



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
بداية الوفاء بالوعد
أبو يعرب المرزوقي
سبق فأشرت بأني لا أرد الفعل بل أفعل.وأفعالي متقدمة على هذا الجدل العرضي مع أهل الموقع المتكالم فيه زبيب الحرمص من المتعالمين. لن أرد على أحد ممن يتكلم في علم الكلام بعد نصي الأخير. وبدلا من مواصلة الكلام على خطل الفكر الكلامي الجامع بين باطنية الفلسفة وفلسفة الباطنية استكمالا لمشروع الغزالي سأقتلع أسس العلوم الزائفة أساسا بعد أساس: وأولها تحريف المعنى الحقيقي لوراثة العلماء للأنبياء والخلط بين أهل الذكر وأهل الكلام في أم مسائل الكلام: ولاية الأمر التي هي المحرك الفعلي لنزوات كل المتدافعين من أجل الزعامة والسلطان باسم علم ليس لهم مؤهلاته ولا أخلاقه.
وها أنا أبدأ بالوفاء. فوعد الحر دين. فلما كان كل الوهم الذي يستمد منه المستبدون بأمر المسلمين الرمزي والمعرفي شرعيتهم المزعومة هو تحريف دلالة "وراثة العلماء للأنبياء" تحريفا أعاد إلى الإسلام ما نفاه القرآن أعني السلطان الروحي وكان هذا الاستبداد بالجوهر متحالفا دائما مع السلطان الزماني بتواطئ صريح أو ضمني وجب فهم حقيقة الإرث ما هي وعلاقة تحريفه بالاستبدادين حتى يتبين القراء الفرق بين كون المرء من أهل الذكر وكونه من أهل الكلام.
لذلك فإني أهدي هذا البحث إلى كل طلبة العلم ممن يسعى إلى الفهم والحقيقة. فما المقصود بإرث الأنبياء وكيف تكون ولاية الأمر التي استبد بها العلماء في المستوى الرمزي والمعرفي والأمراء في المستوى الفعلي والسياسي علة للخلط بين أهل الذكر بمعناها القرآني والمتكلمين. فيكون المدخل الأفضل لعلاج هذه الإشكالية هو المدخل الذي حددته سورة آل عمران: فعلة العلل في كل تحريف يطرأ على الحقيقة الدينية هو تحويلها بالتعقيد والتشقيق المحوج إلى التأويل إلى أساس لسلطة روحية تتحالف مع سلطة زمانية لتتقاسما الاستبداد بالإنسان روحه وبدنه مدعين. فالمتكلم يدعي علما غير العلم الإنساني العادي. والحاكم يدعي عملا غير العمل الإنساني العادي. وكلاهما يحط فرض العين إلى منزلة فرض الكفاية ليستقيل المؤمن علما وعملا لتزول الصلة المباشرة بمصدري الحقيقة الدينية (القرآن والسنة) ومجالي تطبيقها أعني ممارسة الحياة الخلقية والسياسة اللتين تمثلان التعين الفعلي للقيم الدينية. أما الاختصاص والتدقيق والتشقيق والتعويص فهي أمور مقبولة في العلوم الدنيوية والأعمال الدنيوية وكلاهما فرض كفاية وهي كلها علوم أداوت لتحقيق شروط استخلاف الإنسان الذي استعمره الله في الأرض.
ولاية الأمر
بين خلاف البداية وخلاف الغاية
فاتحة
ليس مجديا أن نواصل الجدل حول علل العجز العربي والإسلامي الفعلي إذا كانت الغاية ألا يتجاوز عملنا العلاج البدائي المقصور على التغيير الانقلابي قصورا منا عن فهم دلالة البعد الرمزي من الفعل التاريخي بعمقيه السياسي والتربوي أعني ما يسميه ابن خلدون بصورة العمران وصلتها بمادته أي بعمقيه الاقتصادي والثقافي. فتكرار أسباب الحرب الأهلية حول شكل الحكم ومسؤولية النخب السياسية لن يمدنا بمخرج مقبول فضلا عن كوننا جربناه نصف قرن فكانت نتائجه أسوأ من الحل التي أردناه مخرجا منها وعن كونه صار بوضوح مطلب العدوين الإسرائيلي والأمريكي: زعم المساعدة على إرساء الديموقراطية قبل تحقيق الاستقلال حتى يزعم من ينصبهم الاستعمار أن لهم شرعية الإمضاء على تفاهمات تبقيه جاثما على صدورنا إلى يوم الدين[1].
فالمطلوب أن نفهم هاتين العلتين لنجيب عن الأسئلة التالية:
1-هل يمكن الكلام على بنية للسياسي واحدة في كل الأنظمة وإلام يمكن إرجاع اختلاف الأشكال الظاهري[2]؟
2-وما الأمر المحدد لوجهي السياسي الفعلي والرمزي أي كيف يمكن أن نحدد دور القوة ودور الشرعية في السياسي عامة[3].
3-وكيف نحدد منطق السياسة الكلي تصوريا أي بمقتضى طبيعة السياسي من حيث هو سياسي وكيف ندلل على صحة هذا المنطق تاريخيا دون الاقتصار على التاريخ العربي الإسلامي؟
4-وهل النموذج الفلسفي القديم[4] للتصنيف ما يزال مقبولا ؟ وما البديل منه ؟ أو كيف حصلت النقلة من رفض النظام الديموقراطي[5] إلى قبوله[6] ؟
تلك هي الأسئلة التي لم يبرح فكرنا يتردد عليها ولا يستطيع التخلص من مخالبها. لذلك فقد بات من الواجب أن نتصدى لها بالعلاج الفلسفي بالمعنى الإيجابي للكلمة أعني بالمعنى الذي يتحرر من العائقين المذهبيين اللذين يمنعان من الغوص إلى أعماق المسألة السياسية قصدت المقابلة القديمة بين الحلين السني والشيعي وهو ما أعنيه بخلاف البداية والمقابلة الحديثة بين الحلين العلماني والديني وهو ما أعنيه بخلاف الغاية. ذلك أن ملازمة نفس الإشكاليات وتكرارها في أدبيات السياسة العربية يعد من أقوى الأدلة على بقاء فكرنا دون حسم الخيارات الأساسية في تنظيم شؤونه وخاصة في مستوى وعي الأمة الجمعي ووعي نخبها الخاصي.
وسنعالج هذه الإشكالية في مستويي تعينها التاريخي: في مستوى نظرية الحكم أو ولاية الأمر وفي مستوى نظرية دور الرمزي في حياة الأمم. فتكون المحاولة مؤلفة من فصلين:
الفصل الأول: نظرية الحكم القرآنية وصلتها بالتحريف
الفصل الثاني: دور المرجعية الرمزية في حياة الأمة.
الفصل الأول
التحريف في القرآن
ونظرية السلطتين الروحية والزمانية في الإسلام
(ولاية الأمر)
تخلى الفكر الإسلامي العملي عن الجدل الذي دار في بداية القرن الفارط بين من ينفي وجود نظرية حكم في القرآن الكريم[7] ومن يثبتها[8] فبات في اللحظة الراهنة مترددا بين موقفين من مسألة الحكم يتقاسمان مذهبيه الأساسيين (السني والشيعي) ويتقابلان تمام المقابلة: موقف أصحاب الحل العلماني الفاصل بين الدين والدولة إلى حد التنافي وموقف أصحاب الحل الأصلاني الواصل بينهما إلى حد التطابق. وهذا التخلي عن الجدل ليس دليلا على حسم الأمر بصورة مثمرة بل هو تجاوز غير سوي. فأصحابه يتصورون الحسم في مثل هذه المسائل الجوهرية ممكنا بمجرد الانتقال من صوغ الإشكالية ضمن المرجعية الإسلامية إلى صوغها خارجها بالمقابلة بينها وبين مرجعية تزعم فلسفية لكأن الإسلام خلو من مثل هذا العلاج. لذلك فنحن نعود بالمسألة إلى جذرها الأول فنسأل عن "ولاية الأمر" في الإسلام هل حدد لها القرآن نظرية وما طبيعتها وهل لها صلة بما حصل في التاريخ السياسي الإسلامي أم إن كل ما حصل فيه مجرد اجتهادات تحكمية ليس لها أساس في القرآن الكريم والسنة الشريفة ؟
كل من تمعن الحوار الذي دار بين الرسول الكريم ونصارى نجران كما تقصه سورة آل عمران يلحظ أن علاج مسألة "ولاية الأمر" ذو صلة مباشرة بتعليل القرآن التحريف الذي شاب الكتب السماوية وأهم نتائجه إفساد شرع الله وبتعليله التأويل وأهم نتائجه التحيل الفكري للتغطية على علل التحريف الحقيقية في تاريخ الفكر الإنساني. فيكون الحل القرآني لمسألة ولاية الأمر مرتهنا بمرحلة إعدادية مضاعفة يمكن وصفها بالعلاج السلبي لكونها تحلل دوافع التحريف في الجماعة الإنسانية (مسألة عملية) ودوافع التأويل التي تؤسسها في النفس الإنسانية (مسألة نظرية) قبل تحديد ولاية الأمر السوية ببعديها الروحي والزماني وتأسيسها على مبادئ وصفات تخلص الإنسانية من هذين الدائين (التحريف والتأويل) اللذين يرجع إليهما وجود السلطان الروحاني والسلطان الزماني وجودا غير سوي ينافي ما ينبغي أن يقوما به من وظائف لا يخلو منها عمران.
فهما سلطانان يستعبدان روح الإنسان وجسده بمجرد أن يفسدا فيتواطآ على اقتسام غنائم استعباده. وعلامة هذا الفساد استبدادهما برزقه الروحي (شرط حريته الخلقي أو رئاسته الطبيعية بلغة ابن خلدون) وبرزقه المادي (شرط حريته المادي أو حقه الطبيعي بلغة ابن خلدون): وذلك هو الطاغوت بوجهيه الروحاني والزماني. لذلك فهذه المحاولة تهدف إلى إثبات فرضية وجود نظرية قرآنية في "ولاية الأمر"[9] وتحديد طبيعتها التي تختلف اختلافا كليا عن الحلين العلماني والأصلاني. وهما حلان يذكرهما القرآن في نفس النص (رمزا إليهما بحكم الجاهلية وحكم الملائكة والأنبياء المؤلهين) ويسعى إلى تخليص البشرية منهما. وتقبل هذه الفرضية الإثبات بطريقة تشبه منهج الاستدلال التجريبي: 1- نضع الفرضية 2- ونستنتج منها ما تقتضيه طبيعتها عقلا 3- ثم نحاول التحقق منه نقلا من خلال استقراء نص القرآن أولا وتاريخ فهومه ثانيا 4- لنختم باستخلاص النتيجة أي دستور ولاية الأمر القرآنية.
وهذه الفرضية التي استوحينا وجهها السلبي من سورة آل عمران خاصة ووجهها الإيجابي من سورة الشورى خاصة ذات مستويين: أولهما يحدد طبيعتها والثاني يحدد المجرى التاريخي للخلافات الكلامية حولها كما تعينت في الفرق الأساسية التي عالجت مسألة الحكم في الإسلام. والمعلوم أن هذه الفرق لا يزال لفكرها أثر في لحظتنا الراهنة. فما المقصود بطبيعة ولاية الأمر وما المقصود بمنطق مجراها التاريخي الذي أحاط بجدل المدارس الكلامية في الفكر الإسلامي؟
أولا طبيعة ولاية الأمر القرآنية: للقرآن الكريم نظرية في "ولاية الأمر" ذات وجهين روحاني وزماني متصلين غير قابلين للانفصال دون أن يكونا مع ذلك متطابقين[10]. وهي ولاية أمر ذات دستور خلقي كوني يطابق فيه حكم النقل الخاتم[11] اجتهاد العقل الحاكم[12].
1- الوجه الروحاني ويتعلق بالذوق والسلطان عليه. والمقصود بالذوق كل القيم غير الرزقية التي يتقوم بها وجود الإنسان من حيث تقدم وجههه الروحي أو الشعور بفضل الفيض الذي يتميز به قيام الذات العضوي والمتجاوز لنفسه عطاء في العلاقة بالعالم وخاصة بالجنس الآخر ورمزه الجمال عامة وأصل بدايته الجمال الأنثوي وأصل غايته الجمال الكوني: لذلك فهو غاية الشعور بقوة الذات والالتذاذ بها لاجتماع كل الحواس الخارجية والحوادس الداخلية[13] فيه أعني اللذة الجنسية. والسلطان عليه هو التربية ومنها السلطان الروحي.
2- الوجه الزماني ويتعلق بالرزق والسلطان عليه والمقصود بالرزق كل القيم غير الذوقية التي يتقوم بها وجود الإنسان من حيث تقدم وجهه المادي أو الشعور بالنقص الذي يتميز به قيام الذات العضوي والمتجاوز لنفسه أخذا من العالم وخاصة الغذاء ورمزه المال عامة وأصل بدايته ملكية الغذاء وأصل غايته ملكية الكون: فلذلك فهو غاية الشعور بضعف الذات والالتذاذ بأخذ ما يقيمها من العالم ويكون في ذروته إذا شاركت فيه كل الحواس الخارجية والحوادس الداخلية. والسلطان عليه هو السياسة ومنها السلطان الزماني.
ثانيا: منطق مجراها التاريخي: ولهذه النظرية في العمل أفقان يحكمان منطق تحقيقها التاريخي:
1- أفق أدنى انطلقت منه بداية وهو القيمتين المشتركتين (الإيمان بالله واليوم الآخر و العمل الصالح) بين الملل المعترف بها بتوسط الموقف الذي يطمئن من يعمل بهاتين القيمتين فيعده بعدم الخوف والحزن مع الإبقاء على حرية ممارسة ما ليس بمشترك بينها[14]: وذلك هو دستور دولة الإسلام في بداية تاريخها كما حققه الرسول نفسه بعد الهجرة مباشرة.
2- وأفق أعلى تسعى إليه غاية يتضمنها أفق البداية وهو القيم الخلقية الكلية التي يشترك فيها كل البشر بتوسط الموقف الذي يرجئ كل من لا يشارك في قيم أفق البداية لانتسابها إلى الغيب أو إلى ما يتعالى على الشاهد من الشأن الإنساني[15]: وذلك هو ما تحدده بذرات المشروع الذي يمكن أن نستقريه من القرآن لبناء دستور الدولة الإسلامية في غاية الحقبة الأولى من دورها في التاريخ العالمي وبداية الحقبة الثانية منه أعني الحقبة الراهنة[16].
ويقبل وجها هذه الفرضية المحدد لطبيعتها والمحدد لمنطق تحقيقها الإثبات بخمس طرق متكاملة تقبل الاستعمال بافتراق أو اجتماع:
1- بالطريقة العقلية من خلال استنتاج خصائص ولاية الأمر من تعريف الإسلام لنفسه: فخصائص ولاية الأمر تقبل الاستنتاج من تعريف الإسلام نفسه بصفته دينا خاتما يخاطب كل البشر ويسلم بحرية المعتقد.
2- وبالطريقة النقلية بتفسير الآيات المتعلقة بولاية الأمر: فتفسير الآيات القرآنية التي تحدد مفهوم ولاية الأمر في حياة البشر بوجهيها الزماني والروحاني تتفق مع هذين الشرطين: كلية الخطاب وحرية المعتقد.
3- ويمكن إثباتها بتحديد الصورة العقلية للنقل في دعواه الكونية: فصورة النقل الذي يدعي الكونية ينبغي أن تكون الحجة العقلية المستندة إلى معجزة نظام العادات لا حجة السلطة المستندة إلى معجزة خرقها كما في الرسالات السابقة: المعجزة الوحيدة هي مخاطبة الإنسان بعين تصوره (البيان والمنطق).
4- ويمكن إثباتها بتحديد المضمون النقلي للعقل في دعواه التحقيق التاريخي بأسبابه: فمضمون العقل الكلي الذي يدعي التعين الفعلي في التاريخ نقلي[17] لأن القيم لا تتحقق إلا بأسباب فعلية في التاريخ ومن ثم فللمضمون النقلي للعقل صلة بالسياسي نظريا (مفهوم الاجتهاد الذي يصبح تواصيا بالحق) وعمليا (مفهوم الجهاد الذي يصبح تواصيا بالصبر).
5- ويمكن أخيرا إثباتها بتحديد الأصل الواحد المشترك بين العقل والنقل المتصلين في مفهوم الدين الكلي أو الفطرة التي تسعى تاريخيا إلى تحقيق التطابق بين مكارم الأخلاق الفطرية وتعاليم الدين الكوني: وأما الأصل فهو القول بالدين الواحد المطابق لمكارم الأخلاق ومن ثم المتجاوز للأديان القومية طبيعية كانت أو منزلة.
لكننا سنختصر الجواب فنجمع هذه الطرق بصورة تجعل العلاج أشبه بالتحقق التجريبي من الفرضية التي نقدمها حول طبيعة ولاية الأمر في القرآن الكريم فنثبتها في علاجها القرآني السلبي ثم في علاجها الإيجابي لنختم بالكلام على العلاج التاريخي كما ورد في زبدة آراء المذاهب الإسلامية ملتزمين في كل ذلك بما نعتبره التصور المطابق لنظرية ولاية الأمر القرآنية. وبذلك تكون المحاولة مؤلفة من العناصر الثلاثة التالية:
المسألة الأولى: إثبات نظرية ولاية الأمر بالسلب من خلال عرض القرآن لعلل التحريف وعلل التأويل.
المسألة الثانية: إثبات نظرية ولاية الأمر بالإيجاب ببيان شروط حياة الجماعة السوية كما حددها القرآن الكريم
المسألة الأخيرة: عرض نظريات ولاية الأمر الأساسية في تاريخ فكرنا السياسي بداية وغاية ومنطق انتقال من البداية إلى الغاية.
المسألة الأولى
التأسيس السلبي لنظرية ولاية الأمر القرآنية
يتألف التأسيس السلبي من مستويين. أولهما قرآني عام يحدد ولاية الأمر بإطلاق. والثاني قرآني خاص يحرم ولاية الأمر النبوية لئلا يتقاسمها العلماء أو الأمراء تحيلا على ختم النبوة والوحي ببعديها الأخروي والدنيوي.
التأسيس السلبي العام:
تعتبر سورة آل عمران التحريف الوجودي (العلاقة بين ذات الله وذات الإنسان) وثمرتيه المعرفية والقيميه (العلاقة بين العلم والتشريع الإلهيين والعلم والتشريع الإنسانيين) أصلين للطاغوت الروحي والطاغوت الزماني الناتجين عن استبداد ولاة الأمر الديني (العلماء) وولاة الأمر السياسي (الأمراء) استبدادهم برزق الإنسان الروحي لاستعباده عن طريق الاستبداد بروحه وبرزقه المادي لاستعباده عن طريق الاستبداد بجسده. وقد وصفنا التحريفين بالوجودي والقيمي استنادا إلى نفس السورة التي ترجع نشأتهما في الفكر الديني إلى تحريف مفهوم الله ومفهوم الإنسان وجوديا (طبيعتيهما) وقيميا (تشريعيهما).
فالتحريف الوجودي[18]: هو التوحيد بين الذاتين الآلهة والمألوهة أو تأليه الإنسان سواء كان ذلك بصريح المعتقد كما هو الشأن في نظرية تأليه المسيح أو تلوا عن تعينيه أحدهما أو كلاهما كما يوجد في النظريات الفلسفية والصوفية الجحودية. والتعينان هما ثمرتا التحريف الوجودي ومن ثم فهما أهم ما يؤثر منه في الشأن الإنساني لأنهما هما المفسدان لكل علاقات الإنسان بالإنسان والكون.
التعين الأول من التحريف الوجودي نظري ومعرفي: وهو نفي تعالي الحقيقة على علم الإنسان بمجرد تأليه عقله وحصر الوجود في الإدراك. وعلاجه يهدف إلى تحرير البشرية كلها وليس المسلمين وحدهم بالتصدي للتحريف الوجودي أو بلغة الكلام كيف تكون الحقيقة متعالية على علم الإنسان فلا تكون تحكم عقله.
والتعين الثاني من التحريف الوجودي عملي أو قيمي[19]: هو نفي تعالي الحق على عمل الإنسان بمجرد تأليه إرادته. وعلاجه يهدف إلى تحرير الإنسانية كلها وليس المسلمين وحدهم بالتصدي للتحريف القيمي أو بلغة الكلام كيف يكون الحق متعاليا على عمل الإنسان فلا يكون تحكم إرادته.
فتأليه الإنسان معرفيا وقيميا هو جوهر الطاغوت الناتج عن جوهر التحريف. ذلك أن الحقيقة (النظر) والحق (العمل) صارا من هذا المنطلق ما يحدده عقل الإنسان وإدراكاته مقصورين عليه: لم يعد لهما ما يتعالى عليهما حتى صار أصحابهما يتصورون موضاعتهما مردودة إليهما فيكون الإنسان ليس رب علمه وعمله فحسب بل هو رب موضوعيهما الموضوعي فبات العالم الخارجي الطبيعي والتاريخي كلاهما من صنع وهم الإنسان ولا وجود في الحقيقة إلا للإنسان والباقي ليس هو إلا مدركاته[20]. لكن العقل السوي يعتبرهما أمورا تتعالى على ما يدركه الإنسان ويعمله لأن الإدراك والعمل نفسيهما ومن حيث هما إدراك وعمل هما إدراك وعمل لموضوعهما وإدراك وعمل لقصور الإدراك والعمل على استغراق الموضوع مهما كان حقيرا.
فإذا قلنا بإحاطة علم الإنسان وعمله بالوجود كان ذلك جحودا لتعالي الحقيقة والحق وإذا نفينا الإحاطة كان ذلك شهودا للتعالي وإيمانا بالغيب دون نفي قيمة العلم والعمل بالشاهد في حدود الاجتهاد والجهاد الإنسانيين: والقول بنفي الإحاطة هو المضمون السلبي التأسيسي في القرآن الكريم للرسالة الخاتمة التي تستعيض عنها بهذين العلاجين النظري والعملي[21]. وليس في القول بالاجتهاد والجهاد بديلين من الإحاطة النظرية والعملية قول بالنسبية: فهو من آداب العلم والعمل لأنه ينفي الاحاطة بالحقيقة نظريا والحق عمليا ولا ينفي الحقيقة والحق وجوديا. والنسبي فيه هو قدر علم الإنسان وعمله وليس موضوع علم الإنسان وعمله لا موضوعهما المتعالي عليهما دائما تعاليا هو عين الغيب النظري والعملي.
ويتبين ذلك من الآية 256 من البقرة. فإدراك حدود الجحود كفران بالطاغوت الذي يزعم صاحبه الإحاطة ليطغى. لذلك فهو ينبغي أن يكون متقدما فينومينولوجيا على الأقل (في الإدراك والوعي به) على إدراك الشهود أو الإيمان بالله. لكن الترتيب الأنطولوجي هو العكس تماما. فالإيمان متقدم انطولوجيا (في القيام الذاتي بصرف النظر عن الإدراك والوعي). لو لم يكن الإنسان شاهدا لله قائما له في الأصل لامتنع عليه أن يدرك حدود حصر الوجود في الإدراك أعني الجحود الذي هو أصل كل طاغوت. فيكون التحريف الذي أرجعت إليه آل عمران علل فساد ولاية الأمر الروحية والزمانية ثمرة مرض مرة تعانيها النفس البشرية فتجحد الشهود المتقدم لتطغي طغيانا يحول الشهود إلى مجرد ظاهرات وعي وتصبح الأديان عند طغاة النظر[22] (العلماء الذين يزعمون وراثة الأنبياء تشريعيا) من أوهام البشرية الميثولوجية التي يبدعونها في تواطئهم مع طغاة العمل (الأمراء الذين يزعمون وراثة الأنبياء تنفيذيا): وذلك هو تحريف الدين وليس الدين[23].
لذلك فالقرآن يقدم الكفران بالطاغوت في العلاج على الإيمان بالشهود لأنه السبيل إلى الشفاء بإزالة الداء إذ بفضله يتحقق تبين الرشد من الغي: " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم"[24]. وذلك المرض هو علة التأويل المؤسس للتحريف والمنهي عنه في آل عمران لمناقضته الصريحة للمحكم من القرآن:" هو الذي أنزل عليك الكتاب. منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات.فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به. كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب"[25] .
ولنكتف بشهادتين من نص القرآن الكريم تثبتان هذه العلاقة بين استبداد القيمين على الأمر والعلل التي تؤدي إلى التحريف:
الشهادة الأولى من آل عمران وفيها يفسر القرآن الكريم التحريف المؤدي إلى الجحود. فالقيمون على الدين يقدمون المصلحة المادية على الحقيقة (التحريف الوجودي) والحق (التحريف القيمي) ليتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا بدل من أن يكونوا جميعا عبيد الله ومستجيبين لشرعه. قال جل وعلا:" إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم[26]* وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[27]*
الشهادة الثانية من البقرة وفيها يحدد القرآن الكريم أصل التحريفين الوجودي والقيمي بدءا بتعريف الذات الإلهية وعلاقة علم الإنسان به من منظور محدودية علمه وعمله وختما بتعريف الإيمان الحر الناتج عن تبين الرشد من الغي والمشروط من ثم بهذا التبين الذي هو الكفر بالطاعوت. قال جل وعلا: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم[28]* لا إكراه في الدين قد تبن الرشد من الغي فمن يكفر الطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم"[29].
التأسيس السلبي الخاص:
لكن التأسيس السلبي لا يستمد من القرآن من حيث تحديده لولاية الأمر بإطلاق فحسب بل لا بد من استمداده منه كذلك من حيث تحديده لما يقبل الإرث من ولاية الرسول للأمر. فهذه الوراثة كانت ولا تزال أصل الخلاف الجوهري في تاريخ المسألة: فمنه بدأت بذرات الفتنة بين حزبي الأمة الأكبرين الحزب الشيعي الذي يقول بالوراثة صراحة والحزب السني الذي ينفيها صراحة ثم أصبح ضمينا يعمل بما يماثلها وظيفة على الأقل في أحد وجهيها (العلماء) حتى وإن خالفها طبيعة. لا بد إذن أن نحلل مفهوم وراثة صنفي أولي الأمر[30] للأنبياء أي العلماء و الأمراء لنتحرر من انقلابها إلى وراثة تضاد قصدها الأصلي ما دامت قد أصبحت أصلا للكهنوت الروحي (استبداد العلماء سواء كانوا سنة أو شيعة) المساند للجبروت الزماني (استبداد الأمراء سواء كانوا سنة أو شيعة) [31] جمعا بين بعدي الطاغوت في التاريخ الحضاري الإسلامي الطاغوت الذي نراه اليوم يصبح أكبر أدواء أمتنا أدوائها المزمنة[32]؟
1-فالدعوى الأولى المضاعفة والسلبية: تتمثل في ختم الوحي في مجالات التقويم الخمسة[33] تشريعا وتنفيذا وفي نفي السلطة الروحية الوسيطة الناطقة باسمه تشريعا وتنفيذا. لذلك فحاصل هذه الدعوى ينبغي أن يكون نفي العلم المطلق عن العقل الإنساني دون الوقوع في النسبوية. ومن ثم فهي نظرية ثورية في الحقيقة المعرفية (=المستوى الإبستمولوجي) وفي نظرية الحقيقة الأيسية (=المستوى الانطولوجي)[34] اللتين يعمل بمقتضاها العقل الإنساني.
2- والدعوى الثانية المضاعفة والإيجابية: تتمثل في الاستدلال بآيات الانتظام في الوجودين الطبيعي (نظام العالم الطبيعي) والتاريخي (نظام العالم الخلقي) وفي ما نسميه بالتدبر العقلي والخلقي اللذين بنى عليهما القرآن خطابه ودعوته. وذلك هو الفكر الاجتهادي الذي يريده القرآن الكريم منهاجا وشرعة للبشرية بديلا من الوحي المتصل بعد أن خُتم ومن السلطة الوسيطة التي تمثل الوحي المتصل في الأديان الأخرى[35]. لذلك فحاصل هذه الدعوى هو نفي تعالي أي سلطة على العقل والإرادة الإنسانيين دون الوقوع في الفوضوية الناتجة عن إطلاقهما أو عن عدم إدراكهما لحدودهما. ومن ثم فهي نظرية ثورية في السلطة السياسية وفي السلطة الروحية اللتين تعمل بمقتضاها الإرادة الإنسانية المدركة لتناهيها ومن ثم المدركة لعدم تناهي ما وراء مداركها النظرية والعملية.
كلتا الدعويين يجمع بينهما الفهم الصائب لنظرية ولاية الأمر أو وراثة ما يقبل الوراثة من المجاهدة الرسولية[36] تأسيا بخصائص أفعال الرسول العقلية والخلقية لا محاكاة لمقولات قوله ومفعولات فعله. فليس للرسول سلطان يرثه منه ولاة الأمر بصنفيهما. فهو متلق يبلغ ما يتلقاه دون أن يستمد منه سلطان[37]. وهو يتلقى من الله. ولا أحد من العلماء يمكن أن يزعم أنه يتلقى من الله وإلا لذهبوا مذهب زاعمي الولاية الذين لم يكتفوا بالقول إنهم يتلقون من الله بل زعموا أنهم يتلقون منه ما لم يزعمه النبي: العلم بالغيب. فيكون العلماء متلقين من آياته الكونية والأمرية بتوسط التدبر المعرفي والخلقي. وتلك هي ثمرة أفعال العقل (العلم) وثمرة أفعال الإرادة (العمل) النظرية في تدبر سنن الكون والتاريخ التي دعا القرآن لتدبرها مثلهم مثل كل إنسان. ومن ثم فهم لا يرثون إلا واجب التبليغ لأن واجب التدبر فرض عين على الجميع: إذا كان الله قد نفى عن الرسول كل سلطان على مخاطبيه فكيف يمكن لمن يزعم أنه وارث الرسول أن يرث منه ما لا يملك ؟
إرثهم إذن هو أن يبلغوا ما يتلقوه من دراسة الآيات الكونية والأمرية دون فرض أو سلطان فضلا عن كون العلم الموروث مقتصرا على الشهادة لأن الغيب لا يعلمه إلا الله والأنبياء أنفسهم عنه محجوبون. ويكون الأمراء متلقين لنفس الثمرات عمليا ليكونوا بمقتضاها في خدمة إرادة الجماعة التي تسير شؤونها بمبايعتهم مبايعة حرة شرط أن يسيروها بحسب تلك السنن عملا بمبدأ أمرهم شورى بينهم. علم مجرى الآيات وعمل إرادة الجماعات أصبحا المصدرين البديلين من الوحي الذي ختم: ما يتلقاه النبي وحيا يتلقاه العلماء والأمراء طلبا معرفيا وسلوكا خلقيا. فما يمكن أن يرثه العلماء هو وثاقة التلقي وأمانة التبليغ إذا توفر فيهم شرط الطلب الصادق والاستماع الفاهم. أما ما يرثه من اختارته الأمة للإمارة فهو بالإضافة إلى ذلك مطابقة الفعل للقول وإتقان التنفيذ الذي ينبغي أن يكون أقرب ما يكون للإرث الأول.
والكل يعلم كيف تحولت هذه الوراثة إلى سلطة في المجال الروحاني يدعيها العلماء (إما صراحة عند الشيعة زعما أن الأيمة معصومون أو ضمنا حيث أصبح المسلم رهن إشارة الفقهاء في كل شاردة وواردة) وسلطة في المجال الزماني يدعيها الأمراء (حيث أصبح الإمام أو الخليفة ظل الله في الأرض) سلطتين[38] تستخدمان الأمة بدل من أن تكونا في خدمتها حتى باتت الأمة فاقدة للقدرة على رعاية أمرها الذي استبد به العلماء والأمراء. كيف أصبح أولو الأمر يتولون الأمر النظري والعملي غصبا ويجعلون منه سلطانا فوق ثمرة عقل المسلم وثمرة إرادته ؟
المسألة الثانية
التأسيس الإيجابي لنظرية ولاية الأمر القرآنية
يرجع الأصل الإيجابي لمسألة "ولاية الأمر" ببعديها الروحاني والزماني إلى اعتبار سعي الوحي الخاتم سعيا إلى تحقيق التطابق بين العقل والنقل في مفهوم الدين الكلي الذي يعين تاريخيا مضمون الفطرة الخلقية أو التطابق الفعلي بين مكارم الأخلاق وتعاليم الدين الكوني. فالدين الخاتم ليس شيئا آخر غير القيم الخلقية التي تجعل التاريخ الإنساني يتحرر من منطق التاريخ الطبيعي (حرب الكل على الكل) فيحقق منطق التاريخ الخلقي (كما حدده توق الإنسان للأخوة البشرية). والتعيين التاريخي لمضمون الفطرة الخلقية من حيث هو عمل إنساني يتألف من وجهين: وجه الغايات ووجه الأدوات. وأول الوجهين ديني وجدانيا وخلقي فرقانيا وهدفه تحديد غايات الحياة الإنسانية. والوجه الثاني سياسي عمليا وتقني معرفيا وهدفه إبداع الأدوات التي يحقق بها الإنسان تلك الغايات. وقد حدد القرآن أصل الغايات الدينية فاعتبرها عين مكارم الأخلاق الكلية جاعلا منها شرط الأخوة البشرية في مجالات القيم التي يتقوم بها الأمر وولايته.
كما حدد القرآن أصل الأدوات السياسية فاعتبرها ثمرة التشاور بين الذوات الخلقية لعلاج "الأمر" الذي ذكر في الآية 38 من الشورى:" والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون"[39]. إنها ثمرة الإيمان ثمرته التي تفترضه متقدما عليها (استجابوا لربهم بعد معرفته) وبذرة للأخوة البشرية المبنية على الاشتراك في الرزق (ومما رزقناهم ينفقون). فكانت الشورى حدا أوسط (أمرهم شورى بينهم) بين حدين روحي (الاستجابة للرب) وزماني (الاشتراك في الرزق). ويرمز الحدان بوحدتهما في الأمر الشورى لوحدة ولاية الأمر كما ترمز الشوري بتوسطها بينهما إلى السياسي من حيث هو إبداع للأدوات الواصلة بين الحدين اللذين يرمز أولهما للتوجه الروحاني من ولاية الأمر (أقاموا الصلاة) ويرمز الثاني منهما للتوجه الزماني منها (مما رزقناهم ينفقون):
ويبين التقسيم العقلي والاستقراء النصي للقرِآن الكريم أن مجالات "الأمر" كما تلخصها سورة الشورى[40] مجالاته التي ينتظم بها العمران تقبل الرد إلى المجالات الخمسة التالية:
1- مجال تعامل البشر حول الرزق المادي أو الاقتصاد (أسباب الحياة).
2- مجال تعامل البشر حول رعاية الرزق المادي ليكون موضوع تعاون لا سبب صراع: البعد الزماني من ولاية الأمر أو المؤسسة السياسة لرعاية الحق والعدل بين الناس.
3- ومجال تعامل البشر حول الذوق أي الرزق الروحي أو الثقافة (معاني الحياة وهي دينية خلقية في الإسلام).
4- مجال تعامل البشر حول رعاية الرزق الروحي ليكون موضوع تعارف لا سبب تناكر: البعد الروحاني من ولاية الأمر أو المؤسسة التربوية لرعاية الكرامة والمساواة بين الناس.
5- الأصل الموحد لهذه المجالات الفرعية الأربعة: ولاية الأمر الشاملة أو الخلافة العامة بمعناها العام وهي ولاية الأمة للأمر بنفسها لأن الخلافة منزلة وجودية للإنسان من حيث هو إنسان ومن ثم فالقيام بها فرض عين وهي عين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب على الجميع.
وهذا الأصل الخامس هو الذي يوحد المجالات بفضل تعينه في التزام الجماعة ككل التزامها بجعل ولاية الأمر فرض عين: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"[41] شرطا يصح أن توصف الأمة إذا حققته بما يصفها به قوله تعالى :"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..."[42]. ويمكن للأمة أن تولي الأمر لمن تريد بحسب نظام دستوري حدد القرآن مبدئين ليس منهما بد:
أحدهما روحاني (القيام والشهادة لله).
والثاني زماني (القيام بالقسط والشهادة به).
وقد ورد المبدآن مرتين متعاكسي الترتيب ليثتب التلازم بينهما[43]: 1- القيام بالقسط والشهادة لله 2- والقيام لله والشهادة بالقسط. وتلك هي علامة العبودية لله وحده عبودية تجعل الإسلام لسننه أصل التعامل البشري بمكارم الأخلاق لأنهم أخوة لا يتمايزون إلا بأعمالهم الخلقية التي تحدد درجاتهم عند المألوه الواحد. فيكون التعامل بين الناس بالقسط قياما وشهادة محكوما بالعبودية لله. وذلك هو جوهر الدين من حيث هو دين يطلب الحقيقة (وترمز إليها الشهادة بالقسط والشهادة لله) ويعمل بالحق (ويرمز إليه القيام بالقسط والقيام لله) على علم: " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسملون"[44].
ذلك هو مدلول مكارم الأخلاق التي تحقق الأخوة البشرية في الوجود الزماني لتحققها في الوجود الروحاني برعاية الأمة كلها. فالرعاية التي هي مضمون ولاية الأمر فرض عين. ويبقى الأمر كذلك حتى عند التوكيل إذ ولاية الأمر الأصل تصبح عندئذ واجب الرعاية بالسهر على احترام الوكيل لعقد الوكالة أو ما نسميه اليوم بالرقابة الدائمة:" أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون ؟"[45]. فتكون ولاية الأمر بيد الأمة لرعاية هذه المجالات الخمسة بمقومي الإنسانية نظرا "الأمر الشورى بينهم"[46] وعملا "الانتصار من البغي"[47]. ذلك أن هذين المقومين هما شرط الاستثناء من الخسر فرديا[48] (الإيمان والعمل الصالح) وجماعيا[49] (التواصي بالحق أو الاجتهاد الإجماعي والتواصي بالصبر أو الجهاد الإجماعي).
والمعلوم أن ما يعنينا من إشكالية ولاية الأمر[50] في الإسلام في هذه المحاولة هو علاج الخلاف الراهن حولها[51]: الخلاف بين القائلين بالفصل بين وجهيها الروحاني والزماني إلى حد القول بالموقف العلماني والقائلين بالوصل بينهما إلى حد القول بالموقف الأصلاني. وفهم التطور الذاتي الذي أوصل إلى هذه الصيغة يساعد كثيرا على تحديد آفاق العلاج. فهو يخلصنا من الرد السهل الذي يكتفي أصحابه بالزعم أن صيغة الخلاف الحالية بين العلمانية (فصلا بين الدين والسياسة) والأصلانية (مطابقة بينهما) عند المسلمين مستوردة أو ناتجة عن تأثير الفكر الغربي في الثقافة الإسلامية.
فمسألة ولاية الأمر ببعديها الديني والسياسي ترددت في تاريخ الإسلام وفكره بين خلافين أصلين كلاهما تفرع إلى حدين أقصيين آلا في آخر الصيغ إلى هذه المقابلة بين العلمانية والأصلانية مآلا ذاتيا للحضارة الإسلامية حتى وإن كنا لا نستثني وجود التأثر بالعامل الأجنبي في أسلوب وضع المسألة وعلاجها وضعا وعلاجا يجعلانها وكأنها صراع بين العقل والنقل خارج النقل لأنها من ثمرات العقل النافي للنقل (العلمانية) أو خارج العقل لأنها من ثمرات النقل النافي للعقل (الأصلانية).
لن يكون كلامنا في الأصل الأول (الخلاف الأصلي الذي انقسم المسلمون بموجبه إلى شيعة وسنة) وفرعيه الأقصيين (الخوارج والمعتزلة) إلا للتذكير ببداية المشكل لكي نفهم النقلة إلى الوضعية الحالية في مسألة ولاية الأمر طلبا لما يساعد على تجاوز الخلافات الماضية بين فرق الإسلام الرئيسية من أجل أن تتوحد حول نموذج إسلامي ينبغي أن يقدم للبشرية بديلا من الأليغارشية الكونية التي تتنكر تحت اسم الديموقراطية في كرنفالات التغزل بالنزوات الشعبوية. لذلك فنحن لن نطيل الكلام في الصيغة الماضية من إشكالية ولاية الأمر رغم بقاء رسومها حية بل سنكتفي بتقديم نماذج مما يمكن أن يساعد على حل اشكاليات الصيغة الحالية التي يترصدها خطر الخروج عن إطار مرجعية قيم الأمة إما بتفريط العلمانيين الجاهلين بأنهم لا يفصلون السياسة عن الدين بل هم يمسحونها وافراط الأصلانيين الجاهلين بأنهم لا يصلون السياسة بالدين بل يحولون الوصل إلى تأسيس للاستبداد كان الرسول منه براء. ولما كان هذا الخطر هو الأكثر ضررا على الأمة لمدى أثره ولتفاهة أثر الخطر الأول بات من الواجب أن نحرر منه فكرنا في محاولتنا.
وتتبين صحة التأسيس الإيجابي ل"ولاية الأمر" في الإسلام من اختيار القرآن الحلول التي تنفي السوالب وتثتب الموجبات في الشروط والنتائج لدعوييه اللتين تحددان جوهر الدين من منظور الإسلام:
1- فالدعوى الأولى تقول إن الإسلام رسالة خاتمة تلخص كل الرسالات المتقدمة عليها وتخاطب الإنسان من حيث هو إنسان ومن ثم فنظام الحياة الروحية المترتب عليها ينبغي أن يشمل كل البشر ولا يختص بالمسلمين وحدهم.
والمعلوم أن ذلك لا يتحقق إلا بأحد شرطين:
ا-إما بفرض العقيدة الواحدة أو
ب-بالتسليم المبدئي بحرية المعتقد[52] وتعدده.
والقرآن كما هو معلوم أثبت حرية المعتقد ونفى فرضه كما لا يمكن أن ينكره أحد ممن اطلع عليه ولو سطحيا. كما أن القرآن اختار أصل هذا الأصل في المعرفة التي هي منبع العقد: فهو يرفض مزاعم العلم المطلق ويكتفي بالعلم الاجتهادي لأن الغيب محجوب على الجميع بمن فيهم الأنبياء. ومعنى ذلك أن التحقق من فرضيتنا لا يكتفي بإثبات الدعوى بل يشير إلى ما في القرآن من تبشير بالنتائج الإيجابية المترتبة على الخيار الموجب وإلى ما فيه من نذير بالنتائج السلبية المترتبة على الخيار السالب: نظام حياة روحية مبنية على الخيار بين التواصي بالحق[53] أو الخداع المتبادل.
2- والدعوى الثانية تقول إن الإسلام رسالة يتطابق فيها حكم العقل وحكم النقل تطابق أصل قيم الأخلاق الكونية وأصل قيم الدين الكلي ومن ثم فنظام الحياة المدنية المترتب عليها ينبغي أن يتألف من قوانين عامة أولها التسليم بتعدد الشرائع أعيانا من النظام الذي يشمل كل البشر ولا يختص بالمسلمين وحدهم.
والمعلوم أن ذلك لا يتحقق إلا بأحد شرطين:
ا- إما بفرض شريعة واحدة بعينها أو
ب- بالتسليم المبدئي بتعدد الشرائع[54].
والقرآن الكريم قد اختار تعدد الشرائع واعتبر ذلك من السنن الضرورية للتنافس في الخيرات كما يتبين من الآية 48 من المائدة. وأصل هذا الأصل في القرآن هو اختيار نظرية تعدد الشرعات والمناهج في إحقاق الحقوق. ومعني ذلك أن التحقق من فرضيتنا لم يكتف بالتحقق من الدعوى بل وجد في القرآن ما يبشر بالنتائج الإيجابية المترتبة على الخيار الموجب ووجد فيه ما ينذر بالنتائج السلبية المترتبة على الخيار السلبي: نظام حياة زمانية مبنية على الخيار بين التواصي بالصبر[55] أو العداء المتبادل.
ويبقى على العقل الإنساني[56] أن يبدع المؤسسات التي تحقق هذه الشروط والنتائح الإيجابية وتحول دون الشروط والنتائج السلبية. وطبعا فهذا الإبداع لا يمكن أن يكون إلا اجتهادا إنسانيا مرجعه الأول والأخير عبارة "أمرهم شورى بينهم" بعد أن تعين الأمر ما هو أي إن روية الجماعة هي التي تختار من بين ما تستنبطه عقول الأمة المؤسسات التي تستجيب للشروط الإيجابية من أجل النتائج الإيجابية ولما يحول دون الشروط السلبية التي تؤول إلى النتائج السلبية.
وقد سبق لنا أن اقترحنا في غير موضع من أعمالنا في الفلسفة العملية تصورا لهذه المؤسسات التي تستجيب للمبادئ التي استخرجناها من القرآن الكريم. ولعل أهم ما يمكن التذكير به هو:
أولا- نظرية السلط الخمس:
1- السلطة الأصل: هي رأي الأمة العام ممثلا بأنظمة سلطة التعبير بالفعل والكلمة كما يتعينان في مجالات الفعل الإنساني الخمسة بمعيار سلطة التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
2-السلطة التشريعية: وهي السلطة التي تستمد بفعل ترجمة مؤسسة القيم التي يحددها تشريع المرجعية الروحية في مجال قيمها المقدسة النصوص القانونية التي تنتظم بها الحياة المدنية والسياسية.
3-السلطة التنفيذية: وهي السلطة التي تترجم فعليا النصوص التشريعية في الوقائع المدنية والسياسية.
4-السلطة القضائية: وهي السلطة التي تقوم فعليا احترام الوقائع للنصوص عند حصول خلاف في كل المستويات المدنية والسياسية.
5- السلطة التربوية: وهي السلطة التي تقوم معرفيا احترام الوقائع للنصوص وتكون الإنسان خلقيا بحسب القيم ومعرفيا بحسب الأدوات المحققة للغايات الأمة والإنسانية.
وبذلك تكتمل الدائرة السلطانية انطلاقا من المرجعية المقدسة وعودة إليها لأن السلط كل السلط تنبع من الأولى وتخضع لنقد الأخيرة معرفيا والرابعة فعليا. والأخيرة مطلقة الحرية النقدية لكنها ليست مصدر تشريع مثل الأولى إلا بصورة غير مباشرة من حيث هي مصدر تكوين المواطنين المعرفي والخلقي.
ثانيا- أسلوب تعيين القيمين على السلط:
وللسلطة الأصل منابر موضوعية حسب أصناف القيم الخمسة (ولها قيمون يمكن أن يكون مجلسهم على النمط التالي: منبر قيم الرزق وينتخب عشرة وجهاء ومنبر قيم الذوق وينتخب عشرة أدباء ومنبر قيم العمل وينتخب عشرة أمراء ومنبر قيم النظر وينتخب عشرة علماء ومنبر قيم الوجود وينتخب عشرة حكماء). وهذه المنابر ممثلة لوجوه تحديد استراتيجيات الأمة دون أن يكون لها سلطان فعلي على الشأن اليومي الذي تتداوله أنظمة العمل المنتج في المجالات الخمسة المشار إليها بل هي تكون مجلس الخمسين الذين لهم مهمتان:
أولاهما رصد التفكير الاستراتيجي الحر في الرأي العام الذي يحدد خيارات الأمة في مجالات التقويم الخمسة أعني في مجال قيم الذوق وقيم الرزق وقيم رعاية الذوق أو السلطة الروحانية (التربية) وقيم رعاية الرزق أو السلطة الزمانية (الدولة) وقيم الوجود (الفكر الديني والفلسفي).
والثانية ترشيح خمسة أعلام ليختار منهم الشعب الخليفة بالانتخاب العام فيكون رمز رئاسة الأمة (أو الدولة في غياب وحدة الأمة). والخليفة الذي ينتخب بالاقتراع العام يعد الرئيس الرمزي للدولة ولكل السلط دون أن يكون له سلطان يتجاوز رعاية قيم الشريعة باعتبارها المرجعية المقدسة التي تحدد المبادئ العامة ولا تتدخل في المضامين القانونية والتوازن بين السلط أو حماية الدستور قانونيا والمرجعية الروحية خلقيا. وهو المشرف على انتخاب السلط الأربع الأخرى والمحافظ على نزاهة الانتخاب لتحقيق شروط التداول وتحقيقه الفعلي.
لكن الانتخاب يشمل كل أعضاء السلطة التشريعية وهي ذات غرفتين: إحداهما تعتمد الاقتراع التسبي المطلق حتى تظهر كل الآراء ووظيفتها نقد النصوص ومناقشتها وهي لا تمر من دون أن يحصل حولها نوع من الإجماع والثانية تنتخب بحسب آليات مشروطة بتحقيق وظيفتها على الوجه الأفضل بحسب الظروف أعني أن تكون قادرة على تيسير فعل الحكم بآلية الأكثرية دون أن تنفي التعدد المحترم للأقلية. أما السلط الثلاث الأخرى فيقتصر الانتخاب فيها على رؤسائها ينتخبهم المجلسان مجتمعين (لأن بقية الأعضاء فيها تنتسب إلى التصرف التنفيذي وهو أداة بيد هؤلاء المنتخبين وإن بإشراف السلطة التشريعية بتوسط السلطة القضائية):
رئيس الحكومة وينتخبه المجلسان من بين مرشحين يختارهما الحزب الذي حصل على الأغلبية في المجلس الثاني بشرط أن يزكيه المجلس الأول بالإجماع الأغلبي.
ورئيس القضاء وينتخبه المجلسان من بين مرشحين يختارهما الحزب الذي حصل على الأغلبية في المجلس الأول بنفس الشرط.
ورئيس التربية وينتخبه المجلسان مجتمعين من بين مرشحين يختارهما الحزبان الأغلبيان في المجلسين وبشرط أن يحصل المنتخب على ثلثي المجلسين مجتمعين.
ثالثا- كيفية الحسم عند الاختلاف:
كل هذه الشروط يحرر منها نظام الآجال الإجرائية لئلا تصبح معطلة لعمل المؤسسات فتوقف سير الشأن العام بانتظام غير مخل بأمن البلاد المخمس:
1- الأمن بمعناه الأخص أي منع عدوان الناس بعضهم على بعض
2- الأمن بمعناه الأعم أي قابلية التلاقي بين الناس تواصلا واتصالا
3- الأمن الصحي أو حماية المواطنين من الأمراض
4- الأمن الغذائي أي تحقيق شروط الصحة الجسدية والحيوية
5- الأمن التربوي أي تحقيق شروط الصحة النفسية والمدنية
فإذا لم يحصل ما يحول دون قيام الدولة بهذه الوظائف بسبب تأخير حسم هذه الانتخابات في أجل محدد ينص عليه الدستور وبعد دورتين من إجراء عملية الانتخاب يصبح الحاصل على الأغلبية في المجلس الثاني هو المكلف بالرعاية إلا إذا رفضه الثلثان من المجلس الأول. وفي هذه الحالة يلجأ إلى الحلول التوافقية بين المجلسين بالأغلبية البسيطة على أسماء غير التي رفضها الثلثان لأن رفض الثلثين دليل كاف على عدم الشعبية المخلة بالزعامة السوية التي هي سلطة معنوية أو رئاسة بمعناها عند ابن خلدون أعني ثمرة الاعتراف الطوعي لا الإكراه كما هو شأن السيادة عنده.
المسألة الأخيرة
لب نظريات ولاية الأمر في المذاهب الإسلامية
نظريات ولاية الأمر في الفكر الإسلامي الأصيل والممثل للفلسفة العملية يؤطرها خلافان جوهريان:
أولهما لم يحسم إلى الآن قصدت الخلاف السني الشيعي وكلاهما ذو مرجعية إسلامية لا غبار عليها ومعرفتها ستحررنا من زعم أحد الفريقين تكفير الفريق الآخر: فكلاهما قراءة ممكنة لنص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولا مفاضلة بينهما إلا بمبدأ الإجماع أو بمنطق الأغلبية والأقلية بشرط ألا تلغي الأغلبية الأقلية.
والثاني هو الخلاف بين العلمانية والأصلانية وكلاهما ذو مرجعية يصعب تحديدها لكنهما يمكن أن يطبق عليهما نفس المبدأ حتى يحسم الخلاف حسما تسامحيا وتصبح الحياة المدنية ممكنة بآليات الحسم السلمي:
ف "الخلاف الأصل" الأول بين القائلين الوصية و القائلين بالاختيار خلاف حول من يتولى الأمر بعد وفاة الرسول. وهو خلاف بدأت به الأزمة التي نشأت مباشرة بعد الوفاة وآلت في الغاية إلى الفتنة الكبرى التي لا زلنا نعاني من بعض آثارها آملين أن نتمكن من تجاوزها بتحقيق شروط الأخوة الصادقة بين طرفيها[57] . فمن دون ذلك لا يمكن للأمة أن يكون سعيها إلى تحقيق شروط الأخوة البشرية بين كل شعوب العالم مؤثرا وتكون قد تخلت عن أداء وظيفة الشهادة على العالمين التي أمرت بها.
و"الخلاف الأصل" الثاني خلاف بين القائلين بالفصل بين الدين والسياسية و القائلين بالوصل بينهما. وهو خلاف ظهر في الأزمة التي بدأت مع النهضة وآلت إلى وضع بات فيه استئناف دور المسلمين في التاريخ العالمي رهين حلها الحل الذاتي. ولا يمكن لنا أن نصل إلى الحل الذاتي الذي سيمكننا من تجاوز ذيول الخلاف الأول ومن التصدي لمخاطر الخلاف الثاني من دون أن نبين الحصول الفعلي لشرطين ذاتيين للحضارة الإسلامية أولهما مفهومي والثاني تاريخي:
فأما الشرط التاريخي فهو الانتقال من الخلاف الأصل الأول إلى الخلاف الأصل الثاني انتقالا فعليا في التاريخ الإسلامي بمقتضى ضرورة ذاتية تفسره.
وأما الشرط المفهومي أو التصوري فيقتضي أن نستنتج من خصائص الغاية الحالية في مسألة ولاية الأمر الإسلامية مطابقة الحل الذي ستؤول إليه لمبدأي الحل في القرآن الكريم نفسه.
وهذان المبدآن هما الدعويان المقومتان لمضمون الرسالة الإسلامية[58] واللتان تهدفان إلى تحرير المسلمين والعالم من الحلول التي فرضتها قوى الاستكبار العالمي دون العودة إلى الحلول التاريخية التي فرضتها ضرورات التدرج والتأسيس ووطدها القصور في فهم الشروط القرآنية التي ينبغي أن نرتفع إليها لنكون حاملين للقيم الكونية التي بشرت بها الرسالة الإسلامية:
1- فالدعوى الأولى تقول إن الإسلام رسالة خاتمة تلخص كل الرسالات المتقدمة عليها وتخاطب الإنسان من حيث هو إنسان ومن ثم فنظام الحياة الروحية المترتب عليها ينبغي أن يشمل كل البشر ولا يختص بالمسلمين وحدهم.
2- والدعوى الثانية تقول إن الإسلام رسالة يتطابق فيها حكم العقل وحكم النقل تطابق أصل قيم الأخلاق الكونية وأصل قيم الدين الكلي ومن ثم فنظام الحياة المدنية المترتب عليها ينبغي أن يتألف من قوانين عامة أولها التسليم بتعدد الشرائع أعيانا من النظام الذي يشمل كل البشر ولا يختص بالمسلمين وحدهم.
ويرمز إلى الخلاف الأصل الذي سيتفرع عنه الحدان الأقصيان الأولان التقابل بين موقف الكلام السني وموقف الكلام الشيعي من طبيعة ولاية الأمر[59]: والأول يسميها خلافة ويعتبرها مسألة إجماع لا مسألة عقيدة والثاني يسميها إمامة ويعتبرها مسألة وصية وهي عنده من جوهر العقيدة.
وهذا الخلاف أصل لأن موقفيه يتضمنان بصورة جنينية الحدين الأقصيين الأولين اللذين يبدوان معارضين لهما ومنشقين عليهما لكنهما في الحقيقة غايتهما المتجاوزة لبدايتهما. ففي كلام الفرقتين المنشقتين عن الشيعة (الخوارج) وعن السنة (المعتزلة) نجد بذرة للتجاوز الممكن:
فالحل الخارجي يمكن أن يعتبر ثورة على الحل الشيعي في إطار مبدأ ولاية الأمر بالوصية لأن ولاية الأمر أو الإمامة عند الخوارج هي لمن يتوفر فيه شرط إرث الأرض أعني العباد الصالحين: ومن ثم فنظرية الوصية موجودة عندهم لكنها ليست مقصورة على آل البيت بل تتعداهم إلى كل صالح من المؤمنين الموعودين بإرث الأرض.
والحل الاعتزالي يمكن أن يعتبر ثورة على الحل السني في إطار مبدأ ولاية الأمر بالخيار لأن ولاية الأمر أو الخلافة عند المعتزلة هي لمن يتوفر فيه شرط العدل في الأرض أعني العباد العاقلين: ومن ثم فنظرية الخيار موجودة عندهم لكنها ليست مقصورة على أهل الحل والعقد أو أصحاب الشوكة بل تتعداهم إلى كل عاقل من المؤمنين المأمورين بالعدل في الأرض.
لكن هذين الحلين بسبب خرقهما الإجماع في الجهاد (الخروج على الجماعة في الجهاد) وفي الاجتهاد (اعتزال الجماعة في الاجتهاد) انتهيا إلى الزوال أو يكادان. ومع ذلك فثورتهما وسعت السؤال حول أصل الشرعية في ولاية الأمر (من الوصية الخاصة لآل البيت إلى الوصية العامة لصالح المؤمنين ومن الاختيار الخاص بأهل الحل والعقد إلى الاختيار العام لعاقل المؤمنين) توسيعا بات مسيطرا على الموقفين السني والشيعي سيطرة ولدت انقساما من جنس ثان:
فالتوسيع الاعتزالي للمبدأ السني اندمج بصورة نظره في الفكر النظري عند الأغلبيتين السنية (الأشعرية) والشيعية (البهشمية)
والتوسيع الخارجي للمبدأ الشيعي اندمج بصورة عمله في الفكر العملي عند الأقليتين السنية (السلفية) والشيعية (الباطنية).
وبفضل انفصال الصورة عن المادة في الموقفين الاعتزالي والخارجي واندماجها في فكر الفرقتين الرئيسيتين وعملهما نما التقارب بين أغلبيتيهما من حيث صورة النظر والتباعد بين أقليتيهما من حيث صورة العمل. فبات الخلاف العقدي بين جمهور الفرقتين هامشيا وبقي محصورا في جزء ضئيل من مسألة ولاية الأمر: كلاهما يرى أن الحكم يكون بشرع الله وينحصر الخلاف في تعيين من يتولى تنفيذه مع تسليم الفرقتين بضرورة توفر الشرطين اللذين نتجا عن اندماج الفكرين الاعتزالي والخارجي أعني صلاح المؤمن وعدل العاقل.
فكيف يفهمنا هذا التطور الذاتي لنظرية الحكم أو ولاية الأمر الإسلامية الانتقال إلى الصيغة الراهنة التي جعلت صورة العمل الخارجية و صورة النظر الاعتزالية تصبحان المحرك الأساسي للتاريخ الإسلامي الراهن عند الحزبين الإسلاميين الأصلين أعني السنة والشيعة ؟ كيف نفهم أنه رغم بقاء الرسوم الخارجية للخلاف بين السنة والشيعة قد تم تجاوزه فعليا حتى وإن لم يقع الإعلان الصريح عن هذا التجاوز الجوهري لأن المقابلة الأساسية في مسألة ولاية الأمر أصبحت ضمن الفرقتين كلتيهما لا بينهما وهو خلاف بين القائلين منهم باشتراط الصلاح والعدل للعمل بتعاليم الدين لأن ولي الأمر يحكم بشرع الله والقائلين بكفاية العقل في الصلاح والعدل لأن ولي الأمر يحكم بشرع الإنسان: فيكون الخلاف حول ضمانة الرشد في الحكم هل هي للعقل أم للنقل خلافا وهميا عند كلا الفريقين ما دام كلاهما يقول بأن النقل في الدين الإسلامي لا يخالف العقل.
للجواب عن هذا السؤال المضاعف ينبغي أن نعود فنحلل بنية الخلاف الأول. فالخلاف بين أصحاب نظرية الوصية بحديها الأدنى والأقصى (آل البيت- صالح المؤمنين) وبين أصحاب نظرية الخيار بحديثه الأدنى والأقصى (من يختاره أهل الحل والعقد من قريش-من يختاره أهل الحل والعقد من عقلاء المؤمنين) لم يتجاوز العصبية بحديها القبلي الطبيعي (أسرة النبي أو قبيلته: بداية الموقفين) والملي الخلقي (الصالحون أو العاقلون من المسلمين: غاية الموقفين).
لكن روح النظرية الإسلامية في ولاية الأمر تتجاوز هذين الإطارين ومن ثم ففهم نظرية القرآن فهما نسقيا يمكن أن يحرر المسلمين مما غفلوا عنه عندما لم يروا في رسالة الإسلام إلا ما يلبي حاجتهم في الحقبة الأولى من تمكن المسلمين التاريخي أعني ما جعلها وكأنها مقصورة عليهم بدل من أن تكون رسالة للعالمين[60] بمجرد حصرهم إياها في بعدها الشرعي[61]. لذلك فلن يتحقق هذا التحرر إلا بالسعي إلى التخلص من إطار العصبية سواء كانت قبلية طبيعية أو ملية خلقية رغم كون هذا الإطار قد كان ضروريا في حقبة التأسيس والتمكين. وقد أمدنا القرآن الكريم بشرط تحقيق ذلك. فهو يسقط مبدأ العصبية بحديها القبلي والملي ولا يبقي إلا على مبدأ الأخوة البشرية بحديها الطبيعي والخلقي: وتلك نظرية الفطرة القرآنية أساسا لولاية الأمر التي هي رعاية نظام الإنسانية الروحي والمدني كما يعرفها الإسلام.
أما "الخلاف-الأصل" الثاني الذي تفرع عنه الحدان الأقصيان الأخيران فيرمز إلى المقابلة بين موقف القائلين بالفصل بين الديني والسياسي[62] وموقف القائلين بالوصل بينهما. ويتضمن الموقفان بصورة جنينية الحدين الأقصيين الأخيرين. فالحد العلماني هو غاية الفصل بين الدين والسياسة إلى حد إلغاء العلاقة بينهما لأن الدين عنده مقصور على العقد في الضمير الفردي والسياسة ليست من الدين في شيء. والحد الأصلاني هو غاية القول بالتطابق بين الدين والسياسة إلى حد إلغاء التمايز بينهما لأن جوهر الدين عمل ومن ثم فهو سياسة شرعية.
وإذا كان الموقف الأول يؤول إلى العلمانية فليس مرد ذلك إلى الفصل الوظيفي بين الدين والسياسة بل مرده إلى نفي الشريعة المترتب على اعتبار التشريع فعلا سياسيا خالصا اقتصارا على مضمون التشريعات العينية وإغفالا لمبادئها العامة وصورتها وشرطها الخلقي الذي تستمد منه قدسيتها. كما أن مرد الموقف الثاني إلى الأصلانية ليس بسبب الوصل بين الدين والسياسة الوظيفي بل بسبب حصر السياسة في السياسة الشرعية حصرا لها في المضمونات التشريعية العينية وإغفالا للمبادئ العامة والصورة والشرط الخلقي أساس القدسية. فيكون المدار كله حول النفي والإثبات المطلقين مع اتحاد الأصوليتين العلمانية والأصلانية في إغفال دور الدين في التشريع من حيث هو أصل القدسية في صورتها الخلقية أساسا لكل تشريع: فهل السياسة كلها وضعية أو هل هي كلها شرعية ؟
بعد أن حاولنا أن نثبت أن القرآن الكريم يتضمن نظرية نسقية في ولاية الأمر بوجهيها الروحاني والزماني تشمل الإنسان من حيث هو إنسان فتؤسس الحرية الخلقية وتبني دولة الأخوة البشرية التي تعترف بتعدد الملل والنحل والقبائل والشعوب كما ينبغي أن يقتضي ذلك ختم الرسالات ومخاطبة العالمين لم يعد الحكم فيه مقصورا على فرض معتقد واحد وشريعة واحدة يبقى علينا الآن توجيه علاج مسألة ولاية الأمر الوجهة السوية فنطلب من الحزبين المتصارعين الجواب عن السؤالين التاليين:
1- أولهما يوجه إلى أصحاب الموقف الأصلاني بالقصد الأول وإلى أصحاب الموقف العلماني بالقصد الثاني: هل الحكم في الإسلام هو السياسة الشرعية بمعناها المضموني أعني بنصوص الأحكام العينية فيصبح الإسلام خصوصية حضارية لا تشمل الحياة الإنسانية من حيث هي حياة إنسانية بل تشترط الخضوع للشريعة الإسلامية أم هو يستمد من الدين أساس القدسية الخلقية في كل نظام سياسي مبادئه العامة وأساس قدسيته وصورته القانونية مستمدة من قيم الدين الروحية ؟
2-والثاني يوجه إلى أصحاب الموقف العلماني بالقصد الأول وإلى أصحاب الموقف الأصلاني بالقصد الثاني: هل حكم العقل هو نفي الحاجة إلى أساس القدسية في التشريع أم إن كل نظام مدني لا بد فيه من قيم خلقية مردها في الغاية إلى الإيمان بمقدسات متعالية لئلا تصبح السياسة تحكما إنسانيا ليس فيه مقدسات ولا تتجاوز المناورات والحيل الدنيوية ؟
الفصل الثاني
دلالة المسألة الرمزية
لم نفهم بعد أن التغيير العميق في مقومات وجود الأمم الحضاري ليس بالأمر الذي يمكن أن يأتي أكله في غياب أهم شروطه. والمعلوم أن هذه الشروط عند جميع الأمم هي الحسم الاجتهادي الواعي لمعضلات الوجود في مستوى المقومات الرمزية لوجود الجماعة مقوماته التي تضمن مواصلة السعي في نفس الاتجاه وصلا للحلقات التي تتألف منها سلسلة الأحداث التاريخية المنفصلة بالطبع. ذلك أن الفعل والرمز كلاهما من جنس النبض لا يوجد إلا على شكل دقات منفصلة ومتوالية وهو لا يستمد وحدته الحية إلا من الوظيفة الرمزية التي تثبِّت الوعي التاريخي برسالة أمة من الأمم.
وهذه الوظيفة الرمزية التي هي أصل العمل الإنساني فرديا كان أو جماعيا وشرط حياته لا يحددها قسماه الخالصان الفعلي غير الرمزي والرمزي غير الفعلي أعني:
1- الفعل الخالص الذي لا يرمز به صاحبه كأغلب الأفعال العضوية الوظيفية,
2- والرمز الخالص الذي لا يفعل به صاحبه كأغلب الأقوال التصورية.
وإنما يحددها ما نريد البحث فيه أعني قسميه المزيجين المؤلفين من وحدة حديه المجردين:
1- الفعل الرامز كأغلب التعابير الإشارية المصاحبة للكلام مثلا
2- والرمز الفاعل كأغلب فنون التعبير الجميلة.
فهذان النوعان من العمل هما اللذان يمكنان الوجود الإنساني من البقاء زمانين متواليين وصلا بين نبضتين فعليتين سواء كانتا من النبض الفعلي أو من النبض الرمزي الخالصين فيربطان بين أحداث العمل الفعلي في مستوى الواقع التاريخي ومعاني العمل الفكري في مستوى المخيال التاريخي. وبذلك يتكامل الفعل الرمزي المصور للوجود أو الثقافة والفعل المادي المنفذ لصورته في الزمان الفعلي أو السياسة: وذانك هما وجها فاعلية الأمة التاريخية إذا كانت إرادتها قد تحررت بفضل طموحها التاريخي ومشروعها الحضاري.
وما يعنينا في هذه المحاولة هو بيان ما آل إليه غياب الدور الذي يؤديه هذان الشرطان في حرية الأمم وقيامها المستقل من خلال تعليل ما تمر به الأمة من فوضى روحية بغيابهما في عملية النهوض عامة والنهوض التحديثي خاصة. فهما قد كادا أن ينعدما في تاريخنا الحديث بمقتضى سلطان البديل الميت منهما البديل الذي يطغى أثره كلما نتأ الفشل الذي هو مميز أهم لحظات تاريخنا الحرجة كما هي الحال في اللحظة الراهنة التي لا تزال فيها طبول حرب الخليج الثالثة متواصلة وقد تعم كامل الوطن.
فقد انحصرت الوظيفة الرمزية في استعارة الرموز الميتة من الماضي الأهلي أو من الماضي الأجنبي الذي نتصوره حاضرا وهو عند أصحابه نسي منسي ومن ثم تردت الأمة في وحل الحرب الأهلية الحديثة بين الأصوليتين الدينية والعلمانية: وأفضل تعينات هذه الرموز تمثله محاولات الوصل بتحويل الرموز الإسلامية إلى مجرد ملجإ ينكص إليه المنهزمون بدل كونها المضمون الموجب لمشروع الأمة التاريخي كما يبرز خاصة في حالات الفشل الذي يصيب الحركات والأحزاب القومية العلمانية عند ما تبلغ مرحلة اليأس (كما لاحظنا ذلك في العراق بعد حرب الخليج الثانية) وفي محاولات الوصل باستنبات الرموز الغربية كما يبرز خاصة في حالات الفشل الذي يصيب الحركات والأحزاب الدينية عند بلوغها مرحلة اليأس (في أدبيات المعارضة الدينية المهاجرة في الغرب).
إن هذه المهارب تعد عند كلا الفريقين المسيطرين على تاريخنا المعاصر بكل وضوح علامة على عدم الصدق في الفعل والرمز معا. فالعلماني الاشتراكي أو الليبرالي الذي كان قوميا ثم صار إسلاميا بسبب الفشل الذي لقيه في الحكم والأصلاني الذي أصبح علمانيا اشتراكيا أو ليبراليا بسبب الفشل الذي اعترضه في المعارضة كلاهما يعترف بأنه لم يمس ما يدعي أنه قد كان ولم يصبح ما يزعم أنه قد صار. إنما الإسلام والعلمانية مجرد طلاء خارجي لا ينطلي حتى على أصحابه. لا أحد منهما يمكن أن يعد وجودا حقيقيا يتعين فعلا ورمزا في التاريخ الحقيقي الحي لأمة تعمل التاريخ ولا يقتصر وجودها على أداء دور سخيف على ركح مسرحي لمؤلفين فاشلين هم القيادات العقدية التي تنطق برموز فاقدة للأثر الرمزي وتتحرك بأفعال فاقدة للأثر الفعلي فينقلون الأمة من ملاحم التجديد والإبداع اللذين كانا يمكن أن يكونا مضمون لحظتها الراهنة إلى مهازل التقليد والاتباع اللذين صارا هم نخبها الرهينة.
إنما العلاقة بين الفعل والرمز في كلتا الحالتين علاقة جمع متنافر بين رمز انحط إلى منزلة العملة المزيفة الفاقدة للنفاذ وفعل انحط إلى منزلة الحركة الطبيعية الفاقدة للمعنى وتلك هي علة المسافة اللامتناهية بين القول والفعل في التاريخ العربي المعاصر: الكل يمثل على الكل وينافسه في مسرحية التكاذب المتواصل المصحوب بالتكذيب المتبادل على الركحين العربيين الأكبرين أعني الإعلام العربي الرسمي ولقاءات القمم العربية وتعليقات المعارضين عليها. وما كان الأمر يكون كذلك لو كانت العلاقة علاقة وصل حي بين بعدين عضويين من نفس العمل الذي يصنع تاريخا فعليا فعله رامز ككل الأمم المبدعة لواقعها التاريخي ورمزه فاعل ككل الأمم المبدعة لمخيالها التاريخي: فالرمز المجرد من الفعل رسم بال وعملة مزيفة والفعل المجرد من الرمز نصبة بكماء وحركة بلا معنى والتصاحب الحي بينهما هو الذي يضفي الفاعلية على الرمز والمعنى على الفعل.
ما يمكن أن نصبو إليه الآن يمكن جمعه في أربع قضايا:
1- لا بد أن نعترف بأن ساعة الحقيقة قد أزفت فنسلم بأن الأزمة ليست مقصورة على الحكم والحكام أو على النخب بل الفساد الوجودي وصل إلى النخاع: كل رموزنا صارت ميتة لكونها فاقدة لشرطي رمزيتها أعني معنيي الصدق من حيث هو مطابقة مع الموضوع (الصدق المعرفي) ومع الذات (الصدق الخلقي). كل رموزنا غير مناسبة للحقائق الموضوعية التي نتعامل معها وغير معبرة عما نؤمن به حقا لأننا لم نعد نؤمن بشيء: العدمية المحض. ذلك هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يفسر جمود الجماهير وليس الخوف من الدكتاتورية: فكل الثورات التي حدثت في التاريخ كانت تحديا للخوف بأثر من الرموز الحية.
2- وهذا الاعتراف يمكن أن يمنحنا فرصة للشروع في إبداع الرمز الحي الذي يمكن أن يقوم بدور المحافظة والربط أولا ثم بدور التحدي فيتغلب على الخوف رمزيا قبل تحقيق شروط التغلب عليه فعليا فتصبح الهزائم في ضوء هذا الإبداع بدايات إيجابية للنصر المحتوم. فإذا كنا لا نستطيع جعل الحرب المقبلة حربا عربية فعلا لغياب الرموز الفاعلة والأفعال الرامزة فلنشرع إذن في إبداع أول فعل رامز فنجعلها حربا عربية رمزيا. وهذا ممكن وهو أفعل من كل فعل: فتلكن هذه الحرب المناسبة التي يسيل فيها الدم العربي بصورة رمزية من الخليج إلى المحيط فيصبح النزاع التاريخي مسؤولية كل العرب ومهمة مستقبلية تحسم الحرب الأهلية العربية بجعلها حربا على عدو الوحدة العربية عنيت أمريكا وإسرائيل وكل من يحتمي بهما من العرب.
3- وبين أنه لا يمكن أن تشارك الدول ولا الجيوش العربية في حرب التوحيد لأنها أنشئت من أجل المحافظة على التجزئة شرطا ضروريا وكافيا لمنع العرب أولا والمسلمين ثانيا من تحقيق شروط المشروع الكوني للرسالة. تحرير العرب لا يمكن أن يكون مسؤولية الأنظمة ولا مسؤولية الجامعة العربية. فالجيوش أدوات الأنظمة بما هي فعل فاقد للمعنى والجامعة أداة للأنظمة بما هي رمز فاقد للفاعلية. إنما المسؤولية هي مسؤولية مبدعي الأفعال الرامزة والرموز الفاعلة. لذلك فإنه يكفي فعلا رامزا في هذه الحالة أن يتطوع القليل من كل بلد عربي وليكن بحسب نسب عدد السكان درعا بشريا في العراق: واحد من كل مائة ألف من السكان مثلا. فإذا كان العرب اليوم عددهم ثلاثمائة مليون فسيكون عدد المتطوعين ثلاثة آلاف متطوعا يقبلون الشهادة أو عشرهم على الأقل إذا نزلنا بالنسبة إلى واحد في المليون. فيصبح الثأر مسؤولية عربية: وذلك هو الرمز الفاعل الأساسي الذي يتجاوز فعل الجيوش الأصم ورمز الجامعة الأبكم.
4-وبذلك تتحقق شروط البداية الفعلية لأمرين يبدوان متناقضين لمن لا بصيرة له:
الأول هو الاعتراف بالحرب الأهلية العربية الجارية فعلا في الواقع السياسي من حيث هي معوقات الحاضر الذي يجمد الفعل والرمز بحصرهما في وجههما الميت النابع من مؤسسات صارت مثبطات للوعي الجمعي ومكبلات له من حيث هي واقع يقيد الإمكان: الأنظمة وأدواتها قطرية كانت أو جهوية أو قومية.
الثاني هو تحقيق شروط الوحدة العربية في الوعي الجمعي من حيث هو أفق الممكن المتجاوز لموت الحاضر وذلك بالشروع في إبداع الفعل الرامز والرمز الفاعل النابعين منه من حيث هو المخيال المحرر للإمكان. وأول هذه الأفعال هو تحديد نظرية الحكم وحسم الصراع الطائفي في شكليه القديم بين السنة والشيعة والحديث بين الأصوليتين الدينية والعلمانية.
وبذلك يصبح جوهر المسألة السياسية في لحظتنا العربية الراهنة راجعا إلى المسألة التالية: ما شروط الخروج من الميل الجارف إلى الحرب الأهلية المضاعفة التي تعاني منها الأمة بسبب هذا التردي الرمزي الدال على نوع من التعفن الخلقي الجمعي في حياة الأمة الروحية والخلقية التردي الذي يمتنع الخروج منه من دون فهم الظاهرة السياسية بنظريات تغوص إلى أعماقها وتؤصلها في إبداعات الفكر العربي الإسلامي:
1-الحرب الأهلية القديمة (بين السنة والشيعة) التي استؤنفت من جديد في بؤر نراها تلتهب بين الحين والآخر وهي تبدو مرشحة للاشتعال الشامل بعد استئساد فاتيكان قم والتحالف الخفي بين دولته والولايات المتحدة على اقتسام مراكز الثقل في الوطن العربي بدءا ببغداد فدمشق إلخ...
2-والحرب الأهلية الحديثة (بين الأصوليتين الدينية والعلمانية) التي اشتذ سعارها منذ أن باتت النخب تحلم بالوصول إلى الحكم بالتدخل المباشر للدبابة الأمريكية بعد التدخل السافر في استنبات ما يطلقون عليه اسم المجتمع المدني الليبرالي.
وهذا الميل الجارف لن يتوقف ما ظل الطائفيون بصنفيهم يلغون تحديات الحاضر باسم الماضي أو باسم المستقبل. فالمتشيعون يتباكون على الماضي ويحملون السنة مسؤولية يزيد لتوطيد الأحقاد ومنع الصلح بين المذهبين مع علمهم بأن مطلوبهم مستحيل التحقيق لأن الأمة اختارت ما عليه أغلبيتها أعني الاختيار بدل الوصية. والعلمانيون يحاولون بكل الوسائل إطالة عمر الاستبداد الحاصل (=استبداد الأنظمة الحالية) خوفا من الاستبداد الممكن (=استبداد الحركات الإسلامية إذا وصلت إلى الحكم) مع علمهم بأن ذلك لو حصل لكان العلاج الشافي لكل استبداد الحاصل والممكن معا بمقتضى سنن الحكم في العمران البشري.
