shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                 

عوائق تحقيق القيم الإسلامية (أصولها المذهبية والتاريخية وعلاجها التربوي والسياسي في الوضع الإسلامي الراهن)

                                                                                ابو يعرب المرزوقي06/02/2005

تمهيد:

ليس من الموضوعية في شيء أن نتصور الكلام على عوائق تحقيق القيم الإسلامية التي أدت إلى الدوس على حقوق الإنسان في أنظمتنا التربوية ومجتمعاتنا مجرد تهمة يوجهها الغير للحضارة العربية الإسلامية في ظرفها الراهن. فلا يكفي التنديد بالمواقف المغرضة من الإسلام والمسلمين, حتى وإن كانت أمرا لا شك في وجوده. ذلك أن زوال هذه المواقف حتى لو تصورناه ممكنا لن يكفي لمحو الظاهرات التي يتهم الإسلام بها بسبب سلوك المسلمين في انظمتهم التربوية السياسية والاجتماعية والثقافية. فموقف المسلمين الدفاعي قد يصبح - ولعله قد أصبح بعد- من أسباب الغفلة عن نقائص حضارتهم إذ إن تجاهل الحقائق لا يلغي النتائج الوخيمة على الحضارات التي ترفض النقد الذاتي بحجة تجنب ما يكمن أن يعد تأييدا للنقد الخارجي.

فكثير من الأمم تفقد البصيرة بمجرد أن تتصور صوابا نقيض ما يقوله عدوها فتمكنه من سلاح بسيط جدا لإضلالها. فبوسعه أن يوجهها الوجهة التي يرضاها بمجرد أن يجعل نصائحه إليها مقصورة على ما يريد منها أن تتجنبه لتأخذ نقيضه. فينصحها بالصواب لكي تتجنبه عملا بقاعدة: نقيض رأي العدو هو الصواب إذ لو كان صوابا لما نصح العدو به.

إن البحث عن علاج ناجع للعوائق الحائلة دون تحقيق قيم الإسلام الحقيقية ومن ثم المشجعة للعدوان على حقوق الأشخاص والأقليات والتمييز الجنسي أو العرقي أو الطبقي أو المذهبي في أنظمتنا التربوية والسياسية خاصة وفي حضارتنا عامة بعد أن شابتها معوقات الانحطاط أمر مطلوب لذاته سواء نصح به العدو أو لم ينصح. وهذا العدوان على قيم الإسلام التي تعود إليها حقوق الإنسان الحقيقية لا يمكن أن ينكر وجوده في أنظمتنا التربوية وتقاليدنا المنحرفة عن قيم الإسلام إلا معاند.

فهو ليس مجرد تهمة يلهج بها العدو سواء كان اسرائيليا أو أمريكيا أو كائنا من كان. لذلك فإنه لا ينبغي لبحثنا الساعي لعلاج شؤوننا التربوية أن يقتصر على الأمور الإضافية لمواقف الأعداء أو الأصدقاء. فلن يكون العلاج عندئذ إلا مجرد وصفات جاهزة وردود فعل انفعالية تكتفي بالاستجابة لمثيرات النقد الخارجي وتتهم أصحاب النقد الداخلي بكونهم عملاء الأعداء فيصبح كل إصلاح لشؤوننا دعوة جوفاء لا تتجاوز الجدل اللفظي فلا يتبعها فعل حقيقي يغير الواقع باسم الصمود أو باسم رفض ما يؤكد عليه العدو الذي قد يحرك أهل الحل والعقد كما تحرك الدمى بالآليات النفسية البسيطة: مجرد اللعب على المحركات البدائية للنفس الانفعالية عند القيادات.

إنما واجب نخب الأمة وعلمائها أن يبحثوا عن العلل الحقيقية في موطنها الحقيقي أعني في محاولات فكرنا العربي الإسلامي نفسه وفي واقعنا الاجتماعي بحسب تطورهما الذاتي ووعينا بما يعتريهما من آفات حسبما تمليه العلاقة الجدلية بين المثال والواقع في التاريخ الإنساني: فلا يمكن أن يكون للعامل الخارجي تأثير من دون أن يكون العامل الداخلي مستعدا للتأثر.

ففكرنا وواقعنا الاجتماعي لا يمكن أن يكونا بريئين من مسؤولية ما آلت إليه الأمور في أنظمتنا التربوية وفي المنزلة التي تحددها للإنسان وما حصل فيهما من انحراف كان في الحقيقة ابتعادا عن قيم الإسلام قبل أن يكون ابتعادا عما يسمى بحقوق الإنسان التي هي عين ما يعتبره الدين واجباته إزاء نفسه وما لها من حقوق على صاحبها.

لا بد أن يكون في نظامنا التربوي وفي تقاليدنا المنحرفة ما ما جعل سلطا غير شرعية تسيطر عليهما منذ أمد طويل تفسد مؤسسات السلطة السياسية و مؤسسات السلطة الفكرية وتفرض تحكمات لا تراعي دون الحقوق الشرعية والوضعية سواء حددها النقل أوالعقل: فلا بد أن يكون لذلك علل ذاتية تكمن في أنساق فكرنا وخلل واقعنا الاجتماعي والخلقي أو فيهما معا. وكل محاولات الإصلاح لم توفق للحل الذي يخلصنا من هذين الفسادين بتصور منظومة المؤسسات التي تحقق توازن السلط فتحول دون الانحراف عن قيم الإسلام والعدوان على حقوق الإنسان. والغريب أن محاولات الإصلاح الأكثر بروزا, على عكس المنتظر, كانت في الحقيقة بحلولها المقصورة على السلب والمنع مصدر تدعيم لهذين الفسادين كما سنرى من خلال تحليل المحاولتين اللتين استند إليهما فكر النضهة والصحوة: محاولة العلامة ابن خلدون في الإصلاح السياسي والاجتماعي ومحاولة شيخ الإسلام ابن تيميه في الاصلاح العقدي والشرعي.

إن تشخيص داء الفصام بين قيم الإسلام وواقع المسلمين ونسبته إلى هاتين العلتين الذاتيتين ليس أمرا جديدا إذ إن هذين المصلحين كانا أول من أشار إليه إشارة صريحة وحاولا صياغة الحلول التربوية والسياسية والخلقية والدينية لتحقيق التوافق بين القيم والواقع. لذلك فهو لا يقبل الإرجاع إلى النقد الخارجي الصادر عن تحيز الأعداء أو إلى النقد الداخلي الصادر عن عملائهم: وبذلك نتخلص من دعوات رفض الإصلاح باسم الصمود أمام الغزو, لكأن الرجوع إلى الحق لم يعد فضيلة. إنما هذه الدعوة إلى المراجعة أمر ملازم لكل محاولات الإصلاح التي عرفها تاريخنا الفكري والسياسي مهما شابها من نقص في مجال الانتباه لشروط حماية قيم الإسلام وحقوق الانسان الذي استخلفه الله تكريما وتفضيلا على الملائكة.

ولما كان أفضل ممثل للتشخيص النسقي للأمراض التي تعاني منها حضارتنا في هذا المجال هو التشخيص الذي استندت إليه النهضة والصحوة وصاغه أكبر علمين عرفهما تاريخنا الفكري بنقد هذين الدائين فإن محاولتنا ستكون مبنية على تحليل المحاولتين لتحديد مقومات الإصلاح التربوي المقترح:

1- محاولة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نقدا للسلطة العلمية والواقع العقدي والفكري

2- محاولة العلامة ابن خلدون نقدا للسلطة العملية والواقع الشرعي والاجتماعي.

