معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                               التمثيل الجامع بين العدل والفاعلية

                                                                       أبو يعرب المرزوقي

تمهيد:

قال لي أحد طلبتي النجباء ذات مرة بعيد شرارة الثورة (هو الأستاذ محسن العامري)- لما رآني أكثر من الشواهد الخلدونية في كتاباتي الموجهة لشبابها - ما يمكن تلخيصه على النحو التالي:

قال: هل تعتقد أن ابن خلدون الذي نراه فاتحا الكتاب (بكل معانيها وخاصة بالمعنى العامي منها) ومستقبلا القبلة ليس مؤرخا فحسب بل هو رئيس محكمة التاريخ ليرشد شباب الثورة؟

 قلت: أصبت يا محسن. فهو "فاتح الكتاب بالتونسي" يعني أنه يرأس محكمة التاريخ ليقوم سعي أبناء تونس نحو التحرر والاستقلال والدفاع عن قيمهم ولسانهم أعني للحفاظ على البند الأول من الدستور وتفعيله ليكون حقيقة متعينة في الواقع وليس مجرد نص لم يتجاوز منزلة الحبر على الورق الحبر الذي يريد أن يمحو حتى أثره بعض المتنمرين.

لكني أضيف الآن إلى ما جاء في هذا الحوار القصير أمرا آخر لعله هو المطلوب فهمه في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الأمة العربية الإسلامية: إني أرى في دور نصب ابن خلدون دوره الرمزي أكثر من ذلك. ينبغي أن نقرأ خاصيات سيرته وموضع نصبه خاصياتهما التي توافق وضع الثورة الحرج في لحظتنا الراهنة:

 فهو ابن القصبة أو ما يليها وابن جامع زيتونتها.

وهو بهندامه وانتصابه ذي العنفوان يمثل تونس الأبية ودورها التاريخي.

 وهو معتصم في قلب العاصمة اعتصام الوسيط الخالد بين الماضي (المدينة العتيقة) والمستقبل (باستقباله القبلة).

وهو مدرك جيد الإدراك لما يحيط به يمنةً ويسرةً مما لا يزال أصحابه وعملاؤهم ساعين في العلن والخفاء إلى تجاوز العلاقات الندية ليكون رمزا يواصل عهد الاستعمار البائد سياسيا (على يمينه) وروحيا (على يساره) لعل ذلك يرهن  مستقبل البلاد بالتبعية الأبدية.

                               الفصل الأول

              طبيعة تمثيل الأمة في نظرية الحكم السنية

قدمت بهذا الحوار وبهذه الإضافة لمسألة مكملة لمقدمات الصوغ الدستوري وكلتاهما ذات صلة بالسعي إلى التحرر مما نبه إليه ابن خلدون: ولع المغلوب بتقليد الغالب ودور ما يحيط باعتصامه يمنة ويسرة في الوصل بين القديم والحديث من تاريخنا المجيد. والمبدأ المحرر من هذا المرض هو فهم سر القوة الحقيقية التي تحصن الأمم ضده: فوعي الأجيال برصيد الأمة الروحي والحضاري يهبها النشوة الوجودية المحررة من التخاذل التاريخي فتنتصب بعنفوان يرمز إليه فكر ابن خلدون واعتصامه في قلب العاصمة اعتصاما واصلا بين ماض يزداد جمالا وجلالا ومستقبل يوحي بالرفعة والنصر. وهذا الوعي الذي أشرنا إليه في كلامنا على المسألة الدستورية (المحاولة السابقة) ينبغي أن نواصله فنبحث في أساس الديموقراطية الفعلية التي تريدها الثورة غير المقصورة على الديموقراطية الشكلية التي تريدها الثورة المضادة وأسياد أصحابها المرموز إليهما بمن يحيط بابن خلدون يمنة ويسرة: وهذا الأساس هو النظام الانتخابي أو طبيعة التمثيل العادل والفاعل.    

قال عبد الرحمن بن خلدون ابن القصبة الأبدية وثابت الاعتصام الدائم في قلب العاصمة: "وألحَقَ (الأشعري) بذلك (بمسائل العقيدة) الكلامَ في الإمامة لِمَا ظهر حينئذ من بدعة الإمامية في قولهم: إنها من عقائد الإيمان وإنها يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة فيها لمن هي له  وكذلك على الأمة (النظرية الشيعية في الحكم). وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد (النظرية السنية في الحكم)" (المقدمة الباب السادس فصل علم الكلام ص.834 من طبعة دار الكتاب اللبناني الثالثة بيروت 1967).

إذا كان الحكم (الإمامة) ليس من العقائد بل من المصالح العامة ذات العلاج الإجماعي كما يشير إلى ذلك ابن خلدون ممثل أكبر فرق السنة وأكبر فلاسفتها (الأشعرية) فإن المشكل المطروح هو: كيف يتحقق هذا العلاج الإجماعي لما ينتسب إلى المصالح العامة وذلك على مستويين تاريخي (كيف تحقق ما تحقق منه) ومعياري (كيف ينبغي أن يتحقق ولِم لَم يتحقق الأساسي منه إن كان لم يحصل)؟ وملخص قول ابن خلدون قضيتان ثوريتان في فكرنا السياسي:

1-فالحكم ليس من العقيدة بل هو قضية مصلحية (والمصلحة طبعا جامعة بين نوعيها الواقعي والمثالي في  الحياتين الدنيوية والأخروية).

2-والقائمون عليه لايرثونه بل هو حصيلة تمثيلهم لإرادة الجماعة بآلية الإجماع التي تطور مفهومها  خلال تطور مؤسسة الحكم في الإسلام  السني خاصة كما سنرى.    

ويقتضي توضيح فكرة ابن خلدون أن نقدم نبذة فنميز في المستوى التاريخي من مسألة العلاج الإجماعي لتدبير قضية الحكم المصلحية المراحل التالية:

مرحلتان متقدمتان على الفتنة الكبرى.

ومرحلتان متأخرتان عنها ثم الوضع الراهن.

 

 

 

 

                               الفصل الثاني

ما قبل الفتنة الكبرى: من بداية دولة الإسلام إلى تأسيس الخلافة الأموية

 1-المرحلة النبوية: وتعتبر في الوعي الجمعي ذروة الرشد للاعتقاد بكونها على صلة مباشرة بمصدر المثال الأعلى في صيغته النقلية الموافقة لصيغته العقلية وصلا بين الصيغتين بأصلهما أعني الفطرة التي هي خِلقة وطبيعة في المنظور العقدي عند المسلمين. وهذه المرحلة بخلاف ما يتوهم الكثير لم يكن فيها الرسول مستبدا بالأمر بل كان يشاور الصحابة والجماعة كما يتبين من طبيعة مؤسسة الجمعة التي تجمع بين الديني والسياسي في رمز الخطبتين المتلازمتين. ولعل تنبيه القرآن إلى أن النبي ليس على المؤمنين بمسيطر كاف وزيادة على هذا المبدأ.

وطبعا فلسنا ندعي أن الأمر كان يدار بشكل ديموقراطي بل نسلم بأنه كان ذا شكل أرستوقراطي. وليس من شك في أن منزلة الصحابي كانت ديموقراطية (حيث يكون بلال صحابيا مثله مثل أبي بكر). لكن الصحابة لا يتكافؤون من حيث الدور والمساهمة في إدارة الأمر: فبعضهم كان نصيبه من الحل والعقد أكبر من نصيب البعض الآخر إذ لم يكن وزن الفاروق كوزن أبي هريرة. ولما كان معيار هذا الدور غير مستند إلى الثروة بل إلى الإخلاص في خدمة قيم الرسالة وكذلك إلى مميزات شخصيته قوة وضعفا وصفنا العلاج بكونه أرستوقراطيا إذ لو كان المال متقدما على الإخلاص للقيم لكان نظام العلاج الإجماعي أليغارشيا وهو لم يكن كذلك لأن الرسول نفسه حتى بعد زواجه من خديحة لم يصبح من الأثرياء.

المرحلة الراشدية: وهي تعتبر أقرب ما يكون من النموذج النبوي أو على الأقل هكذا يعتقد جل المسلمين. وليس مهما ولا بمؤثر ما يعتقده بعض المتطفلين على التاريخ ممن يريدون أن يردوا عظائم الأمور إلى صغائرها قيسا على صَغار نفوسهم الصغيرة فتفاحل على الشيخين. فمن يرى التاريخ الكبير بعين التاريخ الصغير حقير حتما: وكما قال هيجل فإن خدم الغرف لا يعتقدون بوجود أبطال.

 إنما نحن نلاحظ أن النظام الراشدي في العلاج الإجماعي قد تطور بالتدريج تباعدا عن النظام الأرستوقراطي وتقاربا من النظام الأليغارشي حيث ربا دور المال. وإدراك الفاروق لهذا التحول هو الذي جعله ينقل الانتخاب من منهج الرضا والقبول في تعيين الخليفتين الأولين إلى منهج المجلس الانتخابي المضيق. لذلك فلا عجب أن أصبح التناقض بين هذه الغاية وتلك البداية مفعل الحرب الأهلية أو الفتنة الكبرى لكونه مكن أصل الفتنة من أن يجد الصدى الشعبي: الخصومة حول أصل الحكم هل هو مصلحي وإجماعي أم وراثي وموصى به لم يؤثر في البداية وما كان ليؤثر لو لم يدعمه هذا التحول. ما كان ليؤثر حقا لو لم يمكنه هذا المآل إلى الأليغارشية الأموية من الحصول على التأييد المفجر للحرب الأهلية باغتيال الخليفة الثالث.

الحصيلة: وإذن فالمرحلتان المتقدمتان على الفتنة الكبرى يمكن أن نصف العلاج الإجماعي فيهما بكونه بيد أهل الحل والعقد الذين كانوا ممثلين للارستوقراطية (الفضلاء)  وأصبحوا ممثلين للأليغارشية (الأغنياء).

 

 

 

 

                   الفصل الثالث

ما بعد الفتنة الكبرى: وتمتد من نهاية الحرب الأهلية بمراحلها المعلومة للجميع أعني من استتباب الأمن للدولة الأموية إلى خلافة المعتصم.

3-فمن بداية الدولة الأموية إلى بداية عهد المعتصم ثالث أبناء هارون الرشيد يمكن أن نصف العلاج الجمعي بكونه محاولة للتوفيق بين المبدأين الغالب كل منهما على أحد فرعي أهل الحل والعقد. ففرع أولى الأمر الأول يمثله العلماء في التقاليد العربية الإسلامية. وكانوا من المحافظين ولو ظاهريا على الطابع الأرستوقراطي. وفرعهم الثاني يمثله الأمراء في نفس التقاليد وهم من المحافظين على الطابع الأليغارشي. والأثرياء هم في الأغلب من قريش والعلماء هم من مواليها وفي ذلك انقلاب بين للقيم إذ أصبح الموالي أقرب إلى النهج الارستوقراطي والأسياد إلى النهج الأليغارشي فاستتبع الثاني الأول وتلك هي بداية الاستبداد والفساد. ولعل تأثير النماذج المحيطة بالدولة الناشئة وبقية نخب الغساسنة والمناذرة مما يساعد على تفسير ما غلب هذه المرحلة: فقد غلب عليها تقليد الشكل البيزنطي في دولة بني أمية بداية والشكل الفارسي في دولة بني العباس غاية.

4-ومن بداية عهد المعتصم أصبح الحكم قريبا من حكم الانقلابات العسكرية العربية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية: حكم الجاهلية بمعنييها أي الجهل المنافي للعلم والجهالة المنافية للحلم. وهذه المرحلة هي أطول مراحل تاريخنا الدستوري في واقعه الذي كان في فصام مطلق مع مبادئنا الدستورية في الواجب (وهي المبادئ التي تكلمنا عليها في البحث السابق). فهي تمتد من عهد الحامية التركية للمعتصم (حرب البلاط بين أبناء هارون الرشيد الثلاثة: الأمين عربي الأم والمأمون فارسي الأم والمعتصم تركي الأم) إلى عهد الانكشارية العثمانية أعني إلى بداية النهضة الحديثة في العالم الإسلامي.

وهذه المرحلة مثلت النهاية التامة لدور الفرع الأول من أولي الأمر أعني العلماء من حيث هم ممثلون للارستوقراطية -مع بعض الاستثناءات في بعض المراحل الحرجة من تاريخنا كالحال مع العز بن عبد السلام أو مع شيخ الإسلام ابن تيمية-لكونهم أصبحوا في خدمة الأليغارشية والعسكرية. والعلة في حصول هذا التحول ليس مقصورا على الانقلابات العسكرية واستبداد الحامية بالأمر فحسب بل كان ذلك لعلتين كلتاهما حصلت بسبب فساد النظام التربوي وتعفن طبقة العلماء تماما كما نرى ذلك اليوم سائدا بين أغلب نخب الجامعات العربية:

الأولى هي تزايد دور التصوف بوجهيه غير الفلسفي والفلسفي. فالأول أثر سلبا بالنهي عن الاشتغال بالشأن العام بدعوى الزهد في الدنيا. والثاني أثر إيجابا بنظرية وحدة الوجود التي تجعل الواقع واجبا ومن ثم فهي تؤيد الاستبداد المطلق وتعتبر الحاكم خليفة الله في الأرض وتتواطأ مع الحكام ليكون لها ما للكنيسة من سلطان على الأرواح في حين يكون السلطان على الأبدان للأمراء: مبدأ القسمة بين ما لقيصر وما لله في المنظور المسيحي وهو عينه ما يراه العلمانيون اليعقوبيون والفرق الوحيد هو أنهم يعوضون القيصر بمافية الحكم ويعوضون الله بما يسمونه الخصوصية الفردية. (ولنضرب مثالا سريعا بين قوسين حول هذا الفصل اليعقوبي: فولو طبقنا تصورهم لعلاقة المجال الخاص بالمجال العام في مسألة السلطان على إفرازات البدن مثلا ضبطا وتسييبا لكان من الواجب أن يجعلوا الحياة الجماعية مستحيلة: لن يجالس أحد أحدا باسم حرية البدن في إخراج إفرازاته ومنع المجال العام من التدخل في الشأن الخاص. وذلك تقريبا ما يريدون في الكثير من المجالات التي هذا جنسها حتى وإن تعلق الأمر أحيانا بما هو أهم مما يتعلق به هذه المثال من الحريات. والمعلوم أنه لا شيء أكثر خصوصية من حق الإفراز الحر: ومن ثم فمن المفروض بمنطقهم أن يمنع على الجماعة التدخل في مسائل الإيجيان البدني منعهم إياها من التدخل في الإيجيان الخلقي والروحي. وهم يسمون ذلك من الحريات: كأن تنتشر الحانات في كل الأنهج وتكون كل مسالك المارة حولها مليئة بقيء السكاري وتبرج العذارى فلا تسمع من حولك إلا الكلام البذيء بحيث بات شبه ممتنع أن تخرج صحبة ابنتك أو أختك أو أمك في الكثير من الشوارع والمناطق).

الثاني هو تطور علم الكلام الأشعري إلى الأسوأ. فهو بدأ ثورة على العقلانية السطحية وانتهى إلى الطبعانية الجبرية المطلقة. فآل به الأمر إلى أن يصبح من جنس الفكر الصوفي القائل بوحدة الوجود التي لا تفرق بين الواقع الموجود والواجب المنشود.

 

                       الفصل الرابع

5-المرحلة الراهنة أي منذ النهضة إلى بداية الثورات العربية التي انطلقت من تونس الأبية بقيادة شبابها ذي العنفوان الأصيل فتيات وفتيانا.

وهذه المرحلة كما يتبين لكل من يدرسها بموضوعية جمعت كل المراحل السابقة وجربتها جميعا فكان مشكلها أنها جمعت عيوبها كلها ولم تحصل على فضل أي منها. ولن نطيل القول فيها لأنها تقريبا معلومة الخصائص والصفات للجميع أو تكاد. ولعل أهم خاصية نكتفي بذكرها هي الفصام الذي يعاني منه الفكر والواقع الإسلاميين المضاعف أعني في عامة الشعب ونخبه الأصيلة وفي القلة من نخبه العميلة. ويمكن وصفه على النحو التالي:

فصام الأغلبية: ويشمل الشعب كله مع نخبه التي تتكلم باسم الأصالة:

أ‌-            ففي الخيال والحلم ما يزال ما تقدم على الفتنة مثالها الأعلى على الأقل بالنسبة إلى عامة الشعوب دون اعتبار القلة المنبتة من النخب المستلبة وهذا المثال الأعلى هو خاصة أصل فكر الحركات الإسلامية الداعي إلى دولة إسلامية لكنه مثال أعلى في الخطاب فحسب بدليل أن أيا منها يصبح أشبه بما يجري في النظم العربية المستبدة والفاسدة بمجرد أن ينتقل من المعارضة إلى الحكم. ولا فائدة من تعيين الأمثلة فالجميع على بينة مما أقصد.

ب‌-                        لكن ما يجري في الواقع هو بالذات جنيس ما حصل بعد الفتنة الكبرى يضاف إليه في الكثير من بلاد العرب والمسلمين العودة إلى نفس الأمراض التي ولدت الفتنة الكبرى وخاصة بعد ما يزعم من ثورة تنسب إلى الخميني أعني جوهر الطائفية  التي هي في الحقيقة نكسة في تاريخ الفكر والعمل الإسلاميين لكونها عودة إلى تأسيس الكنسية من جديد وتغليب نظري الحكم من حيث هو جزء من العقيدة فيكون حقا إلهيا للبعض وليس كما وصفه ابن خلدون من المصالح العامة التي يكون علاجها إجماعيا.

فصام الأقلية: ويقتصر على النخب التي تمضع كليشيهات الكاريكاتور الحداثي

أ‌-            ففي الخيال والحلم صار كاريكاتور الحداثة الغربية مثالا أعلى عند من لم يأخد من العلمانية والتحديث إلا أشوه صورهما أعني اليعقوبية والماركسية التي تحول الداعون إليها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى الليبرالية الأمريكية.

ب‌-                        لكنهم جميعا تحالفوا مع من حكم بالاستبداد والفساد وزعموا فرض التحديث من فوق بدلا من جعله ناتجا عن حيوية الحضارة التي تعي نقائصها فتسعى إلى إبداع شروط استكمال شروط وجودها الحر والمستقل ضمن هويتها العربية الإسلامية. ورمز هذا الموقف هو عينه الموقف من البند الأول من الدستور الحالي.

 

 

                       الفصل  الأخير

               ما المطلوب لتجاوز هذا المأزق؟

الحكم إذن قضية مصلحة إجماعية أي إنه من المصالح العامة ذات العلاج الإجماعي وليست من العقائد إلا من حيث مثلها العليا كالحال عند جميع الشعوب السوية أعني ذات السيادة الحرة وغير التابعة سواء كانت هذه المثل العليا مقصورة على الإدراك العقلي المجرد عند النخب أو مصحوبة بالتأييد النقلي عند عامة الناس ضمانا لقدسيتها المساعدة على مقبوليتها الطوعية أعني المغنية  عن الزجز القانوني الخالي من القدسية والعائد إلى كل الحيل التي تبلغ الذروة في ما يسمى "بتعليل مصحلة الدولةRaison d’Etat ".

فكيف يكون العلاج الإجماعي للحكم من حيث هو تدبير المصالح العامة؟ الجواب عن هذا السؤال يكمن في علاج مشكل النظام الانتخابي علاجا يجمع بين فاعلية التمثيل ومساواة المواطنين في حق المساهمة في تدبير الشأن العام. لما كان النظام الحالي في  البلاد العربية كما أسلفنا جامعا لعيوب كل المراحل التي وصفنا وخاليا من فضائلها فإنه علينا أن نوسع مفهوم الحل والعقد وولاية الأمر لتشمل كل الهئيات الممثلة لتسهم في تدبير الشأن العام فيكون للأحزاب والجمعيات والمؤسسات النقابية إلخ... من الهيئات حق المشاركة في الترشح والترشيح والتقدم أمام الشعب لتمثيله في تدبير العلاج الإجماعي للحكم بمفهوم رعاية الشأن العام والمصلحة العامة التي لا تتنكر للمثل العليا التي تؤمن بها الجماعة نقلا أو عقلا أو بهما معا. لذلك فالحل الوحيد الممكن هو أن تكون السلطة التشريعية مؤلفة من غرفتين.

 وقد سبق فنصحت بذلك لمنع مآل النظام السابق إلى ما آل إليه بعد عقده الأول فضلا عن التشويه الذي حصل لمفهوم الغرفتين في التعديل السخيف للدستور الذي عمق الداء بدل علاجه. ولو تحقق ما كانت الوضعية تقتضيه حينها (الحرب الأهلية في الجزائر) لكنا اليوم قاب قوسين أو أدنى مما نسعى إليه بعد الثورة من بعث للحياة السياسية السوية وتحقيق المصالحة بين كل الأطياف السياسية في تونس. ذلك أني وضعت الشروط التالية:

الحد من سلطان الرئيس وفصل الدولة عن الحزب وسن العفو العام لعلاج أدواء الماضي أولا.

ثم التحرير المطلق للحياة السياسية والفكرية والإعلامية لتجديد النخب إعدادا للمستقبل ثانيا

فيكون الشرطان محققين للمصالحة بين الشرعية الإنقاذية التي قبل بها الجميع (لفرط ما حل ببورقيبة ونظامه من علامات أرذل العمر حتى صارت الدولة تسيرها عجوز شمطاء وتخاذل الساسة الذين اقتتلوا لتقاسم الإرث ويدعي بعضهم الآن قيادة الثورة) بشرط أن تكون مؤقتة بالطبع والشرعية الديموقراطية التي لا بديل عنها بعد اهتراء الشرعية التاريخية التي حكم بها نظام بورقيبة المصالحة التي تمكن من تجديد الطبقة السياسية وإيجاد البديل من نخبة عهده نخبه التي شاخت بالمعنيين الفصيح والعامي:

الغرفة الأولى تضمن فاعلية التمثيل حتى يكون للسلطة التشريعية القدرة على التشريع وعلى مراقبة السلطة التنفيذية: وهذا يقتضي الانتخاب بالدوائر والأسماء الأعلام أعني الأشخاص الذي يرتضيهم الشعب ليكونوا ممثلين له إما لأنه يعتبرهم من الفضلاء أو لأنهم يعتبرهم من الحكماء أو لأي سبب آخر يراه الشعب الذي يختارهم لمهمة التشريع باسمه.

والغرفة الثانية تضمن عدل التمثيل لكل الحساسيات الفكرية والخيارات القيمية والمصالح الاجتماعية في الجماعة: وهذا يقتضي الانتخاب النسبي المطلق لكل الأحزاب والهيئات الاجتماعية الجمعيات الفكرية بحسب ما تعينه هذه الجماعات من ممثلين لنسبها في مجلس يمكن أن يكون غرفة تقادح الأفكار ومناقشة قرارات الغرفة الأولى دون أن يكون لها حق التشريع رغم أن لها حق رفض التشريعات بصورة نهائية بمقادير أغلبية ينبغي أن تكون مؤثرة كأن تكون بأغلبية الثلثين من أعضائها

لكن كل نظام انتخابي يكون عقيما إذا لم تصحبه المحاذير الضرورية الحائلة دون التلاعب بالنظام الانتخابي من خلال التحايل في صوغ المجلة الانتخابية  فتكون أداة تزييف قبلي يبدو شرعيا لكونه يتخذ شكلا قانونيا صريحا. ويمكن أن أقترح حصرا نسقيا لفنيات التلاعب بالنظام الانتخابي كما تبينها التجربة التاريخية لمناورات الأحزاب التي توظف النظام الانتخابي للمحافظة على الأغلبية حتى وإن كانت زائفة. فهذا التلاعب لا يمكن أن يتأسس على العبث بأحياز الوجود العيني للمواطنين:

1-التلاعب بحيز المكان من خلال تقسيم الدوائر

2-والتلاعب بحيز الزمان من خلال تحديد الآجال

3-والتلاعب بحيز السلم من  خلال توظيف المال خاصة

4-والتلاعب بحيز الدورة المادية من خلال توزيع الثروة

5-والتلاعب بحيز الدورة الرمزية من خلال تزييف الإعلام

لذلك فلا بد من التغلب على هذه التلاعبات بالصورة التالية:

1-فالحائل دون التلاعب بالمكان هو التحرر من المركزية إلى أقصى حد بحيث إن تقسيم المكان يكون أعدل ما يكون.

