن التساؤل يرى أن الآخر – المتلقي هو الذي ينبغي التفكير فيه حتى نجعله يدري كيف ومتى ولماذا يجب أن نتساءل ؟
تتطلب المساءلة الفلسفية ما يلي :
- الإحساس بحصول نقص أو ضعف أو فراغ .
- طرح السؤال بالشك في كل بداهة أو إثبات أو تعريف .
- اليقظة عن التناقضات والكشف عن المغالطات .
- الوقوف بنفسه على مصدر الخطأ وأصل الصعوبة .
- اعتبار حلول الفلسفة هي حلول ممكنة وليست نهائية .
من البين أن السؤال الفلسفي هو أصلا تساؤل ولو كان غير ذلك لما كان سؤالا لأنه اللحظة التي تمتنع على الحسم بين ما يسبقها وما يلحقها وهو العتبة التي لا ندري الى أين تؤدي الى الداخل أم الى الخارج.ان السؤال يولد في الظهور ويخشى على نفسه من أن تعتقله أية عتمة،انه لا يمكن أن يفارق حياديته المطلقة أمام مغريات أو اكراهات كل الأجوبة وهذه الحيادية التي يتصف بها السؤال هي التي تصونه من التحول الى مجرد جواب ما ولذلك فالسؤال معتصم بحال واحدة لا حال لها وهي التساؤل.
يميز الفارابي بين حروف السؤال في العلوم وفي الفلسفة والقياسات والصناعات الأخرى مثل الجدل والسفسطة والخطابة والشعربقوله : "ان كل صناعة من الصنائع القياسية الخمسة فيها ضرب أو ضروب من السؤال خاص بها ففي الفلسفة سؤال برهاني وفي الجدل سؤال جدلي وفي السفسطة سؤال سفسطائي وفي الخطابة سؤال خطبي وفي الشعر سؤال شعري والسؤال الذي في كل صناعة هو على نوع ونحو وبحال ما على غير ماهو عليه في الأخرى. وللسؤال في كل صناعة أمكنة ينجح فيها وأمكنة لا ينجح فيها. فلذلك انما يصير ذلك السؤال نافعا وفي تلك الصناعة متى استعمل في الأمكنة التي فيها ينجح وعلى النحو الذي ينجح.فالسؤال الجدلي يكون بتصريح المتقابلين أو تكون قوة ما صرح به قوة المتقابلين.وكذلك في كثير من الصنائع.وأما السؤال الخطبي فمن ضروب سؤالاته أن يكون بأحد المتقابلين فقط ."[20]
لقد جاء في كتاب الحروف ما يلي :
1- حروف السؤال في الأقاويل الأخرى :
تستعمل بالعرض على جهة الاستعارة والمجاز والتجوز والمسامحة وليوهم فيها ولزينة الكلام وللحاجة اليها في وقت ما عند النداء أو المخاطبة.
2- حروف السؤال في العلوم الفلسفية :
تستعمل بالجوهر على جهة الحقيقة لتدرك الوجود.
- حرف ما وضع للدلالة على السؤال عن شيء ما مفرد كقولنا ما المعنى؟
ما الذي نراه ؟ ما الذي بين يديك ؟ ما هذا المرئي؟ ما هذا المحسوس ؟وقد يقرن حرف ما بنوع من الأنواع بعد أن فهمنا ما يدل عليه اسمه الذي وضع له أولا دالا عليه فنقول الانسان ماهو ؟ فيجاب عليه بجنس ذلك النوع أو حده.فانه قد يقال لنا في الانسان انه حيوان عاقل او انه حيوان ناطق .
يقول الفارابي :" فهذه أربعة أمكنة يستعمل فيها حرف ما على جهة السؤال ويعمها كلها أنه يطلب بها معرفة ذات الشيء المسؤول عنه وأن يتصور ذاته,أن يتعقل ذاته وأن تجعل ذاته معقولة ".[21]
- حرف أي يستعمل أيضا سؤالا يطلب به علم ما يتميز به المسؤول عنه وما ينفرد وينحاز به عما يشاركه في أمر ما,فنقول عن الانسان أي حيوان هو؟ فيكون الجواب أنه حيوان ناطق,فالسؤال بحرف أي هو سؤال عن ذات نوع عرض له أن يتميز بماهيته عن سواه.
- قد نقرن حرف كيف بشيء مفرد وما يجري مجرى المفرد من المركبات التي تركيبها تركيب اشتراط وتقييد فنقول مثلا كيف فلان فيما يعانيه في حياته ؟فيكون المطلوب بحرف كيف في هذه الأمكنة كلها أمورا خارجة عن ماهية المسؤول عنه بحرف كيف والتي يجاب بها فيها كذلك أيضا.
- حرف هل هو حرف سؤال انما يقرن ابدا في المشهور وبادىء الرأي بقضيتين متقابلتين بينهما حروف الانفصال وهي أو واما وما قام مقامها على أي ضرب كان تقابلهما كقولنا:هل السماء كرية أم منبسطة ؟ وربما اضمرت احدى المتقابلتين وصرح بواحدة منهما فقط كقولنا:هل في هذه الدار انسان؟ وربما لم يصرح بأحد جزئي القضية اما الموضوع منها واما المحمول كقولنا:هل يأتينا ؟
وهذا الحرف هو يستعمل في السؤال عما يدري السائل بأيهما يجيب المجيب وعن ما لا يبالي السائل بأيهما أجاب المجيب. وحرف الألف التي تستعمل في الاستفهام تقوم مقام هل كقولنا : أزيد قائم أم ليس بقائم؟ وكذلك مثل: أو يقوم زيد أم ليس يقوم زيد؟,وربما كان السؤال عن هذا لا بحرف يقرن بالمسؤول عنه أصلا كقولنا: زيد يتكلم أم لا يتكلم؟
يقول الفارابي :" والسؤال بحرف هل هو سؤال عام يستعمل في جميع الصنائع القياسية.غير أن السؤال به يختلف في أشكاله وفي المتقابلات التي يقرن بها هذا الحرف وفي أغراض السائل بما يلتمسه بحرف هل.فإن في الصنائع العلمية انما يقرن حرف هل بالقولين المتضادين وفي الجدل يقرن بالمتناقضين فقط وفي السفسطائية بما يظن أنهما في الظاهر متناقضان وأما في الخطابة والشعر فإنه يقرن بجميع المتقابلات وبما يظن أنهما متقابلان من غير أن يكونا كذلك..."[22]
- حرف لم هو حرف سؤال يطلب به سبب وجود الشيء أو سبب وجود الشيء لشيء وهو مركب من اللام ومن ما وكأنه قيل:ماذا؟ وهذا السؤال انما يكون في ما قد علم وجوده وصدقه أولا بنفسه واما بالقياس. فأصناف الحروف التي تطلب بها أسباب وجود الشيء وعلله هي ما يظهر ثلاثة: لماذا وجوده؟ وبماذا وجوده ؟ وعن ماذا وجوده ؟
هذه الخاصية تميز السؤال الفلسفي عن السؤال العلمي بكونه سؤالا يقتطع بجواب واحد يقينا قطعيا فان الفيلسوف سؤالا منفتحا لا ينقطع بجواب واحد وبسيط وقد لا ينقطع بأي جواب نهائي مهما تزاحمت الأجوبة وتراكمت بل يظل حاضرا باستمرار يطرح احراجات ويتحسس الصعوبات ويستيقظ عند المفارقات.كما أن الحقيقة التي يهدف اليها الفيلسوف عند معالجته لمشكل فلسفي ما ليست من جنس الحقائق العلمية التي تتسم بالدقة والضبط ولا تحتمل أكثر من معنى وذلك لما يقوم به العلم من تنقية منطقية لللبس.ان رجل العلم يسأل ويخرج من دهشته عندما يهتدي الى نتيجة بحثه أما الفيلسوف فيسأل دون أن يصل الى جواب نهائي ولهذا لا يخرج أبدا من الدهشة لأنه دائما على الطريق ولهذا يبقى السؤال مصدر قلق وازعاج دائم ولعل أسلوب المحاورة وفن الجدل هما اللذان يبرزان كون التفلسف حب للحكمة وليس امتلاكا لها أو تملكا بها. بينما تنخرط العلوم في تقديم الأجوبة وتوفر أشكال اليقين فان الفلسفة ليس لديها أية معرفة وتطرح التساؤلات وسؤال الفلسفة باعتباره تساؤلا اشكاليا هو سؤال الذات نفسها لانه لا أحد يمكن أن يطرح السؤال الفلسفي نيابة عنها.