لذلك فلا عجب أن جعلهما فكر النهضة والصحوة دليليه في الإصلاح الديني والروحي ومرشد الصحوة ( الأول ) ونبراسه في الإصلاح السياسي والاجتماعي وهادي النهضة ( الثاني ). لكن تشخيص هذين المصلحين على علو شأنهما لم يشذ عن المآل الذي ذكرنا: فهو لم يؤسس الإصلاح التربوي القابل للتحقيق الفعلي تحقيقا يخلص من الأدواء التي تعاني منها مجتماتنا الإسلامية. فقد انتهى تشخيصهما لسوء الحظ إلى وصف علاج يوطد أسباب الداء بدلا من الإتيان عليها. ويكفي أن نذكر هنا بمضمون التشخيصين لكي ندرك أسباب فشل إصلاحهما الذاتية وفشل حركة النهضة والصحوة التي بنيت على تشخيصيهما لعلاج الداء عامة وداء الحط من منزلة الإنسان خاصة. فلعلنا بذلك نتخلص من موقف رد الفعل فنتجاوز مجرد التعليل بالعلل الأجنبية فيكون إصلاحنا التربوي استجابة لحاجة ذاتية المنبع والفكر لا خضوعا لخطط الأعداء. ولما كان هذا الفشل في مجال تحرير الإنسان هو المميز الحقيقي لوضعنا الراهن فإن بحثنا سيركز على أسبابه بالجواب عن سؤالين جوهريين هما:

1- لماذا اتفقت كل الحركات والأنظمة العلمانية والدينية سواء كانت في المعارضة أو في الحكم على نفي الوجود الفعلي لشروط تحقيق قيم الإسلام ومن شروط تحرير الإنسان واحترام حقوقه؟

2- وكيف يمكن أن نتدارك الأمر في أنظتمنا الفكرية والتربوية فنحقق هذه الشروط ونصل إلى تحقيق قيم الإسلام ومن احترام الحقوق والوجبات التي بها يتحقق مفهوم المواطن المسؤول في مجتمع الشورى العامة ؟

ويقتضي ذلك أن نعالج أسباب الإجماع السلبي حول نفي شروط تحقيق القيم الإسلامية ومن تحقيق حقوق الإنسان الأسباب التي أبقت على الفصام بين قيم الإسلام التي تعود إليها كل حقوق الإنسان بتوسط المقاصد الخمسة المعلومة (1) وواقع المسلمين بحسب الخطة التالية:

1- المسألة الأولى: التشخيص الذاتي لأسباب الإخلال بقيم الإسلام الموصل إلى عدم احترام حقوق الإنسان
2- المسألة الثانية: علل فشل النهضة في تجاوز الفصام بين قيم الإسلام وواقع المسلمين الذي يخلو نظامه التربوي والسياسي والاجتماعي والثقافي من شروط حماية حقوق الإنسان
3- المسألة الثالثة: علل فشل التشخيص التيمي: بسبب التقليل التيمي من شأن العامل المادي في تحقيق مقاصد الشرع ومن ثم في إيجاد مؤسسات حماية حقوق الإنسان التربوية والسياسية.
4- المسألة الأخيرة: علل فشل التشخيص الخلدوني: بسبب التقليل الخلدوني من شأن العامل الرمزي في تحقيق مقاصد الشرع ومن في إيجاد مؤسات حماية حقوق الانسان التربوية والسياسية.
الخاتمة .


* المسألة الأولى : خصائص التشخيص الأول للعدوان على حقوق الإنسان في حضارتنا

بدلا من أن نكتفي بالرد على تهم الأعداء والدفاع فلنحاول البحث في شروط علاج أسباب الداء الذي تعاني منه حضارتنا علاجا جذريا وبصورة فاعلة لا تحصره في ما يريد العدو أن يقصر عليه الانتباه حصرا لمهام النهضة في همومه وتحديدا لها بالإضافة إلى ما يقتضيه تصوره لمصالحه العليا. فينبغي أن نحلل فشل النهضة والصحوة في تحقيق قيم الاسلام في الواقع بصورة عامة رغم كونهما قد استندتا في الأصل إلى كشف أول عن أسباب الانحطاط لا يمكن التشكيك في كونه نابعا من الحضارة الاسلامية ذاتها ( بفرعيه التيمي الذي يركزعلى فساد فهم العقيدة وفساد تطبيقها (2) والخلدوني الذي يركز على فساد فهم الشريعة وفساد تطبيقها (3) وفي كونه قد عالج مسألة الحضارة العربية الإسلامية بتشخيص دائها الذي جعلها بقتاليدها التي نكصت إلى الجاهلية تحط كرامة الإنسان حطا يتناقض مع ما تقتضيه الرسالة الإسلامية.

لذلك فإن الفرضية التي نقدمها هنا لفهم أعراض المرض الحضاري الذي يعاني منه النظام التربوي غلإسلامي والمسلمون كما تظهر في وضعنا الراهن ترجع سبب فشل فكرنا الإصلاحي إلى عدم الحسم الإيجابي كما نمثل له بمحاولتي آخر مصلحين كبيرين في مسألة طبيعة المؤسسات التربوية والسياسية والفكرية الأسلامية (4) القادرة على تحقيق شروط الاستخلاف هما ابن تيميه وابن خلدون: فكلاهما نقد الموجود ولم يحدد شروط تحقيق المنشود تحديدا عمليا يجعل النقلة من النظر إلى التطبيق أمرا واقعا بل اقتصر كلاهما على المقابلة بين الحاصل والواجب من المنظور الإسلامي دون بيان كيفية تحقيق هذا المنظور الإسلامي تحقيقا يتوسل النظام التربوي السليم (5).

فيمكن أن نلاحظ خاصية مشتركة بين التشخيصين التيمي والخلدوني ( وهي خاصية قابلة للتعميم على كل محاولات الإصلاح قبلهما وبعدهما ) تعلل ما آل إليه الفكر الإصلاحي عامة وفكر الإصلاح النهضوي خاصة من سلوك وطد كل الشروط التي تنتهي إلى نفي القيم الإسلامية الحقيقية ومن ثم قيم حقوق الإنسان. فقد انتهت هذه الخاصية في فكر النهضة إلى فرض فكر جعل الإصلاح مجرد إيديولوجيا تجمع بين قول ديني وفعل وضعي ماركسي: فحصل تجاهل تام لطبيعة المؤسسات التي تقتضيها الثورة الإسلامية ومنطق تراجحها منطقه الذي يحدد مقومي منزلة الخليفة كما تقتضيهما الثورة المحمدية ببعدي نهجها.

فكلا التشخيصين التيمي والخلدوني أهمل الخاصية الأساسية للثورة المحمدية خاصيتها التي أزالت كل سند يمكن أن يعتمد عليه سلطان طغياني بخلاف ما آل إليه الأمر في فكر النهضة المبني عليهما: فالرعاية العامة التي تأمر الرسالة المحمدية بها في مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث هو فرض عين وشرط كون الأمة خير أمة (6) تشهد على غيرها من الأمم هي نظام السلط التي تستند إلى مؤسستين تلغيان كل سلطان زماني طغياني (=سلطة الدولة أو الأمراء بلغة ابن تيميه) يمكن أن يتحول إلى سلطة عسكرية مادية في الحكم وكل سلطان روحاني طغياني ( =سلطة الدين أو العلماء بلغة ابن تيمه) يمكن أن يتحول إلى سلطة فقهية روحية في المعارضة أعني ضربي الدكتاتورية اللتين لا يقومان إلا على انتهاك حقوق الله والانسان وأوجدت مبادئ المؤسسات التي كان يمكن أن تحقق شروط حماية حقوق الإنسان ليقوم بواجبات الخليفة (7):

*- فالرسالة المحمدية أسست سلبا مفهوم العلم النظري ( الاجتهاد ) والفعل العملي ( الجهاد ) على نماذج ليس فيها بين الإنسان وربه وسيط عدا ظاهرات الوحي نفسه نصا ( القرآن الكريم ) أو ممارسة ( السنة الشريفة ) (8).

*- والرسالة المحمدية بنت إيجابا العصمة المعرفية والقيمية في النظر والعمل على اجماع الأمة ومن ثم فإن هذا التشريع ينبغي أن يعتمد على المؤسسات التي تمكن من تحقيق شروط الاجتهاد والجهاد وظهور الاجماع فيهما بترجمتهما العملية في مؤسسات فاعلة يسهم فيها كل المسلمين إسهاما عينيا مع التحرز من الآليات التي قد تحوله إلى خدعة الديموقراطية التي هي ألغارشية مافياوية مقنعة (9).

لكن ما حدث في تاريخنا الفعلي ودعمه فعل النقد الذي جعل البديل مستحيلا لحصره في عقيدة التحقق المثالي في الصدر من دون تحديد للآليات المؤسسية الممكنة من ذلك تمثل في نفي مقومات هذه الثورة ومنع ترجمتها المؤسسية قاصرا الإصلاح في أمور تؤول به ضرورة إلى الاعتماد على سلطة مادية حاكمة خالية من مقومات الشرعية لكون وجودها يصبح بالضرورة مقصورا على الأمر الواقع الناجز في غياب السلطة المضادة وسلطة روحية معارضة خالية من مقومات الفعلية لكون وجودها يصبح مقصورا على المثال العاجز ما دام فكرها ذاته لا يعترف إلا بضرب واحد من القوة هو القوة المادية أو الشوكة: والسؤال إذن هو كيف نفهم هذا التناقض بين قيم الاسلام وواقع المسلمين والتخلص من مهرب تحميل المسلمين دون تحديد مسؤولية هذا الفصام بين المثال الواقع (10).