2-والحائل دون التلاعب بالزمان هو التحرر من  التحكم في تحديد الآجال وجعلها موضوع توافق من أقاليم الوطن.

3-والحائل دون التلاعب بالسلم هو الضبط الدقيق لدور المال في الانتخابات

4-والحائل دون التلاعب بالدورة المادية هو تحديد نسب الطبقات بالتوافق المستند إلى العلم بأجحامها في الدورة المادية.

5-والحائل دون التلاعب بالدورة الرمزية هو تحرير الإعلام من التبعية للسلطة التنفيذية وإضفاء التعددية عليه مع جعله خاضعا لسلطة حكماء وفضلاء متعالين على الانحيازات السياسوية.

لكن الحرز المطلق ضد كل تحريف أعني الحصانة الحقيقية لكل أمة حية يبقى ما يسميه ابن خلدون بالوازع الذاتي أي ما أطلقنا عليه اسم أصل كل النظم: المعروف والمنكر لكل أمة أي تقاليدها الخلقية التي تحررها من الركون إلى الحلول السهلة المعتمدة على أداتي الحكم الفاسد والمستبد (الخوف والطمع). ولما كان الشباب ممثلا لخاصيتين خلقيتين قل أن تكونا مصابتين بهذه العاهات فإني مطمئن ومؤمن بأن مستقبل الثورة هو ما يطمح إليه كل الخيرين في تونس وفي الوطن العربي مهما كانت المطبات والمناورات التي تأتي من أصحاب الثورة المضادة:

الخاصية الخلقية الأولى هي المثالية والحلم بالأفضل ومن ثم السعي الدائب لتحقيق الممكن من الفضائل التي يمكن جمعها تحت شعار جعل المستقبل عملا يحقق ما يدركه الوعي من نقائص الحاضر باعتبارها استكمال مشروعات الماضي التي كان ينبغي أن تتحقق ولم تتحقق.

الخاصية الثانية هي التحرر من الحساب المصلحي الضيق للكهول ومن الكُنتية الكريهة للشيوخ الذين يتصورون ألا شيء يمكن أن يكون أفضل مما كان لما كانوا. فهذه الخاصية هي جوهر الحس الثوري. لذلك فهي ما أطلقت عليه صفة العنفوان الثوري الذي هو بحق ثورة مطمئنة لا يمكن تفشل أبدا.

ولما كنت من المؤمنين بأن الشباب الذي فجر الثورة وتغلب على الخوف بصورة شبه إعجازية هو وحده الجدير بأن يدبر شأن الثورة وأن يمارس الحكم بنفسه وكنت كذلك لا أعتقد أن أحدا من جيلي جدير بأهلية كافية تخوله لعب دور مباشر عدا دور النصح المعرفي والخلقي إذا توفرت شروطهما فإني اقصر دوري على ما ينبغي أن يكون: أداء مهمة الباحث الساعي إلى خدمة الحقيقة ما أمكن له ذلك دون أدنى نية للمشاركة في الحياة السياسية المباشرة.

وإني أقول ذلك حتى أطمئن كل من يتصور أني أكتب طلبا لهذه المشاركة -سواء كان ممن يرحب بها أو ممن يستنكرها. فالمعلوم أني لم آتي إلى الكتابة في الشأن العام من عهد قريب بل كنت ولا زلت منذ وعيت بما أنا قادر عليه في اعتقادي على الأقل أؤدي من هذه المهمة على قدر فهمي وحسب ما يمليه علي ضميري ما بوسعي أن أديه حتى وإن تسارع الزخم الآن بسبب تسارع الحدث ربما أيضا بسبب تفرغ المتقاعد لتأمل التاريخ الحي. والله ولي التوفيق.

 

 

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي