
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
التهافت القاتل
في هدية العيد للشيخ سعيد
هادي حليم
بسم الله الرحمان الرحيم: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (7) سورة آل عمران
اللهم إنا نصدقك في المحكم والمتشابه فلا تزغ قلوبنا، ونخضع لك فلا نزعم علما يحيط بعلمك ولا تأويلا يهيمن على كلماتك فما يعلم تأويلها إلا أنت فلا تجعلنا من أهل الفتنة.آمين
أما بعد.
فقد رأيت من المفيد أن أعلق على ما كتبه الشيخ سعيد فودة بعنوان التهافت الثامن
من تهافتات المرزوقي وقد جاء ما كتبه الشيخ في نحو من ستين صفحة لا يعنيني منها سوى تأويله لقول ابن خلدون في علم الكلام وهو القول الذي ادعى أن المرزوقي تعمد عدم ذكره كاملا لما فيه من إثبات لعكس ما يريده هو وزمرته . ويمثل كلام الشيخ في هذا الأمر نسبة قليلة من هديته التي يفرح بها وتلامذته، وأما ما سواها فهو تفنن في الاستخفاف والسب نعرض عن الاهتمام به مطلقا لكي لا يؤول الأمر إلى ما آل إليه مع الشيخ بلال.
ولكني مع ذلك أشير إلى حاصل ثلاثة أرباع مقالته وهو نحته لصورة معينة عن خصومه الذين لو كانوا بالتهافت الذي ذكر لما بُرّر شديد اعتنائه بما يقولون ومتابعة الرد عليهم. وغايتي من الإشارة إنما التأكيد على تعجله في تخير التهم : قال " ولكن لن تجد أحدا وافقهم في آرائهم، إن هي إلا نتف من هنا ومن هناك لفقوا بها مذهبهم تلفيقا. ومع ذلك فقد قلتنا الأنظار إلى تلك الحيلة، حيلة سعيهم في أن يكفرهم أحد من المسلمين، ليركضوا بين الغربيين وهم يصيحون بأنهم شهداء الحرية الفكرية، وأنهم الذين ظلموا لما أرادوا تنوير عقول المسلمين بالشعاع الغربي المبين. عله بذلك يستعطفون ألئك من وراء البحار كما فعل أبو زيد وأركون وغيرهما."
ولو كان مذهبنا نتفا كما يقول الشيخ لكان الصمت عنه أولى فليس من حكمة اللبيب أن يجهد نفسه في الرد على النتف ولو كان مذهبنا بدعا من القول لم يوافقنا عليه أحد لكفى ذلك الشيخ وأتباعه ولكنه زخم الوعي شاع بحمد الله فأفزع من أفزع والله متم نوره. وأما قول الشيخ إننا نسعى إلى الظفر بشهادة تكفير منه لننال الحضوة عند الغربيين فهو والله ما يعجب له كل ناظر وأظن أن بعض تلامذته ممن يطلب الحق يجد حرجا بالغا في تصديق هذا . أو لم يعلم الشيخ أننا نعادي المستشرقين الذين يدسون ضد أمتنا الدسائس بادعائهم أن البحث عن ابداع المسلمين ينبغي أن يتم في علم الكلام وليس سواه، وهم يعتبرون الفتن التي زرعها علم الكلام مظاهر لمحاولة تحرر العقل الاسلامي ويعنون التحرر من كتاب الله وسنة رسوله ... نحن نعاديهم وأنتم تقولون هي كلمة حق جاءت من عند أعدائنا... فأينا يلتمس شهادة الغربيين؟؟؟ أولا يعلم الشيخ أيضا أننا نقف سدا منيعا ضد العلمانيين المتهافتين على تراث الأمة المترامين في أحضان الغرب الزاعمين بهتانا أنهم دعاة حداثة ، نقارعهم ونثبت فساد دعاويهم وننبه الى خطرهم على الأمة؟...كل ذلك وأغلبنا عاش في الغرب واطلع على فنون حياتهم وتعلم لغاتهم فأجادها ولم يزده ذلك إلا محبة لتراثه وتمسكا بجذوره فصدورنا معمورة بكتاب الله المجيد وألسنتنا تفيض سلسبيلا بلغة الضاد الحبيبة ونحن مع ذلك نمسك ما استطعنا بعلوم الأنفس والآفاق لا نفرق بينها وبين أسباب استئناف الريادة الحضارية ...