ورغم أن الكلام في الصنف الأول من الطائفية بمعناها المقابل بين السنة والشيعة ليس هو مطلوبنا في هذه المحاولة فإننا لن نهمل الإشارة إليه بعض الإشارة. لكن التركيز سيكون على الطائفية الحديثة أعني الطائفية التي تقابل بين الأصوليتين الدينية والعلمانية. فهذه المعركة ليست إلا معركة بين أصحاب الوهمين السائدين في الفكر السياسي رغم تنافيهما مع النظرة الإسلامية التي هي صريحة في القرآن الكريم اعني النظرة المغنية عن الحلين المتقابلين كما نبين في هذه المحاولة:
1-وهم الدولة العلمانية الخالصة-حتى في بلد الثورة الفرنسية ذات الوهم العلماني اليعقوبي الخالص.
2-ووهم الدولة الدينية الخالصة-حتى تحت أعتى البابوات في العصور الأوروبية الوسطى أو أعتى الملالي في العصر الشيعي الحالي.
فكلا الشكلين من الحكم ليس هو إلا مجرد فرضية مدرسية لا يسندها الاستقراء التاريخي ولا يعمل بمقتضاها إلا المراهق من المفكرين. وقل أن تجد من السياسيين من يتعدى قوله بها مجرد توظيفها للاستفادة من معركة النخب الدنكيخوتية المدافعة عن هذا الوهم أو ذلك. وسنبين في هذه المحاولة أن آليات السياسة واحدة أيا كانت إيديولوجية النظام علمانية كانت أو دينية وهي لا تختلف إلا بالأساليب التي يمكن أن تكون بدائية ذات غباء (=وذاك ما يغلب على الأنظمة العربية وخاصة جمهورياتهم التي هي ملكيات بدائية) أو حضارية ذات دهاء (=وذاك ما يغلب على الغرب وخاصة ملكياتهم التي هي جمهوريات حقيقية) تماما كما هو الشأن في اختلاف الأعضاء البدائية والمتأخرة في تطور الأحياء رغم وحدة الوظيفة.
ولعل أفضل نصيحة نستهل بها هذه المحاولة هي دعوة الليبراليين الجدد الذين هم بقايا اليسار القدامى بعد أن انقلب فكرهم من الثوروية باسم العدالة والمساواة إلى الثوروية باسم الحرية والمجاراة إلى التحرر من هذا الوهم والابتعاد عن التعصب الإيديولوجي الأعمى الذي جعلهم ينقلبون من الموقف الشيوعي المغالي إلى الموقف الرأسمالي الأشد غلوا: حذار من الخلط بين الأماني والمعاني فالنخب ليس دورها التحديث المستبد بل التنوير المطرد. وما كنت أولى اهتماما بكلام قوم يحاربون نواعير الطواحين كما وصفتهم في فينومينولوجيا الدنكيخوتية العربية[63] ثم يعجبون من صدود الشعوب التي يرمونها بالجهل والظلامية لولا ما آل إليه الأمر من مضاعفة الحرب الأهلية العربية الإسلامية.
فبعد إحياء الحرب الأهلية القديمة التي نشأت منذ الفتنة الكبرى واشتدادها منذ ما يسمى بالثورة الخمينية ها نحن نرى ميلاد حرب أهلية جديدة نشأت منذ تحالف النخب المستلبة مع الاستعمار حلفا صريحا منذ شروع أمريكا في تحقيق حلمها الإمبراطوري بعد أن كان ضمنيا مع الاستعمار القديم. ويوجد ما يشير إلى حلف ضمني بين الموقفين: الطائفية القديمة والطائفية الحديثة تحالفتا صراحة أحيانا وضمنا أحيانا أخرى على تفتيت الوطن العربي الذي يغلب عليه الفكر السني مع وسيط خفي هو غلاة الطائفية المسيحية في الأرض العربية.
وطبعا فهذا الوصف لا يصح إلا على الغلاة من هذه الطائفيات الثلاث فيستثنى منها صادق التحديثيين خاصة أعني أولئك الذين يعلمون سنن التنوير كيف تكون فلا يحولون التحديث إلى إرهاب رمزي فيولدون الإرهاب المادي وتنشأ الدوامة الجهنمية التي إذا بدأت لن تتوقف: فسنن التنوير أولها أن تتفرغ النخب للعمل الدوؤب في مجالاتها حتى تحقق شروط النهوض الفعلية ولا تكتفي بإيديولوجية التنوير أعني الإبداع العلمي والفني تنظيرا وتطبيقا مع المواظبة على تربية الأجيال بالروح المعطاء التي صنعت أوروبا الحديثة ونراها تصنع الشرق الأقصى المعاصر حيث تحررت النخب من ثرثرة النخب العربية وتفرغت للاجتهاد العلمي والجهاد العملي.
ذلك أن النخب ليست أهلا للقيادة ما لم يعترف شعبها بدورها الرمزي أعني ما لم تصبح ذات دور في إبداع ما يعالج قضايا الإنسان العلاج الذي تحتاجه الجماعة روحيا كان هذا العلاج أو علميا لا العلاج الإيديولوجي الذي يزيد طينها بلة. والاعتراف لا يحصل من دون الاشتراك في القيم. ولما كانت النخب التي تولت الحكم بعد الاستعمار المباشر وباسم ما كان منه غير مباشر هي المسئولة الأولى عن كون الجامعات العربية كلها كانت خارج المئين الخمس في حين أن إسرائيل لها سبع من بينها فإن التعليل الوحيد هو أنها تركت....عملها العلمي والروحي لكي لا تنشغل إلا بالمعارك الإيديولوجية في خدمة المطامع السياسية إيهاما بأنها تقوم بدور المثقف التحرري وهي في الحقيقة لا تحلم إلا بالمصعد السريع للإثراء بالمشاركة في نهب الشعب: أعني الانتساب إلى الأحزاب الحاكمة حتى يكون لها الجاه الذي يمكن من الثراء وهو في منطق ابن خلدون جوهر الفساد القاتل لكل حضارة!
ولأن الإبداع معدوم تماما تكثر هذه النخب التحديثية المتحالفة مع الاستبداد القيمي الهذر والهذيان حول عوائقه فيتهمون الثقافة الدينية ويتحالفون مع الأنظمة الحاكمة مبررين فسادها مبادلة لخدمة بخدمة: فلكأن النخب التحديثية المزعومة تقول للأنظمة اتركوا لنا الحريات الدنيا –نسكر ونعربد كما نريد- ولا تهمنا الحريات الحقيقية-التفكير المبدع والتحريري الكوني- المهم أن تمدونا بما يمكننا من أن نسرح ونمرح وبأن نقاسمكم ثمرات نهب الشعوب بدءا بالجوائز التي هي رشى مقنعة.
والمعلوم أن كبار المبدعين الذين بنوا الحضارة في التاريخ الأوروبي الحديث لم ينتظروا عصور الديموقراطية أو لحظة التنوير لكي يبدعوا أهم الثورات الروحية (الإصلاح الديني في القرن السادس عشر) والعلمية (الإصلاح العلمي والفلسفي في القرن السابع عشر) والثورة التقنية والاقتصادية (نهاية الثامن عشر وبداية التاسع عشر) التي بنت عليها البشرية كل ثوراتها المدنية والاجتماعية والحقوقية: فالثورات الإبداعية حدثت قبل أن تصبح أوروبا ديموقرطية وتنويرية وعلمانية لأن هذه الثورات الثلاث هي ثمرة الثورات الإبداعية في العلم والاقتصاد والإصلاح الروحي والخلقي. لكن النخب العربية تريد أن تجعل المعلول علة فتزيد الطين بلة ويصبح المطلوب عائقا بدل أن يكون حلا.
وعندما يصبح المثقفون مبدعين في مجالات اختصاصهم وعندما يطبقون على أنفسهم ما يزعمون الثورة التنويرية من أجله فيكونوا متحلين بالقيم التي يتكلمون باسمها بدلا من التفوق في الدوس عليها بمجرد أن يصبح بيدهم نزر من سلطان فإن الشعب سيبوئهم منزلة القادة لتطوره الروحي ومنه تحديث قيمه وتنوير عقله. أما الآن فهم يتكدون على الأنظمة المستبدة في الداخل ويستولون الشرعية من الأنظمة المستبدة بنظام العالم في الخارج تراهم يقاسمون الاستبداد الزماني بما يشبه الاستبداد الروحاني لما أمدهم به تحالفهم مع الطاغوتين الداخلي والخارجي من سيطرة على الساحة الثقافية والإعلامية.
ثم إنهم عالة على أدنى ما لم يرق ذهنهم لفهمه مما شبع موتا في إيديولوجيات التنوير والتحديث للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر بل هم أكثر فسادا من كل الحكام العرب الذين تضطرهم مباشرة الحكم على مراعاة بعض القيم التي يؤمن بها شعبهم فلا يتسيبون كل التسيب الذي تتصوره النخب التحديثة تحررا إنسانيا وهو في الحقيقة تسيب بهيمي: فهم يعيثون في ممالكم فسادا ولو كانوا في واجهة الإعلام كالحكام لأصاب جميع الناس الزكام ولاضطروا لوضع كمامات على أنوفهم لفرط ما يتضوع من روائح كريهة !
والنصيحة التي وجهناها إليهم تدعوهم إلى اليأس من الحل الوحيد الذي كانوا يحلمون به. فبعد فشل أمريكا في العراق لم يعد بوسعها أن تسعفهم فتحتل لهم بلدانهم ليتحكموا في حكمها باسمها. مصير العراق بين لهم أن شعار الحرب على الظلامية كان بداية عهدها الفعلي. أما من يتهمونهم بالظلامية فهم المقاومون وفرسان الحرية لأن الاستبداد أبعد ما يكون ممن يعمل بمقتضى قيم أمته. فالتحرير بما يتطلبه من جهد اجتهادا وجهادا لا يقوم به من لا يعمل بقيم أمته إذ هو من دون ذلك يفشل لغياب الحاضنة الشعبية. حركة المقاومة العربية الإسلامية فعل تاريخي كوني يحرر الأمة والإنسانية قاطبة: وهو يقتضي التأسيس النظري لنظرية في الحكم يمكن أن تحدد أفقا جديدا للبشرية ما دام بداية لعهد جديد يحررها من العولمة المتوحشة ويؤسس للأخوة البشرية كما تحددها قيم القرآن الكريم.
وأول علل اليأس عند النخب التحديثية سيكون سلوك أمريكا نفسها. فأمريكا مضطرة بعد هزيمتها العراقية لاختيار لعبة تكررت دائما في التجارب الاستعمارية السابقة بتواطؤ من الأنظمة الحاكمة: ركوب الحركة الممثلة لتطلعات الشعب من أجل إفسادها بالاندساس فيها. لذلك فنحن نرى بعض الأنظمة المستبدة قد شرعت في اللجوء إلى هذه اللعبة إعدادا للتوريث في الجمهوريات العربية الاسمية التي هي ملكيات بدائية. حكموا نيابة عن الاستعمار اللامباشر باسم الشعارات القومية والوطنية. ويبدو والله أعلم أن دور الحكم نيابة عنه مرة ثانية بفضل الاسمية الدينية قد حان !
ومن ثم فكل التحليل العلماني العربي ومثله الأصلاني العربي لا يدل إلا على قلة خبرة سياسية مع تناقض فاضح في المبادئ العامة التي يتكلمون باسمها. فينبغي أولا أن يفهموا طبيعة العمل الذي تقتضيه اللعبة السياسية إذا كانت سلمية أو على الأقل إذا كان القيمون عليها يتحاشون الظهور بمظهر السلطة الاستبدادية. فالسياسي عندما يخوض المعارك السياسية بهذا المنطق لا يهمه إلا وسائل الوصول إلى الحكم ووسائل البقاء فيه وسائلهما السلمية أو غير السلمية ما بقيت تحت السيطرة لأنها تخفي وجهها البشع لتكون سياسية. وأهمها بعد الإغراء المادي التأثير الرمزي فضلا عن العنف الرسمي والابتزاز الذي هو حكر على المستولين على مقاليد الحكم وأدواته في مجالاته الخمسة: الثقافي والتربوي والاقتصادي والسياسي والفكري العام أو الإيديولوجيات الشمولية أصولية كانت أو علمانية.
فليس السياسي من يخوض المعارك الفكرية كما في البحث العلمي طلبا للحقيقة أو في المناظرات الفكرية للدجال من النخب التي تعارض وتتظاهر صباحا وتكتب التقارير للداخلية أو للسفارات الأجنبية مساء ككل "القوادة" من الكوادر الجامعية (الذين يستمدون سلطانهم المادي من العمالة للأحزاب الحاكمة لكونهم فاقدين لكل سلطان معنوي لا يستمد إلا من الفراغ للمعرفة والعلم وطلب الحقيقة لوجه الله) بل هو يخوض معارك ذرائعية لتحقيق غايات محددة بما يتوفر لديه من هذين النوعين من الوسائل العلنية وكل الوسائل الخفية التي أشرنا إلى بعضها: المعركة التي يتكلم فيها العلمانيون ليست معركة سياسية بل هي مراهقة فكرية تجاوزتها نخب الشعوب التي يزعمون محاكاتها بمقتضى كون التجاوز في هذه الحالة هو مدلول التفاعل التواصلي أداة للتغير السياسي السلمي.
