shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                   التنكر الثيولوجي

          أو  تأويل الفلسفة الغربية المعاصرة

 

                                           أبو يعرب المرزوقي

 

حتى نفهم الأبعاد التي يتألف منها فعل التأويل في مدلوله الأنطولوجي الذي يمكن أن يكون ذا صلة بالبعد الغائب من الوجود سعيا إلى التحرر من ذات فشت Fichte  الواضعة  أو الأنا الذي صار دازاين عند هيدجرHeidegger. سنكتفي بواحد منها هو أهمها على الإطلاق لأنه يجمع كل التراث المتقدم عليه في الحضارة الغربية من اليونان إلى العصر الوسيط إلى تاريخ كتابته حول مسألة الفهم ومنهج التأويل الهرمينوطيقي ولأن كل ما ولاه لا يخرج عما رسمه لها من حدود وما نسبه إليها من مسائل. وسيكون كلامنا منحصرا في علاقة المنعرج الساعي إلى هذا التحرر علاقته بكل فكره في صلته بالمسألة التأويلية: قصدت كتاب الوجود والزمان لهيدجر بما فيه وبما ليس فيه أي بجزئه الذي صدر وبمضمون جزئه المفترض والذي لم يصدر في الظاهر.

فكل ما يمكن أن يعد تجاوزا من هيدجر لنفسه في بعض مؤلفاته الموالية لكتابه الأول ذي الدلالة الفلسفية لم يتعلق بالوجه المنهجي الذي يعنينا من المسألة التأويلية بل هو يتعلق بمجال التطبيق (تأويل عالم الحياة والتجربة الوجودية لا تأويل النصوص) وبمسلمات الانطولوجيا المترددة بين قطبين كلاهما يعد بداية وغاية بحسب كوننا قبل المنعرج اللساني أو بعده في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر. وذلك بسبب مفهوم التعالي المختلف عن دلالته عند الكلام عن الدازاين حيث يكون التعالي هو عين أبعاد الزمان ثم ينعكس الأمر فيصبح الزمان دون متعال يعلو عليه هو عينه إملاء القدر الوجوديDas Schicken des  Schicksals .

لم يبق الدازاين الخيط الهادي بعد المنعرج كما في الوجود والزمان بل سيصبح الزاين نفسه في تعيناته اللسانية والتاريخية هو النظام الهادي للفكر[1]. سيكون الوجود هو المدخل إلى الدازاين بعد أن كان المخرج منه.  بعد المنعرج سيصبح الدازاين المخرج بعد أن كان هو المدخل. والتعاكس بين البداية والنهاية لا يغير الغاية من حيث المنظور الديني الخفي وراء البرقع الفلسفي: فهي دائما نفس القصة سواء انطلقنا من الابن إلى الأب أو من الأب إلى الابن في الثيولوجيا المتنكرة بقناع الفلسفة[2].

ذلك هو في الحقيقة مضمون الجزء الثاني الذي لم يكتب من الوجود والزمان  الجزء  الذي وعد به هيدجر ولم ينجزه. والعلة ليست تقصيرا من المؤلف بل لأن ذلك كان متعذرا قبل المنعرج وبصورة أدق من دون انجاز ما يضمره القسم الاخير من الجزء الاول القسم ذي العنوان المقابل تماما لعنوان الكتاب: الزمان والوجود  Zeit und Sein بدل Sein und Zeit. وبذلك فالكتاب لم يكن ناقصا لغياب جزئه الثاني فحسب بل هو ناقص كذلك وخاصة لغياب القسم الثالث من جزئه الاول. فهذا القسم يمثل في الحقيقة بؤرة المنعرج Die Kehre. ذلك أن الزمان هنا أصبح متحددا بالوجود وليس العكس كما هو الشأن في الوجود والزمان عندما كان نظام العلاج الهادي Der Leitfaden  هو تحليلية الدازاين. أما في هذه الحالة فقد عكس الامر وأصبح النظام الهادي تأويلية الوجود.