ولو كنا ممن ولى وجهه قبل الغرب لرضينا بما حصلنا منه من اعتراف علمي ( من يطلع على سيرة أبي يعرب مثلا سيجد أنه كان يحصد جوائز الصدارة منذ الباكالوريا حتى ما بعد الماستر ) ولكننا آثرنا ما نؤمن به من ضرورة الدفاع عن خير أمتنا فلا يعنينا رضاء الغرب عنا بل لا تعنينا الملوك والسلاطين والقواد والرؤساء التي تجثم على صدر الأمة ...فأي غرب تنسبنا إليه يا شيخ؟ إنك بهذا البهتان الجديد تزيد مقالتك تهافتا فقد وصفتنا ومريدوك (الذين ينادونك يا مولاي...) بالسلفيين السذج والتيميين المجسمين والوهابيين والسفسطائيين والباطنيين والمتفلسفين الملاحدة ... فهل يسمح لك مبدأ عدم التناقض أن تجمع بين كل هذا ولا يتهافت قولك ؟... لن أتوقف عند هذا الأمر لأنه لا رجاء منه ولا منفعة.
إن مدار ما بقي من هدية الشيخ هو قول ابن خلدون حكاية عن الجنيد "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب" وهذا القول ساء الشيخ أن ابو يعرب وتلامذته قد وقفوا عنده وتمسكوا به أكثر مما ينبغي بل ما ساءه فعلا هو أن المرزوقي وزمرته تعمدوا الاقتطاع المفسد للمعنى فلم يذكروا السياق ولذلك تصدى الشيخ للمسألة ليعيد ترتيب المعاني بإدراج ما أسقطته النوايا المغرضة ، ولكن الشيخ كما سنثبت بالبينة إن شاء الله فعل عكس ما يريد فتردى قوله في غياهب الجهل وكشف عن تهافت قاتل لا مخرج منه بأي تأويل كان.وافتتح الشيخ جوهر الهدية بتقديم وصف لمنهجه في قراءة النصوص قائلا:
" وذلك لأنا نتبع الطريقة الواضحة، والمنهاج القويم، فلا نتعسف في تقليب الكلام على خلاف دلالته، ولا نتحكم في المعاني التي يعلن عنها أولئك الأعلام، بل نسوق الكلام سوقا، ونكتفي بتحليله بعد إيراده كاملا، لا نفعل كما يفعل أولئك فنحذف بعض العبارات التي هي محل الاستشهاد، ولا نكتفي ببيان ما ننسبه من دون إظهار القواعد التي اعتمدنا عليها في فهم ذلك المعنى، خلافا لما يفعله أولئك الأبعدون عن أقل قدر من معالم العلم الصحيح وقواعد التفسير للنصوص." وانتبه أيها القارئ الكريم إلى ما ميزه الشيخ بالخط الغليظ أعني " لا نفعل كما يفعل أولئك فنحذف بعض العبارات التي هي محل الاستشهاد" ... وقد ورد الشاهد المذكور عدة مرات في كل واحدة يتحدث الشيخ عن المعنى ذاته ولكن بغير انتظام قصدي وكأنه حديث النفس يجري بعفوه ( ولعله كذلك فعلا إذ كثيرا ما يكتب الشيخ مثل هذا وأكثر "في نصف ساعة"). ولننظر الآن كيف "يسوق الشيخ الكلام سوقا" وكيف "يكتفي بتحليله بعد إيراده كاملا" ... إلى غير ذلك مما يميز منهجه من منهج خصومه.
أما الشاهد محل الخلاف فهو كما ضبطه الشيخ: قال العلامة ابن خلدون:"ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين، والتبست مسائل الكلام، بمسائل الفلسفة، بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع، ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تأليفهم. إلا أن هذه الطريقة، قد يعنى بها بعض طلبة العلم، للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج، لوفور ذلك فيها.
وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام، فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين، وأصلها كتاب الإرشاد، وما حذا حذوه.
ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب، فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم، فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع، ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم.
وعلى الجملة، فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارىء عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته. ولقد سئل الجنيد رحمه الله، عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص؟ فقال: "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب" . لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها. والله ولي المؤمنين."انتهى[1]
الفرق بين طريقة المتقدمين والمتأخرين:
اعتبر الشيخ خصومه جاهلين بالفرق بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين وانتهى بعد تحليل إلى أنه لا فرق بينهما سوى " في التوسع في ذكر آراء الفلاسفة والرد عليهم في شتى المسائل التي خاضوا فيها ، في مختلف المباحث في الطبيعيات والإلهيات والسمعيات وفي الأمور العامة."
!.. وعنده أن التقديم والتأخير لا يفيد فرقا(ربما لأنه لا يقول بالجهة) "فابن كلاب من أصحابنا" لأنه كان يقول بما يقول به الأشعري (والأشعري من أصحابنا لأنه كان يقول بما يقول به فودة)...وقد زل الشيخ في هذه السفسطة لأنه لم ينتبه إلى أن ابن خلدون يستعمل مفهوم "السلف" بمعنيين:
أما الأول فهو سلف الأمة أي الجيل الأول ممن تقبل الرسالة دون مجادلة ولا مماراة ، وهذا السلف سابق عن علم الكلام أصلا ، وهو بريء من زيغ القلوب وابتغاء الفتن وهو الذي يقول فيه ابن خلدون بعد ذكر وقوفه على المحكم و المتشابه من كتاب الله: "فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها و وضوح دلالتها، و علموا استحالة التشبيه. و قضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها و لم يتعرضوا لمعناها ببحث و لا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: إقرأوها كما جاءت أي آمنوا بأنها من عند الله. و لا تتعرضوا لتأويلها و لا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء."(المقدمة ص512 ط دار الجيل بيروت)
وأما الثاني فهو سلف المتكلمين السنة الذين يسميهم "المتقدمين" وهم أقرب إلى السلف لقلة لجوئهم إلى التأويل إلا للضرورة الدفاعية وهي ضرورة اقتضتها أحوال الواقع وليس داعي العقيدة (وقد رأى ابن خلدون مثلا انتفاءها في عهده فلم يعد للكلام من معنى)، وهؤلاء يقول فيهم بعد وصفه بدعة خلق القرآن عند المعتزلة: . "و عظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها و خالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم، و كان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع..." ص515 . والمتقدمون من سلف المتكلمين السنة كانوا أكثر وعيا من المتأخرين في عدم الأخذ بأدوات الفلاسفة " إلا أن صور الأدلة تعتبر بها الأقيسة ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة فكانت مهجورة عندهم ..." ص515
ومع هذا فإن الشيخ سعيد لا ينتبه إلى ذلك ويعمد إلى لوي المعاني بضرب من السوريت العجيب : لما كان ابن خلدون وصف المتقدمين من المتكلمين بمحاذاة السلف، ولما كان من بين المتقدمين الذين ذكرهم نجد الجويني في كتاب الإرشاد، وبما أن كتاب الإرشاد فيه تأويل واستدلال فإن المتقدمين يؤولون ويستدلون، ولما كان ابن خلدون أقر لهم بمحاذاة السلف فيلزمه القول إن السلف يؤولون ويستدلون.. !!(فودة: فتأمل – رحمك الله - كيف يصف ابن خلدون طريقة المتقدمين بأنها تحاذي طريقة السلف، وضرب عليها مثالا كتابَ الإمام الجويني المسمى بالإرشاد، ولا أعتقد أن المرزوقي وزمرته قد قرأوا هذا الكتاب أو اطلعوا عليه إلا من خلال تعليقات لبعض المستشرقين يعيدون قراءته لهم...)[2]
وقد كان أولى بالشيخ أن يكون وفيا لمنهجه الذي أفصح عنه في البداية أعني الذهاب المباشر إلى صريح النص بدل هذا الدوران المغالط؟ فالمشكل الذي يريد الشيخ حله باسم ابن خلدون لا يحتاج إلى كل هذا وابن خلدون فصيح لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين فكره، إنه يقول: " فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، و علموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها و لم يتعرضوا لمعناها ببحث و لا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرؤوها كما جاءت أي آمنوا بأنها من عند الله. و لا تتعرضوا لتأويلها و لا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء..."
أما موقف ابن خلدون من خلط المتأخرين بين الكلام والفلسفة فهو على غاية من الجلاء لم يجد معها الشيخ طريقا للتأويل فاكتفى بتصريح مخالفته لابن خلدون وأنه لا يسلم له بالأمر.
متى يكون علم الكلام ضروريا:
في هذه المسألة احتال الشيخ كالعادة على الشروط التي وضعها ابن خلدون لإمكان علم الكلام وانتهى إلى أن علم الكلام واجب بذاته لأن شرط حضور الملحدة والمبتدعة موجود في ما يبقى من أفكارهم فلا وجود لعهد لا يكون فيه علم الكلام واجبا، وليت شعري ما الذي يدفع بابن خلدون أن يقول إن علم الكلام لم يعد ذا شرعية في عهدنا وهو يقصد إن علم الكلام مطلق الشرعية لا يتقيد بعهد ؟؟؟ : (فودة "وتوضيح ذلك: أنا لو قلنا لابن خلدون: ما دام الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، فلا ضرورة لعلم الكلام. فإن ابن خلدون يجيبنا قائلا: إنَّ مجرد انقراض الملحدة والمبتدعة بشخوصهم وأجسامهم([3])، بمعنى موتهم وزوال وجودهم بين المسلمين، لا يكفي للحكم على علم الكلام بعدم الضرورة، لأنّا وإن فرضنا زوالهم بذلك المعنى، إلا أن تشكيكاتهم وزيفهم وتلاعباتهم لم تنقرض بين المسلمين، وإذا أطلق مصطلح الانقراض على الشبه فإنه يراد به الردَّ عليها، والكشف عن المغالطات الكامنة فيها، لا مجرد عدمها، وزوال التشكيكات معناه بيان قيام هذه الشبه والشكوك على مغالطات وأحموقات لا على أدلة وبراهين...")
ويحاول الشيخ حسم الأمر بالإحالة إلى صريح النص الخلدوني :" وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته." فيقول : " فما معنى هذه العبارة ؟ معناها الصريح الظاهر، الذي لا يملك أحد أن ينسب إلى ابن خلدون غيره منها، أنه لما قام الأئمة السلف بواجبهم في دحر المبتدعة والردِّ على شكوكهم وشبههم، لم يبقَ منهم ما تعمُّ الحاجة إلى نشر علم الكلام والحكم عليه بأنه ضروري بمعنى الضرورة الذي سنوضحه لاحقا، إن ابن خلدون يقرر بوضوح أنه لم يبق من الشبه والشكوك التي أثارها المبتدعة والملحدة إلا كلام لا يستدعي جهدا عظيما عند الناس العوام ليكتشفوا تنزُّهَ الباري عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته."
ومن العجيب أن الشيخ يصر على حسم الموقف بهذه الشهادة التي لا ندري من أين جاء بمضامينها، فليتأمل القارئ معنا هذه الدرجة من التهافت: ولنعد الشاهد بصورته المستوفية للمعنى لا على النحو الذي ذكره الشيخ. قال ابن خلدون: "وعلى الجملة، فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته." فأين قرأ الشيخ في كلام ابن خلدون هذه العبارة " أنه لم يبق من الشبه والشكوك التي أثارها المبتدعة والملحدة إلا كلام لا يستدعي جهدا عظيما...الخ"؟؟؟ وإذا لم تكن صريحة فبأي ضرب من التأويل أنتجها ؟؟؟
والجواب على ذلك أن الشيخ لم يتبين دلالة الضمير في قول ابن خلدون "فلم يبق منها" فهو مؤنث وعلينا أن نبحث عن الاسم الذي يعود إليه، وليس من مؤنث في القول سوى الأدلة العقلية وهي أقرب ما يمكن أن يحيل إليه الضمير (ولا يظنن أحد أن الهاء قد تعود على الملحدة والمبتدعة لأن ـ ولكم أن تسألوا المهتمين بالبلاغة في منتدي الأصلين ـ الضمير يعود إلى الأقرب من الأسماء، ولو فرضنا ابن خلدون لا يعرف هذه الحقيقة وأنه يرجع بالضمير إلى الملحدة والمبتدعة فكيف يكون له ذلك وقد سبق فخاطبهم مخاطبة الجمع انقرضوا ، ولو فرضنا أنه لا يعرف هذا أيضا فأي معنى ينتج وأي ابن خلدون يكون؟؟؟ )
ولما كان الشيخ قد بنى كل حجاجه على هذا الفهم الخاطئ فإن كل حجاجه يبطل وتعود هديته إليه لأنها مغشوشة. ولكن ما الذي دهى شيخ الأصلين فوقع في ما وقع فيه؟ إنها واحدة من ثلاثة:
ـ إما أنه لا يعرف مبادئ العربية، وهذا ما نستبعده لأننا نجده في مواضع يقوم بتخريجات من له معرفة بالأمر إلا أن يكون نقلها دون وعي.
ـ وإما أنه يتجرأ فيحرف الكلم قصدا وهذا ما ننأى عن وصفه به لأن في المسألة محاسبة للنوايا ونحن لا ننازع الله سبحانه التفرد بمعرفة ما في النفوس ثم إننا نأخذ معه بتصديق ظاهر ما قال من أنه يراعي يوم يلقى الله فيسأله عما قال... وهو ليس مثلنا فنحن كما شهد الشيخ بعد أن استباح سر الديان " ولا يحرصون مطلقا على إتقان الفهم قبل الحكم، وذلك لأنهم لا يحسبون لله حسابا أن يسألهم في يوم الدين لم قلتم كذا، ولم فعلتم"
ـ وإما أنه يجمع بين السببين وهو ما لا نرضاه له ولا نقول به من باب حسن الظن الذي يكفل حدا من التواصل بيننا ولو كان على هذه الحال لكنا أولى باللوم أننا نحاوره.
ـ فلم يبق غير مبرر واحد يكون الأخذ به لفهم تهافت الشيخ أكثر عدلا وإنقاذا له من التردي القاتل أعني داء العجلة الذي تمكن من الشيخ وأصحابه فجعلهم كلما أرادوا شيئا أثبتوا عكسه. والشيخ ههنا، عوض أن يرى ما يعود إليه الضمير في النص فقد رأى ما في مخيلته وما يحب أن يراه ومن فرط عجلته صدق ذلك وأصبح يراه عيانا.
فمن الذي لا يحرص على إتقان الفهم أيها الشيخ؟ ومن الذي يحرف الكلام ؟ لقد اتهمتنا ببخس الشاهد حقه لأننا لا نذكره كاملا أما أنت فتذكره وتزيد عليه (في الاستعمال التونسي إذا سأل أحد هل يعرف فلان كذا؟ وكان الجواب نفيا وتهكما قيل: نعم ويزيد فيه)... وها أنت أيها الشيخ كعادتك "تريد أن تطبّها فتعميها" فليتك اهتديت فلم تفرح بهديتك وليت مواليك لم يهللوا بما جئتهم من العلم خاصة وهم لا يقرون صغيرة ولا كبيرة حتى تأذن لهم ولا يقرؤون إلا ما تقرأ لهم[4].
من كان ذا ضمير حي فليثب إلى رشده ومن كان لا يعرف للضمير معنى فليهده الله وهو خير العارفين.
[1] بعض الشواهد الأخرى التي يرجح فيها ابن خلدون القول بذم تجاوز ما جاء به الشرع وعمل به السلف دون تأويل وزيغ (لمن يحب الشواهد بدل التحليل ولمن يحب النصوص وهو يدعي امتلاك التأويل)
- و تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب و الوقوف معها فإنه واد يهيم فيه الفكر و لا يحلو منة بطائل و لا يظفز بحقيقة. قال الله: ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. و ربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمة و أصبح من الضالين الهالكين نعوذ بالله من الحرمان و الخسران المبين. ص508
- . و أيضا فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد يالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة التأثير و كيفيته مجهولة. و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا. فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها و إلغائها جملة و التوجه إلى مسبب الأسباب كلها و فاعلها و موجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا و طرق سعادتنا لاطلاعه على ما وراء الحس. قال صلى الله عليه و سلم: من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة. فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع و حقت عليه كلمة الكفر و إن سبح في بحر النظر و البحث عنها و عن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة. فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب و أمرنا بالتوحيد المطلق قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد و لم يولد * ولم يكن له كفوا أحد و لا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات و أسبابها و الوقوف على تفصيل الوجود كله و سفه رأيه في ذلك. ص508-509
- فاتهم إدراكك و مدركاتك في الحصر و اتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك و عملك فهو أحرص على سعادتك و أعلم يما ينفغك لأنه من طور فوق إدراكك و من نطاق أوسع من نطاق عقلك و ليس ذلك بقادح في العقل و مداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد و الآخرة و حقيقة النبوة و حقائق الصفات الإلهية و كل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال. و مثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن يه الجبال و هذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده و لا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله و يصفاته فإنة ذرة من ذرات الوجود الحاصل منة. و تفطن في هذا الغلط و من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا و قصور فهمه و اضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك و إذ تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الإرتقاء نطاق إدراكنا و وجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام و يحار و ينقطع. فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب و كيفيات تأثيرها و تفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيرة و كلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته و علمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنة لا غير و هذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين: العجز عن الإدراك إدراك.... ص509-510
[2] ظاهرة اتهام الخصوم أنهم لم يقرؤوا كذا أو كذا ظاهرة مأنوسة عند الشيخ وأصحابه، حتى أن أحدهم أقسم بغليظ الإيمان أننا لم نقرأ أحد الكتب التي أشار إليها ...وهذا من مهاترات الكلام التي تؤدي إلى زيغ القلوب والاستهانة بالعقائد... وهو من أضعف مبادئ المناظرة لا يلجأ إليها غير قليل الحيلة ، وهي ضرب من الجلبة التي يعمد إليها صنف من الناس حينما يخاصمون لتعويض حضور الحجة بحضور التعمية وإيهام الضعفاء أن الحق معهم لأن كثيرا من الناس يُؤخذون بهذه الطريقة ويظنون كثرة ذكر أسماء الكتب أو حتى حفظها دليلا على العلم، والحق أن ذلك لا يغني من الحق شيئا وقد ذمه الله في حال من يحمل الأسفار ولا يعيها
([3]) فودة= مع أن هذا الفرض لا يحصل بصورة قاطعة في أي زمان من الأزمان، أعني إنه لا يوجد زمان من الأزمان ينعدم فيه وجود المبتدعة والملحدة والمشككين في الدين، بل إنَّ الأمر يلاحظ فيه الغالب والشائع، وليس حكما كليا ذلك الذي يقرره ابن خلدون، حتى يتعلق به من يتعلق. ومع وضوح ما نقرره هنا، إلا أنا نجد أولئك المنحرفين عن جادة الحقِّ يتمسكون –شانهم- بأقل شبهة، أو أبعد لحاظ، وإن لم يوجد عليه دليل ولا أمارة! وهذا ديدنهم الذي كشفنا عنه.
[4] عجبت لأحد مريدي الشيخ الذين كنت أتوقع فيهم بعض النجابة وهو ممن يناقش علم الكلام عند ابن خلدون أنه تفاجأ بما فتح به الشيخ عينيه على جريمة المرزوقي في بتر الشاهد المذكور، فالرجل يناقش وينافح ويقارن ويحكم وهو لم يقرأ فصل علم الكلام من المقدمة منتظرا شيخه ليطلعه عليه فهذا المريد من ذاك الشيخ...