في هذا المستوى يرتبط السؤال بالسائل وينتشر على صعيد ذاته وبما أن الذات تعيش بين الذوات في الفضاء العمومي فان السؤال الفلسفي لا ينحبس بين جدرانها بل ينتشر على صعيد آخر.
انه يتخذ طابع البيذاتية بدل الذاتية و الوجود مع الآخر وفي العالم بدل الاكتفاء في الوجود لذاته ومع الذات وحتى عندما يصوغ السائل سؤاله ويطرحه على نفسه فانه يقوم بدور الآخر الذي يسائل الذات في لعبة ضمن ذاتية منفتحة ومتطورة.ان السؤال يعني الاعتراف بالآخر من جهة غيريته وشخصيته واستقلالية موقفه ويمكن أن يتطور السؤال الفلسفي بالوعي النقدي وبمراجعة القيم واعادة تأصيلها وهكذا ينبغي في الفلسفة صياغة المشكلة أما الحلول فهي أجوبة مشروطة لا يمكنها تحطيم المعنى الفلسفي لتلك المشكلة ولا اغتصابها.
- ان اقصاء المشكلة في الفلسفة يعتبر ضد الفلسفة .
- ايجاد السؤال الفلسفي الضمني في رأي أو جواب.
- ايجاد أسئلة فلسفية لأجوبتنا.
- ايجاد أجوبة مختلفة عن جوابي .
- ايجاد أجوبة متباينة لتساؤل فلسفي معطى.
ضرورة التمكن من مجموعة من الأسئلة الممكنة التي تشكل في مجموعها نواة الستفهام الفلسفي: سؤال التعريف،الموضع,التمييز,المبرر,الأسس,شروط الإمكان,الأسباب الغائية,الوقائع,الاستتباعات.
لن يتفلسف المرء دون الدخول في وضعية السؤال ولن ينخرط فعليا في المشاركة في بناء المعنى لأن التفلسف هو اكتشاف معنى السؤال الفلسفي ومعرفة توظيفه اجرائيا واستعماله فعليا في انتاج معرفة واعية بوحدة الذات. السؤال الفلسفي يسأل لا لأنه يجد بل لأنه يفتقد ما يبحث عنه,انه السؤال الذي يشرع في الوجود ما أن يفتقد ذاته أو لا يقبل أن يفتقد موضوعه.فأن يكون هناك سؤال بدل ألا يكون شيء ذلك هو ما يؤسس للسؤال كينونته أولا ولكن سؤال الفلسفة يفترض كينونة للفلسفة قبل أن يشرع في فعله ويكون هو الفاعل. هكذا يستطيع سؤال الفلسفة أن يكون فلسفيا لا يقع خارجها لكنه حين يسأل يضع نفسه على مسافة منها لكي يمكنه أن يتجول في مملكتها كلها لحظة أن يصير السؤال نوعا من الجواب المستبق لفعل الجواب.ويظل السؤال أقرب الى كينونتها من كل الايديولوجيات والمذاهب الجاهزة اذ تبدأ الفلسفة مع السؤال والسؤال يفترض ذاته قائما ما أن تنطق به اللغة وما لم يقله خطاب معين.ان السؤال يتخطى مشكلة البداية ليجعل من نفسه لحظة البدء ذاتها فما ان ينبثق السؤال حتى ينبثق معه ما يسأل عنه. واضح اذن أن الجواب لا يستطيع أن يبرح حيز السؤال الذي ان كف عن فعله كسؤال فقد موضع تحيزه ,ذلك هو الجواب الذي لا يمكنه أن يعيش أبدا لحظة واحدة خارج سؤاله أو على مسافة منه.
سؤال الفلسفة هو اذن من نوع ذلك التساؤل الذي يكون جوابه بقدر ما يكون هو،وذلك هو الفارق بين سؤال عن شيء كالماء,فان له جوابا محددا وموجودا كله في معادلة كيمياوية معروفة وسؤال الفلسفة ذاته ليس بذي موضوع محدد أصلا ولذلك فهو كلما نجح في بلورة جواب أو وضع حدودا رأى نفسه مضطرا لنسفها حتى يظل متابعا مساءلته كيما يظل له موضوع يتابعه هو الآخر ولا يكون موضوعا في الآن ذاته باعتبار أنه ليس ثمة موضوع بدون حدود.ان سؤال الفلسفة ينصب على مثل هذا الموضوع,أما قدرها فهي أنها ما ان يثار السؤال في ديارها حتى يصير كل شيء قابلا ليتجاوز هويته.الفلسفة ليست كلها سؤالا بل انها تدعي أحيانا كثيرة أنها وحدها المخولة اعطاء الأجوبة وهي قد لا تدعى احتكارا للسؤال انما هي احتكار للجواب أو الأجوبة لأنها ربما اعتزت بذاتها أنها قد تصير أحيانا بمثابة الملجأ.لا تدعي الفلسفة الحق اثارة المشكلات الأساسية بل تمنح اليقين لمن يجد في السؤال ما يستجيب لقلقه وما يعينه على مشقة الحيرة والوقوف على أبواب الفلسفة وسؤاله هو للفلسفة بل انها تغذت من مملكة العلم.
لا يقتنع عقل الفيلسوف بالمعارف الجاهزة والحلول المبذولة بل ان الانسان العادي هو الفيلسوف الطبيعي طالما أنه قادر على القاء السؤال اليوناني القديم :لماذا هذا العالم وليس سواه؟ لماذا هذا الكون يكون أو لا يكون؟
تعتصم الفلسفة الرصينة بموقع التساؤل وهي عندما تدأب على طرحه فانها لا تكرر المكرور بل تستعيد المختلف في كل آن خصوصا وأن التساؤل هو طرح مختلف للسؤال أو اختلاف في فن طرح السؤال.الفلسفة هي هذا السؤال بالذات ولا تستطيع أن تسأل أو تطرح على نفسها السؤال ان لم تكن في ذات الوقت تفتقد ما تريد أن تسأله أي بالأحرى تفتقد وجودها بالذات.
قد تكون الفلسفة هي هذا الوجود الضائع ويصبح السؤال عن الوجود الضائع هو السؤال عن الفلسفة وربما كلما تقدم العلم وزادت سيطرة التقنية على كل شيء اشتدت الحاجة الر الفلسفة وحتى تحقق موقفا فلسفيا حقا فانه علينا أن نسأل سؤالها الحقيقي الأصلي.السؤال يخترق الأمكنة والأزمنة ويتوجه الى الممكن وليس ثمة ممكنا الا في المستقبل. ان استشعار منطقة اللامفكر به بعد السؤال في التجربة اليومية للانسان العادي هو استفهام حول موضوع يستشعره السائل ولكن لا يدري ماهو، يسأل عن رجل: من هو؟ ليعرفه وعن شيء لم يره ليستطيع استخدامه لكن السؤال الفلسفي يختلف هنا أيضا عن السؤال العادي في كونه لا غاية نفعية مباشرة له.
ان موضوع السؤال يظل طافحا ما وراء حدوده أي يصعب تعيينه أو تجسيده ثم ان كل انسان يمكنه أن يطرح أهم الأسئلة الفلسفية دون أن يكون عارفا بتاريخ الفلسفة ولا بتقنيتها وأفكارها وأجوبتها على مثل اسئلته تلك.وهنا الفارق بين السؤال الفلسفي والسؤال العلمي كذلك،اذ يبدو هذا السؤال العلمي أنه غير ممكن طرحه الا من خلال نصوصه وثقافته أي يكون السائل منتميا الى خطاب العلم المختص بموضوع سؤاله،قد يتلقى غير المختص جوابا ولكنه يدخل سؤاله في صلب الخطاب العلمي.