وبعد أن كان الزمان هو المحدد أصبح هو المطلوب تحديده: لذلك فسيكثر هيدجر بعد ذلك من الكلام على المصير والقدر والحدث والحصول والتحصيل وكلها تحديدات وجودية للزمان وليست زمانية للوجود. ورغم ما يبدو في هذه المفردات من معان زمانية فإنها فوق الزمان إذ هي مابه يتقوم أو إن شئنا هي معان تفيد الحدث أو الحصول الوجودي الأبسط (Er-eignis) الذي هو دفقة حية على خلفية العدم لا تتعين بالزمن لكونها بقاء وقياما شارطين للتزمن في ذاته فضلا عنه من حيث هو أفق للانطولوجيا أو فهوم الوجود المتوالية. فهو لا يصبح ممكنا إلا بفضلها وبفضل شكلها أو القدر (Schicksal ) ومضمونها أو المصير (Geschik) بل إن فهمها نفسه لم يعد فعلا للدازاين وإنما هو انفعال يتلقاه البعض ويعبر عنه باملاء القدر المحدد للمصائر الحضارية التي صارت ايقاعات قدرية: وتلك هي وظيفة الشعراء والمفكرين بعد نهاية الميتافيزيقا (وهي فكرة سبق إليها شيلنج في مشروعه للمثالية الألمانية). 

أما الجزء الثاني فعنوانه هو: الخصائص العامة لفك (مصدر الثلاثي المجرد معناه  مغن عن المزيد) تاريخ الانطولوجيا فكا فينومينولوجيا بهدي من إشكالية الزمنيةGrundzuege einer phaenomenologischen Destrucktion der Geschichte der Ontologie am Leitfaden der Problematik der Temporalitaet. وبين أن هذا العنوان وضع هيدجر أمام موضوع متناقض إذا بقي القصد بالزمانية زمانية الدازاين: لأن زمانية الدازاين هي أحد نظم الإحداثيات لفهم الزاين حتى لو قبلنا بأنه لا يحدد الزمان بل يتحدد به.

لذلك استحال تأليف هذا الجزء كجزء لأنه أصبح في الحقيقة كل محاولات هيدجر المنسوبة إلى المنعرج. ففيه مثل الجزء الأول ثلاثة أقسام هي مراحل عملية الفك أو عملية نقض المغزولة التي حددت التاريخ الأنطولوجي بحسب ترتيب تراجعي من الغاية إلى البداية في ما انتخبه هيدجر من مراحل تاريخ الانطولوجيا (وهو في الحقيقة قطع الطريق التي حددها هيجل في الاتجاه المقابل: هيدجر يحل ما غزله هيجل. لذلك كنت أتمنى استعمال مصطلح حل تاريخ الانطولوجيا بدل فكه في مقابل غزله الذي أنسبه إلى هيجل). والمراحل التراجعية ثلاثتها تقتضي أن تنعكس علاقة التحديد التي بني عليها الجزء الأول: الوجود يصبح محددا للزمان. وهو ما بدأ يحصل فعلا في مصنفات هيدجر بعد المنعرج كما في جل كتاباته حول كنط ونيتشة وهلدرلن وأرسطو وأفلاطون.

ذلك أن لهذا الترتيب التراجعي الدور الأكبر في حصول المنعرج. فدور انطولوجيا القرون الوسطى جسرا إلى انطولوجيا اليونان ومنظور قراءة خاصة جعل الفلسفة الحديثة بممثليها (كنط وديكارت) مجرد مدخل يتحقق المنعرج بمجرد التخلص من مسلمات انطولوجيتهما  ومقولاتهما:

 1- فأولى المراحل مدخل للإشكالية من خلال قضية التمثيل الخيالي الواصل بين الصورة والمادة المعرفية.

 2- والثانية (وهي مرحلة مضاعفة: لأن لديكارت وجهين احدهما ملتفت إلى كنط والثاني إلى الجانسينية والأغسطينية وهذا هو الأهم عند هيدجر) أ- الأساس الأنطولوجي لل"أنا موجود" الديكارتية رمزا للحداثة ب- وصلة ديكارت بالانطولوجيا الوسيطة.

   3- والأخيرة لمصنف أرسطو (السماع الطبيعي: مقالة الدال 10, 217 , ب 29-14, 224, أ 17.) لمفهوم الزمان من حيث هو مميز لأساس الظاهرات وحدود الانطولوجيا اليونانية[3].

