shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                   

 عودة لا بد منها

                                                     أبو يعرب المرزوقي

بعد المحاولة التي كتبتها حول رد الأستاذ الشرفي على الأستاذ الطالبي من منطلق جوهر الخصومة ها أنا أعود إليها من منطلق قد يعد عَرَضيا من حيث المضمون لكنه جوهري من حيث الدلالة على السلوك العلمي فضلا عن العلم لدى أحد طرفي الخصومة.  وعلة العودة هي الشكل المستفز من رد الأستاذ الشرفي على أستاذه الطالبي. ومسألة الشكل هذه المرة تبدو عديمة العلاقة بالخصومة بين الرجلين لصلتها بحادثة قديمة ذكرني بها هامش الأستاذ الشرفي الثالث هامشه على رده (الصباح تونس 23 مارس 2008). فقد جاء في هذا الهامش ما يلي إيرادا لما اعتبره من القرائن الدالة على معاناة أستاذه من أعراض الشيخوخة "وإلا فكيف يمكن تفسير ارتكابه (يقصد الطالبي) لأخطاء لا يقع فيها حتى تلامذة الابتدائي من مثل جمعه لسُورة على "سورات" عوض سُوَر (ص 153)، وهو الذي يستشهد بالآيات القرآنية بمناسبة وبغير مناسبة، وخلطه بين الفريسيين (pharisiens) من اليهود والفارسيين (وهو جمع مذكر سالم لفارسي، ص 154)، وارتكابه لأخطاء لغوية نحوية وتركيبية في كل صفحة تقريبا؟"

                         علاقة الهامش بالحادثة

كتب الأستاذ الشرفي هذا الهامش لظنه قرينة ليس أكثر منها إثباتا لعرض الشيخوخة قرينة على تهمة قدمها في شكل اعتذار لم أر في حياتي أقبح منه ولا أشنع حتى لو كان صحيحا فضلا عن كونه لا يتضمن أي قدر من الصحة مهما تسامحنا مع صاحبه. والحادثة التي ذكرني بها هذا النص كانت علة هذه العودة هي حضوري ذات مرة في كلية الآداب بمنوبة مناقشة لإحدى الرسائل الجامعية في الحضارة العلمية العربية الإسلامية كان فيها الأستاذ الشرفي يحاول التهوين من علم المترشح -وبالتالي من علم  المشرف عليه الذي هو أحد كبار علماء تونس بالعلوم فضلا عنه بالحضارة العلمية العربية وهو أيضا من أساتذة الشرفي: قصدت المرحوم محمد السويسي أستاذ الرياضيات وتاريخ العلوم والآداب العربية-فكان من القرائن التي أوردها كتابة المترشح أسم علم بحسب النطق الألماني "إجناس جولد تسيهر" بهذا الهجاء الأصلي لاسم صاحبه بدل كتابته بالهجاء الفرنسي "إنياس قولد زيهر".

لم يكن المرشح يريد أن يناقش مثل هذه التفاهة التي تدل على جهل المناقش لظنه الاسم لفرنسي أو لاعتقاده أنه ينبغي ألا ينطق إلا بالفرنسي بدل دلاتها على جهل الطالب فضلا عن كون ذلك  كما يعلم الجميع لا علاقة له بالعلم المتعلق به الشأن في الرسالة. والمعلوم أن المترشحين مضطرون للكثير من الاحتراز في المناقشات لتجنب التحكم السلطاني ما أمكن لهم ذلك. وإلا فإن إثارة مثل هذه القضية في مناقشة رسالة دكتوراه دولة كان ينبغي أن يثور عليه أي طالب علم في هذا المستوى من الاختصاص يناقشه من يفضح مستواه بمثل هذه التفاهة مع خطأها فوق ذلك. فإثارة هذا الأمر في مناقشة دكتوراه دليل على سطحية المناقش وعلى خواء مستواه المعرفي حتى لا نشكك في نزاهته إذ يصعب أن يجهل من يزعم الاطلاع على الحضارة الإسلامية ألا يعرف النطق الصحيح اسم أهم المستشرقين في ما يزعم الكتابة فيه وهو نطق أظن المترشح قد أخذه عن ترجمات المرحوم عبد الرحمن بدوي.     

                    أجناس جولدتيسهر والفارسيين

المهم هو العلاقة بين هذه الحادثة والهامش الثالث من رد الأستاذ الشرفي العلاقة التي تذكرتها عند قراءة الهامش. إن العلاقة بينة في المثال الثاني الذي ضربه الأستاذ الشرفي والوارد ضمن القرائن التي يظنها مفحمة الدلالة على أن الأستاذ الطالبي بلغ أرذل العمر بدليل نسيانه وهو أستاذ العربية أبسط قواعد اللغة العربية والوقوع في أخطاء لا يقع فيه تلاميذ الابتدائي. وفي الحقيقة فإن الأستاذ الشرفي لو كان على دراية بقانون النسيان في أمراض الشيخوخة لعلم أن هذه الحجة عليه لا له: ذلك أن آخر ما ينساه المصابون بعرض الشيخوخة ليس أول هو ما تعلموه بل آخره. وإذن فإذا كان الخطـأ اللغوي المنسوب إلى الأستاذ الطالبي خطأ لا يرتكبه تلاميذ الابتدائية فهو مما يتعلم في الصغر فلا ينساه الشيوخ حتى في أرذل العمر ومن ثم فلا يعقل أن يكون نسيانه إن صح أن الأستاذ الطالبي وقع في مثل هذه الأخطاء دالا على أعراض الشيخوخة.

لكن المشكل أن كل الأمثلة التي أوردها الشرفي تدل على أنه هو الذي وقع في خطأ فيها وليس الطالبي. ولنحاول بيان ذلك لعل فيه إنصافا للشيخ الطالبي وصدا لتنمر العاقين. ولنبدأ بالمثال الذي ذكرني بالحادثة فهو مثال "الفارسيين". فإذا علمنا أن الناس لم يعتادوا على جمع الفارسي جمع مذكر سالم بل العادة جرت على جمعها جمع تكسير على فرس تبين أن الأستاذ الشرفي يثبت بهذه القرينة أن الحجة قد أعيته فطلب ما لا معنى له. فالخلاف كله يأتي من تمديد الأستاذ الطالبي حرف الa كما يفعل العرب ونطق الأستاذ الشرفي حرف  ال s زايا كما يفعل الفرنسيون في كلمة فارينزيان. ولا مشاحة في التقريب بين الحروف من الأنظمة الهجائية المختلفة.

والدليل أن الكلمة بالانجليزية أقرب إلى هجائها عند الأستاذ الطالبي منها في الهجاء الفرنسي الذي مال إليه الأستاذ الشرفي. ولكل منهما حرية الاختيار في الهجاء والمقصود يبينه السياق. فهي بالهجاء الأنجليزي Pharisee وهي بالهجاء الفرنسي كما جاءت في هذا الحجاج الهزيل لهامش الأستاذ الشرفي. والمعلوم أن السياق يبين أن الأستاذ الطالبي لا يتكلم على الفرس بل على المنافقين في عصر المسيح حينئذ وربما على المتكلمين باسمه علنا أو سرا حاليا. لست أدري ما الذي يجعل الأستاذ الشرفي يريدنا أن نفضل النطق الفرنسي للكلمات الأجنبية حتى عندما لا تكون فرنسية في حالتي الفريزيين وإنياس جولدزيهر للتهوين من علم عالمين بحق كانا أستاذيه ؟!

                      سورة وسورات

لكن الأدهى هو المثال الثاني الذي ظن صاحبه أنه يمكنه من تسديد اللكمة الحاسمة للشيخ الذي يريد أقناع القراء بأنه قد خرف. فكلام الأستاذ الشرفي حول جمع كلمة سورة لم أسمع في حياتي بأكثر منه سذاجة.كان هذا الكلام يكون صحيحا لو كان الأستاذ الطالبي قد جمع سُورة على سورات. وقبل أن أحلل ما عناه الشيخ الطالبي فلعله من المفيد أن أسأل الأستاذ الشرفي: هل تجمع عَوْرة على عُوَر؟ أم أنت تجهل أن ما جمعه الأستاذ الطالبي ليس سُورة بل سَوْرة وهو المعنى الثاني لما صار يعتبر عَلَما  على كل وحدة من وحدات القرآن التأليفية ال114  والمؤلفة من عدد معين من آيات أقلها 3 وأكثرها 286؟

لم يقع الأستاذ الطالبي في خطأ يتجنبه طلبة الابتدائية يا أستاذ فلا تفرح بحجتك الهزيلة بل هو استعمل معنى الحالة الروحية المتعالية التي تصاحب تلقي كلام الله - وعند من يتصور القرآن من تأليف محمد الحالة الإبداعية-  وهي حالة السَّوْرة التي تصحب  السُّورة. والأولى تجمع على سَوْرات والثاني على سُور ومن ثم فالاستاذ الطالبي قد عنى أمرا لعله غاب عن بال  زعيم درس الحضارة أو لعله يجهله رغم أنه من المفروض أن يعد مختصا في العربية. وفي هذه الفرضية الثانية فقد يلام الأستاذ الطالبي بعض اللوم لأنه لم يعلم طلبته التمييز بين السوْرة والسُورة. لعله لم يعلمه هذا المعنى الذي قصده.

                   العي اللساني والبرهاني

والملاحظة الأخيرة في هذا الهامش الشنيع هي الزعم بان نص الطالبي لا تخلو صفحة من صفحاته من الأخطاء النحوية. فهبنا صدقنا هذا الزعم ألا يكون الراد على صاحبها للدلالة عليها قد أختار أهمها وأكثرها إفحاما للمردود عليه ؟ فإذا كان هذان الخطآن الدالان على جهل الناقد أو على سوء نيته هما أهم ما "اخترناه" للدفاع عن "أنفسنا" فكيف يمكن للقراء بعد الآن أن يحملوا محمل الجد "دعاوانا" إذ نتعالم التعالم الزائف خاصة إذا كان في الرد على رجل من حجم الأستاذ محمد الطالبي الذي أكن له شخصيا كل الاحترام لنزاهته ومتانة منهجيته رغم أني لا أوافقه في أكثر آرائه الدينية  والسياسية ؟