لذلك كانت كلتا السلطتين السياسية والفكرية في تاريخنا الفعلي وفي أنظمتنا التربوية والسياسية والاجتماعية دكتاتورية انتصبت منذ الفتنة الكبرى ودعمها كل سعي للإصلاح بعقلية الحلم بالمستبد العادل والتطبيق القسري للشرع. لذلك فعلينا علاج شؤوننا بالتخلص من الفصام الذي تعاني منه المؤسسات الفكرية والسياسية وتحقيق ذلك في نظامنا التربوي دون تأخير لكون السطتين المتحالفتين في تاريخنا كانتا دائما مبنيتين على انتهاك حقوق الله وحقوق الإنسان بما أصبحتا عليه من إطلاق جعل كل معارضيهما قابلين لمثل هذا الوصف بعد أن اضطرتهم إلى الخروج واستعمال رد فعل من جنس عنف الحكومات المادي وعنف المعارضات الرمزي الذي غالبا ما ينقلب إلى عنف مادي يصل إحيانا إلى الشكل الإرهابي.

لا بد من تحديد شروط الحل الممكن عقلا والمقبول شرعا من خلال تجاوز النقد التيمي والخلدوني الذي ظل مهيمنا على الفكر الإصلاحي الأصلاني ( في الحركات الدينية ) والعلماني ( في الحركات العلمانية ) منذ بداية النهضة لنقل الأمة من مجرد رد الفعل على استراتيجية الأعداء إلى بناء الاستراتيجية الفاعلة التي تحقق شروط الخروج من آثار الانحطاط والحرب الأهلية الدائمة التي لم تنقطع منذ الفتنة الكبرى. ويقتضي ذلك أن نركز على ما ينقص علميتي النقد المشار إليهما: النقد التيمي لفساد فهم العقيدة ومؤسسات تطبيقها والنقد الخلدوني لفساد فهم الشريعة ومؤسسات تطبيقها بتحديد العقيدة والشريعة الفاعلتين في التاريخ حقا.

ولما كان القرآن الكريم يعتبر عدوان أصحاب السلطانين السياسي والفكري خللا لا تخلو منه حضارة وكان يرجعه إلى تحريف الرسالات السماوية تحريفا يهدد منزلة القيم فيؤدي إلى انتهاك حقوق الخليفة والمستخلف (11) فإنه لا يمكن أن نتصور نقد نتائج انحطاط حضارتنا نقدا للإسلام نفسه اللهم إلا إذا تصورناه مطابقا للدارقة التي يحتمي بها المعتدون على حقوق الإنسان باسم الخصوصية الإسلامية (12). كما لا يمكن أن نتصور قيم الاسلام أمرا قد تحقق في لحظة من لحظات تاريخ الإسلام ويكفي تكرارها للخروج من الفصام بين المثال والواقع. فالكثير من النخب الحاكمة أو المعارضة في المجالين الفكري أو السياسي لا يحكمون أو يعارضون باسم الإسلام إلا لفظا لكونهم في الحقيقة يحكمون أويعارضون بما اختاروه من قيم جاهلية نسبوها إلى الإسلام باطلا فكانوا بسلوكهم هذا علة التهم الموجهة إليه: وهذا الحكم لا يستثني أي لحظة من لحظات تاريخنا الإسلامي لكون صلاح أحد الخلفاء أو بعضهم لا يكفي لكي يثبت تحقيق القيم الإسلامية. فذلك أمر حصل بمجرد الاتفاق وليس مرتسما في منطق عمل المؤسسات التي كانت ولا تزال معدومة شكلا ومضمونا (13).

وأخطر نتائج هذا السلوك أنهم يريدون أن يحصروا مهمة فكر المسلمين واعلامهم في الرد الدفاعي ومن ثم في تبرير سلوكهم على أنه من خاصيات الإسلام والمسلمين فيصبح سوء التصرف الجاهلي من خصوصيات الإسلام التي على النخب الإسلامية ان تدافع عنها باسم الخصوصية. وطبعا فمثل هذا السلوك لم يعد يقنع أحدا (14). لكن هذا المآل المؤلم الذي انتهى إليه فكر المسلمين ليس ابن اليوم كما أسلفنا. فقد كان السمة الغالبة على كل محاولات العلاج التي حاولت التصدي لداء الفصام بين قيم الإسلام وواقع المسلمين: فهذا الواقع يغلب عليه دائما أخذ الموجود واكسائه الشكلي برداء إسلامي لكأن الأصل الأسمى في فقه الحضارة بات مبدأ استصحاب الحال (15).


* المسألة الثانية : أسباب فشل النهضة في تحقيق قيم الإسلام لحماية حقوق الإنسان

هل كان مآل الحل العلماني في اللحظة العربية الإسلامية الراهنة إلى الدكتاتورية المادية الحاكمة مجرد صدفة يكفي لفهمها التعليل بالتدخل الخارجي والتأثر بالفكر المستورد كما يسود الآن في القراءات الدفاعية؟ إم إن السبب ذاتي للحضارة العربية الإسلامية نفسها رغم عدم نكران عامل الدعم الذي أمده به الظرف الدولي الاستعماري أولا والأمريكي ثانيا لكونهما يتغاضيان عن مسألة حقوق الانسان كلما كان الأمر ملائما لمصالحهما (16)؟ وهل يمكن أن نتصور مآل الحل الإسلامي إلى الدكتاتورية الروحية المعارضة في الغالب والحاكمة بنفس المنطق في الحالات التي وصل أصحابه فيها للحكم ( فضلا عن الأنظمة التقليدية الحاكمة باسم الإسلام ) مجرد صدفة لا يعللها إلا رد الفعل على المآل الأول وسنده الدولي؟

فرضيتنا أن السبب ذاتي لخلل أصاب فكر الحضارة العربية الإسلامية وخاصياتها المجتعمية والثقافية في حالتي الحل العلماني والديني. وحجتنا الأساسية هي أن هذا السبب الذاتي يزداد وضوحا وتدعيما في محاولات الإصلاح نفسها التي تميزت بتدعيم التنافي الفصامي بين بعدي الوجود الإنساني السوي أعني شروط فاعلية الفكر ( حاجة القانون الخلقي للقانون الطبيعي ) وشروط شرعية القوة ( حاجة القانون الطبيعي للقانون الخلقي ) : سبب فشل الحل العلماني وسبب فشل الحل الإسلامي في تحقيق قيم الإسلام الحقيقية من خلال توفير الشروط التي تحقي حقوق الانسان هو عينه تصور المؤسسة المشرعة مستندة إلى دكتاتورية فقهاء الوضع أو فقهاء الشرع وعلمهم الزائف الذي لا يمكن أن يكون تشريعا إلا بالاستناد إلى سلطان القوة اللاشرعية التي تدعمهم فيكون التحالف الأبدي بين علم اعزل وقوة جاهلة كما طغى ذلك ‘لى أفلب مراحل تاريخنا الحقوقي.

إن سبب فشل النهضة ذاتي لها وليس العامل الأجنبي إلا عاملا مساعدا ثانوي الدور. ففكر النهضة والصحوة علمانية كانت أو دينية اقتصرعلى الوعي التاريخي بالفصام بين قيم العقل التي وجدها العلماني في الغرب وقيم الدين التي وجدها الأصلاني في الغرب وبرر كلا الفريقين وجوب الاقتداء بها بما يزعمانه من تطابق بينها وبين ما تحقق في أزهي عصور تاريخنا لم يصحبه الوعي بعيبي هذا الفهم الأساسيين. ذلك أن الفصام بين عامل الوجود الإنساني النظري والعقد في مستوى المؤسسات الفكرية والروحية وعامل الوجود الإنساني العملي والفعل في مستوى المؤسسات السياسية الاجتماعية أمر مشترك بين الحركتين لكون كل واحدة منهما تهدم الأساس الذي تبني عليه خلال تهديمها الأساس الذي تبني عليه الأخرى. فالإصلاح العقدي يفقد معناه إذا لم يكن للفكر الفاعلية الذاتية التي تجعله مقوما مستقلا عن القوة السياسية. والإصلاح السياسي يفقد معناه إذا لم يكن للفعل المعنى الرمزي الذاتي الذي يكون من دونه مقوما ناقصا.