لذلك فقد كان الجزء الثاني مستحيل التحقيق بالمنظور الذي كتب به الوجود والزمان أعني بمنظور تحليلية الدازاين نظاما هاديا للعلاج. كان ينبغي أن يتحقق المنعرج فيصبح المطلوب تحديد تحليلية الدازاين بتأويلية الزاين ومن ثم تحديد الزمان بالوجود بدلا من تحديد الوجود بالزمان. والمعلوم أن الحد الثاني هو المحدد في الحالتين. فالزمان يحدد الوجود قبل المنعرج كما في حالة الوجود والزمان وذلك هو عنوان الكتاب. والوجود يحدد الزمان بعد المنعرج كما في حالة الزمان والوجود الذي هو عنوان القسم المفقود في الجزء الأول من الكتاب. وكون حل المغزولة متراجع الترتيب من الغاية إلى البداية فيه إشارة إلى دور مراحل الفك التراجعي في حصول المنعرج لأن مرحلتين منها هما المطلوب التخلص من حيلولته دون المنعرج (كنط-وديكارت). أما المرحلتان الأخريان (العصور الوسطى وأرسطو) فهما ما ساعد على تحقيق المنعرج: من هنا نلحظ شبه تصريح بالانتساب إلى الطوماوية المحدثة التي كانت مسيطرة على الفكر الكاثوليكي الذي هو المرجع الرئيسي لفكر هيدجر مهما تنكر[4].

وحتى لا يتصور أحد أننا ننسب إلى فكر هيدجر بعدا كاثوليكيا محدثا رغم أنفه يكفي أن يقرأ المعترض المقالات التي تشبه السيرة الفكرية لهيدجر من تأليف أكبر تلاميذه عنيت  هنس جيورج جدامر فضلا عما يقوله عن العلاقة بين اللغة والكلمة (مع التذكير بعلاقة القضية بالاغستينية والطوماوية وعلاقة الفكر المسيحي الوسيط بأرسطو أفلاطون والأفلاطونية المحدثة). وسنكتفي هنا بشاهدين نستلهما من كتابه الحقيقة والمنهج: الخصائص الاساسية لهرمينوطيقا فلسفية من القسم الثالث منه بعنوان منعرج الهرمينوطيقا الانطولوجي الذي هو جوهر منعرج هيدجر: النص الأول يبين العلاقة بين المنعطف الأنطولوجي والمنعطف اللساني والنص الثاني يبين العلاقة بين المنعطف اللساني والتجربة الهرمينوطيقية ومجموعهما يبين أثر الثيولوجيا المسيحية في الفلسفة التي هي كلام متنكر:

فأما النص الأول فيقول فيه جدامر: "وهكذا يصبح مفهوما أن إنجاب الكلمة قد فهم بوصفه النموذج الحقيقي للتثليث. ففيه إنجاب حقيقي وولادة حقيقية رغم أنه طبعا لا وجود لقابل الإنجاب ولا لفاعله. إلا أن هذا الطابع العقلي لإنجاب الكلمة هو مع ذلك أمر محدد بالنسبة إلى وظيفته النموذجية اللاهوتية. فهناك حقا شيء مشترك بين عملية الأقانيم الإلهية وعلمية الفكر "[5]. 

ولما كانت عملية الأقانيم اللاهوتية أمرا أنطولوجيا فوق الزمان وكان نموذج تفسيرها مستمد من عملية الفيض التعبيري الذي يتحد فيه اللسان والفكر (الكلمة الخالقة) من حيث هو تولد لا ينفصل فيه المعنى والمبنى فإنه من الضروري أن يحصل المنعرج اللساني في إطار المنعرج الأنطولوجي. فلن يبقى الزمان محددا للوجود بل سيصبح الوجود محدد الزمان ولن يبقى الفكر عريا عن "التجسد اللساني" بل يصبح  النموذج المعرفي والنسخة الوجودية من تجسد الأب في الابن (Inkarnation). ولما كان النموذج التفسيري للتثليث هو عينه النموذج التفسيري لـ"لكلمة" بمعناها المسيحي  Verbum وبمعناها المعبر عن الفكر المبدع الذي هو فيض من جنس الفيض الذي يفسر فيض الأقانيم من الواحدEmanation  بات منعرج الهرمينوطيقا الأنطولوجي منعرجها المطابق للمنعرج اللساني عند هيدجر مجرد عودة من الفلسفة الحديثة إلى منظور الفلسفة المسيحية الوسيطة وإن بصورة متنكرة.

وأما النص الثاني فيضيف:" وبالأحرى ففي بيئة الثيولوجيا المسيحية ربا خلال تعمقها في أفكار المنطق اليوناني أمر جديد: إنه الوسط اللساني الذي لم تبلغ القرون الوسطى إلى الحقيقة التامة لحدث التجسد إلا بفضله (تجسد الله في المسيح).  فنظرية المسيح (= الكرستولوجيا) مهدت السبيل إلى نظرية إنسان (أنثروبولوجيا) جديدة نظرية تصل عقل الإنسان المتناهي باللاتناهي الاإهي على نحو جديد من الوصل. وهنا نجد الأصل الحقيقي لما أطلقنا عليه اسم التجربة الهرمينوطيقية "[6]

وطبعا فذلك يقتضي ألا تتساوى تجارب الأمم الهرمينوطيقية ولا ألسنتها لعدم تساوي الناس في انتخاب الرب لمن اصطفاه ليتجسد فيه مباشرة ثم في المؤسسة التي تنوبه (الكنيسة): شعب الله المختار الديني علته انتخاب احد أبنائه ليكون أباه سيناظره شعب الله المختار الفلسفي (وهذه فكرة هيجلية بها يفتتح تاريخه للفلسفة) وعلته انتخاب القدر لسانه ليقول الوجود به (وهذا ما أضافه هيدجر لفكرة هيجل حتى يكتمل الاصطفاء: لغة اليونان ولغة               الجرمان !). ولما كان ذلك منافيا لمبدأي القرآن الكريم الأساسيين القرآن الذي جعل لكل أمة رسولا بلسانها (تساوى الألسن في قول الحقيقة وتساوى الأمم في الخطاب والرسل) ونفي نظرية التجسد وبنوة المسيح لله والكنسية المعصومة التي تنوبه (بل اعتبرها مصدر التحريف في آل عمران واعتبر مبدأ الرهبانية الذي تعتمد عليه أصل الفسق) فإن مناقشة نظرية اللغة (حصرا فيها لأننا لن نناقش النظرية المسيحية في التجسد) من هذا المنظور الموحد بين بعض اللغات وبين الكلمة يصبح من واجبات كل من يكتب في المسألة من المنظور الإسلامي-إذا كان صادقا في طلب الحقيقة وممن يستطيع نزع البراقع التي تتنكر بها الكرستولوجيا في الفينومينولوجيا ويفهم تقية الهرطقة في الهرمينوطيقا- فضلا عما سبق أن فعلنا في مقال خاص بالمسألة بعنوان فلسفة الترجمة الفلسفية[7].

ذلك أن المنعرج اللساني ليس هو قضية منهجية فحسب بل هو تعبير عن نكوص ذي دلالتين بدأتا تسيطران على الفكر الألماني منذ الثورة على محاولات هيجل فلسفة التاريخ الكوني ثورة عليها هي في الحقيقة تمام تحقيق وسائلها لتعم منتجات الفكر  الغربي كله ثم هي تحاول أن تغزو كل الفكر الإنساني الغفل:

فأما الدلالة الأولى فهي العودة بالدين إلى مدلوله اليوناني الجرماني من خلال التوحيد بينه وبين الميثولوجيا واعتبار الدين تابعا لظاهرة الإبداع الأدبي عامة ليس تبعية شكلية (أدوات  التعبير) بل جوهرية (ضروب التعبير وطبيعة المعبر عنه). وهذا هو المنحى الرومانسي الذي بلغ الذروة فلسفيا مع شيلنج الأول في مصنفه حول الميثولوجيا ومع هلدرلن في صوغه الشعري للميثولوجيا اليونانية والجرمانية.

وأما الدلالة الثانية فهي العودة بالدين إلى مدلوله اليهودي الجرماني من خلال التوحيد بينه وبين أساطير العهد القديم واعتبار الدين تابعا لظاهرة تاريخ الأمم المختارة  ليس تبعية شكلية (صدفة توثيق الرسالات في الفكر اليهودي وعدم توثيق الرسالات الاخرى التي ذكرها القرآن لرسل ليسوا بيهود) بل تبعية جوهرية (الشعوب ليست متساوية بل بعضها أفضل من بعض في نظر الخالق والتفاضل بينها بالجوهر أو العرق وليس بالعرض أو الأفعال). وهذا المنحى الوجودي الذي بلغ الذروة فلسفيا مع شيلنج الثاني في عودته بعد وفاة هيجل ومع كيركجارد في صوغه الأدبي ( من جنس السيرة الذاتية ) للتجربة الوجودية.

لذلك  فالمزيج الأول كان لا بد أن ينتج مركبين يختلفان بحسب غلبة أحد عاملية: فهو سيكون مصدر الفاشية الشعبوية بغلبة الدور الشيلنجي الأول والعرقية النازية بغلبة الدور الهلدرليني.

كما أن المزيج الثاني لا بد أن يكون له نفس الأثر: فهو سيكون صهيونية بغلبة الدور الشيلنجي الثاني ويمين مسيحي متطرف بحسب غلبة دوركيرجيجارد.

 

 

 

                        الخاتمة

 

لكن هذه العلاقات الخفية يصعب أن يدركها القارئ المتعجل إذ هي لفرط تنكرها لا يكاد يراها حتى المتبصر بتاريخ الفكر الغربي في أدق تفاصيله: وهي جميعا مجتمعة في فلسفة هيدجر لذلك عالجنا هذه الفلسفة بعناية. وحاصل الأمر وملخصة أن تطور الفكر الغربي أثبت صحة التصنيف الذي نسبناه إلى ابن حزم[8]. فصفات السلوب الأربعة صارت مذاهب قائمة الذات وتعينت تاريخيا حقا في الوجود العيني سلبا في صراعها مع المسلمين وإيجابا في العولمة ذات المناظير الأربعة التي ذكرنا. وكلا الوجهين اتحدا في كائن تاريخي محدد هو الولايات المتحدة الأمريكية: فالغالب عليها المسيحية اليمينية والصهيونية والعرقية النازية وكل ذلك في شكل فاشية شعبوية تتنكر في شكل واضح هو الكرنفال الدائم لما يسمى بالديموقراطية الأمريكية.

 

 


 

[1]

 فتكون النسبة بين ما تقدم على المنعرج وما تلاه هي عينها النسبة بين مدخلي هيجل لنظرية الوجود: فمن الفينومينولوجيا وفلسفة التاريخ إلى المنطق وتاريخ الفلسفة ثم العكس. فإذا قرأنا نظرية الوجود في صلتها بالزمان من المدخل الأول كان لتحليلية الدازاين الفردي والجمعي الدور الحاسم في فهم الانظولوجيا. وإذا عكسنا فقرأناها من المدخل الثاني باتت الضرورة المنطقية (أو العلاقات الميتافيزيقية بين التصورات العقلية من حيث هي حقائق متعالية على الزمان) هي المحدد للدازاين الفردي والجمعي. ومن ثم فالمدخلان هما مدخل الروح الكلي ومدخل صداه في الروح الجزئي أو العكس. ولكن بترجمة هيدجرية أملتها موضة العصر ولغته والانتقال من أسلوب الكلام عن المعاني بالتصورات  العقلية المجردة إلى أسلوب الكلام عليها بالتصورات اللسانية. الهيدجرية هيجلية محدثة متنكرة: إذا وضعت أساليب التعبير بين قوسيين كان الوجود والزمان نسخة باهتة من فينومينولوجيا الروح وكانت كل الكتابات الموالية للمنعرج نسخا باهتة من المنطق الهيجلي الذي هو عين الانطولوجيا بالمعنى الهيجلي للكلمة. وعندئذ يفهم المرء أمرين بينين في أعمال هيدجر: أهمية ثيولوجيا العلاقة بين الاب (الزاين: الوجود أو الأيس) والابن (الدازاين: إنية الإنسان) والروح القدس (التسايت=الزمان) وأهمية أرسطو والأفلاطونية المحدثة الهلنستية لكونهما هو الركن الركين في ترجمة تصورات الثيولوجيا التعليمية إلى خطاب فلسفي في الفكر الكاثوليكي الوسيط الذي عاد في الطوماوية المحدثة بالذات في لحظة بروز هيدجر.

[2]

  أنظر مستبقل الإسلام دار الفكر بيروت دمشق خريف 2004 حيث بينا في مقال الموقف الوجودي المناسب للظرف التناسب الوظيفي (بل اتحاد المنزلة الوجودية) بين علاقة الدازاين بالزاين وعلاقة الأب بالابن في الثيولوحيا المسيحية عامة والكاثوليكية على وجه الخصوص: فالدازين راعي الزاين والناطق باسمه وهو المدخل الوحيد إليه وتلك هي وظيفة الكلمة التي يمثلها أقنوم الابن بحيث إن كل ما يقوله هيدجر عن اللغة بل وحتى المنعرج اللساني علته هذه العلاقة. ويمكن اعتبار تاريخ الزاين جملة مصائر الدازاين المناظرة لعذابات المسيح نسيانا له في الانطولوجيات وتذكيرا به في خطاب الفك الذي الذي يقوم به هيدجر نيابة عن الكنيسة.

  [3]  انظر هيدجر نفس المرجع ص.40:  Der zweite Teil gliedert sich ebenso dreifach: 1- Kants Lehre vom Schematismus und der Zeit als Vorstufe einer Problematik der Temporalitaet, 2- Das ontologische Fundament des cogito sum Descartes’ und die Uebernahme der mittelalterlichen Ontologie in die Problematik der ‘res cogitans’, 3- Die Abhandlung des Aristoteles ueber die Zeit als Diskrimen der phaenomenalen Basis und der Grenzen der antiken Ontologie”.

[4]

 لن يتعدى اهتمامنا بهذا الوجه التنبيه إلى تنكر الفكر الديني في الفلسفة الغربية حتى تنفق سوقه بعد أن كسدت سوق الدين في الغرب. وطبعا لفهم هذه العناصر فهما غير مسبوق (اذ يهمل شراح هيدجر أن الوجود والزمان لم يكن مبتورا بعدم الجزء الثاني فسحب بل هو كذلك مبتور بعدم القسم الثالث من الجزء الأول مع ملاحظة كون عنوانه هو مقلوب عنوان الكتاب) كان لا بد من عشرة طويلة مع نص هيدجر. وكل هذه المعاني ما كانت لتصبح واضحة عندي لولا العشرة الطويلة مع الفكر الألماني عامة وفكر هيدجر وبعض شراحه الكبار (وأهمهم تلميذه جدامر) خاصة,  العشرة التي لم تتوفر لي بالقدر الذي يمكن أن أرضى عنه رضا يجعلني أجازف بالكتابة عنه قبل هجرتي إلى ماليزيا والتي مكنتني خلال بقائي فيها من مطالعة ما لم يكن بوسعي تحقيقه لصوارف الحياة الخاصة والعامة وموانع العمل. فلازلت أعجب من عدم استغراب الهايدجاريين المسلمين من أهمية هيدجر في الفكر المسيحي عامة والفكر الكاثوليكي خاصة رغم إعلانه الصريح عن إلحاده المزعوم خاصة والاهتمام ليس للرد على الإلحاد. فهل انطلى عليهم دعوى الإلحاد ؟ كما لا زلت  أعجب من ظن السخفاء من مفكرينا المزعومين محدثين أن الهرمينوطيقا تؤدي إلى نفي قدسية النصوص في حين أنها جعلت لتثبتها. لكن ما الفائدة من الكلام مع من لا يفهم رغم زعمه الاختصاص في منهج الفهم !

[5]

  أنظر: Hans-Georg Gadamer, Warheit und Methode, Grundzuege einer Philosophischen Hermeneutik, Tuebingen 1990 s.428

 So laesst es sich verstehen, dass die Erzeugung des Wortes als ein echtes Abbild des Trinitaet verstanden wurde. Es handelt sich um wirkliche generation, und wirkliche Geburt, wenngleich er hier natuerlich keinen empfangenden Teil neben einem zeugenden gibt. Gerade diser intellektuale Charakter der Erzeugung des Wortes ist jedoch fuer seine theologische Modellfunktion entscheidend.Es gibt wirklich etwas Gemeinsames zwischen dem Prozess der goettlichen Personen und dem Prozess des Denkens.”.

[6]

 أنظر نفسه ص.432  “In der Mitte der Durchdringung der christlichen Theologie durch den griechischen Gedanken der Logik keimt vielmer etwas Neues auf: Die Mitte der Sprache, in der sich das Mittelertum des Inkarnationsgeschehens erst zu seiner vollen Wahrheit bringt. Die Christologie wird zum Wegberieter einer neuen Anthropologie, die den Geist des Menschen in seiner Endlichkeit mit der goettlichen Unendlichkeit auf eine neue Weise vermittelt. Hier wird das, was wir die hermeneutische Erfahrung genant haben, seinen eigentlichen Grund finden”

[7]

 صدر في مجلة إسلامية المعرفة في عددها 50 أو 51.

[8]

  أشرنا إلى ذلك في أحد دروس فلسفة الدين السابقة فليرجع إليه. والسلوب الأربع هي نفي الحقيقة <السفسطة> ونفي النبوة <البراهمانية> ونفي كونية المخاطب <اليهودية الدين حكر عليهم> ونفي كونية المرسلين <المسيحية الرسل من اليهود حصرا>. وعكسها هي الإثباتات الأربعة ومجموعها هو الدين الإسلامي: فهو يقول بوجود الحقيقة العقلية ويحدها فيؤسس للنبوة ويعتبر الرسالة موجهة للجميع وأن كل الأمم لها رسول بلسانها والرسالة الخاتمة للجميع.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام