shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

   

بين كلود لفي- ستروس وأوباما
مالك التريكي

    أحسنت المذيعة الفرنسية عندما سألت يوم الثلاثاء، بمناسبة إعلان وفاة شيخ الأنثروبولوجيا كلود لفي ـ ستروس قبل شهر من إتمامه عاما بعد المائة من العمر، إن كان يجوز اعتبار الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي دشن عهد ما بعد الأعراق في السياسة الأمريكية والذي ينادي بوجوب احترام مختلف الثقافات في الساحة العالمية، ابنا أو سليلا فكريا لكلود لفي ـ ستروس الذي جعل من حفظ التنوع الثقافي أوجب الواجب الأخلاقي والمعرفي، والذي أصبح اسمه مرادفا للذود عن جميع الثقافات، خاصة 'البدائية' منها، ضد قرون من التخريب والتنميط والتغريب؟
ولأن المفكر روبرت مادجوري أدرك أن مأتى هذا الوصل الطريف والمباغت بين لفي ـ ستروس وأوباما هو حرص الإعلام على تقريب المعاني من الأفهام، ولأنه لم يغفل عما في هذا التبسيط المخلّ من رشاقة التخريج، فإنه أجاب بأن هنالك وجها للقول بمشروعية التسلسل بين الفكري والسياسي في هذا المجال بالتحديد، وأضاف أن أوباما مثقف ولا بد أن طروحاته الناضجة حول المسألة العرقية والثقافية قد تغذت بفكر لفي ـ ستروس الذي رسخ حقيقة النسبية الثقافية بتبيان التكافؤ بين جميع أشكال الإنتاج الرمزي التي تعالج بها مختلف الأقوام ألغاز الوجود والمعنى والمصير.
على أن هذا السؤال الطريف يستدعي ملاحظتين، تتعلق أولاهما بعلاقة لفي ـ ستروس بالولايات المتحدة. فقد بلغ من شهرته هناك أنه حصل له عندما كان أستاذا زائرا في جامعة بيركلي في السبعينيات أن وقف مع زوجته في طابور أمام أحد المطاعم، لأنهما قصداه دون سابق حجز، وما أن ذكرا للنادل لقبهما العائلي حتى هتف مستفسرا: 'لفي ـ ستروس الكتب أم بناطيل الجينز؟' ويعلق هذا المفكر الشامخ، الذي أفلح في إشاعة الفكر الأنثروبولوجي بين أبناء القرن العشرين، على ذلك بالقول: 'لا بد من تحية تقدير لسعة ثقافة كرسونات مطاعم ولاية كاليفورنيا'....
كما أذكر شخصيا أني فوجئت في أول يوم من أول زيارة لي إلى نيويورك عام 1987 أن 'نيويورك تايمز' كانت مزدانة بمقال عن لفي ـ ستروس. والحقيقة أن الأمريكيين كانوا من أوائل المعجبين بهذا الكاتب الفذ ذي الأسلوب الأدبي البهيج الذي ارتقى بالإثنولوجيا مقاما معرفيا رفيعا وأمدها بشرعية فكرية عالمية بعد أن تمكن من تطويعها لثورة المناهج البنيوية التي اكتشفها أول الأمر في نيويورك، حيث أقام في الأربعينيات، بفضل صديقه عالم اللسانيات رومان جاكوبسون. لكن هذا الإعجاب القديم سرعان ما فتر، حتى بلغ حد الإعراض، بسبب ارتياب الأنكلوساكسون المعهود في النظريات الكبرى التي يبدو لهم، بحكم تأصل البراغماتية فيهم، أنها أنساق ميتافيزيقية 'جامعة مانعة' لكنها غير ذات موضوع. ولهذا صح القول بأن لفي-ستروس قد صار أشهر في بلدان اللسان الإنكليزي من الأنثروبولوجيا ذاتها! أي أنه مشهور ليس إلا. ذلك أنه من المفكرين العظام الذين توهم شهرتهم بمعرفتهم، فتغني بالتالي عن قراءتهم!
أما الملاحظة الثانية فتتصل بعلاقة لفي ـ ستروس بالسياسة. إذ لم يكن له في السياسة، بل في الشأن العام بإطلاق، قول معلن. فقد شهد عليه القرن العشرون كله فكريا لكنه لم يشهد عليه سياسيا. ومع ذلك فإن هذا العملاق الذي تضافرت كل من الجيولوجيا والفرويدية والماركسية في نحت كيانه الفكري، والذي أمضى عمره في استخراج البنى العقلانية السرية التي تكتنزها أساطير الشعوب والقبائل البدائية طيّ غرابتها الخارقة وخلف هذيانها الظاهري، قد نشر عام 1952 نصا بعنوان 'العرق والتاريخ' هو نص سياسي بامتياز لأنه من أبدع ما هو مكتوب في مناهضة العنصرية (انطلاقا من السعي إلى التوفيق بين مفهوم التقدم وبين النسبية الثقافية). ولعل من أبرز أمثلة الحكم السياسي الصائب لدى لفي-ستروس أنه لم يتردد رغم أنه يهودي في أن يصف دولة إسرائيل، مثلما سبق أن ذكرنا هنا قبل عام بمناسبة مئويته، بأنها 'رأس جسر الغرب في قلب الشرق' وفي اعتبارها 'بمثابة الحملة الصليبية التاسعة'. أما إذا رمت دليلا على إحاطته بالجوهري و'الضروري في السياسة' (حسب عنوان كتاب ابن رشد) حكمة وعلما، فحسبك أنه القائل: 'إن عصرنا بأكمله يتلخص في أننا نتجاهل الحقائق بزعم الدفاع عن القيم'. فهل هنالك، بربّك، قول أمضى من هذا في النفاذ إلى صميم التاريخ السياسي المعاصر؟ أفلا تتمثل هوية هذا العصر في تجاهل حقائق تراجيديا الشعب الفلسطيني بذريعة الدفاع عن قيم حماية الشعب اليهودي ضد الإمكان النظري لتكرر المحرقة؟

القدس العربي 09\11\2009