shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


  أزمة المجتمع المدني: عوائق فعاليته(1) الفعلية والرمزية وشروط تذليلها

 أبو يعرب المرزوقي

 تمهيد:
من منا لا يعجب من عجز الناطقين باسم المجتمع المدني بمعناه الحديث عجزهم عن إخراج الجماهير من لامبالاتها العجيبة بانتهاك أبسط حقوق الإنسان رغم قرنين من النهضة؟ ومن منا لا يعجب نفس العجب أو أكثر من قدرة الناطقين باسم المجتمع المدني التقليدي على حصر تحريك الجماهير في ما يلهيها عن حقوقها الفعلية رغم قرنين من الصحوة ؟ ألا يدعونا ذلك إلى الحيرة أمام الأمرين خاصة إذا ربطناهما بالحل الفعلي الذي لجأت إليه النخبتان الحل الذي أفسد بطبيعته وبما يترتب عليه كل إمكانية لتحقيق الإصلاح بالفعل المدني تحقيقا سليما: فالحرب الأهلية بين التحديثيين المنحازين للمافيات الحاكمة وحماتهم والتأصيليين المنحازين للمافيات المعارضة ونفس الحماة وثمرتها استعانة الأولين بالقوى الأجنبية واستعانة الأخيرين بالجماهير لا يمكن أن تنميا فاعلية المجتمع المدني إلا في وهم أصحاب هذا الحل السائد حاليا(2) .
ذلك أن مثل هذا الحل يؤول إلى القضاء المبرم على كل إمكانية لجعل التنافس القيمي الذي هو جوهر كل حيوية عمرانية يجري بصورة صحية وسلمية لتكون تعبيرا عن المجتمع المدني تعبيره الأساسي وأداة تحققه المبدع. فالاستعانة بالأجنبي لن يقوي قوى التحديث ولا قوى التأصيل بل هو سيسمها بسمة الخيانة خاصة والقوى الأجنبية لا يقتصر إفسادها للقيم الحديثة أو الأصيلة على استعمالها الخفي أداة لأجندتها بل هي مضطرة بمقتضى الظرف الخاص في علاقتها بنا إلى اللعب بالمكشوف الذي يحول كل النخب التحديثية والتأصيلية إلى عملاء لفرط ما تتميز به الأجندة من أهداف مباشرة تجعل القيم الحديثة والأصيلة تتحول إلى معاول تخريب لقيم الأمة المطابقة للقيم الكونية وليست مساعدة على تطورها الذاتي. وتزييف الوعي باللجوء إلى الماضي في ما يلهي عن المهمات التنويرية للقيم الدينية يؤدي حتما إلى ما نراه من غرق في قشور الهوية والغيبوبة عن شروط تنميتها وتطويرها تحقيقا للتطابق بين قيم حقوق الإنسان العاقل وقيم واجبات الإنسان المؤمن.
وحتى لا يعد كلامي هذا تحليقا في سماء النظريات التي تعتبر من الترف الفكري في مثل هذه الندوات(3) فإني سأحاول فهم علل هذه العطالة أو علل تعويق المجتمع المدني عللهما التي نستشفها من عمل مجتمعنا المدني ودور الناطقين باسمه بنوعيهما الحديث والتقليدي. ونحن نفترض أن هذه العلل لا تخلو من أن تعود إلى:
1- مقومات المجتمع المدني نفسه.
2- أو إلى الظرف المحدد لكيفية عمل الناطقين باسم هذه المقومات ولنطلق عليها اسم النخب القيادية لفعاليات المجتمع المدني.
ويقتضي علاج هاتين المسألتين مقدمتين:
1- إحداهما تاريخية تبرز مراحل تكوين مفهوم المجتمع المدني الأساسية.
2- والثانية مفهومية تحلل مقوماته ومعوقاته. فيكون بحثنا بذلك مؤلفا من أربع مسائل هدفها تحليل أزمة المجتمع المدني العربي والإسلامي دون أن تتطرق إلى وصف الدواء إلا بصورة غير مباشرة وضمنيا خلال الكشف عن الأدواء:

الأولى: تحدد تكوينية المفهوم وبروز مقوماته بالتدريج مع تكون ضروب التعبير عنه والنخب المتكلمة باسمه.
الثانية: تحدد مقومات المفهوم والعوائق الناتجة عنها وعن ضروب التعبير عنها في جدل الجزئي والكلي.
الثالثة: تحدد العوائق الناتجة عن الظرف المحدد لعمل النخب بوعيها والناطقة باسم المقومات بأصنافها.
الرابعة: تضرب أمثلة من كيفية انتخاب النخب وعملها المنحرف الذي يفسر عطالة المجتمع المدني.

قد تتهم هذه المحاولة بعيب مهني ينسب إلى صاحبها الميل إلى الإغراق في النظر الفلسفي المجرد. لكن المحاولة تعتمد بقصد على النظر الفلسفي لتخليص فكرنا من التلهف على العمل المباشر العمل الخالي من فهم الشروط التي توفقه إلى العلاج القويم فيبقى في ما يسميه أرسطو بتعجب العامي الأول جهلا بطائع الأمور المقابل تمام المقابلة لتعجب العالم المدرك للحقائق(4) . وسيكون هذا النهج قاعدتنا على الأقل في المسألة الأولى لان مفهوم المجتمع المدني ينتسب إلى تاريخ التصورات الأساسية في فكر الإنسان العملي من حيث الموضوع ولأن تعريفه ينتسب إلى تاريخ المناهج المنطقية الأساسية في فكر الإنسان النظري من حيث العلاج. فمسألة تحديد مفهوم المجتمع المدني من مسائل الفلسفة العملية موضوعا ومن مسائل الفلسفة النظرية منهجا بدءا بأفلاطون وأرسطو وختما بهيجل وماركس ومرورا بالفارابي وابن خلدون مرورا تجاوز الأولين بنقدهما وأعد لنقد الثانيين بما تضمنه مما كان لا بد أن يغفلاه من أبعاد الثورة الكونية الإسلامية. ومن ثم فالفارابي وابن خلدون يعدان دليلينا في هذه المحاولة.
المسألة الأولى: تكوينية المفهوم
مرت محاولات تحديد الظاهرة العمرانية التي أصبحت تسمى منذ كتابات هيجل في الفلسفة العملية بالمجتمع المدني في معناه الحديث بمرحلتين مضاعفتين جوهريتين لا بد من الإشارة السريعة إليهما. فأما المرحلة الأولى فتوازي بفرعيها الفلسفة القديمة والفلسفة الوسيطة وأما المرحلة الثانية فيوازي فرعاها الفلسفة الحديثة وما بعد الحديثة. والفرع الثاني نقدي للفرع الأول في كلتا المرحلتين وهما يشتركان في كونهما معدين لشروط تجاوز دغمائية الفرعين الإيجابيين.
فالمحاولة الوسيطة التي هي عربية إسلامية بالأساس نقدت قصور التعريف الأصلي الأول من دون استعمال صريح ل اسم المجتمع المدني التعريف الذي وضعه أفلاطون وأرسطو. ويرجع هذا النقد إلى الفارابي وابن خلدون في محاولتهما التي سعت إلى تخليص نظرية عمل المجتمع من نموذجي تفسير الفلسفة العملية القديمة للظاهرات المدنية تفسيرها المستند إلى بنية النفس(5) و بنية المنزل بنيتيهما الطبيعيتين(6) .
والمحاولة ما بعد الحديثة التي هي غربية بالأساس نقدت قصور التعريف الأصلي الثاني في الفلسفة العملية الحديثة مع استعمال صريح ل اسم المجتمع المدني التعريف الذي وضعه هيجل وماركس. وهذا النقد تحقق في محاولة نقد غرامشي(7) ومدرسة فرنكفورت(8) محاولتهما التي سعت إلى تخليص نظرية عمل المجتمع المدني من نموذجي التفسير الحديث المستند إلى جدل روح الشعب الهيجلي(9) أو جدل نمط الإنتاج الماركسي(10) .
فتكون مراحل التكون السابقة للحظة الراهنة أربعا اثنتان تأسيسيتان قديمة (أفلاطون وأرسطو) وحديثة (هيجل وماركس) واثنتان نقديتان وسيطة (الفارابي وابن خلدون) وما بعد حديثة (غرامشي وهابرماس). ويمكن أن نعتبر تجاوز أزمة المجتمع المدني العربي الحالية ذات الصلة الوثيقة بالأزمة الكونية الأفق التاريخي الذي سيحدد أصل المراحل الأربع الموحد بينها والمتعالي عليها تعالي المثال على تعيناته. ولما كانت الظرفية العربية الإسلامية الراهنة تتصف ذاتيا بمحددات بينة المعالم يمكن حصرها تصوريا في صمود حضارتنا العربية الإسلامية أمام استبداد ذروة ما يعد روحانية الحضارة الغربية ممثلة بإسرائيل وذروة ما يعد ماديتها ممثلة بالولايات المتحدة بات تعريف هذا الأصل الواحد لمقومات المجتمع المدني نابعا من مقومات هذا الصمود ذاته كما فهمه الفارابي وابن خلدون ترجمة فلسفية لجوهر أفق العلاقة بين التاريخين الطبيعي (مجال العلاقة بالمشيئة الكونية بعبارة الفلسفة الدينية من المنظور الإسلامي) والحضاري (مجال العلاقة بالمشيئة الأمرية بعبارة الفلسفة الدينية من المنظور الإسلامي) للنوع البشري.
فالنقد العربي الإسلامي (الفارابي وابن خلدون) قد حرر مفهوم ما يناظر المجتمع المدني قبل إطلاق التسمية عليه حرره من المنزلة التي تعينت له بسبب الطبعانية غير الصريحة المنجرة عن النموذج النفسي (نظام السلط في الدولة يقاس على قوى النفس) والنموذج المنزلي (نظام الاقتصاد في الدولة يقاس على نظام المنزل) النموذجين اللذين استعملهما أفلاطون وأرسطو في تحليلهما الظاهرة المدنية عامة. ذلك أنه بمقتضى هذا النموذج الطبعاني استثنى أفلاطون وأرسطو كل فاعلية للمجتمع المدني من حيث هو ظاهرة تاريخية بمجرد أن جعلا نظام المدينة السياسي ونظامها الاقتصادي خاضعين لنموذجين طبيعيين يتكرران ثابتين إلى غير غاية كما هو شأن تكرار عملية التوالد العضوي في عالم الكون والفساد: فبنية النفس تجعل المدينة من المنظور السياسي مؤلفة من ثلاث طبقات هي طبقة ممثلي القوة العقلية وطبقة ممثلي القوة الغضبية وطبقة ممثلي القوة الشوقية وبنية المنزل تجعلها من المنظور الاقتصادي مؤلفة من السادة وأفراد الأسرة والعبيد.
ومن ثم فلا معنى لحركية مدنية ينسب إليها التطور التاريخي الحضاري الذي يستتبع قوانين التاريخ الطبيعي بل العكس هو الصحيح عندهما. وذلك بسبب الفصل التام بين المجالين السياسي والإقتصادي(11) أولا ولاعتبار المنازل ذات تحديد طبيعي لا يقبل التغيير بمقتضى حركية مدنية تاريخية. وحتى يبقى ذلك كذلك كان من الضروري أن تحقق الفلسفة التأسيس المبدئي لصحة انطباق هذين النموذجين ليتحقق الثبات في التاريخ الحضاري الذي صار بفضلهما خاضعا للتاريخ الطبيعي: بنية النفس والمنزل الطبيعيان هما بنية السياسي والاقتصادي الثقافيان في المدينة.
لكن النقد بدأ "مابعدطبيعيا" عند الفارابي بإضافة البعد الكوني لمفهوم المدينة. فلم تعد المدينة القومية أو الملية كافية لفهم التاريخ الإنساني بل لا بد من إضافة درجة أسمى في نظرية السياسة المدنية لتصبح شاملة للإنسانية كلها. وانتهي هذا النقد "مابعدتاريخيا" عند ابن خلدون الذي أدخل الحركية التاريخية في السياسي والاقتصادي بقلب العلاقة النموذجية بين التاريخين الطبيعي والحضاري. فقد حلل جدل أشكال العمران وأنماط العيش والإنتاج بصورة جعلت بنية المدينة السياسية نموذجا لبنية النفس وبنية الاقتصاد المدني نموذج بنية المنزل وبات جدل أشكال العمران وأنماط الإنتاج هو المحدد لبنية النفس والمنزل بنيتهما التي أصبت ذات صيرورة تاريخية. وبذلك أصبح ما كان معيارا معيرا: النفس تعير بشكل الحكم في العمران والمنزل يعير بشكل الرزق في العمران.
ورغم أن الفارابي وابن خلدون لم يكونا واعيين تمام الوعي بأبعاد ثورتهما ولا بمصدرها القرآني فإن تحليل ما أضافاه يعطينا المعاني التالية التي ستساعدنا على تحديد الأصل الواحد الذي نطلبه لفهم المراحل الأربع والذي يمكن اعتباره المرحلة الأخيرة التي يكتمل فيها مفهوم المجتمع المدني. فبفضل إضافتهما اكتشف العقل الإنساني بعدين للفعل المدني كانا بغيابهما الناتج عن حصر التحليل في الدولة الجزئية وعن إرجاع نماذج محركات التاريخ الثقافي لبنى مستمدة من التاريخ الطبيعي حائلين دون الفكر الفلسفي وفهم الحركية التاريخية بمنظور مستقل عن التاريخ الطبيعي في الفلسفة النظرية القديمة.
فالسياسي أو المدني الحقيقي لا يمكن أن يفهم إلا إذا اخذ على حقيقته من حيث هو ظاهرة كونية وليست قومية ولا حتى ثقافية أي إن وحداتها ليست القرى أو الأسر كما يتصور أفلاطون أو أرسطو بل المدن أو الدول التي هي ظاهرات تاريخية وليست ظاهرات طبيعية. لذلك فهو لا يمكن أن يفسر بنماذج مستمدة من الطبيعة (بنية النفس وبنية المنزل) بل هو بالذات الإبداع المتواصل لنماذجه ولنماذج النفس والمنزل اللذين يتشكلان بحسب نوع العمران (الفرق بين الأخلاق في العمران البدوي وفي العمران الحضري مثلا ) ونمط الإنتاج والعيش بمصطلح ابن خلدون (وهذا النمط هو الذي يميز بين أنواع العمران).
وإذا كانت المدينة كذلك في تصورها فإنها في تحقق تصورها ظاهرة تاريخية وليست ظاهرة طبيعية. وتاريخيتها ثمرة جدل عام يؤلف بين جدليتين حدين قابلتين للفصل نظريا أولاهما هي جدلية القوى الاجتماعية في العمران البشري من اجل السلطة والثانية هي جدليتهما من أجل الرزق وكلتاهما مصحوبة بالتعبير عن الوعي بها غايات وأدوات. فيكون العمران بذلك حركية دائبة ذات مستويين فعلي ورمزي حركية موضوعها السلطة والمال لذاتهما ماديا ولما يرمزان إليه معنويا كما يتبين من دور كل منهما في كل منهما: فدور السلطة في تحصيل المال وحماتيه يسميه ابن خلدون جاها ودور المال في السلطة تحصيلا وحماية يمكن أن نسميه بالقياس إلى مفهوم الجاه في الاتجاه المقابل بقوة أحد عوامل الحل والعقد لأن المال من شروط القدرة.
لكن كون السياسي والاقتصادي يؤديان دورا رمزيا بالإضافة إلى دورهما الفعلي يجعلهما في الحقيقة أداتي أمر أسمى منهما هو الأمر الذي يضفي عليهما معنى يرتفعان بفضله فوق الحيواني من قوى الإنسان إشرئبابا إلى الإنساني منها. ويقتضي طلب ذلك أن نغوص إلى أعماق في العمران أبعد غورا لنفهم جدلية العلاقة بين النقلة من التاريخ الطبيعي إلى التاريخ الحضاري أو الجوهر الواحد المشترك بين فلسفة التاريخ وفلسفة الدين وضرورة الجذر المشترك لنفهم الظاهرة العمرانية كما حاول استنباطها ابن خلدون مما يعتبره تطابقا بين فلسفته في التاريخ وفلسفة القرآن التاريخية: فوراء جدل السياسة وجدل الاقتصاد نجد جدل التعبير عن التحقق الذاتي للكائن البشري في الأديان والفلسفات والتعبير عن جدل التلذذ بذلك التحقق في الآداب والفنون(12) .
ويمكن أن نعتبر التعبير عن التحقق الوجودي جدل القيم الوجودية والتعبير عن الوعي به جدل القيم الذوقية. وكلاهما أصل الدور الرمزي الذي يؤديه السياسي والاقتصادي اللذين لا يقتصران على دورهما المادي وإلا لظل الإنسان حبيس التاريخ الطبيعي فلم ينتقل إلى التاريخ الحضاري. فيكون مدار الحركية العمرانية وحدة هذه الجدليات الأربع المتفاعله. وتلك هي جدلية الأبعاد القيمية الأربعة التي ألغاها تحييد اليونان لبعد المدينة الكوني (وهو ما أضافه الفارابي) ولتحليلهم التاريخ الثقافي بتصورات التاريخ الطبيعي (وهو ما حررنا منه ابن خلدون). فتكون جدلية العمران جدلية جامعة بين:

