shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                      أوهام  يزعهما أصحابها حقائق

 

                                            أبو يعرب المرزوقي

 

كثير من الأوهام تطغى على عقول المتعجلين ممن يقتات بتعميمات سطحية أفسدت التصورات الفلسفية عند من يعتبرون أنفسهم رواد الحداثة دون فهم حتى جعلوها حدوثة يهزأ منها كل من له علم دقيق بمصادر الفكر الغربي الحقيقية: أعني الفلسفة اليونانية وعلم اللاهوت المسيحي بعد أن اندمجا في ما يسمى بالفلسفة الغربية الحديثة وخاصة في فكر الحداثة وفكر ما بعدها.

و سأكتفي بمثالين من هذه الأوهام:

فأما المثال الأول فمداره حول وظيفة النص في الوجود الإنساني والمقابلة الساذجة والسطحية بين الأمم النصية والأمم غير النصية. وهذا الزعم بأن الأمم تنقسم إلى نوعين أحدها تكبله النصوص ويمثلون له بالمسلمين تحقيرا منهم والآخر متحرر منها  ويمثلون له بالغربيين رفعا من شأنهم.

وأما المثال الثاني فمداره حول وظيفة الواقع في الفكر الإنساني والمقابلة الساذجة والسطحية بين الواقع والرمز في الوجود الإنساني. وأصحاب هذا الوهم يعتقدون أن الإنسانية يمكن أن يستقيم لها مقام في العالم الطبيعي من غير الإيمان بعالم ما بعد طبيعي أيا كان يؤسس لفعل الإنسان ومن غير التسليم بدور له أيا كان في عالمهم الطبيعي.

وهذا الوهم الثاني هو الأصل الذي يرجع إليه الوهم الأول: الزعم بأن الغرب قد تحرر من الإيمان والميتافيزيقا ولذلك فهو متحرر من سلطة النص أي نص بشرط أن نفهم أنه النظام الرمزي الذي يعتبره شعب من الشعوب معين المعنى. ويمكن للقارئ الفطن أن يلاحظ أن كلا الوهمين مضاعف وأنهما ي يرجعان في العمق إلى العلاقة الوطيدة التي تربط بينهما. ومن يغفل عنها لا يمكن أن يفهم كيف يمكن لمثل هذا الفكر العجول أن يكون أكثر سلفية من السلفيين لأنه يقلد مثلهم من دون وعيهم بما يقلدون.   وهذا الموقف يقتل فكر صاحبه لأنه يفقده ما عنده دون أن يعطيه ما عند غيره لأنه ينضب  بهذا الجهل المضاعف معين الإبداع لديه فيصبح ممثلا لنخبة تحكمها سطحية التصورات وفجاجة المقابلات الصبيانية التي تحول دون الفكر وفهم أسرار الوجود.  إنهما في الحقيقة يمثلان الوهم بصيغتين مختلفتين: فالوهم الثاني ليس هو في الحقيقة إلا الغفلة عن طبيعية الصورة البنيوية لعلاقة الفكر بالوجود والوهم الأول ليس هو في الحقيقة الغفلة عن طبيعة التعين تاريخي لهذه العلاقة في كل الحضارات.

               المقابلة بين الأمم النصية والأمم غير النصية

ولنبدأ بالوهم الأول بفرعيه وهو كما أسلفنا التعين التاريخي للوهم الثاني: فالوهم الأول مبني على مغالطتين: مصدر أولاهما مفهوم النص ومصدر الثانية مفهوم التكبيل. فإذا كان القصد بالنص النص المكتوب فالكلام يكون فيه بعض الصحة لأن بعض الشعوب لم تكتشف الكتابة. لكن لا وجود لأمة ليس لها حديث عن حدث تاريخها يضفي عليه المعنى وينقله من جيل إلى جيل: وذلك هو معنى النص أو الكتاب المقدس في كل حضارة. ذلك أن الحديث عن حدث التاريخ لا بد أن يكون فيه عند كل أمة شيء من المقدس. وإلا لما كان الحدث  يستمد من الحديث معناه عند الأمم جميعا. لذلك فالقول إن بعض الأمم نصية وبعضها غير نصي هو إذن من التعميمات المتسرعة التي مردها إلى ظن المقصود بالنص النص المكتوب أو المنزل.

والمغالطة الثانية مصدرها مفهوم التكبيل. فإذا كان القصد بالتكبيل عدم الاجتهاد في تأويل النص من حيث هو أساس المعنى للتعامل مع كل شيء وخاصة مع العالم الطبيعي الذي يظنه السطحيون أمرا قابلا للوجود فضلا للإدراك من دون هذا المعنى فهذا القصد من الأوهام كذلك: فما من أمة إلا ومجرد بقائها وعدم اضمحلال قيامها المستقل دليل قاطع على أن المعنى لا يزال عندها فاعلا ومن ثم فهي ليست مكبلة بنص ميت بل مجرد بقائها وصمودها في التاريخ الذي هو صراع دائم دليل قاطع على كون النص ما يزال معينا لا ينضب.

لكن ذلك لا يعني أن الأمم لا تتفاوت في هذه الفاعلية. وذلك هو المعيار الذي يمكن  استعماله لتحديد مدى حيويتها. وكل الذين يتهمهم مزعوم العقلانيين بالظلامية أو الإسلاموية ليسوا كما يزعمون ساعين إلى العيش في الماضي بل هم يحاولون أن يستعيدوا أقصى قدر ممكن من الحيوية بجعل النص المؤسس مصدر إيحاء بما يجعل الإبداع مطلق الحرية ومطلق الطموح فلا يكون تقليدا لنص بديل بزعم أنه تحرر من النص: مزعوم العقلانيين يقلدون نصا ميتا لأنه بلا عروق في تربتهم الحضارية ومزعوم الظلاميين يسقون عروق نص ضربت عروقه في حضارتهم لقرون ولا يزال ينبض بالحياة بدليل قدرتهم على الصمود بل ونجاحهم في التحرر من  الاستعمار.

 

               المقابلة بين الواقع الطبيعي والرمز ما بعد الطبيعي

ولنثن بالوهم المضاعف الثاني وهو الصورة البنيوية من الوهم الأول. فهو أيضا مبني على مغالطتين تبدوان متقابلتين رغم كونهما من طبيعة واحدة: 

مغالطة تفسد الواقعية لأنها تخضع النظر لأعيان العمل فتقتل الحكمة النظرية أو الخيال العقلي الذي يطلب الحقيقة النظرية فيتمكن من الذهاب بالفرضيات الرمزية إلى غايتها ليكون مبدعا للنظريات.

مغالطة تفسد المثالية لأنها تخضع العمل لمجردات النظر  فتقتل الحكمة العملية أو الخيال الإرادي الذي يطلب الحقيقة العملية فيتمكن من الذهاب بالعمليات الفعلية إلى غايتها ليكون مبدعا للوقائع.

ويبدو التوجهان متقابلين لكنهما في الحقيقة من طبيعة واحدة. فالعمل يعالج لامتناهي التعين الفعلي وهو إذن صراع فعلي مع لامتناهي مادة الأفعال. والنظر يعالج لامتناهي التحدد الرمزي وهو إذن صراع رمزي مع لامتناهي صورة الأفعال. وهدف العلاجين هو التلاقي في الغاية: فعندما يصل تحديد لامتناهي الصورة في النظر إلى الغاية نكتشف أنه قد أبدع أدوات علاج لامتناهي المادة في العمل.

وهذه المغالطات الأربع أو الوهمان بفرعيهما علتها هذان الوهمان هما عين العلاقة بين الطبيعة وما بعدها في الأعيان (النص والواقع) وفي الأذهان (الرمز والواقع) لأنهما جوهر فاعلية العقل الناظر والعامل وهما لا يكونان فعلين نسبيين إنسانيين من دون الإيمان ولو فرضيا بأن لهم مثالا أعلي يكونان فيه فعلين مطلقين هما غاية سعي الفعلين الإنسانيين: وذلك هو مفهوم الله من حيث هو المثل الأعلى المطلق. وهذا أمر لا تخلو منه حضارة في أي لحظة من لحظات حياتها وهو المقصود بالإسلام الفطري.  ولن نطيل الكلام في هذه المغالطات أكثر من هذا لأننا درسناها جميعا بدقة متناهية في مقال "الواقع" صنم الفكر العربي الحديث. وهو في متناول القارئ في عدة مواقع.