ان السؤال الفلسفي ليس حكرا على الفلاسفة وحدهم بل من حق كل كائن عاقل أن يشرع في طرح أسئلته التي تقلقه وكأنما لم يجب عليها أحد من قبله خصوصا وأن هناك علاقة بريئة بين سؤال الفلسفة والحياة أو الوجود.انه بالرغم من أن السؤال شامل فان له قاعدة شخصية فردية والأجوبة المتوقعة يريد أن يحصلها السائل كما لو كانت أجوبته الذاتية واكتشافاته الخاصة.ثمة معاناة ذاتية وسرية في السؤال لأنه ليس معرفيا ولا يطلب معلومة بل وجوديا أي أطلب لتلك الحقيقة التي تخصني أنا وحدي, "لو لم يكن الهم بأن يحصل السائل على تلك الحقيقية التي تخصه وتهمه وحده لما أمكن القول بأن الحقيقة الفلسفية هي حقيقة وجود",´الجواب هو ما يمكن أن يحقق لصاحب السؤال ما يحس أنه يعادل وجوده الضائع.سؤال الفلسفة هو الوقوف على باب الوجود ومحاولة قرعه والضرب عليه بقوة,لأنه السؤال الذي يتوقف على جوابه اختلاف الوجود في ذاته مع الوجود لذاته وأي منع للسؤال يؤدي الى منع الموجود البشري في تحقق كينونته عن تحقيق وجوده والقضاء على امكانية امتداد الجسر بين الموجود البشري والوجود.
من الجلي أن حس الافتقاد هو الذي يعدم كل الوثوقيات الجاهزة ويدعو الى التساؤل.ان السؤال الفلسفي لتميزه بطابع المفارقة والنقدية يتمتع بامكانية الحرية والاختيار والتحرر من القيود والاكراهات والاشراطات ومن وقائع الحياة اليومية ومن أوهامها ومن العمي الفكري الذي يتمثل في الجهل غير الواعي بذاته.انه يمكننا من التحرر من الواقع والتعالي عليه من أجل اعادة امتلاكه بشكل أفضل.
ان علاقة السائل في الفلسفة بالآخر هي علاقة بين سائل وآخر مسؤول عنه [ جواب] ولا علاقة سائل بمجيب غير مسؤول.ان السؤال الفلسفي سؤال قصدي أي هو في فعاليته اتجاه نحو مطلوب ما فعندما نسأل في الفلسفة فنحن انما نسأل عن شيء ما ومن الصعب فصل السؤال الفلسفي عن قصديته فهما شيئان لا ينفصلان: اذ ليس هناك سؤال فلسفي خالص بل هناك سؤال يتضمن قصدا واعيا و" اذا وجدنا فيلسوف يسأل ولا تنتهي أسئلته فهو اما حالما أو عابثا" لأن كل سؤال هو عن شيء ما وسائل دون موضوع جميل يقصده والمقصد هنا هي الحكمة التي تفيد اقتران النظر بالعمل والمعرفة بالممارسة تماما ليس هناك سؤالا للسؤال بل هنالك سؤالا من أجل معرفة الذات والعالم والاتصال بالآخر.
ان السؤال الفلسفي يرفض أن يفصل عن مقاصده لأن الذي يمنحه الجاذبية ويعطي لحضوره قيمة ولوجوده معنى هي هذه المقاصد.
يمكن أن نذكر للمساءلة الفلسفية للمحاورة السقراطية ثلاثة مقاصد:
1/الكشف عن فراغ الرأي.
2/ايجاد تحديدات للمفاهيم المتداولة في الحياة اليومية.
3/هم الاستمرار في البحث من أجل معرفة الذات وانتاج معنى العالم.
مرة أخرى يعود السؤال ليحتل صدارة الأحداث و يصعد على الركح المسرحي للفلسفة ويقف عند العتبة التي تشرف على البراني والجواني وان السؤال هو كالغريب الداخل على الأهل ناثرا بين أركان بيته الوحشة وحس الافتقاد وبين أوجه المتعارفين القدامى الغربة.ان السؤال ذخيرة المعنى وتقوى الفكر ومقام الانسان الحاذق في المعمورة وان سؤال الحقيقة ماهي الحقيقة ؟ هو الحقيقة عينها طالما أن سؤال ماذا عن التفلسف؟ هو جوهر الفلسفة ذاتها وقرة عين الفيلسوف.
يظل السؤال معلقا ومحبوسا حبسة النور عن أهل الكهف لتوقفهم عن الاحساس بالزمن ولتوقف نبض الزمن عن وعيهم ويظل سؤال الأطفال بريئا يكتنز الكثير من الحكمة وسرعان ما تهز على طراوة عوده أجوبة الكبار الفاسدة, ويمكن للمرء أن يحيا العمر كله دون أن يفوز بنعمة السؤال ودون أن يبارح مسطح محايثته طالما أن الوجود حصار مطبق على أسراره لا يدري فيه المحاصرون أنهم كذلك,ان الفوز بالسؤال لطف رباني ومنحة من الوجود يتطلب كسر الحلقات المفرغة واحداث طفرة في السلالات المتناسلة عن بعضها البعض قصد استنساخ مولود واحد يكون جديدا مختلفا .
ان السؤال كالذهن الحائر الذي يحفظ كل الأشعار والتقاليد والمآثر عن ظهر قلب ولكنه يقلب الأمور رأساعلى عقب ويظل ينادي أن محل الحقيقة لم تعد تؤدي اليه كل الدروب التي تعود الجميع على السير عبرها,يقرع السؤال الأبواب الموصدة ويأتي بالريح التي تنشر الفوضى وتنثر باقات اليأس والملل لتفرغ الأمكنة من سكانها وتعيد ملكة التعجب الى العيون الناضرة. وعندما لا يعود أحد يعرف السبيل المؤدي الى السؤال فإن السؤال يفقد موضوعه الأصلي ويتفكك من الداخل وعندما لم يعد هناك من يسأل عنه يفقد السؤال ذاته ولكن عندما تطرح أداة استفهام ماذا؟ يصبح السؤال ذلك الأمر المقضي والواجب القطعي والمطلب الشائك الذي يظهر بعد انقضاء جميع الأجوبة واستهلاك كل الأسئلة ونفاذ مؤونة المعنى وخسوف شمس المعارف الكبرى.
يبدو أن التساؤل عن المقاصد يؤدي الى قول أشياء لها معنى عام وشمولي والمعنى ينشأ من الاختلاف وهذا الأخير لا يفيد أننا نفكر في أشياء مختلفة بل يدل على أننا نفكر فيها بشكل مختلف حتى نتمكن من التفكير فيها جميعا على نحو شمولي وايجابي والايجابية هي تجاوز السؤال نحو الجواب.
فكيف نخلق الحاجة للجواب بقدر الحاجة الى السؤال؟ كيف نتجاوز العوائق ونرفع الصعوبات التي تقف دون ابتكار الجواب ؟ هل هناك وضع يكون فيه الانسان غير محتاج للجواب ومكتفي بالسؤال؟ وكيف نتغلب على أكبر عائق أمام وضعية الجواب وهو الاكتفاء بالتسآل والتساؤل؟[23]
ننتهي اذن الى أن السؤال بداية التفكير الفلسفي والتفلسف الحاذق هو طرح متواصل للأسئلة بالاستفهام والاستغراب والاستعلام ولما كان التفلسف هو تجربة شخصية في التفكير ودربة في الحرية وتدربا على الحكم الصحيح وذلك بفهم السؤال في بعده الاشكالي ولما كان الطابع النقدي يتمثل في بناء مشكل بالاعتماد على السؤال الملقى على قارعة الطريق وكأن المهم في الفلسفة هو اثارة المشاكل الثاوية وايقاظها من غفوتها ونعاسها ونحسن صياغتها ونطرحها طرحا دقيقا خاصة وأن" المقال الفلسفي هو بحث منظم عن جواب مؤسس ومبرهن عليه لسؤال يفهم في بعده الاشكالي أي بحث منهجي يقيم التفكير علاقة خاصة مع موضوعه أي مع المشكل الذي يبنيه بالقياس الى أن المشكل ليس حاضرا بشكله الجاهز في السؤال" فانه من الضروري الانتقال من السؤال الى المشكل والمرور من لحظة الاستفهام الى لحظة الاستشكال. وهذا يتطلب تعميق فهمنا للسؤال بالوقوف على طابعه الاشكالي والتفطن الى مبررات طرحه ومشروعية تناوله من جهة كونه مشكلا فلسفيا, فمما تتكون تجربة الاستشكال؟ وكيف نمر من لحظة التسآل بماهو تكرار لذات السؤال الى لحظة طرح الاشكال بماهي درب مؤدي الى حضرة المشكل الفلسفي ؟
ш/ الاستشكال :
في المرور الى غمرة الاشكال:
"ينبغي بادىء ذي بدء أن نحسن طرح المشاكل ومهما قيل فان المشاكل في الحياة العلمية لا تطرح نفسها بنفسها وعلى وجه التدقيق ان هذا الاهتمام بالمشاكل هو الطابع المميز للروح العلمية الحقيقية "
غاستون باشلار.
" يتمثل المنهج الخاص بالفلسفة في تصور المشاكل غير القابلة للحل تصورا واضحا ثم في تأملها لا غير بثبات و بلا ملل طيلة سنوات في حالة من الانتظار المجرد من كل أمل " اريك فايل.
"السؤال هو طلب الأدنى من الأعلى" بينما "المشكل فهو ما لا ينال المراد منه الا بتأمل بعد الطلب وهو الأمر الداخل في أشكاله أي أمثاله وأشباهه مأخوذ من قولهم أشكل أي صار ذا شكل"[24]
ان السؤال يفترض أن الجواب عنه يكون امتدادا مباشرا له و يحظى بشىء من البداهة و لكن عندما يحرجنا السؤال ويحيرنا فلا جواب يتشكل أمامنا بوضوح,أما عندما نمثل أمام مشكل فإن معرفة حله قد لا تكفي للتخلص منه فمن الضروري أن نتعرف على كل الدروب المؤدية الى اكتشافه,لذا حري بنا أن نتجاوز السؤال الظاهر لنستحوذ على المشكل الذي أملى السؤال وهذا لايكون الا بمساءلة السؤال نفسه طالما أن" المشكل هو سؤال السؤال"[25]
الانسان العامي لا يتحسس أن هناك مشكلا وراء السؤال ولا يسائل السؤال ولا يرى أن وضعية السؤال تزعجه ولا يعتبرها مناسبة جيدة تدعوه الى فعل التفكير.اذ كل المشكل عنده له حل جاهز وهو أيضا ينتمي الى عوالم الأجوبة المذكورة فلا اشكال عنده في مسألة المشكل,فهذا المفهوم معهود بالنسبة اليه ومتداول وما يشد انتباهه هو الحل الذي يقترن بكل غموض وجوبا ووجودا. ان هذا الوضع بهذا الشكل هو بالنسبة للإنسان العامي مقلوب ومأساوي لأنه سيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما استهجان الفلسفة ولعن من يشتغل بها أو الملل منها والتدارس المفتعل ارضاء ومحاباة وتملقا .فاذا كان الانسان العامي لا يهدأ له بال الا اذا قضى على كل التباس وتجاوز كل صعوبة وحل كل عقدة وكشف الحجاب عن كل لغز فإن الفيلسوف هو على خلاف ذلك تسهويه غمرة الاشكال ويعشق روح المغامرة ويتوقف عند كل معضلة ولآ يمكنه أن يفكر الا اذا كانت معاني الأشياء متعددة والدلالات مشبعة بالالتباسات. كما أن الحقائق التي يهدف اليها الفيلسوف عند معالجته للمشكل ليست مكتملة ولا من جنس الحقائق الأصلية الخالدة بل هي تلك التي تظل غامضة وجزئية ومتداخلة وقابلة للمراجعة والنقد خصوصا وأن وضع المشكل في ذهنه هو الذي يعين لديه طريقة تفكيره تعيينا كاملا ويحدد مصير نتائجه.
ان فعل التفلسف هو فعل الاستشكال,فهو ليس احصاءا للأجوبة ولا مجرد طرح للأسئلة بل هو بالأساس عملية مسائلة للأسئلة بتحويل الأسئلة نفسها الى مشاكل من خلال ابراز التناقضات التي تتضمنها والوقوف على المفارقات التي تفترضها وتحسس الصعوبات التي تعترضها.
يتطلب الاستشكال القيام بالعمليات الذهنية الموالية :
1- تحديد نوعية السؤال هل سؤال يدرس علاقة بين موضوع ومحمول أم سؤال يتعلق بتحديد وظيفي لمفهوم أو أكثر؟ هل هو سؤال يرتبط بتحليل مفارقة أم بتقويم رأي شائع وتفنيد أطروحة؟
2- الوقوف على خصوصية السؤال وطرافة صيغته قبل الاهتمام بما يتعلق به موضوع السؤال من مرجعيات فلسفية وأحوال انسانية ومن تجارب علمية ونستنتج من ذلك أن المطلوب من السؤال يختلف باختلاف الصيغة.
3- استنطاق السؤال من جهة السياق الذي قيل فيه ودلالات مفاهيمه ومن جهة العلاقات بين هذه المفاهيم مع الاشتغال على المسلمات الضمنية والمسكوت عنه من أفكار بديهية ورؤى للعالم بدت طبيعية.
ان الاستشكال هو اذن عملية أساسية في التفكير الفلسفي منذ بواكيره الأولى ترتكز على تبطن التناقض واستثماره وتؤدي الى توظيف السؤال لبناء المشاكل وطرح الاشكاليات وتبويب المسائل وقد مارسه سقراط ومن بعده أفلاطون من خلال فن الجدل بوصفه لعبة الأسئلة والأجوبة عندما يترك سقراط شخصية أفلاطون المفهومية الفرصة لمحاوره السفسطائي على الأرجح لإستبطان وجهة نظر غيره ليحدث انقلابا كاملا ينتقل على اثره من حالة مواجهة بين مجرد ظنون الى حالة يفكر فيها عقل واحد بالاعتماد على التناقض الخاص به والذي يتراءى له كامن في قرارة نفسه. ان كل فلسفة تحدد مشكلها انطلاقا من السؤال لأن ذلك هو شرط امكان الجواب ولا يكون المشكل في الفلسفة معطى بشكل مباشر بل اننا لا نعثر عليه في عالم المعرفة أو في الواقع بل نبنيه ونبتكره انطلاقا من موقف أو من سؤال أو من نص نظري معين وان المشكل يبنى من خلال التقدم بأطروحات متنافرة وبأجوبة متباينة تكون مضادة للحس المشترك ولأطروحات أخرى.
يرتبط مفهوم المشكل بالحالات التي نجد أنفسنا فيها في مواجهة عدة احتمالات لمعالجة موضوع معين دون أن يكون في حوزتنا أي مؤشر لما يجب اختياره بين هذه الاحتمالات وعادة ما نميز بين مشكل نظري ومشكل عملي وبين مشكل زائف ومشكل صحيح,ويعبر المشكل عن حرج أو توتر أو تنافر أو مفارقة تقوم بين عناصر ومفاهيم الموضوع ولا نملك أي مؤشر جدي لحسمها.هنا لابد أن نعرف ماذا تعني كلمة المفارقة في الفلسفة وكيف يقع استثمارها دائما في طرح الأسئلة وبناء المشاكل المحرجة. "المفارقة هي اقرار أمر يستفز الفكر ويخرج عن المعقول بل اقرار شيء يحتوي على تناقض قصد اثبات فكرة معينة وقد أجمع الفلاسفة ان المفارقة هي الاسم الذي تطلقه الاحكام المسبقة على العديد من الافكار الصحيحة وقد عبر ديدرو عن هذا الرأي بقوله :" ما المفارقة,ان هي ليست الحقيقة المناقضة للأحكام المسبقة لدى العامة التي تجهل هذه الحقيقة والتي تمنعها غرابتها من ادراكها ؟ ان ما يبدو لنا اليوم مفارقة سيصبح في نظر اللاحقين حقيقة ثابتة" ويضيف في نفس السياق:" ليست المفارقة رأيا مناقضا لحقيقة تجريبية والا كانت دائما باطلة والحال أنه قد يحدث لها في كثير من الأحيان أن تكون صحيحة.فالمفارقة ليست اذن غير قضية مناقضة للرأي العام ولما كان الرأي العام أحيانا باطلا فإنه يمكن للمفارقة أن تكون صحيحة ..."[26]
على هذا النحو فإن المفارقة اجراء تحليلي يتعلق ببناء مشكل وبسياق البرهنة على الحل الذي يمكن أن يقترح له يثيرها الفكرعندما يستنطق المشكل ويضعه موضع تساؤل وتقييم,فيطرح في علاقة واضحة مجموعة من الأفكار المتضادة أو المتناقضة على مستوى الظاهر ولكنها متداخلة ومتشابكة على مستوى الباطن وقد أخذ اللفظ الفرنسي Paradoxe من اللفظ الاغريقيParadoxos والذي يعني ما يتعارض مع الرأي السائد وما يبدو غريبا بالنسبة الى الأفكار البديهية وماهو أمر خارق بالنسبة لما هو مألوف,وهكذا فإن المفارقة قضية خطيرة وطارئة يمكن مواجهتها وذلك بالوقوف ضد الآراء المحتملة والأفكار المقبولة عن طريق العادة ويمكن كذلك استثمارها لوضع اليقينيات موضع شك والعصف بها وزلزلتها من أجل التخلي عنها ومغادرتها, ويمكن أن نواجه عن طريق المفارقة بعض الأفكار أو الأطروحات للحصول على تصور آخر يتجاوز التنافر المعلن ضمنها بتنسيبها أو دحضها ونقدها, وتساعدنا المفارقة كذلك على اثارة التساؤل في المفاهيم والأطروحات مادامت تحركنا في اتجاه جديد يتيح لنا تجاوز التناقض الظاهري لبلوغ مستوى أكثر يبرز فيه التكامل والتلازم بين المستويات التي بدت للوهلة الأولى متناقضة ومتنافرة.
من هذا المنطلق فإن المشكل يتحدد اذن في نهاية عملية توضيح وتمحيص تمكن من مجابهة عدة حلول ممكنة ومناقشتها وهو ليس قضية جاهزة بل فرضية ينبغي اثباتها ونتيجة لعملية بناء نشيطة تمكن من مناقشة حكم من الأحكام أي مساءلة طرفين مستقلين من الدعاوى ومجابهتهما ببعضهما البعض.
ان المشكل ينشأ عند المرور بالوضعيات التالية :
1- حين يبدو لنا أن معتقدا ما ذو نتائج غير معقولة أو منفرة في ظاهرها.
2- حين يوجد تضارب بين معتقدين أو أكثر على أن تكون هذه المعتقدات ضرورية لحياتنا وأساسية للتفاهم مع الآخرين ولفهم العالم.
3- حين يبدو لنا معتقد ما غير متماسك في ذاته ويتضمن تناقضا داخليا خاصة اذا انقلبت النتيجة على السبب وأفسدت الوسيلة الغاية وخان المنتهى المنطلق.
يترتب عن ذلك أن عملية الاستشكال تمثل تجربة فلسفية بامتياز ويتوقف انجازها على الانتباه الى صيغة المساءلة التي يفترضها الموضوع المدروس والتحري في ما قد تحتمله من تعدد المستوايات الدلالية قصد التمييز بينها والاحاطة بها ثم العمل على تحويل السؤال الى مشكل من خلال الكشف عن المسلمات الضمنية لصيغة السؤال وبلورة رهانات التفكير فيه.
على هذا النحو فإن إثارة مشكل ما يتطلب الحركات النظرية والعمليات الفكرية التالية :
1 ـ التحسس :
أن نصطدم بصعوبة تجعلنا لانواصل عملية البحث النظري وتقطع علينا مسار الادراك الهادىء وأن يبرز أمام أعيننا سوء فهم يجعلنا نشكك فيما كنا نأخذه مأخذ البداهة ونضع بين قوسين ما كنا نعتقده يقينيا ومعروف بشكل قطعي فنبدأ في التنقل من البداهة الى الالتباس ومن الوضوح الى الاشكالي. هنا نبدأ بالقاء سؤال عام نعبر به عن دهشتنا واستغرابنا وشروعنا في البحث والاستفهام .
2 ـ الكشف :
أن نحول الى اشكال ماكان مجرد قضية غير مفهومة أو مسألة غامضة بالنسبة الينا وأن نبرز من وراء التساؤل وجود تناقض أو مفارقة ونكشف من وراء ذلك وجود مشكل فلسفي يتطلب منا التدبر والاستنطاق والمعالجة الحرة والغرض من هذا هو التعرف على جملة القضايا والمسائل والمشاكل التى تعترضنا في حياتنا والتمييز بين مشاكل عامية وأخرى علمية وثالثة فلسفية.
هنا نمر الى طرح سؤال فلسفي واضح وصريح نحدد فيه بالضبط المشكل الفلسفي للموضوع فننتقل من العام الى الخاص ومن العمومي الى المتعين.
3 ـ الصياغة :
هنا لابد أن يكون طرحنا لإشكالية المشكل طرحا دقيقا وشرعيا حتى يسهل علينا معالجته معلجة عقلية هادفة ووجيهة وذلك ببناء سؤال احراجي وفق صياغة تعاقبية تتضمن مجموعة من الأجوبة الافتراضية هي عبارة عن أطروحات ممكنة تختلف باختلاف منطلاقاتها النظرية ورهاناتها العملية والغرض هنا هو الانتباه الى امكانية وجود أجوبة جديدة للمعضلة التي نعالجها تكون مغايرة عن تلك التي عرفها ونعتقد في صحتها وسرمديتها وتأبدها.
عادة ما تطرح الاشكالية في صياغة : هل...أم أنه ... ؟
من هنا فإن المشكل ليس بمعزل عن الاستشكال بل مرحلة ضرورية من مراحله لكونه عملية تفكير مستمرة فيه له موضعه في تجربة التفلسف والتفكير العقلاني المنهجي النقدي ويتبين هكذا التلازم الضروري بين لحظات هذا المسار الفكري المتمثلة في عملية الاستشكال:
مفارقة/صعوبة ← سؤال ← مشكل ←اشكال
وتفضي بنا هذه العملية الى انشاء مشكل فلسفي ومعالجته في نطاق اشكالية محددة.
لكن ما المقصود بالإشكالية ؟
لا يمكن للبحث في ماهية الفعل الفلسفي الا أن يكون بحثا اشكاليا مضيقيا لا نكاد نخلص أثناءه الى اجابة حتى نجابه بسؤال آخر أكثر احراج من الأول طالما أن الاجابة المستعجلة عن سؤال مكبوت طرح بطريقة غير شرعية هي اجابة زائفة تعقد الأمور أكثر مما تعمل على توضيحها,لذلك فإن الطرح الاشكالي للمسائل هو أخص ما يخص الفلسفة ألم يقل ديكارت في القاعدة الثانية من قواعد المنهج :
" أن أقسم كل واحدة من المشكلات التي أبحث فيها الى عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها على أحسن وجه". أما الاشكالية فهي من فعل أشكل اشكالا ومن مشكل ومشكلة أي صعب والتبس عليه الأمر وغمض وارتاب حول حقيقة الشيء والاشكالي هو بالمعنى الجاري صفة لماهو مشتبه ويقرر دون دليل كاف ومن ثمة يبقى موضع نظر أما عند كانط فهو صفة لحكم أو لقضية يمكن أن تكون صادقة دون القطع بصدقها,والأحكام الاشكالية حسب لالاند في معجمه التقني والفلسفي هي الأحكام التي يكون فيها الاثبات أو النفي ممكنين لا غير أي لا يمكن اختيارهما بالفكر اعتباطيا.