وقد أكدت محاولات الصحوة منذ عمليتي النقد التيمي ( الثلث الأول من القرن الثامن) والخلدوني ( الثلث الأخير من القرن الثامن ) أعني من بدايات الوعي بأسباب الإنحطاط إلى الأزمة الحالية التي حولت سعي المسلمين إلى مصارعة أسباب انتهاك قيم الإسلام وحقوق الإنسان إلى تهمة دولية بالإرهاب الإسلامي على أهمية السبب العقدي والفكري والسبب الفعلي والواقعي. لكنها ظلت خاضعة لهذا التحليل الفصامي بين بعدي العمران البشري الفكري والاجتماعي تحليلا فصاميا ينتهي إلى وصل ارجاعي مضاعف: هذا إلى ذاك أو ذاك إلى هذا فيحول دون الفهم الحقيقي لطبيعة العلاقة بينهما. وبذلك يظل الارهاب الذاتي من السلطة العامة نحو المواطنين ومن المواطنين نحو السلطة العامة الحقيقة المسيطرة على تاريخنا منذ ظهور الخروج إلى اليوم. لذلك فلا جديد في تهمة الإرهاب بشكلها الدولي الحالي إلا صيرورتها تهمة تشمل كل المسلمين بعد أن كانت وصفا للانحراف الذي أصاب فكرنا العقدي وواقعنا السياسي في الحكم أو في المعارضة منذ الفتنة الكبرى إلى اليوم. ولا عجب فالتهمة التي لم نعالج اسبابها الحقيقية منذ الفتنة الكبرى في حضارة تنزع إلى الكونية بمقتضى رسالتها لا يمكن أن تتعين في شكلها الأتم إلا إذا صارت تهمة دولية: ذلك أن مصير الإنسانية كله يحدد اليوم في أرضنا بمقتضى التكليف الإلهي أولا وبمقتضى الواقع التاريخي الحالي الذي نتج عنه إذ ليس من المصادفة أن صارت أرضنا ملتقى ممثلي التحريفين: اسرائيل ممثلة لتحريف القيم الروحية وأمريكا ممثلة لتحريف القيم المادية.

ولما كان فكر الحركات الإسلامية يجري على الطريقة التيمية أي إن مؤدى فكرها هو التنوير الروحي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاستناد إلى سلطة عسكرية وكان فكر الحركات العلمانية يجري على الطريقة الخلدونية أي إن مؤدى فكرها هو التنوير العقلي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بمنطق الضرورة الطبيعية ومن ثم بالاستناد إلى سلطة عسكرية فإن كلا النوعين من الحركات لا يمكن أن تحقق شروط احترام قيم الإسلام وحقوق الإنسان التي هي بالضرورة مندرجة في قيم الدين الإسلامي لكون الدين القويم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها.

لقد انبنت النهضة على تصورين ذاتيين مجزوئين للاصلاح دعمهما ما فهم أصحابها من الفكر الغربي الحديث الذي غلب عليه التنوير النسقي ذو الفكر الأحادي كما تعين في الحركات الفاشية والنازية الستالينية انتهيا إلى العجز عن تحديد الشروط الحقيقية لتحقيق قيم الإسلام في التاريخ ومن ثم العجز عن حماية حقوق الخليفة والمستخلف: فحقوق الإنسان بالمعنى الاسلامي هي عينها حقوق الخليفة في حدود حقوق المستخلف تجنبا لتأليهه. وهو ما يفهمنا وحدة التوجهين العميقة, التوجه الديني والتوجه العلماني في الانتهاء إلى الحط من شأن الانسان خلال السعي المزعوم إلى إصلاح أوضاعنا التي يتفاقم في العسف والظلم يوما بعد يوم: فكلاهما يتصور أمر الجماعة قابلا للاتساق بمجرد استتباع العقيدة ( الدينية بالنسبة إلى الأول والاجتماعية بالنسبة إلى الثاني) للقوة دون التساؤل عن شروط الحيلولة دون انقلاب التابع متبوعا ).


* المسألة الثالثة : سبب فشل الحل الأصلاني ممثلا بالنقد التيمي والحل العقدي لتحقيق قيم الإسلام

عندما نحلل النقد التيمي ونذهب به إلى غايته نجده ينتهي في الحقيقة إلى عكس ما سعى إليه صاحبه. فهو يؤول إلى نزع سلاح الفكر والعقيدة بالكلية فيجعلهما بالضرورة تابعين للمستبد بالسلطان المادي في المجتمع الإسلامي. فابن تيميه قد ألغى أساسي التأثير الذي يمكن أن يستمده الفكر من ذاته. فهذا التأثير ينقسم بالطبع إلى نوعين:

*- التأثير الرمزي الذي استهدفه ابن تيميه من خلال نقد فكر المتصوفة أعني سلطان الأسطورة التي تؤثر في النفوس بالسلطان على مضامين وعيها ومثيرات إرادتها دون أن يقدم بديلا منه عدا التنوير العقدي الذي ليس له تأثير فاعل إلا في الخاصة من دون الشعوب والعامة في غياب المؤسسات البديل من منظومة الطرق الصوفية لتنظيم حياة البشر العاطفية والروحية: والحصيلة هي القضاء على المجتمع المدني الرمزي الوحيد الذي كان مناسبا للعصر من دون بديل مدني رمزي من طبيعة أخرى.

*- التأثير التقني الذي استهدفه ابن تيميه من خلال نقد فكر الفلاسفة أعني سلطان العلم الذي يؤثر في المواد بالسلطان على قوانين فعلها وأسباب فاعليتها ومنتجات ثمراتها دون أن يقدم بديلا منه عدا التخويف من الكفر الذي ليس له تأثير فاعل إلا في الخاصة من دون الشعوب والعامة في غياب المؤسسات البديل من منظومة التطبيقات التقنية لتنظيم حياة البشر المصلحية والمادية: والحصيلة هي القضاء على المجتمع المدني المادي الوحيد الذي كان مناسبا للعصر من دون بديل مدني مادي من طبيعة أخرى.

لذلك فإن بحثه في شروط تحقيق الإصلاح الروحي بارجاع السلطة للفكر والعقد ينتهي في الحقيقة إلى جعله مستحيلا: فالعقيدة من دون التأثير بسلطان الغائب الرمزي وبسلطان الشاهد المادي يصبح ألعوبة بيد السلطان الوحيد المتبقى أعني سلطان القوة المادية البدائية التي للحكام: قوة التطميع المالي وقوة التطويع العنيف.

ولما كانت قيم الدين وحقوق الإنسان لا يمكن أن تتحقق من دون مجتمع مدني ( رمزي للقيم ومادي للمصالح ) بهذين المعنيين أو ببديل منهما كما حدث في المجتمع الغربي (17) بات من البين بنفسه أن محاولات الإصلاح نفسها كانت محاولات تصحير للمجتمع ومن ثم محاولات اخلاء الساحة للطغيان المطلق: طغيان من بيده المال والقوة.

لم يطرح ابن تيميه مسألة الشروط التي تجعل الفكر والعقد مؤثرا بل اكتفي بنظرية سد الذرائع ضد السلطانين لسلطان الفقهاء ظنا منه أن الفكر الصوفي والفلسفي يعارضان بالذات الحقيقة الدينية ولا يمثلان أساسي كل فاعلية فكرية ومن ثم كل تأثير للعقد. وإذن فابن تيميه اهتم بتعليل أمراض الحضارة الإسلامية بالانحراف الفكري والعقدي الذي ينسبه إلى الفكر الكلامي الفلسفي والصوفي الفلسفي فأخلى النظام التربوي منهما بدلا من أن يحررهما من الفساد الذي طرأ عليهما عملا بقوله هو نفسه من أن الداء ليس في الكلام بل في نصف المتكلم وليس في الفلسفة بل في نصف الفيلسوف وليس في التصوف بل في نصف المتصوف: أي أن هذه الظاهرات ليس بذاتها مرضية بل بما ينقص الحاصلين عليها بعضها دون تمامها.

ورغم أنه لم يهمل تعليل الأدواء بالانحراف السياسي والاجتماعي فأنه قد قلل من شأن هذا العامل لكونه اعتبر هذا الانحراف تابعا لذلك الانحراف: ظنا منها أن الأمر كله يعود إلى مجرد العقد فألغفل دور التربية السوية والعلوم الضرورية لمعرفة الشروط الطبيعية والتاريخية لقيام الحضارات. فصار النظام التربوي الإسلامي نظاما عاجزا عن تحقيق شروط القوة والمناعة وباتت الأمة الإسلامية لا حول لها ولا قوة. وهو يتصور العامل السياسي والاجتماعي مجرد أداة طيعة لعامل الفكر والعقيدة مغفلا القضية العكسية التي تحول العقيدة والفكر أداة طيعة بيد العامل السياسي والاجتماعي.

لم يدر بخلده أن يسأل: كيف يمكن للانحراف العقدي بمجرده أن يكون قادرا على ما يتصوره سببا لكل الأدواء أعني نقل فلسفة المسلمين العملية من فلسفة التكليف والمسؤولية في الشأن الشخصي وفي الشأن العام إلى فلسفة التواكل وعدم المبالاة بالشأنين الشخصي والعام؟

لذلك فهو قد ركز إصلاحه على نقد الفكرين الصوفي والفلسفي واعتبر الإصلاح رهين التحالف بين ضرب وحيد ممن يسميهم بالعلماء (=الفقهاء ) والأمراء ظنا منه أن ذلك كاف لضمان صلاح العقيدة وتطبيق قيم الإسلام. ولا يزال الحزب الديني إلى يومنا يقرأ الأحداث بهذا المنطق: لذلك كانت أغلب الحركات الدينية ذات تنظيم عسكري وكل التي وصلت إلى الحكم وصلت إليه بما يماثل الانقلاب العسكري. وإذن فنقد الحركات الدينية من حيث لا يعلم أصحابها كان موجها ضد الغاية التي تهدف إليها دعوتها الإصلاحية: تحقيق شروط تأثير الفكر والعقيدة مع حصرهما في ما لا يؤثر حقا إلا إذا اعتمد على من يوظفه من ذوي القوة الحقيقية الوحيدة التي تعترف بها هذه الحركات.

وإذا أردنا تحقيق شروط احترام قيم الإسلام وحقوق الإنسان كما حددهما العقل والنقل فينبغي إذن أن نحاول فهم علل الفشل الذي آل إليه نقد الأنظمة العقدية الشعبية في الفكر التيمي خاصة وفي الفكر النهضوي عامة. فهذه الأنظمة تمثل علة تحررها الوحيدة من استفراد السلطان الزماني بها. ذلك أن السلطان المضاد الوحيد للسلطان الزماني هو في كل الحضارات المعتقدات الشعبية أو الأخلاق العامة المؤثرة في السلوك العام: فمنها يتولد الرأي العام ولا يمكن تحقيق التغيير الإيجابي من دون فهم كيفيات التأثير التي تعمل بها هذه المعتقدات الشعبية. فما دامت حقوق الانسان لا تمثل جزءا من المعتقدات المؤثرة في السلوك العام فإنها لا يمكن أن تعد جزءا من القيم التي يعبأ بها الراي العام الشعبي ومن ثم فلا يمكن أن يحترمها من بيده السلطة الزمانية لعلمه أن الشعب لا يبالي بهذه الحقوق التي لم تصبح بعد جزءا من قيمه التي يقبل التضحية من أجل الدفاع عنها.

إن نقد الفقيه للصوفي ليس نقدا من أجل نقاوة العقيدة فحسب. بل هو كان ولا يزال من أجل السلطان على الجماهير ومن ثم فهو تمهيد للطغيان ما دامت حصيلته القضاء على المجتمع المدني الرمزي والمادي من دون بدائل تحقق التوازن في موازين السلطة. ويمكن القول إن معركة السلطان الرمزي قد حسمها النقد التيمي بصورة جعلت هذا السلطان يصبح تابعا للسلطان المادي: عند جميع الفرقاء. لذلك فتحيين النقد التيمي بدراسة نظائر المعتقدات المؤثرة في الوضعية الحالية دراسة علمية وموضوعية أمر لا بد منه لمعرفة شروط إيجاد السلطة المضادة التي تحمي حقوق الإنسان أعني مقومات المجتمع المدني الرمزي (18): كيف يكون الرأي العام الشعبي محددا لخطوط حمراء لا يستطيع السلطان المادي تجاوزها؟ فنحن لا نعلم بصورة دقيقة طبيعة القيم المؤثرة والمحركة لجماهيرنا بحيث نجعلها تدافع عنها برأي عام قادر على منع الاعتداء عليها. ومن دون ذلك لا يمكن أن نتفادى أسباب الفشل فنبني على أسس نظرية سليمة بالاستناد إلى الحل الفلسفي العملي الذي يتمثل في استنباط فلسفة التنوير الجمهوري من النصين المؤسيين لحضارتنا أعني القرآن الكريم والسنة الشريفة لكي تصبح هذه الفلسفة مادة الثقافة العامة لكل فئات الشعب في العالم الإسلامي

وعلينا كذلك أن نفهم سبب فشل نقد ابن تيميه للأنظمة الفكرية الكلامية والصوفية والفلسفية فنحين النقد بدراسة نظائرها الحالية دراسة علمية وموضوعية لتحدديد البديل ونتفادى أسباب الفشل فنبني على أسس عملية سليمة بالاستناد إلى الحل الفلسفي النظري الذي يتمثل في استخراج نظرية الوجود الجامعة بين الاجتهاد العقلي لفهم الطبيعة والشريعة. والسعي الأول لتنوير الجماعة لا يمكن أن يصبح فعالا إلا إذا تحققت مؤسساته أعني الإعلام الحر والتعدد وشرطه شرط السعي الثاني أعني مؤسسة العلم الحر وحق عدم الإصابة في الاجتهاد بحيث يتم التحرر من الفصام ومن نظرية الفرقة الناجية والعقيدة الصحيحة التي يمثلها احد الاجتهادات: تحرير الفكر من السلطان الروحي.

وبذلك يدرك من مال إلى الحل الديني أن الإصلاح العقدي وحده غير كاف وأن التحالف بين العلماء العاطلين والأمراء الجاهلين لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ما حصل في حركات البعث الدينية التي بدأت في مفتتح القرن الثامن عشر ولم تتجاوز ما انتهت إليه من محاولات بعث أنظمة لا تناسب العصر وتحط من قيم الإسلام وصورته فضلا عن أن تكون قادرة على الدفاع عن مثله العليا لتنافيها المطلق مع الفهم السوي لقيم الإسلام الحقيقية أعني قيم الفطرة أو العقل المجتهد.

لا يمكن لحركات فكرية وسياسية أن تنجح إذا لم يفهم قادتها أن: الفكر النظري والعقد لا يمكن أن يكون مؤثرا إذا اعتبرت سلامة العقيدة مستندة إلى أمرين يلغيان كل فاعلية للفكر كما يتبين من العمليات الثلاث التي استند إليها التنوير النهضوي التيمي:

*- نقد سلطان المتصوفة: تحرير العقيدة من التأثير الرمزي للخرافة والمعتقدات الشعبية من دون سياسة تنويرية بديل تعوض الوساطة التي يحتاجها الشعب بين العقيدة المجردة والتجربة الدينية الحية. فتزول فاعلية العقد الرمزية التقليدية دون أن تعوضها فاعلية رمزية جديدة, خاصة وبديل الفنون الجميلة والثقافة ( صراع القيم ) لم يتأسس بعد في مجتمعاتنا ولم يصبح المبدعون سلطة روحية يحسب لها حساب فتؤثر في التوازن السلطاني.

*- نقد سلطان الفلاسفة: تحرير العقيدة من التأثير الفعلي للعلم والنظريات العلمية من دون سياسية علمية بديل تعوض الوساطة المادية التي يحتاجها الوجود الاجتماعي بين القيم المجردة والسلطان الدنيوي. فتزول سلطة العقل التقنية من دون بديل يمكن أن العقل من القيام المستقل أمام هيمنة الحكم دون أن تعوضها فاعلية مادية جديدة خاصة وبديل الفنون التقنية والاقتصاد ( صراع المصالح ) لم يتأسس بعد في مجتمعاتنا ولم يصبح المخترعون ورجال الاعمال سلطة مادية يحسب لها حساب فتؤثر في التوازن السلطاني.

*- فتكون حصيلة النقدين أن يصبح الفكر عديم السلطان الرمزي والمادي ما يجعله بالضرورة تابعا للسطان السياسي الذي هو بيد المرتزقة ولا يكون لثنائية مفهوم أولي الامر معنى (19): إذ يصبح العلماء تابعين للأمراء.