وقد ذهب المتقحمون على الفكر الفلسفي بزاد بدائي أن الدين من المبتذلات وأنهم فوق ذلك بل يتركونه  للمتدينين من العامة. أما هم فينشغلون بالفكر ولاشيء دون الفكر. وطبعا فلو كان هؤلاء ذوي عقل لما زعموا ما زعموا. فلنتركهم يعمهون وللنظر في تاريخ الفكر هل فيه من مَنْ يعتد به مِنَ كبار الفلاسفة أو العلماء مسلمين كانوا أو مسيحيين أو حتى وثنيين من اليونان أو من غيرهم من الشعوب التي عرفت الفكر الفلسفي والعلمي يمكن أن يعتبر الفكر ممكنا من دون التعالي الذي لا يختلف وصفه بالفلسفي أو الديني إلا من حيث الأسلوب لاتفاقهما في كل شيء جوهري أعني في الأمرين اللذين يعرف بها الفكر الإنسان من حيث هو فكر إنساني:

1-أن العقل من حيث هو ملكة حكم علمي –يدرك القوانين العلمية ويصوغها- لا يستطيع أن يعلم الظاهرات بهذا المعنى إدراكا وصوغا ما لم يسلم بمبدأين قبليين ليس له عليهما دليل غير إيمانه بذاته منظمة للعالم أوبنظام العالم الذاتي أو بالتوافق المسبق بينهما فيكون موفقه في الجوهر ومن حيث هو سائل السؤال العلمي موقفا إيمانيا.

2-أن العقل يتجاوز ذلك إلى ما هو أسمى لأنه لا يستطيع أن يتوقف عند الظاهرات ولا حتى عند قوانينها العلمية بل هو يطلب لها أصلا متعاليا مكتفيا بذاته ومعنى للأشياء لا ينتج عن تحكمه الذاتي ويعتبر الأصل والمعنى متجاوزين لها ليس في ذهنه فحسب بل في ذاتهما فيكون بذلك جوهره عين عدم الرضا بالمتناهي.

فإذا لم يكن ذلك هو الدين فعن أي دين يتكلم الأميون من المتعاقلين ؟ هل الدين عندهم مقصور على عن خرافات العجائز التي ربوا عليها صغارا ولما يتجاوزوها ؟ لكن العجائز معذورات فهن لم تزعمن التفلسف ولا التعملن ولا خاصة الجدل في دقائق الأمور التي لا ينفذ إليها أصحاب الأذهان الكليلة الذين حدد القرآن منزلتهم بالأكل مثل الأنعام فيكون معنى الدنيا عندهم مقصورا على الحياة البهيمية ؟

خاتمة

لعل السر في التشبث بهذه الأحكام المسبقة أن قراءة الجرائد صارت كافية عند الكثير من المتحادثين. يكفيهم ذلك ليصبحوا ثوار تنوير ينظرون في المقاهي والفنادق. يتصورون أنفسهم أهلا للكلام في كل شيء وخاصة في ملاحق الصحف وواجهات المواقع التي صارت تدفع وتستضيف. تكفيهم مداخل الموسوعات ذات التقريب الجمهوري حتى يصبحوا قادرين-وكلما كان الفهم محدودا كان ذلك أكثر مدعاة للجرأة على الحكم المسبق- على طي صفحة الثقافة الأهلية التي يتهمون أهلها بتقليدها ليستبدلوها بالثقافة التي يتوهمون أنفسهم قد فهموها فوجدوا في تقليدها ضالتهم. ولا حيلة مع هذا النوع من الثقافة السطحية: فهي الداء الدوي الذي حاول الغزالي الرد عليه في جل كتبه وخاصة في كتاب تهافت الفلاسفة حيث يستثني الفلاسفة في مقدمات الكتاب ويرد على المتفلسفين الذين حول فرضيات العقل في ما بعد الطبيعية إلى حقائق نهائية دونها عقائد المتدينين تزمتا وتعصبا.

وقد يجد المرء بعض العذر للعامي إذ يقف موقف العجائز من الدين أما أن يتحول من يزعمون أنفسهم رواد العقلانية والحداثة إلى مؤمنين بما يسمونه عقلا وهو لا يتعدى متقدات دونها خرافات العامة تعصبا وتزمتا فتلك هي الطامة التي جعلت جيلنا يعاني من عاهتين: عاهة النزول بالدين إلى الخرافة وبالعقل إلى السخافة. لذلك كان الساحة الثقافية مرتع الأصوليتين: أصولية دينية تقلد ماض أهل لا تفقه منه شيئا وأصولية علمانية تقلد ماض أجنبي هي دون الأولى فهما لنموذجها وكلتاهما تسرع معصوبة العينين إلى الحرب الأهلية التي تبدأ رمزية يسيل فيها الحبر وقد تنتهي مادية يسيل فيها الدم.