عندئذ تمثل الاشكالية مجموعة من المشكلات ومن الصعوبات لا يمكن حل واحدة منها بمعزل عن الأخرى والطرح الاشكالي لمسألة ما يتطلب أساسا اثارة التناقضات الثاوية والمفارقات النائمة واقتراح المسالك المواتية لحلها,ويقتضي الطرح الاشكالي عدم الاستسلام لعادات التفكير السائدة وعدم الاستخفاف بالأزمات ولحظات التوتر والضعف التي تطرأ على الفكر وعدم التسرع في اصدار الأحكام لأنها قد تكون مجرد أحكام مسقطة وضرورة التسلح باللاتعجل والتعقل والحنكة وقوة الشكيمة ورباطة الجأش وجودة الروية والقدرة على التمييز والتحلي بالحذر الفلسفي والحس التساؤلي.[27]
يتبين لنا اذن أن الاشكالية هي معالجة حرة للمشكل تكون في شكل تحليلي وفي ثوب عرض استنتاجي له بناء حجاجي متماسك ومرتب بطريقة منطقية متسلسلة بحيث يفضي العنصر الأول الى الثاني وهكذا دواليك الى أن يعالج الموضوع,ويبرز أثناء طرح الاشكالية مجموعة من السبل المؤدية الى حلول ممكنة بهدف التمكن من دراستها دراسة منظمة أو مقاربتها بشكل مخصوص استنادا الى جملة من الاحداثات التي ترتبط بأفق فلسفي معين [مفاهيم محددة,مسلمات ضمنية,مواقف معلنة,رهانات منتظرة].
اذا كان السؤال يمكن أن يتحول الى مشكل ويتطلب جوابا واحدا كافيا لفإن الاشكالية المنبثقة عن هذا المشكل الذي يطرحه السؤال تقتضي حلا يرتكز على سلسلة من الحجج والبراهين قد لا تكون لها قيمة بمعزل عن المنطلقات والمرجعيات الفلسفية التي تعود اليها.
ان من يقبل حدود المشكل العادي كما ترد عليه هو مجرد هاوي في الفلسفة وفيلسوف زور وبهرج وفلسفته هي فلسفة بتراء باطلة طالما أن التفلسف بحق هو اعادة صياغة المشكل على نحو اشكالي وذلك بطرح الاشكالية طرحا دقيقا وخلق حل ملائم لها وذلك بالتجديد والابتكاروهذا لا يحصل الا بتلازم ايثار البداهة وروح الالتباس عند الفيلسوف وبتحول الفلسفة الى التباس سليم يعاين التنافر المبدئي بين الكائن في ذاته والكائن لذاته والاتفاق الفعلي بين الانسان والعالم والى غربة معممة تسجل مرور المعنى من الذات الى الوجود ومن الوجود الى الذات.ان الفلسفة على الحقيقة وباطلاق تجعل من الاشكالي كائنا مستغلقا علينا وحاضرا الينا من جهة ذلك الاستغلاق لتعدل الالتباس والبداهة وتتعدل بهما فيكف الأول عن يكون ضربا لكل حيرة مقضة ودهشة وينقطع الثاني من أن يكون وثوقا واستسلاما لليقين الجاهز والقطعي.ان أمارة الفيلسوف هي أنه" الانسان الذي يستيقظ فيتكلم.ووسع الانسان –صمتا- مفارقات الفلسفة.ألا إن من رام أن يكون بحق انسانا كان عليه أن يكون أكثر قليلا وأقل قليلا من انسان"[28] طالما أن هذا الأخير يظل في مرتبة وسطى بين الشيطان والله وبين الجاهل والعالم فهو يرتفع عن درجة الجهل الحاصلة لدى العامي ولكنه لا يصل الى درجة امتلاك العلم التي يتشدق بها السفسطائي خصوصا وأن الفلسفة تظل ترغب في الحكمة ولا تزعم الوصول اليها. في هذا السياق يقول اميل برييه : "ينشأ المشكل بما هو مشكل عندما يكون الفكر في منزلة متوسطة بين الجهل و المعرفة فلا وجود لمشكل في نظر الجاهل و لم يعد هناك مشكل بالنسبة للحكيم ".[29]
على هذا النحو فإن الجوهر الاشكالي في الفلسفة يظل قائما على أساس تعريف آخر للإشكال يفصله عن التقاليد الجوابية في الفلسفة,اضافة الى أن الاشكالي هو من يضعنا بمحضر قول لا يقطع تيار فضولنا فهو التجدد والابتكار الدائم لأن الجيد المبتكر وحده الاشكالي أما القديم المتكرر فهو بديهي وتسطيحي للوعي وعقبة تنتصب أمام الفكر وتمنعه من النهوض والتوجه نحو المجتمع بغية اصلاحه.
عندما تستيقظ الفلسفة على ما في الحياة اليومية من اشكاليات فإنها تشفينا من مرض الاتباع ومسايرة السائد ومن استهلاك الوصفات السحرية للمذاهب وايديولوجيات الجنات الموعودة ووصايا العقائد المهترئة والحكايات الكبرى فيكف الانسان عن البحث عن حلول في كراس المعلم ويشرع في تدبر أمره بعقله وبحماسة ارادته ويتحفز نحو الحقيقة راغبا في الاستزادة في الفهم مبتعدا عن ثقافة الأجوبة المتراكمة ليدشن صفحة جديدة في دنيا أشد الأسئلة هولا داريا بأنه ليس ثمة سؤال يكون فينا ويكون جوابه في الأشياء بل كل من السؤال والجواب يخرجان من الذات خروج النور من الشمس وينبجسان من العقل انبجاس البركان من الصخر وليس ثمة وجود خارجي يتعلق الأمر بالكشف عنه ووعي مناظر له ليس له من مهمة سوى القبض عليه في لغة المفهوم المجرد لأن الوجود أرحب وغريب وان غرابة الانسان وفرادته لأكبر.
ماهو بديهي وما لا يحتاج أمره الى برهان أننا متلهفون للقاء العلم طازجا كما هو خاليا من كل الأحكام المسبقة متوقفون عند مواطن الأسرار والألغاز فيه ستجيبون في ذلك لزمن" النداء على الفكر بما يرجع اليه هو وحده سؤال العتبات",اننا على عتبة زمن يكاد يشبه لحظة البدء من لا شيء انقذاف من العدم ورحلة المادة من العماء الى الوجود مادام مشكل الفكرأصبح طرقا لأبواب المجهول.
ان الفكر المعتصم بالاشكالي يصير مثل الصعلوك المطارد من كل القبائل ونظير للشخصية المفهومية المنبوذة من كل الشخصيات الرسمية وان الفيلسوف هو هذا الرجل المترحل ثقيل الظل وصاحب الروح الخبيثة وان فلسفته الشريدة مختلفة عن كل الأنساق تغادر أرض كل المذاهب ولا تتوجه الى أية قبلة وتنزل من السماء للتقرب من زويا الأرض أين تعمر مسطح محايثتها.
يقول كارل ياسبرس في نفس المعنى :"ان جوهر الفلسفة هو بالبحث عن الحقيقة لا في امتلاكها حتى لو خانت نفسها كما يحدث مرارا الى درجة أن تنحل الى دغمائية والى معرفة متضمنة في صيغ ... أن نتفلسف معناه أن نسلك السبيل".[30]لكن لماذا يهرب المشكل الفلسفي من ذاته ويستنجد بالأغيار؟ أ خوف من المواجهة أم عزوفا عن تحمل المسؤولية ؟
ان الاشكالي هو حارس الوجود وهو كذلك اعتراف بصعوبة اقامة جسور التواشج بين الواحد والكل وبين المتناهي واللامتناهي وبين الحق و الخلق,انه لا يملك شيئا غير تسآل ذاته ولا يفعل شيئا غير قرع الأبواب المغلقة والقفز على العتبات المقدسة وتحطيم الأوثان.ألم يكن نيتشه محقا عندما رأى ان المشاكل الكبرى تجوب الشوارع وتحكيها الصبية والشيوخ ويحلم بها المراهقين وأن لا أحد امتلك جرأة الهجوم عليها ؟ ألم يشر فتغنشتاين أن المشاكل الأكثر عمقا ليست مشاكل على الاطلاق طالما أنها تجد طريقها الى الحل؟ أليس معرفة ان كانت الحياة جديرة أن تعاش أم لا هو أعظم مشكل فلسفي؟
لكن كيف ننتقل من الغوص في غمرة الاشكال الى تحمل مسؤولية الجواب وادراك ضرورة الاستكشاف والحاجة الى الاستجواب ؟
VІ- الاستكشاف/ الاستجواب ׃
من مسؤولية الاشكال الى خلق الحاجة الى الجواب׃
" كل فلسفة تكون صحيحة بقدر اجابتها التامة على جملة المشاكل التي طرحتها ... والفيلسوف العظيم هو ذلك الذي من جهة أولى قام بتجديد الاشكالية ومن حقق من جهة ثانية رهانه الشخصي وقدم للإشكالية التي طرحها الحل الأكثر شمولية واتساقا ..." بول ريكور
" والمخاطبة العلمية يقتضى بها علم شيء أو يفاد بها علم شيء ما.وهي بضربين من الأقاويل اما السؤال عن الشيء واما القول الجازم واما جواب عن السؤال واما ابتداء.والعلم الذي يقتضى أن يقال اما أن يعتقد وجوده أو وجوده وسبب وجوده..."[31]
"ثمة ما يدعو الى التخوف من حدوث ضجة في صف الفلسفة والسبب في ذلك هو توقيف جهد التفلسف على طرح الاشكاليات واثارة التساؤلات دون تقديم أجوبة أو ابتكار كشوفات والاكتفاء بجعل همة الفيلسوف وصف أحوال العباد وتأويل العالم والاعتقاد بأن هذا التأويل هو الحقيقي والنهائي.
بيد أن اللحظة الراهنة ليست لحظة الوقوف على أطلال اليقينات المنهارة ولا هي عصر الأجوبة المفلسة حتى لا تجد الأسئلة الملقاة أمامها سوى الصحراء المقفرة من أكوام رمالها المتحركة والخالية حتى من رياحها الدوامة,اضافة الى أن زمننا هو زمن ردىء يقتل أسئلته ويحجب مشاكله بستار حديدي ويحولها الى تقنيات لإنتاج السعادة حيث لا يبقى المجال لأي سؤال ولا تتاح الفرصة لأي جواب بحيث لم نعد ندري أنحن في حاجة الى طرح الأسئلة الجادة أم في حاجة الى ابتكار الأجوبة الحقيقية ؟
هل نحن بانتظار عصر الجواب بماهو وصفة سحرية تداوي سقم الشعوب وتجعل من الفيلسوف مبشر بالحياة وطبيب الحضارة أم نحن بانتظار عصر السؤال الذي ينزل على الأرض نزول الصاعقة فيجعل من الفيلسوف نذير شؤم يحمل خبر قدوم الكارثة وولوجنا عصر النهاية واستهلال يوم القيامة ؟
ان الفيلسوف على الحقيقة وباطلاق هو الذي يتحول من سائل الى مسؤول فيكون جيد الفهم قوي التصور ثاقب البصيرة محبا للمعرفة مقتحما لجاج المجهول متحملا مسؤولية الجواب ولن يكون له ذلك الا اذا حول التفلسف الى استكشاف, فما المقصود بذلك؟
الاستكشاف هو قسم من العلم موضوعه كشف الأحداث وخاصة في التاريخ وفي البحث عن الوثائق و الكشفي هو كل ما يساعد على الاكتشاف ويطلق خصوصا على :
- فرضية لاينظر لها من ناحية الصدق والكذب بل نتبناها بصفة مؤقتة كفكرة موجهة للبحث.
- منهج تربوي يشجع الباحث على نبذ التقليد والمسايرة واكتشاف الأشياء بنفسه وذلك بتعلم الطرق المساعدة على ذلك.يقول هوسرل في بهذا الصدد:"ان من يريد حقا أن يصبح فيلسوفا يجب عليه أن يعود الى ذاته مرة واحدة في حياته وأن يحاول في داخل ذاته قلب جميع المعارف المسلم بها الى حد الآن وبعد ذلك يعيد بنائها من جديد".[32]
عندما نجعل مقصدنا هو طرح سؤال يؤدي الى جواب مقبول نكون فيه السائلين والمسؤولين عما قصدنا اليه فان هذه المهمة لكي تتحقق تتطلب التمييز بين المشكل الزائف والمشكل الحقيقي والتقريب بين المشكل العلمي والمشكل الفلسفي بغية ادراك نقاط التمفصل وأماكن الاحتذاء بينهما.
فماذا يفيد بادىء ذي بدء مفهوم المشكل العلمي؟
المشكل العلمي هو سؤال مطروح للحل يتعلق اما بنتيجة مجهولة يجب العثور عليها انطلاقا من معطيات ما أو يتعلق الأمر بتحديد منهج معين ينبغي اتباعه للحصول على نتيجة يفترض أنها معروفة.
ويمكن أن نذكر هنا تحديد كانط في كتاب المنطق لمكونات المشكل من حيث هو يتضمن:
أ-السؤال الذي يحتوي على ما ينبغي انجازه.
ب-الحل الذي يحتوي الكيفية التي يمكن أن يحقق بها هذا الانجاز.
ج-التدليل الذي ينتج عنه ما طلبته عندما انتهحته.
يبدو أن المشكل الفلسفي لا يدخل في حدود هذا التعريف بل يخص المشكل العلمي. فماهو الفرق بين المشكل الفلسفي والمشكل العلمي؟
يتنزل المشكل في العلم ضمن الحوار الذي يتعلق بالبحث عن حلول لأسئلة محددة و هذه الحلول يمكن البت في شأنها بتا كاملا عن طريق الملاحظة أو الفحص أو التجريب أو التحقيق فاذا كانت الأسئلة غامضة و الاقرارات غير قابلة للدحض فتلك علامة يقينية على أننا خارج الحقل العلمي فحتى الخطأ فانه ينبئنا بأننا في صلب نظرية ما لأن العلوم تتقدم بتصحيح أخطائها.ان الحوار العلمي بناء يهدف من داخله الى القضاء على نفسه بنفسه وذلك باجماع العلماء على الحقيقة فهو ينقلب الى خطاب أحادي ويتوقف مؤقتا في التنظيم الاداري لتصبح الحقيقة العلمية محل اجماع اتحاد عمال النظرية التي انبنت عليها ولهذا نشاهد المعرفة المكونة وفق نظام منطقي وحسب طريقة دغمائية تخفي تماما الدرب الطويل الذي قطعه العلماء والصعوبات التي واجوهها والمشاكل التي تغلبوا عليها للحصول على الحقائق المعلنة,فإلى أي مدى ينقرض الحوار العلمي في الخطاب الأحادي الخاص بالعلم المكون ويجهز على الطابع الاشكالي والحس التساؤلي لعمل العلماء؟ ثم ما هو دور المشكلات في العلم؟
كارل بوبر في أسطورة الاطار- الفصل الرابع- يصرح ما يلي :" يمكن القول بصورة مبدئية ان العلم يبدأ من النظريات،من الانحيازات،من الخرافات والأساطير. والأحرى أنه يبدأ حين يحدث تحد لأسطورة فتنهار أي حين يخيب بعض من توقعاتنا.ولكن هذا يعني أن العلم يبدأ بمشكلات,بمشكلات عملية أو نظرية... اننا لا نبدأ من الملاحظات بل نبدأ دائما من المشكلات: من مشكلات عملية أو من نظرية وقعت في صعوبات أي نظرية أثارت توقعات معينة خابت.
حينما تواجهنا مشكلة فاننا نعمل بنوعين من المحاولات. نحاول أن نخمن أن نحدس افتراضيا حلا لمشكلاتنا ونحاول أن نفقد حلولنا التي هي عادة واهية الى حد ما. وفي بعض الأحيان قد يصمد تخميننا أو حدسنا الافتراضي في وجه نقدنا واختباراتنا التجريبية لفترة من الزمان. ولكن دائما نكتشف أن حدوسنا الافتراضية يمكن تفنيدها أو أنها لاتحل مشكلتنا,أو أنها تحل جزء منها فقط,ونكتشف أنه حتى أفضل الحلول التي تستطيع أن تقاوم أقسى نقد من ألمع واحد العقول سرعان ما تؤدي الى نشأة مصاعب جديدة ومشكلات جديدة.
هكذا يجوز القول ان معرفتنا العلمية تنمو بانتقالنا من مشاكل قديمة الى مشاكل جديدة بواسطة الحدوس الافتراضية والتفنيدات , بواسطة تفنيد نظرياتنا,أو بوجه أعم تفنيد توقعاتنا...الآن لنلق نظرة عن كثب أكثر على الطريقة التي نتعرف بها على مشكلة ما.أقول اننا نبدأ من مشكلة,من صعوبة,قد تكون مشكلة عملية أو نظرية وأيا كانت المشكلة,فمن الواضح أننا حين نصادفها لأول مرة لا نستطيع أن نعرف الكثير عنها,وفي أفضل الأحوال يكون لدينا مجرد فكرة غامضة عما تتألف منه المشكلة في الواقع. كيف نستطيع اذن أن نخرج حلا ملائما؟
من الواضح أننا لا نستطيع,يجب أولا أن نتعرف على المشكلة بصورة أفضل... و لكن كيف؟ واجابتي في غاية من البساطة:عن طريق اخراج حل غير ملائم بالمرة وعن طريق نقد هذا الحل غير الملائم.بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نقترب منفهم المشكلة.ذلك أن فهم المشكلة يعني أن نفهم لماذا لا يسهل حلها... لماذا تفشل أوضح الحلول.لذلك يجب أن نخرج هذه الحلول الواضحة ونحاول أن نكتشف لماذا تفشل,بهذه الطريقة نتعرف على المشكلة, وبهذه الطريقة يمكن أن ننتقل من حلول سيئة الى حلول أفضل قليلا - شريطة أن يكون لدينا دائما القدرة على أن نخمن من جديد.ويمكن أن نضرب مثالا بالغ البساطة على هذا المنهج, منهج الاقدام على حل المشاكل عن طريق المحاولة واستبعاد الخطأ... ومع ذلك يصدق بشكل عام أن أفضل منهج لتعلم شيء ما عن المشكلة,ان لم يكن المنهج الوحيد, هو أن نحاول أولا حلها عن طريق التخمين ثم نحاول أن نعين الأخطاء التي وقعنا فيها. وأحسب أن هذا هو المقصود ب"معالجة مشكلة".واذا عالجنا مشكلة معالجة مديدة بما يكفي,وعميقة بما يكفي,سنشرع في أن نعرفها, أن نفهمها, بمعنى أن نعرف أي نوع من الحلول لن يصلح أبدا (لمجرد انه يفتقد لب المشكلة) وما نوعية المتطلبات التي يجب مواجهتها عن طريق محاولة جادة للحل . وبعبارة أخرى, نبدأ في أن نستبين تشعبات المشكلة ومشاكلها الفرعية وارتباطها بمشاكل أخرى. في هذه المرحلة يمكن أن تخضع حلولنا الاختبارية للنقد من الآخرين- أي للمناقشة النقدية- بل وربما أمكن نشرها...
ويمكن اجمال نظرتي لمنهج العلم بأسره في القول انه يتألف من هذه الخطوات الثلاث:
- نعثر على مشكلة.
- نحاول ان نحلها, مثلا عن طريق اقتراح نظرية معينة.
- نتعلم من أخطائنا, خصوصا من الأخطاء التي تتضح أمامنا بفعل المناقشة النقدية لحلولنا الاختبارية - مناقشة تنزع الى أن تفضي الى مشكلات جديدة. أو بكلمات ثلاث:مشكلات ،نظريات، نقد.وأحسب أن هذه الكلمات الثلاث يمكن أن تجمل اجراءات العلم العقلاني بأسرها."[33]
و في نفس السياق يضيف كارل بوبر ما يلي:" هذه الاختبارات التجريبية مرة أخرى جزء من "المعالجة النقدية للمشكلة":أن نظفر بمعرفة عنها, أن نتعرف عليها ونصبح على ألف فعلى بها,وبالتالي ربما تتضاعف فرص المرء في أن يجد لها يوم ما حلا وافيا وكاشفا...
اذا طرح السؤال"´ماذا عن تفهم مشكلة؟" فاجابتي أن هناك طريقة واحدة فقط لتفهم مشكلة مستحكمة – سواء أكانت الآن مشكلة نظرية بحتة أو مشكلة عملية من مشكلات التجريب – وهذه الطريقة هي أن نحاول حل المشكلة, وأن نفشل.اننا نبدأ في تفهم مشكلتنا فقط عندما نكتشف أن حلا ما واضحا وهينا لا ينطبق عليها ذلك أن المشكلة صعوبة,وأن نفهمها يعني أن تمر هذه الصعوبة في خبرتنا. ولن يحدث هذا الا اذا اكتشفنا انه لا يوجد حل سهل وواضح لها..
على هذا النحو نتعرف على المشكلة فقط بعد أن نبذل محاولات عدة لحلها تذهب سدى.وبعد سلسلة طويلة من الفشل -من المحاولات التي تعود لتغدو غير مقبولة- يمكن ان نصبح خبراء بهذه المشكلة المعينة.سوف نصبح خبراء بها بالمغزى التالي:اذا حاول أي شخص آخر ان يتقدم بحل جديد - مثلا نظرية جديدة – فاما أن يكون واحدا من تلك الحلول التي حاولنا أن نجربها وذهبت سدى ( حتى أننا قادرين علىأن نشرح لماذا لا يصلح هذا الحل) أو أنه حل جديد.في هذه الحالة قد نستطيع أن نكتشف بسرعة ما اذا كان هذا الحل يستطيع أن يتغلب على تلك الصعوبات القياسية التي نعرفها جيدا من مساعينا غير الناجحة. دعواي هي أننا حتى لو فشلنا بامعان في حل مشكلتنا فسوف نكون على الأقل قد تعلمنا الكثير من خلال صراعنا معها- كلما حاولنا أكثر,تعلمنا الأكثر عنها- حتى لو فشلنا في كل مرة.اذ نصبح بهذه الطريقة على ألف كامل بالمشكلة- أي بصعوباتها- فمن الواضح أنه ربما لدينا فرصة لحلها أفضل من فرصة شخص لم يتفهم بعد صعوباته. بيد أن المسألة مسألة صدفة: في حل مشكلة عسيرة لايحتاج المرء للفهم فقط بل أيضا للحظ.
هكذا نجد أن العلم ذاته يبدأ بمشكلات وينتهي بمشكلات ويتقدم من خلال الصراع معها.وهذا شأن العالم كفرد ينبغي أن يبدأ وينتهي بمشكلته وبالصراع معها.وعلاوة على ذلك اذ هو يصارع المشكلة لن يتعلم فقط أن يفهمها بل أيضا سوف يغيرها فعلا.وقد يكون تغير درجة التأكد هي العامل الحاسم– ليس فقط بالنسبة لتفهمنا بل أيضا بالنسبة للمشكلة ذاتها,لخصوبتها ومغزاها وامكانات طرح حل شيق."[34] ويرى أيضا أن كل المشاكل في العلم تعود الى هذه المفارقة أو التناقض الظاهري الذي يواجه نظرية المعرفة والذي يتضح من خلال التصادم بين أطروحتين كلاهما صادقتين:
-المعرفة الانسانية شاسعة ونافذة [التفاصيل].
-الجهل الانساني بلا حدود و سابغ[ كل جزئية تفتح أعيننا على جهلنا].
"ان التوتر بين معرفتنا وجهلنا حاسم بالنسبة لنمو المعرفة،انه يلهم بتقدم المعرفة ويرسم حدودها المتحركة دوما.ولا تعدو لفظة "مشكلة" سوى أن تكون اسما آخر لهذا التوتر أو بالأحرى اسما يشير الى حالات عينية شتى من التوتر. وكما اقترحت آنفا,تنشأ المشكلة وتنمو وتصبح ذات مغزى من خلال محاولاتنا الفاشلة لحلها.أو لنطرح هذا بصورة أخرى, فنقول ان الطريقة الوحيدة للشروع في معرفة مشكلة هي أن نتعلم من أخطائنا."[35]
بيد أنه من حق الفلسفة أن تتجاوز العلم لأن العلماء وحدهم هم الذين يضعون المشاكل ويمكنهم أن يجدوا لها حلولا بينما الت