* المسألة الاخيرة : أسباب فشل الحل العلماني ممثلا بالنقد الخلدوني والحل القانوني لتحقيق قيم الإسلام

يركز ابن خلدون على تعليل حال الأمة بالانحراف السياسي والاجتماعي ويقلل من شأن البعد الرمزي في تنظيم الحياة البشرية من خلال الاستهزاء بالمتشبثين بالقيم المستقلة عن السلطان المادي مثل الأنفة المستمدة من النسب أو الكبرياء المستمد من الكفاءة العلمية ( نظرية كانت أوعملية أو إبداعية ) عندما يفقدان العلاقة بالعصبية التي بيدها القوة الفعلية أعني الجاه الذي يعرفه بكونه صلة بأصحابها (20) حاصرا أسباب السعادة والثروة في هذه العلاقة أو الجاه (21). وذلك ما يعلل اهماله البحث في شروط الإصلاح المستند إلى تطوير هذه المواقف بحيث تصبح عاملا مؤثرا يحقق القيم التي يعتبرها قيما يتطابق فيها العقل والنقل ومن ثم يحقق شروط نجاح الثورة على الظلم. لكن محاولة ابن خلدون تجعل تحقيق القيم في التاريخ أمرا متروكا للقضاء والقدر ولمنطق التداول البايولوجي في صراع العصبيات بحسب توالي البداوة والحضارة (22). وإذن فابن خلدون قد اهتم خاصة بتعليل الأدواء بالانحراف السياسي والاجتماعي الذي أنهك حضارتنا وقتل كل قواها الحية ولم يبحث في شروط الإصلاح التي يمكن أن تكون قابلة للتحقيق بفعل إرادي قابل للتخطيط والانجاز في التاريخ.

لا شك أن ابن خلدون لم يهمل التعليل بالانحراف الفكري والعقدي. لكنه قلل من شأنه إذ اعتبره مجرد تابع للشروط المادية لكونه يتصور السلطان الروحي أوالسلطة الرمزية لا حول لها ولا قوة. فاعتبر الانحراف السياسي والاجتماعي بمجرده كافيا لتفسير نقل واقع المسلمين من واقع العزة والحرية إلى واقع الذلة والعسف (23). لذلك فهو قد ركز إصلاحه على نقد المؤسستين السياسية( مؤسسات الدولة وخاصة العدالة والاقتصاد ) والاجتماعية ( التربية والتعليم ومنزلة العلماء ) قاصرا آليات التأثير في الواقع على عامل القوة دون سواها ومعتبرا التحالف بين علماء التاريخ والسياسة المدركين لهذه الآليات والأمراء كافيا لتحقيق الإصلاح وتطبيق قيم العقل.

اعتبر ابن خلدون الثائرين على انتقال العصبيات الحاكمة من الحكم الجماعي إلى الحكم الفردي سواء كان الثائرون من أهلها أو من العلماء بالمعنى التقليدي ضربا من الجنون الناتج عن الجهل بقوانين العمران تقليلا من شأن القوة الرمزية وتسليما بأن القوة الوحيدة هي القوة المادية وان الرمز لا يمكن أن يستمد فاعليته إلا من القوة المادية التي يخضع لها بخدمته إياه: ويمكن القول إن جل المثقفين العرب والمسلمين تلامذة ابن خلدون النجباء في هذا الباب.

ولا يزال الحزب العلماني إلى يومنا هذا يقرأ الأحداث بهذا المنطق. والملعوم أن ابن خلدون قد انتهى في الحقيقة إلى موقف حدد به ما نشاهده اليوم من تقنيات التعامل مع المعارضات عند جل الحكام العرب والمسلمين (24). ولا يزال نقد ابن خلدون أنظمة الحكم والأنظمة التربوية الإسلامية السمة الغالبة على كل محاولات النقد والإصلاح الحالية. ولكي نتجنب الفشل الذي يؤدي إليه نقده علينا أن نحينه بدراسة هذه الأنظمة في حالها الراهنة دراسة علمية وموضوعية ونتفادى أسباب الفشل فنبني على أسس نظرية سليمة.

والحل الممكن يتمثل في السعي أولا إلى فهم سبب الفشل الخلدوني في نقده الأنظمة السياسية الإسلامية فنحين النقد بدراسة نظائرها الحالية دراسة علمية وموضوعية ونتفادى أسباب الفشل فنبني أنظتمنا التربوية والسياسية على أسس عملية سليمة بالاستناد إلى الحل الفلسفي العملي الذي يتمثل في استخراج نظرية الحكم الجامع بين التشريع الإلهي وثمرات الاستخلاف العام الذي يجعل كل المواطنين مسهمين في التشريع بقبول ما حددته النصوص وباختيار من يشرع بحسب المبادئ الإسلامية لما ليس فيه نص بحسب سنة الرعاية العامة. وهذا السعي الأول لا يتم من دون شرط الحيلولة دون من بيده السلطة السياسية والطغيان ومن ثم فهو يقتضي تحقيق شروط الإصلاح السياسي الدائم أعني النظام السياسي ذا آلية الإصلاح الذاتي: تقنين المعارضة الحرة والتداول على الحكم ومن ثم حرية التعدد الحزبي أو أي شكل آخر من أشكال التعبير السياسي عن آلية الإصلاح الذاتي الدائم.

كما يتمثل الحل في السعي ثانيا إلى فهم الفشل الخلدوني في نقده الأنظمة التعليمية والتربوية الإسلامية فنحين النقد بدراسة نظائرها الحالية لنستنبط فلسفة الحقوق الشرعية والوضعية من النصين المؤسيين لحضارتنا أعني القرآن الكريم والسنة الشريفة لكي تصبح هذه الفلسفة مادة التدريس لكل طلبة المدارس في العالم الإسلامي من أدنى مستوياتها التعليمية إلى أسماها. وهذا السعي الثاني الذي لا يتم من دون إزالة أسباب الطغيان بمنع كل تكوين لسلطة روحية نفاها الإسلام لكونها يعتبرها مصدر تحريف الأديان. ولا يتحقق ذلك إلا في تحرير المؤسسة التعليمية من مثل هذه السلط لكون شرطه هو شرط تحقيق المؤسسة التربوية التي تقوم بهذا الدور تحقيقا سلبيا بإزالة الحوائل وإيجابيا بإيجاد المؤسسة المتحررة وشروط بقائها. وبذلك نفهم أن الإصلاح الخلدوني إذا لم يصاحبه فهم العلاقة بين الرمزي والمادي أو بين العقيدة والقوة فإنه ينتهي إلى ما انتهت إليه الحركات العلمانية من أنظمة عسكرية على النمط الفاشي والنازي والستاليني.

ولا يمكن للنهضة ان تدرك علل فشلها ما لم تفهم التناقض بين محاولة جعل الفكر العملي مؤثرا وتوجه النقد إلى إفراغه من كل فاعلية بحصرالفاعلية في القوة المادية وحدها كما يتبين من النقد الخلدوني:

*- فهو يرفض كل معارضة لما يعتبره التطور الطبيعي للعصبية تطورها الذي ينقلها من العمل الجماعي للمنتسبين إلى العصبية الحاكمة إلى العمل الفردي الذي يستعيض فيه المستبد بالعصبية الدموية بعصبية الولاء فينقل الحكم من التعددية الشرعية إلى الفردانية المستبدة دون أن يقدم بديلا يمكن من نقل التطور السياسي من الآلية الطبيعية التي تتحكم فيها جدلية الصراع الإحيائي إلى الصراع الحضاري: من اقتتال العصبيات إلى التداول السلمي على الحكم.

*- وهو أنه يرفض كل معارضة لما يعتبره التطور الطبيعي لمنزلة العلماء تطورها الطبيعي الذي ينقلها من المشاركة في تأسيس الشرعية إلى مجرد تابع للحاكم. فهو لم يضع نظرية الجاه موضع سؤال ولا يزال المثقفون عندنا يعملون بها لكونهم في الحقيقة لا يستمدون منازلهم من دورهم الثقافي بل من الجاه وهو ما يحول دون أي أمكانية لتصور الفكر يصبح ذا سلطان مؤثر في التوازن السلطاني.

*- وبذلك فان ابن خلدون يرفض كل تأثير حقيقي للقوة الرمزية فلا يبقي إلا على القوة المادية التي تفضي بالضرورة إلى الهرج. ولا يزال أغلب المثقفين عندنا على هذا النمط من التفكير إن لم يكن قولا ففعلا.


* الخاتمة:

يؤكد الكثير من المفكرين والمصلحين أن الحل سياسي وأنه يتمثل في مجرد القبول بحل الحكم الديموقراطي. لن هذا الحل يجعل سلوك المسلمين في عصرنا من جنس سلوكهم في العصور الأولى: الاقتصار تبني الحلول الموجودة وإكساؤها الزي الإسلامي دون التساؤل عن شروط تحقيق قيم الإسلام التي ينبغي أن تكون عين الحقوق الطبيعية لكون القرآن الكريم يعرف الدين الخاتم بكونه فطرة الله التي فصر الناس عليها. لذلك فإنه ينبغي التنبيه إلى مزالق تبني هذا الحل من دون بيان مفهومه الحقيقي وشروط الضرورية.

فالرعاية العامة التي تحرر الإنسان كما حددها الإسلام تتنافى مع الديموقراطية الغربية التي هي أليغارشية مافياوية خفية تدعي قولا حكم الشعب بالشعب وتمارس فعلا حكمه بالمافيات واللوبيات. الرعاية العامة كما يحددها االقرآن الكريم تعني بناء مؤسسات الاجتهاد العام أو التواصي بالحق لتحقيق شروط الخلافة العامة المعرفية والجهاد العام أو التواصي بالصبر لتحقيق شروطها الخلقية. وتلك هي الشروط التي تحرر مفهوم الخلافة العامة من حيث هي منزلة الإنسان من الدلالة الإنسوية التي تؤله بعض الناس فترفعهم إلى رتبة المشرع المطلق الذي يستعبد البقية بدلا من أن يكون المشرع في حدود الاستخلاف. وقياسا على ذلك يكون تنظيم التعليم انتاجا للمعرفة وحفظا وتوزيعا واستهلاكا ورعاية.

لكن هذا التنبيه لا يعني العودة إلى سلطة الفقهاء المستندة إلى سلطان الأمراء. فالحدود التي ينبغي فرضها على الإنسوية الغربية لا تتمثل في تأسيس سلطة فوق سلطة الرعاية العامة التي تعود للمؤمنين من حيث هم شهداء على العالمين ومشهودا عليهم من الرسول الأكرم. ذلك أنه إذا فرضت السلطة الفقهية موجودة وكانت لها اليد الطولي فإنها تصبح سلطة كنسية ولا يكون القرآن والسنة في ذاتهما ودون وسيط السلطة العليا بل تحكم الفقهاء: كل ما يقتضيه المييز الأساسي لثورة الدين الخاتم هو أن تكون نسبة ظاهرات القرآن والسنة إلى الاجتهاد الأنساني العام في مجال القيم العملية وتنظيم الحياة الروحية هي عينها نسبة الظاهرات الطبيعية إلى الاجتهاد الانساني العام في مجال القيم النظرية وتنظيم الحياة المادية.

أما المؤسسات التي لا بد منها لتحقيق التواصي بالحق أو الاجتهاد العام والتواصي بالصبر أو الجهاد العام فإنها تتعلق بشرط قدرة العقل على التأثير ( شرط التكليف الأول ) وذلك هو العقل القوي إذ بمجرد أن يكون الاجتهاد عاما يتحول إلى المصدر الوحيد للبعد التصوري من الفعالية الإنسانية التي تتعين في دورها السلطاني الذي تمثله مؤسسات المجتمع المدني الرمزي ( المؤسسات الاجتماعية لصراع القيم: وتتعلق بعلاقات البشر بعضهم بالبعض من حيث الأعراض ) ومؤسسات المجتمع المدني المادي ( المؤسسات الاجتماعية لصراع المصالح: وتتعلق بعلاقات البشر بعضهم بالبعض من حيث الأموال ) كما تتعلق بشرعية القوة وتلك هي القوة العاقلة إذ بمجرد أن يكون الجهاد عاما يتحول الى المصدر الوحيد للبعد الإنجازي من الفعالية الإنسانية التي تتعين في دورها السلطاني الذي تمثله مؤسسات المجتمع السياسي الرمزي ( المؤسسات السياسية لصراع القيم أو مدارس الفكر الحقوقي ) ومؤسسات المجتمع السياسي المادي ( المؤسسات السياسية لصراع المصالح أو الأحزاب ) : وبذلك تكون حماية حقوق الإنسان مسؤولية الجميع لكون السلطة العامة تصبح بيد الجميع فلا تعدو حدود الله وذلك هو مدلول الشورى الحقيقي في مستوى المؤسسة التربوية والسياسية.

الهوامش :

1- فحقوق الإنسان بأجيالها الثلاثة المعلومة تدور حوق الحقوق المدنية والسياسية ( حق الفكر والفعل مضمون للفرد والجماعة : الجيل الأول ) والحقوق الاقتصادية (حق العمل والعيش للفرد والجماعة دون تمييز عرقي أو جنسي: الجيل الثاني ) والحقوق الثقافية والروحية ( حق التميز الثقافي والديني : الجيل الأخير ). وبين أن الجيل الأول يرجع إلى تحقيق شروط بداية التكليف أو مقصد العقل وأن الجيل الثاني يعود إلى تحقيق شروط قدرة المكلف المادية ليكون مواطنا ذا قدرة مادية ( المال ) وأن الجيل الثالث يعود إلى تحقيق شروط قدرة المكلف الخلقية ليكون مواطنا ذا قدرة خلقية ( العرض ) وغاية هذه الحقوق الثالث التي هي أدوات للحقوق الأسمى أعني حق النفس الكريمة ( بدون عقل حر وقدرة مادية إرداة خلقية: المقاصد الثلاثة السابقة لا معنى للنفس ). والنفس الكريمة لا تكون حرة بحق من دون أن تكون لا معبود لها سوى الله وذلك المقصد الأخير أو الدين الذي لا إكراه فيه ( إذ الإكراه يجعل المعبود هو المكره وليس الله ). ومن ثم يتبين أن ما يسمى بحقوق الإنسان هو جوهر مقاصد الشريعة.
2- فساد العقيدة يعني فساد البعد النظري من العقل الإنساني وأساس الفلسفة النظرية بالمعنى القديم والوسيط أو العلوم الطبيعية بالمعنى الحديث والمعاصر: والمقصود البعد الميتافيزيقي من المعرفة الإنسانية وما يستنتج منه لتنظيم الوجود الإنساني
3- فساد الشريعة يعني فساد البعد العملي من العقل الإنساني وأساس الفلسفة العملية بالمعنى القديم والوسيط أو العلوم الإنسانية بالمعنى الحديث والمعاصر: والمقصود البعد الميتاتاريخي من المعرفة الإنسانية وما يستنتج منه لتنظيم الوجود الانساني.
4- وقد اكتفى مفكرو النهضة من بعدهما بمجرد الحديث عن فضائل العهد الراشدي او مجرد تبرير أخذ الأنظمة الجاهزة بقياسات سطحية بين الشورى والديموقراطية وبين تعددية فرق علم الكلام وتعددية الأحزاب السياسية الغربية (الشيخ القرضاوي مثلا ).
5- ونحن نعتقد أن علامات فساد النظرية هي تضمنها لموانع تطبيقها وعلامات سلامتها تضمنها لشروط تطبيقها لذلك فمحاولات الإصلاح التي عرفها التاريخ الإسلامي تقتصر على المقابلة بين المثال الإسلامي والواقع الإسلامي لذلك فهي محاولات فاشلة بالذات لكون المثال الإسلامي يرجع في الإخير إلى وهم تحققه المثالي في الصدر ومن ثم إلى أمر متناقض بالطبع: تصور المثال أمرا قد حصل وليس أمرا ينبغي مواصلة الاجتهاد الدائم لتحصيلة فيصبح الاجتهاد محكوما بالتقليد بدلا من أن يكون جهدا فكريا وفلسفيا مفتوحا بلا نهاية. وفي آخر التحليل يعود هذا الحل إلى تفويض أمر الصلاح السياسي إلى أخلاق الحاكم بدلا من تصور العلاج مستندا إلى منطق التوازن بين المؤسسات التي تحول دون أخلاق الحاكم والتحكم.
6- آل عمران 103 الشارطة لآل عمران 110.
7- الحقوق من حيث هي شروط واجبات الخلافة النظرية الخالصة والمطبقة والعملية الخالصة والمطبقة كما يقتضيها مفهوم المقاصد الضرورية الخمسة: فمقصدا العقل والمال ( ومعه الصحة البدنية والنفسية ) المناسبان لصفتي العلم والقدرة يتعلقان بالحقوق التي تضمن الخلافة النظرية الخالصة والمطبقة ومقصدا الدين و العرض ( ومعه الصحة الروحية والخلقية ) المناسبان لصفتي الحياة والإرادة تعلقان بالحقوق التي تضمن الخلافة العملية الخالصة والمطبقة وتجتمع وحدة النوعين من الحقوق في مقصد النفس المناسب لصفة الوجود.
8- الشرط السلبي هو حدود علم الإنسان كما تحدده الآية 107 من آل عمران الخاصة بتأويل المتشابه وحدود عمله كما تحدده الآية 154 منها والخاصة بالقضاء والقدر.
9- دخل الفساد على مفهوم الاجماع منذ أن اصبح محصورا في عسكه تماما: فإذا لم يكن الاجماع حصيلة مغامرة الاجتهاد المفتوح دائما والاختلاف والتنوع الذي لا يتناهي فإنه يصبح عديم المعنى.
10- كل تناقض بين النظرية والواقع تتحملة النظرية لا الواقع. لكن في المجال الخلقي عامة وفي المجال الديني منه على وجه الخصوص لا يمكن أن يكون الأمر على نفس المنوال: لا بد من تحميل موضوع النظرية كذلك بعض المسؤولية لكونه بخلاف الظاهرات الطبيعية يمكن أن يكون ذا ضلع في عدم انطباق النظرية وإلا صار السلوك الإنساني ضروريا كله وليس فيه شيء من الاختيار. ولكن إذا بنينا ذلك على العلم بقوانين الظاهرات الإنسانية بات من الواجب ألا نحمل الإنسان إلا ما تسمح به هذه العلوم ونحمل النظريات الخلقية والدينية ذاتها ما لا يمكن ان يفسر بسلوك الإنسان الاختياري في عدم انطباق نظرياتهما. فنعيد صياغة النظريات الخلقية والدينية في ضوء العلم بالظاهرات النفسية والعمرانية الإنسانية.
11- آل عمران وسببا التحريف ومآلاه: تكوين سلطة الربا الروحي ( الذي غلب على التحريف المسيحي ) من أجل سلطة الربا المادي ( الذي غلب على التحريف اليهودي ).
12- فصارت تقاليد الجاهلية في مسألة المرأة مثلا عين القيم الإسلامية في جل بلاد العرب والمسلمين وعند أغلب الحركات الإسلامية.
13- لا يكفي أن يكون الخليفة عمر بن عبد العزيز مستقيما في سلوكه لكي نتصوره مثالا ينبغي أن يحتذى: فهو قد اكتفى بجعل أمور الدولة مسألة شخصية تتعلق بأخلاقة وسلوكه ولم يرق فكره إلى تصور المؤسسات والآليات التي يمكن أن تجعل الدولة تسير بصورة تحقق قيم الإسلام أيا كانت أخلاق الحاكم الشخصية. ولا يزال فكرنا السياسي والخلقي من هذا النمط: فنحن نتكلم في مسائل العلاقة بين قيم الإسلام وشروط تحقيقها بهذه الصورة الفجة التي تعتبر النظر إلى الأمر الخلقي والنظر إلى الأمر السياسي من طبيعة واحدة. وبدلا من تصور الحلول العملية لجعل تحقيق القيم واحترامها أمرا يحصل بصورة ذاتية للمؤسسات ( التي وظيفة ما بينها من تراجح حماية شروط الوجود الموضوعي للقيم ) نعتبره أمرا تحكميا مرتهنا بإرادة الحاكم وأخلاقة. وفي ذلك تجاهل لأمر أساسي: فكل إمرئ يجد فرصة للعدوان يفعل وكل نظام ليس فيه من الروادع المؤسسية ما يحول دون الأفراد والعدوان على القيم لن يخلو منه. وهذه المؤسسات ينبغي أن تكون ذات قيام شكلي وهو المعنى العام لكلمة المؤسسة أعني المعنى القانوني والحقوقي وذات قيام مضموني وهو المجتمع المدني بمعناه الرمزي ( صراع القيم في المجتمع ) والمجتمع المدني المادي ( صراع المصالح في المجتمع ) كما نحلل لاحقا.
14- لا يمكن أن يزعم الواحد أن الإعلام الغربي أو الدعاية الصهيونية يمكن أن توجد الظاهرات التي يبنيان عليها تشويه الإسلام لو لم تكن صورة المسلمين في حياتهم الفعلية وفي ممارسة الحاكم والمعارض والنخب بجميع أصنافها المصدر الأساسي لهذا التشويه: يكفي أن نرى ما يحدث عندنا في تسيير الشأن العام مدنيا وسياسيا وما يحدثه أثرياء المسلمين بسلوكهم المشين في سياحتهم وفقراؤهم في عملهم في الغرب بسلوكهم المهين لكي ندرك طبيعة الفصام الذي تعاني منه نخبنا التي بيدها الأمر السياسي والفكري وشعوبنا التي بيدها التعين الفعلي لما آل إليه انحطاط قيم الإسلام العملية في ممارسة الحياة العادية لكي نعلم الحال التي آل إليها أمر مجتمعاتنا في إدارة شؤونها وتطبيق القيم الاسلامية في حياتها وفي تعاملها بعضها مع البعض فضلا عن تعاملها مع الغير.
15- استصحاب الحال في مثل هذه الأحوال لا يدل على انفتاح فقهي بل هو يدل على العقم الحضاري: نأخذ المؤسات الموجودة لعدم الاجتهاد الكافي لتصور البديل والجهاد اللازم لتحقيقه.
16- ومن مضار هذا الدور ما قد يستنتجه البعض من ذلك خطأ وخاصة من بين أؤلئك الذين يحددون منزلة القيم بالإضافة إلى الغرب أن حقوق الإنسان ليست إلا أداة غربية للتدخل حصرا لطبيعة الأمر( حقوق الإنسان) في طبيعة توظيفه( الضغط بها على بعض الأنظمة ).
17- البديل من المجتمع الرمزي الصوفي في الغرب هو الفنون الجميلة بكل أصنافها ( وخاصة الآداب ) مع الثقافة ومنها يتكون المجتمع المدني الرمزي أو صراع القيم في المجتمع الغربي والبديل من المجتمع المادي الفلسفي في الغرب هو الفنون التقنية بكل اصنافها مع الاقتصاد ومنها يتكون المجتمع المدني المادي أو صراع المصالح. وكلاهما أمر شبه معدوم عندنا. وعلى كل فهو معدوم التأثير والفاعلية ومن ثم فكل حديث عن حقوق الانسان يبقى من الأوهام: إذ إن الحقوق التي ليس لها من يحميها لا يمكن ان توجد.
18- نميز بين المجتمع المدني المادي ويمثله صراع المصالح في المجتمع والمجتمع المدني الرمزي ويمثله صراع القيم فيه
19- ابن تيميه مجموع الفتاوى الجزء التاسع عشر ص. 117:" فهؤلاء هم ولاة الأمر من بعده ( الرسول صلعم ) وهم الأمراء والعلماء. وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الأيمة كالإمام أحمد ".
20- والغريب أنه مدرك لاهمية العامل الرمزي في موازين القوى المادية كما يتبين من دراسته لدوره في الحرب ولظاهرة الشائعات والشهرة
21- ابن خلدون المقدمة دار القلم بيوت ط 11, 1992 : الباب الخامس الفصل السادس ص391- 392: " فلذلك قلنا إن الخضوع والتملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصل للسعادة والكسب وإن أكثر أهل الثروة والسعادة بهذا التملق ولهذا نجد الكثير ممن يتخلق بالترفع والشمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. واعلم أن هذا الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة وإنما يحصل من توهم الكمال وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحر في علمه والكاتب المجيد في كتابته أوالشاعر البليغ في شعره وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده فيحدث له ترفع عليهم بذلك وكذا يتوهم أهل ألأنساب ممن كان في آبائه ملك أوعالم مشهور أو كامل في طور يعبرون به بما رأوه أو سمعوه من حال آبائهم في المدينة ويتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم فهم متسمكون في الحاضر بالأمر المعدوم وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالأمور قد يتوهم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه وتجد هؤلاء الأصناف كلهم مترفعين لا ينخضعون لصاحب الجاه ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا وسفها ويحاسب الناس في معاملتهم إياه بمقدار ما يتوهم من نفسه ويحقد على من قصر له في شيء مما يتوهمه من ذلك وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من تقصيرهم فيه ويستمر في عناء عظيم من إيجاب الحق لنفسه أو إباية الناس له من ذلك ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التأله وقل أن يسلم أحد منهم لأحد في الكمال والترفع عليه إلا ان يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة وهذا كله ضمن الجاه."
22- ولعل من أكبر دلالات التنافي مع التصور الحضاري الإسلامي اعتبار البداوة موطن الاخلاق والشجاعة بخلاف ما يؤكد عليه القرآن الكريم الذي يجعل البداوة موطن النفاق والخداع والجبن.
23- نفسه الباب السادس الفصل الثاني والثلاثون ص.540:" ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أوالخدم سطا به القهر وضيق عن النفس انبساطها ودعاه إلى الكسل وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهوالتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين. وهكذا حصل لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف".
24- نفسه الباب الثالث ص.160- 161:" ثم اقتدى بهذا العمل كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم. والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أوالضرب إن أحدثوا هرجا وإما إذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين . وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داع له وليس هو مع ذلك على علم من أمر الفاطمي ولا ما هو. وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلات بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من اسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة وتسوء عاقبة مكرهم".