1- جدل القيمة العملية موضوع السياسي.
2- وجدل القيمة الرزقية موضوع الاقتصادي.
3- وجدل القيمة الوجودية التي يرمز إليها دور السياسي الرمزي.
4- وجدل القيمة الذوقية التي يرمز إليها دور الاقتصادي الرمزي.
5- وفوق كل هذه الجدليات نجد الجدل فريد النوع الذي هو تابع لها جميعا وجوديا ومتبوع منها معرفيا قصدت جدل القيمة المعرفية أو النظرية التي يحاول صاحبها أن ينأى بنفسه عن التبعية للجدليات السابقة آملا أن يكون مرآتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

أما أصل الإضافتين الفارابية والخلدونية فمن اليسير إرجاع مصدره إلى عقيدة الكونية الإسلامية التي اعتبرت الرسالة تأسيسا للأخوة البشرية فتوجهت إلى الإنسان من حيث هو إنسان بآية هي عين حد مفهوم الإنسان: البيان والبرهان بمعناها الذي حدده القرآن. كما جعلت الرسالة الدين مشروعا تاريخيا أداته الفعل السياسي بكل شروطه ليحقق القيم في التاريخ الفعلي بأدوات الفعل التاريخي المادية والرمزية وليس مجرد دعوة عزلاء لأن الأرض صارت عمارتها وإرثها من علامات صلاح وارثيها. وأهم شروط العهد بذلك إلى المجتمع المدني نفسه التحرير الصريح الملازم لهذه النظرة التي أسيء فهمها لسوء الحظ فبقي الأمر على حاله في المجتمعات الإسلامية مواصلة لما ورثته من المؤسسات البيزنطية والفارسية سياسيا واليهودية والمسيحية دينيا.
لكن الرسالة المحمدية في منظورها الصريح كما حدده نصاها المرجعيان حررت فعلي الدعوة الدينية والتحقيق السياسي للمشروع من السلطتين المتعاليتين على العمران أعني أنها خلصتهما من السلطة الروحية المتعالية على الأمة دينيا(13) والسلطة الزمانية المتعالية عليها سياسيا(14) : الدعوة الدينية تحديدا للغايات باتت أمر الجماعة لان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين والفعل السياسي تحديدا للأدوات بات أمر الجماعة كذلك لان تحقيق المعروف ومنع المنكر ليس دعوة فحسب بل هو فعل تاريخي بأدواته السياسية بما في ذلك القوة.
فعادت بذلك للعمران على الأقل من حيث التصور وحدته الحية بمعايير التاريخ الثقافي المصور لتاريخ الإنسان الطبيعي تصويرا مشروطا بعدم إفساد الفطرة التي فطر الناس عليها(15) . ذلك أن الجدل بين المثال والواقع وبين ما بعد التاريخ أو القيم الدينية والتاريخ أو تحقيقها السياسي أصبح جوهر القيام العمراني: وذلك هو مدلول الشريعة التي قل أن تخالف الوجود بمصطلح ابن خلدون. منذئذ يمكن القول إن مفهوم المجتمع المدني بالمعنى الحديث قد أصبح مفهوما واعيا بنفسه حتى وإن لم يطلق عليه الاسم الصريح: فالجماعة هي التي تفعل السياسي والاقتصادي والذوقي والوجودي فعلا يكون فرض عين وهو فعل يقابل فعل من بيدهم السلطان في هذه المجالات داخليا وخارجيا من حيث هو فرض كفاية قد يستبد فيفسد شروط عينية الفرض في داخل أمة بعينها أو في المعمورة ككل(16) .
وقد اضطر هيجل في رابع أبواب فلسفته التاريخية إلى الاعتراف بسبق الإسلام إلى ذلك وسعى إلى تبرير تأخر المسيحية التي لم تفهم ذلك إلا بفضل حركة الإصلاح بموقف فكري يغلب عليه تزييف المعاني ليحط من شأن الثورة الإسلامية ويعلي من شأن الإصلاح البروتستنتي:" "تلك هي الروحانية والمصالحة الروحانية التي بزغت (في الحقبة الرابعة من تاريخ العالم). وهذه المصالحة الروحانية هي مبدأ الشكل الرابع (من أشكال تاريخ العالم الهيجلي). فقد بلغ الروح إلى الوعي بأنه هو الحق. وما بقى الوعي كذلك فكذلك سيكون الفكر. ومن الضروري أن يكون هذا الشكل الرابع هو بدوره شكلا مضاعفا: فهو الروح من حيث هو وعي بعالم باطني عالم الروح الذي أصبح واعيا بكونه من حيث هو جوهر أنه الوعي ب(الوجود) الأسمى وعيا عقليا. لكن إرادة الروح تكون بالمقابل روحا مجردا وثابتا في التجريد الروحي. وما ظل الوعي على هذا النحو من الثبات في التجريد سيبقى الواقع مثله. فيكون الواقع مترابطا مع عالم دنيوي لم ينضو في الروحي ولم يصبح نظاما عقليا يحايث في الوعي. ذلك هو جوهر العالم المحمدي (=عالم الإسلام) الذي هو أسمى ترق لمبدأ (روح)الشرق. فلا شك أنه دين تلا المسيحية ظهورا في التاريخ وأنه أعلى إدراك للواحد (في الشرق). لكن المسيحية لكي تصبح صورة متعينة في الدنيا كان لا بد لعملها أن يستمر قرونا. ولم يتحقق ذلك إلا مع شارل الأكبر (الخامس). وكون الإسلام بالمقابل قد أصبح مملكة دنيوية (قبل المسيحية) فالعلة هي أن المبدأ المجرد يتحقق بصورة أسرع (من المبدأ المعين الذي هو مبدأ الغرب المسيحي بالمقابل مع المبدأ المجرد الاسلامي). إنه نظام متعين في العالم الأرضي متقدم في الوجود التاريخي على نظام العالم المسيحي"(17) .
لكن تعريف هيجل المجتمع المدني بصراع المصالح المترتب على المنازل أو الطبقات كاد يلغي هذه الأبعاد التي تبين العلاقة الوطيدة بين الديني والسياسي رغم أن معنى المجتمع المدني يكتمل عنده بما أضفى دلالة إيجابية على الصراع أعني بالتكامل بينه وبين سلطة التحكيم المتعالية على المصالح سلطة الدولة التي تمثل تعين العقل في التاريخ. فيكون السياسي ممثلا للعقلي وما عداه من طبيعية غير عقلية أو دنية. وبذلك فقد أعادنا هيجل إلى النظرة الفلسفية القديمة: الدولة متعالية على المجتمع المدني في المدينة تعالي العقل في النفس على قوى النفس الأخرى. ولما كان ماركس يشكك في وجود مثل هذه السلطة المحايدة ويعتبر الدولة مضفية على نفسها هذا المظهر بوظيفة إيديولوجية تزيف الوعي فإنه لم يبق إلا بالبعد الأول من التعريف الهيجلي حصرا للصراع في المصالح الاقتصادية معتبرا صراع القيم غير الاقتصادية من الخداع الإيديولوجي الطبقي من أجل أظهار الدولة بمظهر السلطة المحايدة التي يمكن أن تكون حكما في حين أنها ليست إلا تعبيرا عن مصالح الطبقة التي بيدها النفوذ الفعلي وهو اقتصادي بالأساس حتى وإن لم ينف أن التعبير الديني فيه شيء من الاحتجاج ضد الظلم احتجاجا ينقلب إلى أفيون بمقتضى المقابلة بين الأرض والسماء وتأجيل الجزاء.
وبذلك فإن حركية المجتمع المدني ذات الأبعاد المتعددة قد وقع إلغاؤها من جديد ولم يبق من فواعل التاريخ الخادم لمصالح العقل (بالمعنى الكنطي) أو لغائية التاريخ بمعناه في الجدلية المادية (بالمعنى الماركسي) إلا حركية صراع سياسي لا يترجم إلا عن صراع المصالح الاقتصادية التي تعيد الإنسان إلى قانون التاريخ الطبيعي (منطق الضرورة والصراع من اجل الحياة والبقاء للأقوى) وتخرجه من التاريخ الحضاري (منطق الحرية والنافس في الخيرات والبقاء للأفضل). لذلك فالتصدي الوحيد من منظور الجدلية التاريخية هو الثورة ودكتاتورية العمال. وبذلك غرق الفكر الماركسي في أزمته القاتله(18) . فبمجرد أن أعاد الفكر المعاصر اكتشاف الأهمية التي يكتسيها جدل القيم بكل أصنافها الخمسة (الذوقي والرزقي والنظري والعملي والوجودي) في العمران البشري وعدم اقتصاره على أي منها مهما كانت أهميته خرج الفكر الماركسي التقليدي من الركح الفلسفي وبدأ تجاوز التصور الهيجلي والماركسي للمجتمع المدني تجاوزا نقديا في مدارس الفكر الماركسي نفسه بدءا بما يوليه غرامشي من أهمية للجدل الإيديولوجي والديني وختما بالنظرية النقدية في مدرسة فرنكفورت فأصبح للدين والفن والقانون وكل الجدل القيمي الذي بلغ الذروة في مفهوم حقوق الإنسان بأبعادها الخمسة(19) أصبح لها منزلة الصدارة في فاعلية المجتمع المدني. .
ونحن نحاول البناء على هذا التطور فنطلب الأصل الواحد وراءها لنصوغ تصورا يمكن من تحديد مقومات المجتمع المدني من حيث هو أهم فواعل العمران البشري والاجتماع الإنساني تصورا يساعد على فهم ما أطلقنا عليه اسم عطالة فاعليته أو عوائقها كما تعينت في أزمة اللحظة العربية الإسلامية الحالية. ذلك أننا نصنف هذه العوائق لتشخيص الأزمة بالإضافة إلى المقومات وضروب التعبير عنها.
وهدفنا من المحاولة تحديد طبيعة فعل المجتمع المدني أو الدور الذي يؤديه في حركية العمران البشري والاجتماع الإنساني بمستوييه الخاص بأمة بعينها والعام للبشرية. لذلك فإن تحليلنا يفترض الاعتماد على ما أضافته الصياغة النظرية العربية الإسلامية لنظرية عمل المجتمع المدني أعني الصياغة الفارابية الخلدونية التي لا تقتصر على تجاوز صياغة أفلاطون وأرسطو فحسب بل هي كما سنرى تتضمن بذرات تمكن عند قراءتها في ضوء الأزمة العربية الإسلامية الحالية من تجاوز صياغة المرحلة النقدية ما بعد الحديثة. فالأول أضاف إلى نظرية الاجتماع والعمران معنى الكونية البشرية بفضل نظرية الجماعة العظمى(20) من منطلق الرسالة الإسلامية التي تتوجه إلى البشرية كلها وإن بغير وعي وتصريح. والثاني درس آليات عمل الأمر الذي يناظر المجتمع المدني الوطني والدولي عندما حلل العمران بمفهومين استعارهما من "الهيولومورفية الأرسطية" بعد تخليصها من الدلالة الميتافزيقية الجوهروية واعطائهما دلالة الأداة التشريعية للظاهرة العمرانية: صورة العمران ومادته. وكلتاهما ذات فاعلية مضاعفة:فاعلية فعلية وفاعلية رمزية.
فأما صورة العمران فهي المقوم السياسي الذي يتألف من السلطة السياسية (ويغلب عليها الفعل الفعلي ومثاله القوة العامة مضمون الباب الرابع من المقدمة) والسلطة التربوية (ويغلب عليها الفعل الرمزي ومثاله المعارف جزء أساسي من مضمون الباب السادس) وأما المادة فهي المقوم المدني الذي يتألف من الفاعلية الاقتصادية (ويغلب عليه الفعل الفعلي ومثاله قوة المال مضمون الباب الخامس من المقدمة) والفاعلية الثقافية (ويغلب عليها الفعل الرمزي ومثاله الآداب جزء أساسي من الباب السادس من المقدمة). أما وحدة المقومين بفروعهما فهي الجماعة من حيث هي أسمى القيم أو الأمة بالمعنى المقدس أي الملة المنفتحة على كل الإنسانية انفتاحا تحدده عقائد الأمة الدينية والفلسفية(21) . ويرمز إليها مفهوم الخليفة بمعنيي الكلمة معناها الخلقي الوجودي ( الإنسان من حيث هو مستخلف) ومعناها السياسي الديني (رئيس الأمة نيابة عن الخليفة بالمعنى الأول أو الإنسان المستخلف)
أما إذا ترجمنا هذا التعريف بمفردات نظرية القيم التي تمثل دم العمران وسر حياته فإن تعريف ابن خلدون يقبل الصياغة التالية. فمادة العمران (الاقتصاد والثقافة) وصورته (الدولة والتربية) تشملان كل أفعال الإنسان ورهانات وجوده فردا وجماعة: 1- الفعل العملي أو السياسي 2- الفعل النظري أو المعرفي 3- الفعل الرزقي أو الاقتصادي 4- الفعل الذوقي أو الجمالي 5- الفعل الوجودي أو المنظور الذي يحقق التناغم بين هذه العناصر وكأنها نظام منغلق مطابق لعلمنا به (المنظور الفلسفي) أوكأنها نظام متعال على علمنا (المنظور الديني). ولمحددات فعل النظر وجها بروز: فله وجه الأفق الكاشف وهو الوجه الذي يحاول أن يكون غاية ذاته في خدمة القيم الأخرى وله وجه ما وراء الأفق الكاشف أعني الأفق الحاجب ودوره دور الأداة في خدمة القيم الأخرى. والوجه الأول هو الفعل الظاهر والعلني من المعرفة العلمية والثاني هو الفعل الباطن والخفي من التزوير الإيديولوجي. لكن الظاهر والعلني معركة رموز تتكلم باسم القيم المعنوية السامية والباطن والخفي معركة مصالح مادية تتنكر فتظهر بمظهر معركة الرموز لكنها تتكلم في الحقيقة باسم القيم المادية التي تحولها إلى غاية بدلا من اعتبارها أداة كما هي في الحقيقة. فكيف نفهم مسرح الدمى الذي يجري في ما نسميه بالمجتمع المدني؟
ولما كان التنافس بين الفعل الفعلي و الفعل الرمزي أمرا معلوما وكان الفعلي من الفعل لا يكتمل إلا بالجمع بين الفعلي من صورة العمران والفعلي من مادته بات من الضروري أن يستحوذ
السياسي على الاقتصادي أو الاقتصادي على السياسي فيستتبعان التربوي والثقافي أي الرمزي منهما ويكون الاستبداد السياسي بالمدني استبدادا يقضي على الحقوق المادية والمعنوية: لذلك غلبت على فاعلية المجتمع المدني الصيغة الرمزية لان جوهره التعبير بالفعل الرمزي وذروته حرية التعبير التي هي جوهر التعبير عن الحرية. فيكون عمل المجتمع المدني سلبيا هو الصمود الخلقي لمنع الاستحواذ والاستتباع ومن ثم فالمعركة المدنية معركة حقوق مادية (لمنع الاستحواذ) ومعركة حقوق معنوية (لمنع الاسستباع). ويكون عمل المجتمع المدني إيجابيا مبنيا على الصمود لتحقيق الحقوق المادية والمعنوية بحماية المصالح الاقتصادية والمصالح المعنوية وذلك هو المعنى الحقيقي لحقوق الإنسان سواء أدركناها بالعلم العقلي أو بالعلم النقلي المتطابقين في المنظور الخلدوني لأن الشرع قل أن يخالف الوجود كما يقول بشرط أن يكون فهم الأول في علم الثاني: وذلك هو مشروع علم العمران البشري والاجتماع الإنساني لنقد التاريخ المحرف للعلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ إما من منطلق تقديم ضرورة التاريخ الطبيعي النافية للحرية الخلقية أو من منطلق حرية التاريخ الحضاري النافية للضرورة الطبيعية.

المسألة الثانية: تحديد مقومات المجتمع المدني
واستنتاج العوائق النابعة منها

لن نستعمل طريقتي التعريف التقليديتين الطريقة المفهومية بالجنس والفرق النوعي والطريقة الصادقية بالإحصاء المستوفي لعناصر المجموعة التي يصدق عليها المفهوم. ذلك أن كلتا الطريقتين ممتنعة في مثالنا الحالي لأن المجتمع المدني ليس هوية طبيعية ثابتة بل هو مؤسسة تاريخية متطورة كما بينا في المسألة الأولى. فهويته تتحدد حقيقتها بما يبرز من مقوماتها بالتناسب مع اللحظة التاريخية التي يقع فيها التعريف من الخارج وبحسب مرحلة نضوج المقومات النشوئي من الداخل. فإذا اعتبرنا حصيلة المرحلتين بفرعيهما عند واضعي التصور وعند ناقديه أمكن لنا من منطلق البذرات التي أشرنا إليها أن نصوغ المقومات بصورة تتضمن كل العناصر المفيدة في تحديد فاعلية المجتمع المدني والعوائق التي يمكن أن تترتب على تعطيل عملها بسبب انحراف آلية انتخاب النخب المعبرة عنها لأن فعله بالأساس فعل رمزي. ويتطلب ذلك أن نستعمل جهاز تحليلي نظري ملائم لعلاج هذه المؤسسة العمرانية نستنبطه من مراحل التطور التي أشرنا إليها مع إيلاء الأهمية الأكبر للمرحلة العربية الإسلامية وخاصة للإضافتين الفارابية والخلدونية في صلتهما بالبذرات التي أشرنا إليها.
فالمعلوم أن المجتمع المدني الذي ينتج عن ترجمة مفهومات ابن خلدون بالمصطلح الحديث هو مجال الفاعلية العمرانية التي تمثل سياسيا مادة وجود الجماعة الإنسانية في تعينيها الخارجي (في المعمورة بحسب درجات التفاعل الذي وصلت إليه وهو الآن في ذروته) والداخلي (في الدولة الواحدة) أو التي تمثلها مدنيا في تعينيها الأقصى (دورة العمران البشري كله) والأدنى (دورة العمران البشري لجماعة بعينها) مدنيا. و تتقوم هذه الفاعلية من علاقة ثابتة بين المتغيرات التالية التي هي العناصر المقومة للعمران عامة ولشروط فاعلية المجتمع المدني خاصة:
1- فرهانات الفاعلية العمرانية في التنافس بين البشر هي أصناف القيم أي قيم الذوق (كل الإبداعات الفنية) وقيم الرزق (كل الإبداعات الاقتصادية) وقيم النظر (كل الإبداعات المعرفية) وقيم العمل (كل الإبداعات السياسية) وقيم الوجود (كل الأديان والفلسفات )..
2- وساحات الفاعلية العمرانية هي ساحات التنافس في العمران البشري. إنها الأحياز التي يجرى في إطارها التنافس أي الزمان (وهو حيز التاريخ والذاكرة) والمكان (وهو حيز الجغرافيا والثروة المادية) وسلم الرتب الاجتماعية (وهو حيز المنازل والأدوار في السلم الاجتماعي ) والدورة الاجتماعية (وهي حيز تفاعل ما يملأ تلك الأحياز وتحولها بعضها إلى البعض في حركية التاريخ البشري).
3- وأدوات الفاعلية العمرانية في التنافس هي أدوات التعبير عن التنافس في العمران البشري. إنها الفعل المادي الذي هو اقتصادي وسياسي (المال والسلطة السياسية) والفعل الرمزي الذي هو فني ووجودي (وهو الكرامة والسلطة الروحية).
4- وغايات الفاعلية العمرانية في التنافس بين البشر هي التحقق الوجودي للأفراد والجماعات تحققا رمزيا في الفن والعقائد الوجودية وتحققا فعليا في السياسة والاقتصاد. وبهذا المعنى فإن التحقق الفعلي ليس إلا أداة للتحقق الرمزي: أي إن الحضارات لاتقاس بانجازاتها المادية إلا إذا كانت هذه الانجازات في خدمة الانجازات المعنوية.
5- وطبيعة الفاعلية العمرانية هي جوهر التنافس القيمي بأبعاده الخمسة التي لا يخلو منها عمران بشري لكونها مادته (قياما) التي يستمد منها مدده (حيوية) ومدته (زمانا) وامتداده (مكانا). وهي كما حددها القرآن الكريم التدافع من اجل نقل الإنسان من منطق التاريخ الطبيعي الذي تحكمه الضرورة والقوة المادية مثل جميع الكائنات الحية الأخرى إلى منطق التاريخ الحضاري الذي تحكمه الحرية والقوة المعنوية اللتين تميزان الوجود الإنساني. فتكون الرهانات أواصر الأخوة بدلا من أن تكون دواعي الحرب الدائمة بينهم في التنافس عليها: الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود يمكن أن تكون النسيج الذي يصل بين البشر إذا نقلناها من موضوع تنافس ضروري لتجويدها وإنتاجها إلى موضوع تعاون ضروري للاستمتاع بها ولإضفاء المعنى عليها.
لذلك كان لهذا التدافع بالاصطلاح القرآني ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: مرده إلى جدل العلاقة بين الكل والجزء في هذه المستويات جميعا أعني من حيث الماصدق. فالتنافس بين المجتمعين المدنيين المحلي والعالمي يجري بمقتضى حيزيه الطبيعيين (المكان والزمان) خاصة فتتوزعه الجغرافيا (بين أعيان المجتمعات المدنية التي تحددت في الجغرافيا البشرية للمعمورة خلال تنافسها على أصناف الرهانات) والتاريخ (بين رؤى المجتمعات المدنية للقيم في المعمورة خلال نفس التنافس). وهذا هو مجال صراع المصالح المادية بين الكيانات العمرانية أو التزاحم على تحقيق غايات الوجود الإنساني من حيث حاجاته المادية فتكون الثروة والسلطة في المكان والزمان مجال الصراع وجوهر حيوية الجغرافيا والتاريخ السياسيين للبشرية.
الوجه الثاني: مرده إلى جدل العلاقة بين الكلي والجزئي في هذه المستويات جميعا أعني من حيث المفهوم. ويتعين التنافس ضمن كلا المجتمعين المدنيين المحلي والعالمي بمقتضى حيزيه غير الطبيعيين لكونهما حصيلة تاريخية لمسار العمران نفسه (السلم والدورة). وفي هذا المستوى تتوزع الجماعات بحسب منازل الرهانات تقديما وتأخيرا رغم وجود كل الرهانات في كل المجتمعات. وهذا هو مجال صراع المصالح المعنوية بين الكيانات العمرانية أو التزاحم على تحقيق غايات الوجود الإنساني من حيث حاجاته الروحية فتكون اللذة والكرامة في السلم والدورة مجال الصراع وجوهر الجغرافيا والتاريخ القيميين للبشرية.
الوجه الثالث: أما التحيز الوجودي للتنافس فهو وحدة التنافس المحققة لوحدة الأحياز الأربعة طبيعيها (المكان الجغرافي والزمان التاريخي) وتاريخيها (السلم الرتبي والدورة العمرانية). وذلك هو القيام الفعلي للعمران بصورته (السياسة والتربية) ومادته (الاقتصاد والثقافة). فيتقاطع نوعا التزاحمين السابقين ليحصل الجدل بين صراع القيم المادية وصراع القيم المعنوية فلا يتقدم أحدهما على آخرهما بل يتساوقان في التأثير على مجريات أمور البشر في حياتهم المادية والروحية كما تبرز من خلال قيمهم الذوقية (الجماليات) والرزقية (الاقتصاديات) والنظرية (المعرفيات) والعملية (السياسيات) والوجودية (الإلهيات).
والمعلوم أن وحدة الحيزين الطبيعيين أمر بين لأن الزمان والمكان في المعمورة ازدادت وحدتهما وضوحا في عصرنا بفضل التواصل الذي جعل المعمورة قرية من حيث المكان وذاكرة واحدة من حيث الزمان. أما الحيزان اللذان هما حصيلتان تاريخيتان (السلم والدورة) فإن ما يعطل وحدتهما ويحول دون تحولهما عامل أخوة هو التنافس غير المتكافئ بين الأمم ولا يحقق وحدة الأخوة البشرية فيهما إلا توحيدهما بالتنافس المتكافئ. ولسنا نشك في أن ذلك لن يحصل إلا بالتدريج خلال مستقبل التاريخ الإنساني لتعويض العولمة المتوحشة بالكونية الإسلامية التي يكون فيها الناس أخوة: وذلك هو قصدنا عند كلامنا عن البذرات في نقدي الفارابي وابن خلدون البذرات الممكنة من تجاوز النقد ما بعد الحديث. وبذلك يمكن تحليل مفهوم المجتمع المدني لنعين ما يهمنا منه في علاجنا الحالي مميزين بين محدداته البنيوية ومحدداته الظرفية.
محددات المجتمع المدني البنيوية ذات الفاعلية التي تميل قوانينها إلى ما يقرب من حتمية القوانين الطبيعية:
فالعناصر التي يتقوم بها المجتمع المدني تحدد قيامه المادي في التاريخ. وهي عين ما حددنا تحت مسمى متغيرات فعل المجتمع المدني. لكن القيام العيني للمجتمع المدني ليس مقصورا على تلك المتغيرات في وجودها المباشر بل هو يتضاعف من خلال وجودها غير المباشر في صور التعبير عنها صوره التي تمثل مستوى التعين الرمزي للتاريخ من حيث تشكله في الوعي الجمعي والوعي الفردي وفي المآثر والمبدعات الرمزية من حيث هي منظومة الوثائق التي يتضاعف فيها وجود كل موجود عمراني إذ يصبح ذا قيامين مادي ورمزي. ثم ينتسج ضربان من العلاقة بين القيامين الفعلي والرمزي من خلال تفاعلهما في الاتجاهين. ففعل العناصر المقومة التي هي الفاعل الأكثر ميلا إلى الفعل الذي من جنس التاريخ الطبيعي والضرورة مرده إلى أثر الوجود المباشر لمتغيرات المجتمع المدني في وجوده غير المباشر أو التعبير الرمزي عنه. وفعل وجوده غير المباشر في وجوده المباشر أو فعل صور التعبير في المتغيرات هو الفعل الرمزي للمجتمع المدني في ذاته. وينقسم هذا الفعل إلى صنفين: صنف كاشف للحقيقة وصنف كافر لها. وهذا الفاعل بصنفيه أكثر ميلا إلى الفعل الذي من جنس التاريخ الثقافي والحرية. وحصيلة هذه الأبعاد الأربعة في الفعل المدني هي قيام المجتمع المدني ذاته من حيث هو بعد مؤثر في العمران وفيه يتبين أن عمل العمران حصيلة لتفاعل محددات طبيعية منطقها هو منطق الضرورة ومحددات خلقية منطقها هو منطق الحرية.
ومن ثم فإنه يمكننا تصنيف محددات المجتمع المدني البنيوية التي تمثل اثر العامل الطبيعي في العامل التاريخي من الوجود العمراني للنوع البشري: أي المتغيرات في مستوى وجودها المباشر. فهي تتألف من المحددات الناتجة عن المجتمع المدني الجزئي (في دولة بعينها) ومن المحددات الناتجة عن المجتمع المدني الكلي (في النظام الدولي) ومن المحددات الناتجة عن أثر الأول في الثاني وهي تمثل: الوجه السلبي من معركة الخصوصية والكلية في مستوى المصالح المادية ومن المحددات الناتجة عن أثر الثاني في الأول: الوجه الإيجابي من معركة الخصوصية والكلية في مستوى المصالح المادية. ويتحد ذلك كله في جدلية فعل المجتمع المدني الجزئي والمجتمع المدني الكلي في التاريخ الإنساني كما حاول التعبير عنها الفارابي وابن خلدون بأدواتهما التي لم تصقل بما يكفي من التجويد النظري مع الإشارة إلى تجاوز الصيغة الخلدونية للصيغة الفاربية بمعنيين من التجاوز الصريح: التحرر الصريح من منطق الفلسفة العملية اليونانية والعلاقة الصريحة بمنطق فلسفة القرآن التاريخية.
محددات المجتمع المدني الظرفية التي تميل قوانيها إلى ما يقرب اختيارية القوانين التاريخية الخلقية: فأما صنفها الأول فيتألف من المحددات الناتجة عن الوعي بالعوائق الصادرة عن المجتمع المدني الجزئي وعن طبيعة رؤيتها. وأما صنفها الثاني فيتألف من المحددات الناتجة عن الوعي بالمعوقات الصادرة عن المجتمع المدني الكلي وعن طبيعة رؤيتها. وينتج عن أثر الصنف الأول في الصنف الثاني التعبير عن رفض الكلي باسم الخصوصية كما ينتج عن أثر الصنف الثاني في الصنف الأول التعبير عن تبني الكلي باسم الكونية. وتتحد هذه المحددات الأربع أي الحدين وتفاعلهما في الاتجاهين في أصل المحدد العرضي الذي هو عين إشكالات التعبير عن تنافس المصالح في العمران البشري وبصورة أدق صور الانتخاب الاجتماعي المحدد للنخب المعبرة عن هذه الأبعاد ولدورها القيادي في التاريخ. ويبلغ هذا التعبير صورته المثلي في حدي المعركة السياسية في كل مجتمع أعني: 1- أثر المحددات البنيوية في المحددات العرضية أو عملية التحرير الإصلاحي وذلك هو النوع الأول من العمل السياسي الموجب. 2- أثر المحددات الإيديولوجية في المحددات البنيوية أو عملية تعطيل الإصلاح وذلك هو النوع الثاني من العمل السياسي السالب.
وبوسعنا الآن أن نحدد الأمر الأساسي الذي تعطل في عمل المجتمع المدني العربي والإسلامي فأصبح أهم أعراض الأزمة العربية الإسلامية من حيث هي اللحظة الفاصلة في التاريخ الكوني الساعي إلى أفق جديد رهانه المفاضلة بين العولمة المتوحشة وكونية الأخوة الإنسانية. فالمسيرة الحاصلة في تكوينية المجتمع المدني الداخلي والخارجي مقومات وتعبيرات حصيلة تاريخية لتطور الحضارة ببعديها المادي والرمزي. وتعطل البعد المادي من المجتمع المدني في الحضارة العربية الإسلامية من المفروغ منه وقل أن يجادل فيه أحد. لذلك فنحن لن نركز عليه إلا في كلامنا على منطق التبعية بين النخب في الداخل والخارج. فهمنا الأول في تحليل المقومات بيان البعد الرمزي المتعلق بالتعبير عن التنافس القيمي بأصنافه الخمسة لأنه هو الذي يتعين فيه تشكل الوعي الجمعي والفردي لكل جيل. وإذن فالجدل الذي يعنينا اليوم يدور كله حول فهم ما عليه حال البعد الرمزي من فاعلية المجتمع المدني المحلي والكوني. فثمرة العمل الرمزي المؤثر في عمل المجتمع المدني يكون بمقتضى طبيعة الفعل الرمزي أو التعبيري ذا مستويين غائي وأداتي.
فأما فعل الرمز أو التعبير الغائي فهو محكوم بالتنافس على قيم الذوق وعلى قيم الوجود صنفي القيم اللذين يكون الإنسان فيهما غاية ذاته: إنه التنافس الذي يحدد المثل التي يقاس بها خضوع العمران للقيم الخلقية وتحرره من سلطان التاريخ الطبيعي. وذلك هو جوهر المعيار الذي يقاس به الوجه الموجب من فعل المحددات البنيوية ما كان منها خاضعا للضرورة الطبيعية أو للاختيار التاريخي.
وأما فعل الرمز أوالتعبير الأداتي فهو محكوم بالتنافس على قيم العمل وعلى قيم الرزق صنفي القيم اللذين يكون الإنسان فيهما أداة: إنه التنافس الذي يحدد الوقائع التي يقاس بها خضوع العمران للقيم المادية وتنصله من التاريخ الحضاري لخضوعه إلى منطق التاريخ الطبيعي. وذلك هو جوهر المعيار الذي يقاس به الوجه السالب من فعل المحددات العرضية ما كان منها خاضعا للضرورة الطبيعية أو للاختيار التاريخي.
وإذا كانت الشرعية السياسية بصورة عامة مستمدة في الأصل من الموازنة بين مؤثرات هذين الضربين من التعبير المحدد للتاريخ في المستوى الرمزي والمخيالي لجعله يصبح تاريخيا في المستوى الفعلي والواقعي فإنها في لحظتنا العربية الإسلامية الراهنة تستمد كذلك من مقابلة ثانية بين قيم المجتمع المدني الأهلي التقليدية وقيم المجتمع المدني الأجنبي الحديثة ومن ثم من انحراف بنيوي خطر. فهو يجعل المثال متحققا إما في ماضي الأمة أو في حاضر الغرب فتزول المسافة بين أفق المثل الدافعة إلى الإبداع والتاريخ لتصبح زاوية الأمثلة المضطرة للإتباع.
وبذلك فهذا المنظور سواء كان مقلدا لماضي المسلمين أو لحاضر الغرب لا يلغي الفرق بين المثال والواقع فحسب بل هو يصف الموجود في حاضر الأمة بالعدمية المطلقة لنفيه عنه كل شرعية بسبب كونه مختلفا عن الماضي الأهلي وعن الحاضر الأجنبي. ومن ثم فإن عمل المجتمع المدني غير السوي يحول كل تجديد إلى تقليد إما لماضي الذات أو لحاضر الغرب ويهدم الحاضر الذي هو ما بقي حيا من تعتق الماضي وبدأ ينبت من حاضر المستقبل.
لذلك كانت العوائق ضربين: وكلاهما يتعين في آلية إنتاج النخب وكيفيات تأثيرها. فأما ما هو ذاتي من العوائق فهو تمنع التقاليد الاقتصادية والرمزية وسوء التعامل مع تمنعهما بعملية التطعيم القسري والمغفل لظاهرة الرفض. فيؤدي ذلك إلى لا مبالاة الجماهير لامبالاة شبة مطلقة بالقيم الإنسانية في عبارتها الحديثة. وأما ما هو أجنبي من العوائق فهو ما يترتب على توظيف الغرب للقيم من أجل مصالحه واستخدام النخب التي تتلكم باسمها في مشروعاته الاستعمارية. وبذلك أصبحت القيم نفسها والناطقون باسمها موضع شبهة ففسدت كل محاولات الإصلاح لعزوف الجماهير عن السماع إلى النخب المحدثة والقيم التي تدعو إليها. وهي نفرة تزيدها ديماغوجية النخب التقليدية قوة.
لذلك فسنحاول دراسة العوائق الناتجة عن المقومات البنيوية والظرفية بتوسط تعينها في انتخاب النخب وفي دورها محاولين وصف مميزات عمل النخبة الأصلانية وعمل النخبة العلمانية في تعبيرها عن الرهانات القيمية الخمسة ذوقا ورزقا ونظرا وعملا ووجودا. وحتى نفهم فعالية الرمز أو الفعل غير المباشر في المجتمع المدني لا بد أن نميز بين موقف الوعي النظري الأداتي في خدمة الرزق والعمل وموقف الوعي النظري الغائي في خدمة الذوق والوجود. فالفعل الرمزي بالنظر العلمي يكون في الحالة الأولى أداة العمل الذي يخضع لجدل التقابل بين اللذة والواقع. ويكون الجدل الداخلي لمعادلة المجتمع المدني الداخلي والخارجي عندئذ التعارض بين منطق اللذة ومنطق الواقع. وهو يكون في الحالة الثانية غاية العمل الذي يخضع لجدل التقابل بين مبدأ المصلحة والمثال. ويكون الجدل الداخلي لمعادلة المجتمع المدني الداخلي والخارجي التعارض بين منطق المصلحة ومنطق المثال.
أما الموقف المركب من الجدليتين فهو موضوع النظر العلمي الذي يوازن بين هذه المناظير المتقابلة اثنين اثنين فينظر إلى الأمر العمراني بوصفه ظاهرة حية تاريخية يحكمها التنافس على المصلحة واللذة في مستوى المثال وفي مستوى الواقع وتلك هي علة الازدواج بين تاريخ الواقعات الفعلي وتاريخ معانيها الرمزي. ولا يتحد المستويان إلا في الفعل الحي للأمم المستقلة والحرة التي تشرع لنفسها بفضل فعالية مجتمعها المدني في جدله الفعلي والرمزي مع سلط مجالات التنافس الخمسة: الذوقي والرزقي والنظري والعملي والوجودي.
ومثلما بينا المقومات ما هي فلنبين مراحل تحققها كيف حصلت. فلا بد من التمييز بين مرحلتين في تحقيق قيام المجتمع المدني الفعلي والرمزي مرحلتين كلتاهما مؤلفة من مستويين مرحلتين مرت بهما العلاقة بين المجتمع المدني الوطني أو الجزئي والمجتمع المدني الدولي أو الكلي:
1- مرحلة التعاكس بين حالتي القيام لكلا المجتمعين المدنيين وجودا فعليا ووجودا رمزيا أو تعبيرا عن الوجود الفعلي في علاقة الحاصل منه بممكن الحصول في أفق الواجب المثالي: فالمجتمع المدني الجزئي ظاهر الوجود في كل عمران وباطن التعبير في مراحل العمران الأولى. والمجتمع المدني الكلي ظاهر التعبير في كل عمران وباطن الوجود في مراحل العمران الأولى. والعلة مضاعفة. فأما عدم بروز الأول في التعبير أو في الوجود الرمزي رغم قيامه في الوجود الفعلي فعلته أن التعبير عن الموجود يكون دائما بالمثال السلبي أعني بناقصه لا بفاضله فيكون الناقص شبه حضور سلبي للمجتمع المدني الكوني: فالمكان والزمان والسلم والدورة والوجود قابلة للإطلاق الخيالي كفضاءات تحرر منها من حيث هي محدودة في المجتمع المدني الجزئي. وأما عدم بروز الثاني في الوجود الفعلي رغم وجوده في الوجود الرمزي فعلته أن التوسع المكاني والزماني والسلمي والدوري والوجودي ليس إلا حصيلة التطور التاريخي الفعلي بتوسع الجماعة والفعل السياسي للأمم. وبمجرد تكون الجماعات الكبرى والإمبراطوريات يبدأ مفهوم المجتمع المدني المتجاوز للجماعات الوطنية عمليا في خلال الحروب والتجارة ورمزيا في الأساطير والآداب إلى أن يصبح مطلبا دينيا فموقف فلسفي يدعو إلى الكونية البشرية وراء الخصوصية الثقافية.
2- ومرحلة التطابق بين حالتي القيام لكلا المجتمعين المدنيين وجودا فعليا أو وجودا رمزيا اوتعبيرا بنفس المعني السابق: أما في المرحلة الثانية فإن عمل المجتمع المدني الجزئي يصبح ظاهرا وجودا وتعبيرا وكذلك عمل المجتمع المدني الكلي يكون ظاهرا تعبيرا ووجودا. وبذلك يتبين أن وحدة صور التعبير عن الصنفين من المجتمع هي التي تتحقق في المقام الأول في مستوى المخيال ثم يليها توحيد المقومات بالتدريج بحسب سيطرة العمران البشري والاجتماع الإنساني على المكان والزمان والسلم والدورة والوجود ليس في البعد الرمزي والمخيالي من التاريخ فحسب بل وكذلك في الوجود المادي والفعلي منه. فتتم النقلة التامة من منطق التاريخ الطبيعي إلى منطق التاريخ الحضاري ويصبح المطلب الكوني تحقيق الأخوة البشرية فنفهم عندئذ القصد من كون الدين الخاتم متمما لمكارم الأخلاق بفعل تاريخي حقيقي يجعل الدين محددا للغايات والسياسة للأدوات ودليل رسالته الوحيد هو عين حد الإنسان: التسمية والبيان.

المسألة الثالثة: العوائق النابعة من ظرف النخب
المعبرة عن رهانات التنافس

يمكن أن نحدد الظرف الذي تبرز بمقتضاه نخب المجتمع المدني العربي خاصة والإسلامي عامة بخطين متعامدين يحددان أربعة خانات ممثلة لأصناف الفصام الذي أصاب نخب الأمة الناطقة باسم التعبير عن رهانات التنافس في العمران البشري.
فالخط الأول منهما يقسم النخب العربية (ومثلها كل النخب الإسلامية من غير العرب) عموديا إلى نحلتين لا تتعايشان إلا بمفهوم الحرب الدينية إيجابا من منظور إحداهما وسلبا من منظور الأخرى. ذلك أن العلمانيين هم أيضا فكرهم ديني بالسلب تماما مثل الدينيين الذين يمكن اعتبار فكرهم فلسفيا بالسلب. فما يثبته أحدهما لما يدعي الاستناد إليه يكتفي الثاني بنفيه فيكون كلاهما قابلا للتعريف بسلب الثاني. ومن ثم فكلاهما يتناسى أن الفكر البشري لا يمكن أن يخلو من البعدين الديني والفلسفي ليس فحسب بالمعنى الهيجلي للعلاقة التي تجعلهما متحدين بالمضمون ومختلفين بالشكل بل بمعنى أكثر عمقا. فالشكل الفلسفي لم يبق جدليا كما يدعي هيجل بل بات أصحابه يفضلون الشكل التأويلي والمضمون الديني لم يبق عقائد ذات صيغة عاطفية كما يدعي هيجل بل بات أهله يفضلون المضمون ذا النسق العقلي كما هو شأن كل الثيولوجيات. وبذلك فهما قد اتحدا شكلا ومضمونا ولم يبق مختلفا إلا الأسلوب.
أما الخط الثاني فيشق كلتا النحلتين أفقيا في العمق. فكلتاهما تنقسم بحسب تصور مقومات الفعل التاريخي حصرا إياها في بعدها المتعين في أعراض حصوله الأول أو فتحها على الممكن اللامتناهي في الحيز الفاصل بين الحاصل والمثال الأعلى من الوجود الفعلي. لذلك كان الأصلانيون صنفين: احدهما يتصور احد تعينات الإسلام أو ما تحقق منه في الماضي الإسلامي التعين الوحيد الممكن والثاني يراه قابلا لأن يتخذ أشكالا جديدة بحسب التدرج في الوصل بين مثله العليا وتاريخ تعيناتها. وينقسم العلمانيون مثلهم إلى صنفين: احدهما يتصور احد تعينات التحديث أو ما تحقق منه في قرون الغرب الأخيرة التعين الوحيد الممكن والثاني يراه قابلا لأن يتخذ أشكالا أخرى بحسب التجارب اللامتناهية في المستقبل. والغالب على الساحة حاليا هو الصنف الأول من كلا الفريقين: وهما مصدر الحرب الأهلية العربية والحرب الأهلية الإسلامية.
أما الصنف الثاني منهما فهو لا يزال جنينيا في كلا فرعيه. والمفروض أن يكون فرعاه متحدين على الأقل بمقتضى الانفتاح على المستقبل مشروعا وعلى الماضي تأويلا. لكن المحدد الفعلي للحظتنا التاريخية لا يزال متمثلا في الصنفين الغالبين اللذين يعتبران التاريخ محاكاة لأمر حاصل في ماضينا البعيد أو في ماضي الغرب القريب وليس إبداعا لأمر لا يقبل التحديد النهائي مسبقا. فأصبح عمل التاريخ مستحيلا في مستوى التصور الرمزي ناهيك عن مستوى التحقيق الفعلي بما أصبح المثال ماضيا حاصلا والممثول تكرارا له وليس إبداعا لتصورة الرمزي أولا ولتحقيقه الفعلي ثانيا مع ما بين التصور الرمزي والتحقيق الفعلي من جدل متواصل جيئة وذهابا من أحدهما إلى الآخر حتى يتطابق بعدا الحضارة الرمزي والمادي. وبذلك فإن النخب العربية من كل مجالات التقويم الخمسة تبرز على أرضية الشعب بوصفه منبع الجميع وأصل التقويم والتنخيب فتنقسم بحسب الخطين المتعامدين إلى الأحزاب الخمسة التالية بحسبان المجموعة مع أقسامها حتى وإن لم تكن من رتبتها:

حزب المحافظين الديني: تكرار أعراض التجربة الماضية من التاريخ الاسلامي .
حزب التحرريين الديني: المشاركة في فتح آفاق جديدة للفكر الديني. .
حزب المحافظين العلماني: تكرار أعراض تجربة التحديث الغربية .
حزب التحرريين العلماني: المشاركة في فتح آفاق جديدة للفكر الفلسفي.
أما الحزب الخامس فهو حزب الأغلبية الصامتة التي تنبع منها النخب.

فكل الأحزاب السابقة تنسل من الحزب الخامس أو القسم التام من التصنيف بمجرد أن ينتقل البعض من الصمت إلى التعبير عن أحد أنواع القيم وما يتصل بها من تعارض المصالح بين المتنافسين عليها. لذلك كان الحزب الصامت الحزب الشامل الذي يغازله الجميع لاستمداد شرعية دعواه منه أعني الرأي العام الذي له وجهان داخلي وخارجي مع تعاكس في تغليب الاستناد إلى الخارجي أو إلى الداخلي منه من حيث الإيجاب أو السلب. فالحزبان الدينيان يستندان إلى الرأي العام الداخلي إيجابا وإلى الرأي العام الخارجي سلبا. والحزبان العلمانيان يعكسان فيكون سندهما الموجب الرأي العام الخارجي و سندهما السالب الرأي العام الداخلي. وتلك هي آليه التنجيم (= اعتبره أو جعله نجما وللمعنى صلة بالمعنى الأصلي أعني الدجل التنبوئي عند المنجمين). فجعل أي مبدع أو مفكر نجما يكون إيجابا بمدح منتوجه أو سلبا بذمه. وهو عند النخب الدينية أهلي في المدح وأجنبي في الذم أي إن من يمدحه المسلمون ومن يذمه الغرب من النخب الدينية يصبح نجما عند المنتسبين إلى الحزب الديني. والعكس بالنسبة إلى النخب العلمانية: يصبح العلماني نجما بمجرد أن يذمه المسلمون أو يمدحه الغربيون أو بحصول الأمرين.
إن الفصام الثاني الذي يشق كلا الفريقين الأصلاني والعلماني هو الفصام الأصلي. إنه الفصام الذي يعنينا في محاولتنا فهم عقم المجتمع المدني العربي الحالي لكونه يفسر الفصام الفرعي الذي يقابل بين الأصلاني والعلماني فيغوص إلى أعماق آليات التنخيب المستلب الغالب على اللحظة العربية الحالية. فالعلماني يصبح نجما أولا وقبل كل شيء بفضل موقف المسلمين السلبي منه ممثلين بالنجوم الأصلانية والأصلاني يصبح نجما أولا وقبل كل شيء بفضل موقف غير المسلمين منه ممثلين بالنجوم العلمانية. لذلك فهما نخبتان متضامنتان جدا في هذه اللعبة التنجيمية التي برعوا فيها بالدجل على الرأيين العامين الأهلي والأجنبي. فصارت هذه اللعبة جوهر الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلمون والعرب منذ قرنين: نخب زائفة تدعي ما ليس لها وخاصة منذ ذهاب الاجيال الأولى التي كانت محاولاتها واعدة والتي قتلها طاغوت الثورات المزعومة قومية الثورات التي وزعت السلطات بين النحل المذمومة والشلل الخدومة بشعار الطبقات المحرومة وبهار الشعوب المظلومة.
إن النوع الأول من الفصام هو النوع الأيسر على الفهم. فنحن نراه بالعين المجردة. ويمكن أن نعتبره الوجه الظاهر من أزمة الأمة الإسلامية كلها أزمتها التي يعد النوع الثاني من الفصام عرضها الأهم. وقد تعين هذا العرض أتم تعين في النخب العربية لما لمقومي الثقافة العربية (الدين واللسان بمقتضى نصي الدين الإسلامي) من منزلة في تاريخ الأمة الإسلامية. وطبعا فهذه المنزلة يمكن أن تتبخر إذا لم نتداركها فنستفيد من الصحوة لاسترداد منزلتها الأصلية. فالنخب العربية تستمد منزلتها الكونية من دور العروبة في الإسلام ودور الإسلام في العالم. ولذلك فالعروبة ولله الحمد لا تزال هي مصدر أهم الرموز والمقومات الإسلامية في كل دار الإسلام. والشعب العربي بخلاف كل ما يزعم في الإسلام غير العربي سواء كان في آسيا أو في جنوب شرقي آسيا لا يزال الأكبر عددا والأغني ثروة والأعرق تراثا والأقرب إلى الحداثة الغربية من كل الشعوب الإسلامية. لكن هذه النخب العربية التي جعلها الفصام العميق الذي نحاول توصيفه قبل الكشف عن دائه ووصف علاجه مترددة بين الأصولية الدينية والأصولية العلمانية انفصمت في العمق بحسب النوع الثاني الذي هو الفصام الأكثر تأثيرا على دور النخب لكونه يصيبها بالعقم الإبداعي في كل مجالات التقويم البشري.
في مجال القيم الذوقية : فكل الفنون العربية صارت نسخا مضحكة من الإبداع الغربي رغم أن من تأثر بآدابنا من ذوي الثقافة الاسبانية مثلا باتوا نماذج على الأقل في الرسم وأساليب القص.
في مجال القيم الرزقية : وكل الاقتصاديات العربية توابع هزيلة رغم أن الإمكانيات العربية كان يمكن أن تجعل الوطن قطبا عالميا لو وجهت الثروات السائلة التي تشجع العطالة والفساد إلى استثمارات منتجة تقضي على الجهالة والكساد. إذا كانت أغنى الأقطار العربية يمكن أن تفلس بين عشية وضحاها لأن رئيسا أمريكيا مهوسا يمكن أن يجمد رصيدها فهل نحتاج إلى دليل آخر؟
في مجال القيم النظرية : وكل الجامعات ومعاهد البحوث العربية لا تعدو ان تكون أضحوكات العصر ما ورثناه منها عن الماضي التليد بالتقليد أو ما حاكته محاولات التجديد بالتوريد. ويكفي دليلا أهم تطبيقات العلوم في حكم كل إنسان سوي حتى الأمي: الطب. فإذا كانت الكليات الطبية عاجزة عن حماية أسرار الدول العربية التي باتت صحة قادتها مرهونة بالمصحات الأجنبية بعد قرنين كاملين من التحديث فهل نحتاج إلى دليل آخر ؟
في مجال القيم العملية : وكل المؤسسات السياسية العربية لا تعدو أن تكون مهازل الدهر: إذا كانت أكثر الدول العربية شروعا في العلمنة أعني الدول التي حكمتها الأحزاب القومية قد تبين من أكبرها أنه قد عاد بشعبه إلى العشائرية والقبلية المتقدمة حتى على الإسلام فهل تبقى حاجة لدليل؟
وفي مجال القيم الوجودية : وكل الفكر الديني والفلسفي العربي الحالي لا يحرك أي عمق من أعماق النفس البشرية الحائرة أمام أسرار الوجود لفرط تحوله إلى مضغ إيديولوجي ثقيل عششت فيه طحالب الفكر الكليل لخلو أصحابه من عميق الحدس وصحيح الدليل.


المسألة الأخيرة
أمثلة من انحراف آلية انتخاب النخب
إذا كنا قد أحجمنا عن ضرب مثال من الحالة الأولى (القيم الذوقية) ومن الحالة الأخيرة (القيم الوجودية) لتعيين القصد في المجالين الأول والثاني فالعلة هي كون فصام النخب فيهما بالذات بيانه هو مطلوب المحاولة بالقصد الأول لوضوح الضحالة التي آل إليها دور هذين النوعين من النخب في مسائل المجتمع المدني والرأي العام. ففيهما بالذات تعينت أزمة النخب العربية التي من المفروض أن تكون المحرك الفعلي للفعالية العميقة في العمران البشري قصدت فعالية التحقق الوجودي والتلذذ به. فهي عرض المرض الذي ينخر المجالات الثلاثة الأخرى: الرزقي والعملي والمعرفي. ذلك أن هذه المجالات توابع المجال الأول (الذوقي) تبعية المدفوع للدافع. وهي كذلك توابع المجال الأخير تبعية القيمة المؤسَسة للقيمة المؤسِسة (الوجودي).
ولن تتبين هذه العلاقة المضاعفة إلا بعد أن نكشف ما في الفكر المسيطر على هذين الميدانين من دجل وعجل أفقد الثقافة العربية أكبر ثرواتها إفقادا يعد ما حصل من نكبات في المجالات الثلاثة الأخرى (نكبات القيم الرزقية والقيم النظرية والقيم العملية) لعب أطفال بالقياس إلى ما حل بالقيم الذوقية والقيم الوجودية. ذلك أن المعادلة التي تحكم تراتب النخب بفرعيه السوي وغير السوي هي عينها المعادلة التي تحكم تراتب القيم في كل الحضارات وفي كل مراحل التاريخ. وهذا أحد القوانين الكلية التي نبحث عنها في كل محاولاتنا لمواصلة جهد ابن خلدون في فهم الثورة المحمدية بتغيير نظرية المعرفة والوجود الموروثة عن اليونان وبمحاولة تأسيس علوم الإنسان بصورة تدعم الثورة الميتافيزيقية الناتجة عن هذا التغيير.
ففي الترتيب العقيم تكون القيم الذوقية (المجال الأول) لعبة في يد نخب القيم الرزقية (المجال الثاني) خاصة وتكون نجب القيم الوجودية (المجال الخامس) لعبة في يد نخب القيم العملية خاصة (المجال الرابع) بسبب فشل نخب القيم النظرية (المجال الأوسط) في إبداع المؤسسات العلمية والمؤسسات العملية لبناء الوجود الرمزي والفعلي للعمران بالمنظومتين التربوية والسياسية (مقوما صورة العمران أو الدولة) بناءً يصور مقومي مادته أعني الإبداع الذوقي والإبداع الرزقي (مقوما مادة العمران أو المجتمع المدني). أما الترتيب السوي فهو في الوضعية المقابلة أعني في وضعية إبداع المؤسسات التي تحول دون هذين الاستتباعين. وقد اعتبر ابن خلدون النقلة من الترتيب السوي إلى الترتيب غير السوي بداية هرم الدولة وانحطاطها.
ورغم ما أشرنا إليه من غياب المنظور الموجب للماضي والمستقبل ومن ترتيب غير سوي للقيم غيابين كلاهما يقتضي ضرورة عدم وجود نخب مبدعة ومؤثرة حقا فإن لنا مع ذلك من النجوم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية ما لا يكاد يحصيه عد! فما السر يا ترى وكيف نفهم هذه المفارقة التي لا يكاد المرء يجد لها تفسيرا ؟ لذلك فقد اعتبرنا التعريف بمصدر تحديد النجومية في البلاد العربية منطلقا لتحديد بدايات الجواب عن هذا السؤال المحير. ويقتضي ذلك أن نميز بين وضعيتين جزئيتين كلتاهما مضاعفة بحسب المقابلة بين الظاهر والباطن ثم وضعية ذات صيغة جامعة:

1و2- الوضعية في البلاد التي يكون فيها النفوذ الحقيقي للقوة المباشرة في الظاهر أو في الباطن (أي القوة العسكرية والبوليسية وهي الوضعية الغالبة في البلدان المتخلفة).
3و4- والوضعية التي يكون فيها النفوذ الحقيقي للقوة غير المباشرة في الظاهر أو في الباطن (أي القوة الاقتصادية والتقنية وهي الوضعية الغالبة في البلدان المتقدمة)
5- والوضعية ذات الصيغة الجامعة أعني منطق النخب في العالم كله بسبب خضوع الوضعية الأولى للوضعية الثانية التي يستخدم فيها أصحاب القوة غير المباشرة الجميع:
1و2- ظاهر وضعية البلدان المتخلفة وباطنها.
3و4- ظاهر وضعية البلدان المتقدمة وباطنها.
5- الوضعية الصيغة الجامعة.
فقد ذكرنا أن النخب الذوقية أصبحت تابعة للنخب الرزقية. لكن ذلك ليس كذلك لأن المنتَج الفني قد صار بضاعة سوقية (بمعنيي الكلمة) فحسب بل لأن منتِج العمل الفني أصبح مضطرا لبيع نفسه. فهو قد صار يعيش على غذاء صناعي يحقق له القطيعة مع الإدراك العادي للجمال ويضطره إلى تعويضها بتجارب إدراكية لا تحصل من دون مؤثرات كيمياوية ثمنها تخلي المدمن عن حريته بالتدريج: أهمها الخمر والمخدرات والجنس والمآدب الباهضة. وطبعا فليس كلامي في هذا الأمر من باب إخضاع القيم الذوقية للقيم الخلقية. فعندما يكون المبدع الذوقي قادرا على ذلك بحيث يكون غنيا عن التنازل عن القيم الفنية ثمنا لإرضاء من يوفر له أدوات اللذة فلن يكون عندي مانع أصلا لاستمتاع الفنان بهذه المتع.
فكيف يستطيع السائلون وأبناء السبيل الحصول على مشروباتهم ومأكولاتهم في أفخر الفنادق إذا لم يدفعوا من حريتهم للأحزاب التي أفسدت من كان يمكن أن يصبح مبدعا ففرضت عليه منزلة الكدائين ؟ وفي الحالتين- سواء كان من الأثرياء أو من الكدائين- فإن محفزات الإبداع المزعوم التي لا يحيا المبدع الموهوم من دونها دليل قريحة تعمل بالمنبهات كعجوز العضلات أو بالدفع الوارد كالمحرك البارد. فكيف يكون ما انحط إلى منزلة البضاعة الكاسدة ثمرة لتجربة فنية صادقة؟ إن مثل هذه التجارب حتى إذا صدقت فإنها لا تكون حقيقية إلا في حصولها الأول ومرة واحدة. أما إذا تكررت إدمانا فإنها لن تضيف للتجربة الشعورية إلا ثرثرة شعارية فيكون صاحبها بلسان أفلاطون كالأجرب يستمتع بحك بشرته الجرباء وليس مبدعا يرتفع بوجدانه إلى السماء.
وذكرنا كذلك أن النخب الوجودية (أي القيمين على الفكر الديني والفلسفي) أصبحت خاضعة للنخب العملية (من بيدهم السلطان السياسي) ليس فحسب لأن منتَج العمل الوجودي صار بضاعة سوقية (بمعنيي الكلمة) بل لأن منتِج العمل الوجودي أصبح مضطرا لبيع نفسه لأنه صار يعيش على سلطان صناعي يحقق له القطيعة مع الإدراك العادي للجلال ليعوضه بتجارب إدراكية لا تحصل من دون مؤثرات دعائية باهضة الثمن: أهمها علامات الجاه والشهرة ومغالطة الجماهير الغارقة بالرموز المنافقة. وطبعا فليس كلامي في الأمر من باب إخضاع التجربة الوجودية للقيم الخلقية. فعندما يكون المبدع الوجودي غنيا عن التنازل عن القيم الوجودية ثمنا لإرضاء من يوفر له أدوات الشهرة هذه فلن يكون عندي مانع أصلا لاستمتاع الفيلسوف أو رجل الدين بهذه المتع التي هي من جنس حكاك الأجرب. لكن كل سلطان رمزي ليس غنيا عن الاستناد إلى السلطان المادي ليس سلطانا أصلا فضلا عن أن يكون رمزيا. لذلك فبمجرد أن يفقد المثقفون متكأهم تراهم أذل الخلق وأكثرهم تذمرا بعد أن كانوا أشد الناس كبرا وأمشاهم تبخترا.
والمعلوم أن النخب الرزقية (المستحوذة على الاقتصاد) والنخب العملية (المستحوذة على السلطة السياسية) الداخلية متداخلتان ومتناجبتان. فكلتاهما تابعة للأخرى مع غلبة تبعية الأولى للثانية في الظاهر خلال بداية العهود التي تحتاج إلى القوة المباشرة (قوة السلاح) وغلبة تبعية الثانية للأولى في الباطن خلال غايتها التي تحتاج إلى القوة غير المباشرة (قوة المال). ففي بداية العهد تكون القيم الرزقية تابعة للقيم العملية في الظاهر لأن برجوازيتنا إن صحت التسمية والنسبة وصلت إلى الثروة عن طريق السلطة بخلاف البرجوازية الغربية التي وصلت إلى السلطة عن طريق الثروة. والأمر كذلك لغياب الدور المؤثر لملطفات القوتين. فالملطف المدني (المجتمع المدني من حيث هو مصدر القيم: دور التنظيمات غير السياسية لحماية الحقوق المادية والمعنوية مثل النقابات والجمعيات) والملطف السياسي (والمجتمع السياسي من حيث هو مصدر الشرعية: دور الأحزاب أو العشائر أو الطوائف بحسب المجتمعات) كلاهما شبه معدوم. وفي غاية العهد تكون القيم العملية تابعة للقيم الرزقية في الباطن عندما يصبح للملطفات دور مهم وبعد أن تكون النخب السياسية قد استحوذت على الثروة الوطنية فتسعى للحفاظ على راهن الوضع (الستاتيكو) بلعبة دولة القانون والديموقراطية شرط النأي عن سؤال من انتقل من مد اليد للسؤال إلى ملء الجيب بالمال من غير مواريث أو أعمال.
وبذلك فالنخب الذوقية تكون في البداية تابعة بصورة غير مباشرة للنخب العملية بتوسط النخب الوجودية التي تعلل سلوكها والنخب الوجودية تكون تابعة بصورة غير مباشرة للنخب الرزقية بتوسط النخب الذوقية التي تعارض النخب الوجودية. ثم ينعكس الأمر في الغاية. لكن التداخل المحدد لتبعية القيم بعضها للبعض لا يقتصر على علاقات نخب الداخل بعضها بالبعض. لذلك فالمعادلة تحتاج إلى تدقيق التحليل. ففي البلدان المتقدمة التي تستتبع البلاد المتخلفة تكون القوة غير المباشرة هي الأساس مباشرة بشراء النخب السياسية وبصورة غير مباشرة بتوجيه الرأي العام تحكما في الآلية الديموقراطية بشراء النخب الذوقية والنخب الوجودية المتواطئتين معها من خلال إضفاء المشروعية على سلوكها. لذلك فينبغي أن نعكس في وضعية البلاد المتقدمة. إذ تكون النخب العملية هنا تابعة للنخب الرزقية مباشرة أو بتوسط دور النخب الذوقية والنخب الوجودية التي تعيش على ما ترميه لها من فتات لتؤثرا في الرأي العام وتسيطرا من ثم على المجتمع المدني في بعده الرمزي.
أما السيطرة على البعد المادي من المجتمع المدني فهي جزء من سلطان النخب الرزقية سواء كانت من أصحاب رأس المال ونوابهم أو من أصحاب القوة العاملة ونوابهم أو من النخب المتكلمة باسم هؤلاء أو أولئك من طحالب المثقفين والإعلاميين. ومن ثم فنخبنا تستمد نجوميتها من سلسلة نفوذية معقدة ومركبة يمكن وصفها على النحو التالي. فهي لا تستمد دورها من كونها مبدعة لما تتحدث باسمه فتسمى بالنسبة إليه. وليس ذلك لضآلة الإبداع فحسب بل لأن الإبداع لم يصبح مصدرا لمنزلة فاعلة في المجتمع فتمكن صاحبها من أن يكون ذا تأثير رمزي يحرك وذلك بسبب ما حل بالذائقة العامة من تبليد لعل أهم أسبابه النسخ المسيخة من الإبداع الحقيقي في الغرب وخاصة نسخ الأدب الممسرح أو المسنمن. ما تزال الذائقة العربية محكومة بالمفارقة التالية. فالنخب القديمة المؤثرة فقدت تأثيرها لزوال التأثير الرمزي الذي يعد أساس الدور الذي يؤديه فقهاء الشرع والمتصوفة ومتكلمو اللاهوت وشعراء البلاط والنخب البديلة لم تصبح بعد مؤثرة لعدم شروع التأثير الرمزي للدور الذي يمكن أن يؤديه فقهاء الوضع والفنانون ومتكلمو الناسوت وشعراء المخاط. لذلك فإنه يمكن لإعلامي كذوب أو لمغنية طروب أو لراقصة لعوب أن يكونوا أكبر تأثيرا من كلا الصنفين صنف النخب التي دورها فات أو صنف بدائلها التي تزعم أن دورها آت.
وإذن فليس من المصادفة أن احتاجت النخب التي تدعي أداء دور المثقف إلى الاتكاء على سلطان براني يكون سلطان النخب الرزقية أو النخب العملية الأهليتين أو الأجنبيتين. وذلك هو مفهوم الجاه بمعناه الخلدوني. بل إن النخب الذوقية والنخب الرزقية والنخب النظرية والنخب العملية والنخب الوجودية نخب يحددها ذوق ورزق ونظر وعمل ووجود خمستها سلبي مصدرها لاستنادها إما إلى الماضي الأهلي المعارض لما بدأ ينبت من الماضي الغربي في مجتمعاتنا أو إلى الماضي الغربي المعارض لما بدأ يستعاد من الماضي الأهلي.
ومن ثم فالرأي العام المحدد تحديدا إيجابيا ليس هو الرأي العام الأهلي ولا حتى الرأي العام الغربي مصدر القيم في وطنه بل هو المافيات الغربية التي تقاسم المافيات المحلية ثمرات الاستعمار الباطن (وهو استعمار بالنخب التي نوبها الاستعمار في إدارة مستعمراته السابقة) الذي وليى الاستعمار الظاهر. ولعل الشكل الظاهر من الاستعمار سيعود من جديد لأن أمريكا بدأت تخشى من التدخلات الخفية للقوى المنافسة. لم يعد التسيير عن بعد يكفي لانفتاح لعب القوى المحلية قريبا انفتاحه على الأقطاب الأربعة في ما تعتبره مجالاتها الحيوية من منطلق الاستعداد للعماليق الأربعة التالية: الصين وتوابعها والهند وتوابعها وروسيا وتوابعها وأوروبا وتوابعها. ولم يبق للرأي العام الأهلي إلا التحديد السلبي فضلا عن امتناع الوصول للرأي العام الغربي المبدع حقا للقيم في بلده.
ويكون هذا التحديد السلبي إما برفض ما بدأ ينبت من الماضي الغربي في مجتمعاتنا (قيم الحداثة وهي ماض لان الحاضر الغربي محكوم بقيم أخرى فضلا عن كون الحاضر لا يحاكى لعدم استقراره وعدم تحدد خطوط قواه) رفضا يتأسس على تجميد قيم الدين في الشكل الذي حصل لها في ماضي المسلمين أو برفض ما بدأ يستعاد من الماضي العربي فيها (قيم الأصالة لأن القيم التي تحكم الحاضر مجهولة ومن ثم فتأثيرها مغيب فلا نعلم على وجه التحديد طبيعة القيم المؤثرة في حياتنا الخلقية لغلبة التكاذب الجمعي والنفاق في كل مجالات القيم الخمسة) رفضا يتأسس على تجميد قيم العقل في شكل التحقق الذي حصل لها في ماضي الغرب. ومعنى ذلك أن كلا الموقفين يجمد واقعا قد حصل (صورة عن الماضي الأهلي أو الأجنبي) فيحوله إلى مثال أعلى قاتلا بذلك الحاضر وحائلا دون أي تحقيق لمستقبل حر يتحدد عادة بالعلاقة بين واقع حي ومثال أعلى لم يتحقق سابقا حتى يكون الوصل بين الواقع الحي والمثال المطلق مغامرة وجودية فعلية وليس محاكاة لأعراض مجردة من تصورات ميتة لواقعين كلاهما شبع موتا.


الخاتمة

قدمنا في هذه المحاولة أمثلة آليات تكون النخب ومنطق علاقتها بالرأي العام المحلي والدولي أعني جوهر فعلها المدني. وكانت الأمثلة ذات بعدين تصوري وتاريخي يبينان التعامد بين خط الفصام العمودي (بين الأصولية الدينية والأصولية العلمانية) وخط الفصام الأفقي (بين العمل على علم بطبيعة الفعل التاريخي والتخبط للجهل بها). ولا أظن أحدا يناقش في ما زعمناه توصيفا لنخب المجالات القيمية الخمسة بحسب التحديد النظري والتمثيل التطبيقي. ويكفي أن نذكر بأن نخب القيم الرزقية (نخب الاقتصاد) ونخب القيم العملية (نخب السياسة) أمرهما بين للعيان ومن ثم فهو غني عن التمثيل. لا أحد يشكك في تبعيتهما أو في كونهما يستمدان النجومية سلبا (من لا ترضى عنه نخب مجاله في الغرب) أو إيجابا (من ترضى عنه نخب مجاله في الغرب) من القوى الاستعمارية. لا أحد يمكن أن يزعم أن رجال الأعمال في الوطن العربي يمثلون نخبة ذات إبداع قيمي في المجال الاقتصادي: ويكفي دليل واحد لبيان شرطي نفي كل إبداع في الحالتين.
فلو كانت نخب الرزق نخبا ذات قوة غير مباشرة مستقلة عن أصحاب القوة المباشرة (المافيات الحاكمة) لكانوا أول الساعين للتوحيد العربي على الأقل ليكون لهم قاعدة كافية لخوض صراع الحيتان في السوق العالمية في أي مادة للأعمال. لكنهم في الحقيقة إما ظل لأصحاب القوة المباشرة أو هم هم. فالفصل المحقق لشروط تقابل المصالح بين النخبتين لم يحصل بعد حصولا كافيا يمكن من العمل المستقل. لو كانوا نخبا ذات أفق يتجاوز الأعمال الحقيرة لكانت عيونهم بصيرة ولما بقيت أيديهم قصيرة! لو كانوا حقا نخبا مبدعة لأصبحت القوة المباشرة تابعة لهم بدل أن يكونوا هم تابعين لها ومن ثم لخلقوا قوى سياسية تحقق الوحدة كما حصل في أمريكا سابقا وكما نراه يحصل في أوروبا حاليا وكما هو منطق كل الوحدات في التاريخ الإنساني. ولا نستثني من هذا المنطق الوحدات التي حققتها العقيدة الدينية. فالدين عندما يكون دينا صادقا وليس مجرد نفاق كما هو شأن الأديان المحرفة ومنها إسلامنا الرسمي عندها يكون سعيا لإرث الأرض ومن ثم فلعامل القوة غير المباشرة دور الدافع الأساسي في تحقيق الوجود السياسي والحضاري للأديان. ولعل أهم مضامين الرسالة القرآنية في قصص الأنبياء بيان هذه الحقيقة التي لا جدال فيها: لا معنى للآخرة من دون مطيتها التي هي الدنيا إرثا لها وحماية من الفساد في الأرض ومن ظلم المستضعفين.
ولو كانت نخب العمل نخبا ذات قوة ذاتية وليست تابعة للمافيات الاستعمارية التي تستبعهم للنخب الرزقية في بلادها (على الأقل بجعلها في خدمة الصفقات التي هي نهب مشترك ومنظم لثروات بلادنا) لكانوا أول الباحثين عن شروط استقلال القرار السياسي أعني الحجم الفعلي للإرادة تماما كما فعلت نخب أوروبا التي تنازلت عن العقيدة القومية رغم وجود القوميات وجودا فعليا (تعدد اللغات والثقافات الأوروبية أكثر من عشرين لغة) في حين أن نخبنا السياسية هي أكثر النخب الساعية إلى خلق قوميات من عدم بإحياء ماض متقدم على الإسلام لم يعد إلا سلعة سياحية وبالنفخ في بقايا الاستعمار إلى حد تقسيم الوطن إلى جهات مناظرة لمناطق الاستعمار السابقة والتبعية اللاحقة.
ولتكن مسكة الختام الكلام على النخبة التي أنتسب إليها وأزعم الدراية بها أكثر من درايتي بالنخب الأخرى: النخبة النظرية التي ينبغي أن تكون قدر المستطاع محايدة في علاجها للمسائل حتى نتمكن من معرفة الأدواء وطلب الدواء. والداء في هذه الحالة هو عطالة فعالية المجتمع المدني في الحضارة العربية الإسلامية. لكن أعضاء هذه النخبة يتصورون أنفسهم باحثين أو علماء أو أساتذة جامعيين لمجرد كونهم لهم هذا الموقع في أشباه الجامعات وأشباه الدول التي تحكم أقطار الوطن رغم غياب الشروط الدنيا لهذه المهام الأساسية في العمران البشري. فأكثر هؤلاء تزعما للتنوير أكثرهم نفيا لشروط القيام الحضاري والتاريخي للأمم عامة وللأمة العربية خاصة ومن ثم لكل معنى يمكن أن ينسب إليه مشروع التنوير: تجاوز الحدود القومية بل والثقافية إلى الكونية المتوالية في الزمان والمتساوقة في المكان بخلاف ما يسعى إليه أشباه مفكرينا ممن يريدون العودة إلى قوميات شبعت موتا لمجرد أن ذلك يمدهم بمقفاز النجومية. إنهم يريدون أن يحققوا تحديثا فوقيا بحسب إيديولوجيات لم يستعوبوا لوازمها ومن ثم فهي غير مفهومة لهم لمجرد جهلهم بشروط تحقيقها في الواقع التاريخي الفعلي بحيث إن كل ما حصلوه من علم جعلوه وصفات معيارية للتحويل بديلا من التأويل بحسب الزعم الماركسي.
وفي حين يكون البحث العلمي عادة عملية صياغة متصلة التعديل لنماذج رمزية هدفها تحليل الموجود وتحقيق المنشود تجد المزعوم علماء في جامعاتنا ومعاهد البحث أكثر طوباوية من أكثر الناس جهلا بشرطي العمل على علم. فالعمل على علم يقتضي أن يعلم المرء الواقع الموجود وأن يخترع الطرائق والجسور الواصلة بينه وبين المثال المنشود بشرط أن يكون سلوكه من البداية منطلقا إلى الغاية وجهة سلوكا مرتب المراحل ومصحوبا بالروية السابقة استعدادا للانجاز وبالروية المصاحبة تجويدا له وبالروية اللاحقة نقدا تجاوزيا للتطوير حتى يتطابق النظر والعمل تطابقا مهمة التقدم العلمي تضييق المسافة بين وجهيه.
أما أن يكون الواقع مجهولا تمام الجهل وأن يكون المنشود مجرد محاكاة لأمر هو بدوره معلوما علما سطحيا فهذا ليس عملا على علم لخلوه من شروط العلم النظري الممتحن والروية العملية المراقبة. لذلك فالأولى له أن يعتبر عين الفساد في الأرض. و ما أوصى به ابن خلدون من ضرورة استبعاد المتصدرين للتنظير الذين هم من هذا النوع يبقى حسب رأيي أكبر حكمة قالها هذا العملاق الذي لخص في جملة واحدة عاهة المنظرين المقدمين على العمل السياسي من غير تجربة ولا علم حقيقيين. فيكون إدلاؤهم بدلوهم في الحياة أضغاث أحلام تقضي على الحقائق بالأوهام وذلك هو عين السقام الذي نعتبر نخبنا الجامعية التي لا تميز بين ترديد الشعارات والكلام دون خبرة ومعاناة للاجتهاد المبدع لتصورات الموجود وتوقعات المنشود أعني لما لا يمكن للحضارات أن تقوم من دونه.
___________
(1)فعالية المحتمع المدني التي لا يخلو منها مجتمع هي فعل المجتمع المدني في الظاهرة العمرانية ككل. وهذه الظاهرة تتألف من عدة عوامل مقومة سنحاول تحليلها وحصرها بصورة شبه نسقية أو علمية لكي نتمكن من فهم الأزمة التي يمر بها المجتمع المدني العربي خاصة والإسلامي عامة.
(2)لكن هذا ليس إلا ظاهر المعادلة. أما باطنها فهو كما نبين في المسألة الأخيرة من المحاولة فهو تبعية الجميع للقوى الأجنبية بصور مختلفة تقتضيها لعبة التنافس بين هذه القوى وهي لعبة بينة للعيان منذ التنافس الفرنسي الانجليزي على توظيف نخب مصر في بداية النهضة. ذلك أن النخب الأصلانية القائدة ليست اقل تبعية للأجنبي من النخبة العلمانية. الفرق الوحيد هو أن اعتماد هذه على الأجنبي مع عدم شعبية مطالبها يجعلها مكشوفة في حين أن اعتماد تلك عليه مع شعبية مطالبها يخفي تبعيتها. ولنضرب مثال النخب القائدة للحملة الأخيرة باسم الدفاع عن الرسول الكريم. فهي تحرك الجماهير في الظاهر لكنها تتحرك بأمر علي لإلهائها عن الحركة المؤثرة في ما يمس جوهر قضايا الأمة التي تضمن حمايتها عزة الإسلام والرسول. ذلك أننا نعجب من سكوت هذه النخب على حامي حاميها رغم بول جيشه على القرآن الكريم وانتهاكه أعراض المسلمين واستحياء نسائهم وإقامة القيامة على صحفي مجهول رسم كاريكاتورا كان يمكن أن يهمل لئلا يصبح سب الرسول موضة في الصحافة الغربية ووسائل الإعلام الأخرى. لذلك فالنخب المعارضة باسم التأصيل هي بدورها في حماية الأجنبي سواء بالهجرة إليه أو بالهجرة إلى الدويلات التي في حمايته. ومن ثم فلا يخدعن أحد أحدا: ليست النخب العلمانية وحدها التي يمكن أن تتهم بالعمالة بل كل النخب لأنها جميعا مثل من تعارض تعتمد في وجودها على شرعية مستعارة من الحامي الأجنبي أو ممن يحميه الأجنبي ممن بيدهم الحكم في بلادنا. ثم يتلاعب الجميع بالشعب لان التربية التي تحقق الاستنبات الفعلي لحقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية جعلوها مستحيلة إما بهذه العمالة أو بالتوظيف في ما يلهي عن الحقوق التي يتحد فيها الدين والعقل إذا فهمت على حقيقتها.
(3)لأن مثل هذه الندوات يقدم هم العمل المباشر على العمل غير المباشر ومن ثم فهو يقلو النظرية لكأن نخبنا تتجاهل أن شرط العمل المباشر الناجع هو العمل غير المباشر أو النظرية. وطبعا فهذا مشروط بإرادة الانطلاق من الشروط السوية للتغيير العميق والعلاج الناجع لأمراض مجتمعنا. انظر تحليلنا لهذه العلاقة في حوارية النظر والعمل بين الأستاذ حسن حنفي وبيني دار الفكر دمشق وبيروت 2003.
(4)انظر أرسطو: Aristotle, The Metaphysics, Book A,2. 983a18-25
(5)بنية النفس الطبيعية ذات القوى الثلاث (القوة العقلية والقوة الغضبية والقوة الشوقية) هي التي تحدد طبقات المدينة وقواها وأصناف النفوس الترابية والبرنزية والذهبية تحدد أصناف النظم السياسية لأنها تحدد أصناف النخب في التصور الأفلاطوني للسياسي ومثله التصور الأرسطي.
(6)بنية المنزل الطبيعية ذات العناصر الثلاثة (السيد وبقية أفراد الأسرة والعبيد) هي التي تحدد النظام الاقتصادي للمدينة وعلمه يسمى الاقتصد المنزلي.
(7)وخاصة في رسائله من السجن وفيها يؤكد على أهمية التعبير الرمزي ودور النخب الدينية. أنظر مقالة:Norberto Bobbio, Gramsci and the concept of Civil Society pp.73-99 in Civil Society and the State edited by John Keane, Westminster 1988
(8)بكل أطيافها ومراحلها وخاصة في آخرها أعني في فلسفة هابرماس الذي وضع نظرية الفعل التواصلي ودور العلاقة بين القيمي الحقوقي والمعرفي النقدي في بناء النظرية الاجتماعية وتحقيق السلم الاجتماعية. ولعل مسك الختام المسألة الثالثة من الفصل الثامن بعنوان التدبر الختاميSchlussbetrachtung : Von Parsons ueber Weber zu Marx الفصل الأخير من كتابه Theorie des Kommunikativen Handlens بعنوان "مهام نظرية النقد الاجتماعي" Aufgaben einer kritischen Gesellschaftstheorie ص. 445 وما يليها (من الجزء الثاني نشرة Surkamp Taschenbuch Wissenssenschaft عدد 1175 ط. 3 فرنكفورت على نهر الماين 1999 (.
(9)جدل أرواح الشعوب الهيجلي بخلاف قراءته الماركسية لا يهمل العامل المادي رغم تقديمه العامل المعنوي في تحليل الفاعليات العمرانية. لكن تحليله يبقى في دائرة المنظور الفلسفي القديم بخلاف ما يمكن أن يتوقعه القارئ المتسرع لتاريخانيته. فالتاريخانية الهيجلية محكومة بالطبائع بمعناها الأفلاطوني الأرسطي والدليل أن جل نماذجه التفسيرية مستمدة إما من الطبائع النباتية (من البذرة إلى الثمرة) أو الحيوانية (من الجنين إلى الشيخوخة). لذلك كان المجتمع المدني عنده ممثلا لما يمكن أن يجمع القوتين النفسيتين الأدنيين ونسبة القوة الأسمى في النفس هي القوة الأسمى في المجتمع أي الدولة التي تمثل العقل.
(10)لذلك كان التأويل الماركسي مجرد إطلاق لمفهوم المجتمع المدني الهيجلي (صراع المصالح المادية بين الطبقات) وتكذيب دور الحكم السياسي أو الدولة المحايدة والحكم بين المصالح المتصارعة في المجتمع المدني
(11) وبهدف تحقيق هذا الفصل بصورة مبدئية تلغي كل أمكانية للتراكب بين المجالات وضع أفلاطون نظرية تحيد ما يعتبره عوامل التشغيب الخمسة على عقلانية السياسة الحكيمة: السيطرة على التعبير الذوقي (منزلة الشعر مثلا) والحق الرزقي (تحرير السادة والحرس من الملكية وجعلها مشاعة للجميع) والمعرفة الحسية (المعرفة الحسية في أدنى المنازل) والعامل الأكثر تشغيبا أي اللذة الجنسية التي ينبغي تحريرها من تبعات الأسرة الخلوية والحياة المدنية أو نسيج الأخوة البشرية التي هي وحدة تلك الأبعاد كلها لأنها مادة جوهرية للحياة السياسية ومنهما يتكون العمران. ومن ثم فالأمر كله يدور حول إلغاء تشغيب المجتمع المدني على المجتمع السياسي. لكن أرسطو حاول أن يحد من هذا الأمر دون جدوى لأن منزلة هذه العناصر التي تمثل محركات المجتمع المدني ظلت عنده منزلة دنيا ولم يهتم الفكر العملي الفلسفي إلا بالسياسي في معنى ما ينسب إلى القوة العاقلة والأخلاق. ومن حسن حظ فكرنا أن الدين أرجع لهذه المجالات منزلتها الأرفع إذ إن الأمر كله في الشريعة يدور حول ثلاثة من هذه المشغبات الخمسة وهو في العقيدة يدور حول الاثنين الآخرين. فالشريعة تدور حول الجنس والرزق والحياة المدنية من حيث هي أواصر أخوة بشرية وهو في العقيدة يدور حول المعرفة الحسية والتعبير الذوقي عن الوجدان والوجود. ومن غابت عنه هذه المعاني لن يفهم المنزلة التي نوليها لدور الفارابي وابن خلدون بوصفهما مؤولين لهذه المعاني تأويلا فلسفيا من منطلق فهمهما العميق للإسلام.
(12)ولعل أعظم ما في ثورة ابن خلدون الفكرية فهمه لهذا الأمر الذي رمز إليه بمعاني الاستخلاف الخمسة:
1- فالنظر المجرد أو إدراك الترابط السبببي في الوجود سماه ابن خلدون استخلافا (المقدمة الباب السادس).
2- وتطبيق هذا النظر المجرد في تسخير الطبيعة سماه استخلافا (المقدمة الباب الخامس).
3- والعمل المجرد شعورا بالرئاسة الإنسانية أو بالحرية سماه استخلافا (المقدمة الباب الثالث).
4- وثمرة ذلك في فقدان لذة الحياة والأمل عند فقدان هذه الحرية سماه استخلافا (المقدمة الباب السادس).
5- ومجموع هذه الأوجه من الاستخلاف ووحدتها سماها منزلة الإنسان من حيث هي حب التأله (المقدمة الباب الثالث) والتحرر المطلق من كل القيود وهو يسميها معاني الإنسانية عند الكلام عما يفقده الإنسان بمجرد أن يصبح في ملكة غيره عبدا لإرادة غير إرادته.
(13) وتلك هي السلطة التي باتت تسمى بسلطة العلماء الذين يمثلون القسم الثاني من أولى الأمر في منظور الفقهاء الذين استبدوا بسلطة التشريع. والمعلوم أن هذا الاستبداد اعتمد على حيلة رفعت دورهم القضائي إلى دور تشريع مغتصب. فبالقياس الذي بلغ الذروة في نظرية المقاصد بات الفقيه مشرعا بدلا من الأمة في حين أن دوره كان ينبغي أن يقتصر على القضاء بالشرع المنزل أو الموضوع وعلى الإفتاء في قضايا الضمير الفردي في المسائل التعبدية.
(14)ما يناظر سلطة العلماء أي سلطة الأمراء القسم الأول من أولي الأمر بنفس المفهوم المحرف استبدادا بالتنفيذ. ولما كان العلماء توابع الأمراء باتت السلطة التشريعية المستبدة خاضعة لسلطة التنفيذ المستبدة باتت الأمة خاضعة للاستبداد في سلط العمران الخمس ببعديها الفعلي بيد الأمراء والرمزي بيد العلماء: القضائية والتشريعية والتنفيذية وسلطة التربية وسلطة الرأي العام.
(15)لذلك كان المشكل الجوهري في العمران البشري في المنظور الخلدوني حل معضلات العلاقة بين التصوير المدني الذي يحققه التاريخ الثقافي ببعدي صورة العمران (السياسة والتربية ) والمادة الطبيعية الموروثة عن التاريخ الطبيعي أعني المصالح المادية والمصالح المعنوية للإنسان
من حيث هو حيوان علمه ربه البيان واستخلفه في الأكوان ليحقق العمران(الاقتصاد والثقافة): كيف تكون تنتظم الحضارة انتظاما لا يقضي على طبيعة الإنسان الداخلية وطبيعته الخارجية أو محيطه الطبيعي. فالاستبداد السياسي والعسف التربوي كلاهما يقضي على الحريات والحقوق فيلغي معاني الإنسانية بمصطلح ابن خلدون.
(16)ولهذه نجد أفلاطون يرد حركية المجتمع في الجمهورية إلى حركية منحصرة في أخلاق النخبة السياسية وما يدور بينها من صراعات فلا يكون تاريخ العمران فعل الجماعة بكل أبعاد رهانات وجودها المشترك بل هو مقصور على النخب الممثلة للعقل بعد اعتبار دور النخب الأخرى ممثلة للاعقلي من قوى العمران المناظرة لقوى النفس الدنيا.
(17) انظر هيجل:
G.W.F. Hegel, Vorlesungen über die Philosophie der Weltgeschichte, G.Lasson, PB, Leipzig Verlag von Felix Meiner, 1920,"
s.243-4: “Es ist also die Geistigkeit und die geistige Versöhnung, die aufgegangen ist; und die geistige Versöhunng ist das Prinzip der vierten Gestalt. Der Geist ist zu dem Bewusstsein gekommen, dass der Geist das Wahrhafte ist. Sofern das Bewusstsein so beharrt, so ist hier für den Gedanken. Diese fierte Gestalt ist notwendig selbst gedoppelt: der Geist als Bewusstsein einer innerlichen Welt, der Geist, der gewusst wird als Wesen, als das Bewusstsein des Höchsten durch den Gedanken, das Wollen des Geistes ist einerseits selbst wieder abstrakt und beharrend in der Abstraktion des Geistigen. Insofern das Bewusstsein se beharrt, so ist die Weltlichkeit einhergeht; sie ist damit verbunden, dass das Weltliche nicht ins Geistige einschlägt, dass es nicht zu einer vernünftigen Organization im Bewusstsein kommt. Dies macht die Mohammedanische Welt aus, die höchste Verklärung des orientalischen Prinzips, die höchste Anschauung des Eine. Sie ist zwar späteren Ursprungs als das Christentum; aber dass dieses eine Weltgestalt wurde, ist die Arbeit langer Jahrhunderte gewesen und erst durch Karl den Grossen vollbracht worden. Dass dagegen der Mohammedanismus Weltreich wurde, ist wegen der Abstraktion des Prinzips schnell gegangen; es ist ein früheres Weltregiment als das christilichen“.
(18)وعلة هذه الأزمة القاتلة من جنس أزمة الفكر الأفلاطوني حتى وإن كانت الماركسية أفلاطونية معكوسة: فأفلاطون أراد أن يخلص السياسي من المدني معتبرا القوى الممثلة له مشغبات على العقل. و ماركس يزعم تخليص العمران من الدولة فعكس الموقف الافلاطوني معتبرا الرمزي والفلسفي إيديولوجيا حاجبة للقوى المدنية الفعلية التي حصرها في صراع المصالح الاقتصادية ناسيا المصالح الأخرى التي نحاول حصر أصنافها بردها إلى أصناف القيم التي يتنافس عليها البشر داخل نفس الجماعة وبين الجماعات. وحتى في هذا الموقف من الرمزي والفلسفي فإنه لا يبعد كثيرا من موقف أفلاطون عند المقابلة بين التربية السوفسطائية والتربية الفلسفية مقابلة ماركس بين الإيديولوجيا والعلم المزعوم أعني المادية الجدلية.
(19)انظر بحثي الذي صدر في أعمال ندوة The Council for Research in Values and Philosophy ندوته التي انعقدت في استنبول بتركيا صيف 2003 وفيه حددت فيه أبعاد حقوق الإنسان الخمسة: أربعة ذات وجهين بحسب ساحتي فعل المجتمع المدني أعني الساحة الوطنية والساحة الدولية. فهي تتحدد علاقة حقوقية بين المواطن والدولة الوطنية (الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية) ثم بين الدول الضعيفة والإمبراطورية المسيطرة (نفس الشيء بالنسبة إلى علاقة الدول الوطنية بالنظام الدولي الذي نفترض له نظاما نسبته إلى الدول الوطنية بمعيار القانون الدولي من جنس نسبة الدولة الوطنية إلى الأفراد والجماعات فيها بمعيار القانون الوطني ). أما الخامس فيوحد بين الأنواع الأربعة بمستوييها لأنه أصلها جميعا أعني منزلة الإنسان الوجودية التي حددها الإسلام للإنسان كإنسان فسماها خلافة وتفضيلا وتكريما: قدسية الكيان العضوي والنفسي للإنسان وقد نزلها الرسول فوق منزلة الكعبة مع المساواة المطلقة بين البشر بمعيار المفاضلة بالتقوى لا غير فضلا عن الحكم بأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.
(20) أبو نصر الفارابي كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة المطبعة الكاثوليكية بيروت 1959 ص. 96:" ..... فيجتمع ما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذا كثرت أشخاص الإنسان فحصلوا في المعمورة من الأرض فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية. فمنها الكاملة ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث: عظمى ووسطى وصغرى. فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة والوسطى اجتماع أمة في جزء من المعمورة والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة." ومن ثم فالفارابي من دون تصريح وتوضيح يسلم بأن الجماعة العظمى تسهم في تحقيق غايتي العمران غايتيه اللتين وصفهما الفارابي بمصطلحي قوام الإنسان وبلوغ الكمال. وهو بذلك يحدث قطيعة مع الفلسفة العملية اليونانية. لكننا نحتاج إلى توضيح ما في ذلك من التناقض: فكيف يمكن اعتبار الاقتتال بين الجماعات الوسطى الذي هو الوجه الغالب على العلاقات بينها في المعمور من الأرض مسهما في تحقيق هذين الغرضين؟ أليس ذلك مشروطا بقيس التنافسين الداخلي بين الجماعات الصغرى في الجماعات الوسطى والخارجي بين الجماعات الوسطى في الجماعة العظمى والعكس بالعكس ؟ فيتوازى ضربان من الفواعل التاريخية لتحقيق الغايتين بآليات التنافس على المصالح المادية (القوام) والمعنوية (بلوغ الكمال): وذلك هو ما يمكن أن نصطلح عليه بالعمران الداخلي والعمران الخارجي.
(21)فالدين الإسلامي يعتبر الرسالة الإسلامية رسالة كونية والفلاسفة المسلمون أضافوا البعد الكوني لنظرية الدولة اليونانية وبعد إعادة الاعتبار للمجتمع المدني بفضل ما أشرنا إليه في الشريعة والعقيدة. فالدين الإسلامي أعاد الاعتبار للأبعاد الخمسة التي أشرنا إلى محاولة أفلاطون تحييدها حتى لا تشغب على السياسة العقلية. أما ابن خلدون فيعتبر العقلانية محايثة لهذه الأبعاد لأنها جميعا تتضمن قوانين توازنها التي من دونها تفقد حقيقتها: فالذوق والرزق والجنس والحس مثلا أمور تقبل معيار التوسط الأرسطي لتحديد السوي منها لأنها خاضعة لجدل الشبع والجوع أو سد الحاجة وتجددها فضلا عن كونها بين طرفين كلاهما حريص على نفس ما يحرص عليه الآخر كما في قانون السوق في الرزق مثلا. فيكون عدم العقلانية فيها ناتجا عن الاستبداد السياسي الذي يحول الدولة إلى مصدر اللاعقل وليس العكس: فتكون الحرية في هذه المجالات هي الضامنة للعقلانية.