ولم أسمع في حياتي حزبا سياسيا في العالم لا يستعمل الإغراء المادي والتأثير الرمزي عامة والرمزي الديني خاصة إلا إذا أقنعني أحد أنه يوجد شعب ليس للرموز عليه تأثير: والفرق الوحيد هو بين الرموز التي قد يغلب عليها الديني في مجتمع أو الجمالي في مجتمع آخر وبصورة عامة الرمز المتعلق بالخيارات القيمية المعيشية كالجناسة والمثلية إلخ.. وكلها رموز متماثلة من حيث طبيعتها القيمية: فلِمَ يعيب العلمانيون على الأصلانيين استعمال الرموز المؤثرة في شعوبهم وهم يمارسون فنون اللعبة السياسية وليسوا يتبارزون في مسرح المعارك الفكرية المراهقة علما وأن العلمانيين-إذا كانوا يمارسون السياسة وليس المراهقة الفكرية- قد اختاروا نوعا آخر من الرموز المؤثرة ليس في شعوبهم بل في نخب الغرب التي يستمدون الشرعية ممن يتصورون أنه مصدرها ؟
وثانيا إذا صح أن النظام العلماني يستند إلى سيادة أخرى غير السيادة التي يتهم العلمانيون الدينيين بالقول بها أعني ب"الثيوقراطية" ألا ينبغي أن تكون هذه السيادة الشعبية أعني "الديموقراطية" ؟ فما بالهم لا يرون التناقض الجوهري في كل تحليلاتهم: كيف يمكن للشرعية الديموقراطية أن تحكم شعبا بقيم غير التي تؤمن بها أغلبيته الآن ومباشرة ؟ لذلك فإن كل من يفهم السياسة ما هي يعلم أنه لا توجد في العالم سياسة علمانية خالصة حتى وإن وجدت إيديولوجية علمانية خالصة يمضغها المراهقون من المفكرين العاطلين. فهي دائما مزيج بين العلماني والديني حتى لا يقع الصدام مع قيم الشعوب التي تكون غالبيتها في كل أصقاع العالم دون استثناء من العامة مهما ارتفع مستوى التعليم في الجماعة بل حتى العلمانية –إذا ما استثنينا مفهومها اليعقوبي الفرنسي الذي يصح عليه اسم اللائكية أكثر من العلمانية – تعود إلى نظرة دينية أساسها تأليه الإنسان بتوسط بنوته لله في المنظور المسيحي الإصلاحي.
وليس من المفارقة أن تكون أرقى ديموقراطيات العالم –نظام الولايات المتحدة- لا تدور معاركها الانتخابية إلا على مسائل قيمية في الأغلب (كل بحسب القيم السائدة في شعبه سواء تعلق بالزواج المثلي والإجهاض أو باختيار الأعياد الرسمية أو بتحرير المخدرات أو منعها إلخ...). فهذا هو منطق جعل الشعب يتصور نفسه حاكما لنفسه بمقتضى ما يؤمن به من قيم هي ظاهر المضمون في كل المعارك السياسية التي تدور في المجتمعات الديموقراطية. أما باطنها فهو المصالح التي تتناحر عليها المافيات التي تختار خيول الرهان من النخب والساسة في الخفاء.
وفرضيتي التي لن يجادل فيها إلا المتواطئون مع الاستبداد أن كل الأنظمة العربية التي تسمى جمهوريات هي في الحقيقة ملكيات بدائية رغم إدعائها الشكل الجمهوري حتى إن الملكيات العربية رغم تخلفها يمكن أن تعتبر أكثر قربا من الحكم الديموقراطي منها لسبب بسيط هو محافظتها على شعرة معاوية مع أصل الشرعية التي تستند إليها أعني قيم شعبها.
لذلك فالجمهوريات لا تختلف عن الملكيات والإمارات والمشيخات العربية الأخرى من حيث التخلف والبدائية إلا بالأسماء مع فارق الاستبداد العنيف لفقدان أدنى فضالة من الشرعية التقليدية والغياب المطلق للشرعية الديموقراطية. وهي لن تتغلب عن تآكلها بطول المدة إلا بإتقان هذه اللعبة الأمريكية وبعض الحكام العرب تعملوها في المدارس الأمريكية مباشرة: فستوهم الشعوب بأنها هي أيضا تحكم بقيمه وستسعى لسحب البساط من الحركات الإسلامية فتأخذ جل مضمونات خطابها وأبرز سلوكياتها الشعبوية كبناء المساجد ورعاية الدجالين من المتكلمين في الدين حتى يتواصل الحكم في أجيالها التي سترثه.
لكن النخب العربية العلمانية ما تزال تحيا بإيديولوجية التنظير النخبوي الاستبدادي فتريد أن تحكم الشعب بقيمها هي وليس بقيمه ولا حتى بإعداده للارتفاع به تدريجيا إلى قيمها بل هي تريد تنويره رغم أنفه وبكل وسائل القمع تماما كما فعلت الأنظمة التي حكمته قبل أن تشرع في الميل مع الريح خوفا من أن تسبقهم أمريكا فتولي الحركات الإسلامية بديلا منهم لضمان التأييد الشعبي: لذلك فهي تؤبد الاستبداد إلى غير غاية. ولما كان ذلك يزيد الصراع حدة فإن النقلة لن تكون سلمية فيكونون بهذا السلوك يعدون للحروب الأهلية وللهزات التي تؤخر الشعب وتقضي على أي تقدم في إدخال القيم الحديثة للمجتمعات العربية. وكل من له خبرة سياسية يعلم أمرين هما من السنن السياسية التي لا يخلو منها عمران:
الأول هو أننا مهما أخرنا الأمر فحكم الإسلاميين قادم حتما -لأن الغرب سيقتنع بأنهم أكثر فائدة له من نخب لم يعد لها تأثير يذكر وليست قادرة على تحقيق ما يريده من سلم تمكنه من تمرير مصالحه-إلا إذا ظن العلمانيون أحد الأمرين الممتعنين التاليين:
1-أن يصبح الشعب علمانيا وهذا لا يوجد في أي مكان من العالم بدليل أن أهم الحملات الانتخابية في المجتمعات الديموقراطية تولي أهمية كبرى لقيم شعبها الروحية وحتى الخرافية أو
2-أن تبقى الدكتاتورية قائمة لضمان نزوات بعض المراهقين ممن يريد أن يفرض على الشعب كله ريقه البارد رغم أن الشعب مستعد لتركه يلعقه كما يعن له.
وإذن فكلما أتى حكم الإسلاميين في ظرف غير صدامي كان قدومه أرحم خاصة إذا كان العلمانيون بالذكاء السياسي الذي يمكنهم من جعل المعركة إيجابية من أجل تحقيق القيم الحديثة بالتربية المتدرجة بدل جعلها سلبية من أجل تهديم القيم القديمة بالاستفزاز الدائم.
والثاني هو أن الإسلاميين إذا حكموا فإنهم ككل جماعة وصلت إلى الحكم سينقسمون ضرورة في الصراع على الغنيمة:
1-فتتعدد أحزابهم في نفس البلد ويمتاز منهم من سيهمش المغالين ضرورة لأن الحكم هو دائما في الوسط حتى وإن كان الكلام السياسي مغاليا: فمن يصل إلى الحكم يريد البقاء فيه فيحد ذلك من غلوائه ويصبح التنافس مستندا إلى الشأن العام وليس إلى المعتقدات.
2-وتنمو الفضائل السياسية وتحدث شروط التداول السلمي حتى وإن انحصر في أطياف الأحزاب الدينية مؤقتا كما هي الحال في انحصاره في الأحزاب العلمانية في الغرب لأن المهم هو السماح لآليات العمل السياسي المعالج لقضايا الناس في مناخ من الحرية والتلقائية.
لكن علمانيي تونس وكواهن علمانياتها اللواتي صرن مفكرات بزاد فلسفي دون زاد الثانويات فتشرعن في القرآنيات والحديثيات والذوقيات بل وفي كل الإنسانيات وعيونهن عالقات في أدنى الجنسيات باسم فكر جناسة لا يكاد يتجاوز الكناسة زاعمات الكلام في السياسة بكامل الجهل بآلياتها مع عدم الكياسة. ولو كانوا يعلمون نظرية الحكم السنية ما هي لعلموا أن هذه المعركة تجاوزها الفكر السياسي في الإسلام السني منذ الجدل مع الباطنية. فهو علماني بالمعنى الإيجابي للكلمة أعني بمعناها في كل البلاد الأوروبية غير اليعقوبية تلك التي حققت الإصلاح الديني فتصالح فيها العقل والنقل ولم تمر بإرهاب الثورة الفرنسية (مثل ألمانيا وأنجلترا). ذلك أن علم الكلام في الفرقة السنية الممثلة للأغلبية الساحقة من السنة (=الأشعرية) حدد منزلة الحكم فاعتبره من المصالح العامة وليس من العقائد كما هي الحال عند الشيعة[64].
ثم إن العلمانيين لو كانوا حقا مقتنعين بأن القيم التي يبشرون بها إنسانية فعلا لكان من المفروض أن يؤمنوا بأن كل إنسان من حيث هو إنسان سيتوق إليها مثلهم إن عاجلا أو آجلا وأنه لا داعي لجعل الأمر موضوعا للحرب الأهلية إلا إذا حصر جوهر الإنسانية فيه هو أو في من يقصرون الحريات في شهوات البطن والفرج. لذلك وجب أن نصل إلى بيت القصيد حتى نفهم العلمانيين أنهم لا يختلفون عن الأصلانيين إلا بعدم الوعي بإيديولوجيتهم الشمولية.
فالمقابلة بين الحزبين المستبدين بالفكر السياسي في لحظتنا الراهنة ليست بين الديموقراطي واللاديموقراطي بل هي بين استبدادين قيميين أحدهما ثيوقراطي يقول بالحاكمية الإلهية في تعارض تام مع نظرية القرآن السياسية كما نبين في هذه المحاولة والثاني انثروبوقراطي يقول بالحاكمية الإنسانية في تعارض تام مع كل علم وضعي للظاهرة السياسية كما نبين في هذه المحاولة: وكلا المفهومين فكرة مجردة وليس موجودا حقيقيا. فالعلماني العربي يعيش على إيديولوجية تأليه صورة من مفهوم الإنسان يريد فرضها كما يعيش الأصلاني على صورة من مفهوم الله يريد فرضها.
وحتى يفهم القارئ العلاقة بين الحزبين أدعوه إلى تمرين منطقي رياضي بسيط. فليفرض أصل الشرعية متغيرا "ش" وليخله من الكائن المعين الذي تنسب إليه الشرعية. فالأصلاني سيعوض "ش" بقيمة بالمعنى الرياضي للكلمة هي "الله". والعلماني سيعوضها بقيمة بنفس المعنى الرياضي هي "الإنسان": لكن الحاكم الفعلي لا هو الله ولا هو الإنسان بل المتكلم باسمهما من مافيات النخب الحاكمة رمزيا ومافيات الحكام الحاكمة فعليا ومن ثم من التواطؤ بين المافيتين في كل العصور والدهور.
وكلتا المافيتين تعبد وثنا إذا صدقت وتدجل بوثن إذا كذبت والغالب أنها لا تصدق بل تكذب. والصادق منهما لا دخل له في العمل السياسي: إنه أبله في الزفة. لكن الكاذبين منهم يعلمون السياسة ما هي فيستعملون هذه الأوثان دون إيمان بأي شيء: يعلمون أن هاتين القيمتين لا تقدران إلا بمفعولهما الرمزي في إستراتيجيته السياسية للوصول إلى الحكم والبقاء فيه وبس! وقل أن تجد بعض السياسيين الصادقين يوظفون ذلك لتحقيق أهداف سامية يكون الحكم أداة لها وليس غاية في حد ذاته إذا كانوا مؤمنين برسالة. وليت العلمانيين والأصلانيين يؤمنون بعض الإيمان بشيء فيخلصونا من الحرب الأهلية التي يؤججونها كل يوم خاصة بجوقة الكواهن اللواتي لا كلام لهن إلا على العضو المفقود في كل آن وحرية التقليد التي تميز القرود لأن الأوان انحط إلى الهوان.
لكني سأفترض لأصحاب الفكر السياسي العلماني العربي منطقا وأناقشه تسليما لهم برسالة قود الشعوب بالسلاسل إلى جنات الحرية التي يتكلمون عليها. فهم يعتمدون حجتين للمفاضلة بين النظامين اللذين كما أسلفت لا وجود لهما إلا في أذهانهم:
1-الحجة الأولى هي قابلية القوانين الوضعية للتغيير لأنها من صنع الإنسان في مقابل عدم قابلية القوانين الشرعية للتغير لأنها من صنع الله
2-والحجة الثانية هي حرية الفكر والمعتقد في الأنظمة العلمانية وتقييد حرية الفكر والمعتقد في الأنظمة الدينية.
ولنبدأ بالحجة الثانية لأنها هي الأصل والأولى هي الفرع. فهل يوجد إنسان عاقل يرفض الحرية الفعلية أعني شروط ممارستها الحقيقية وليس مجرد الكلام عليها فيكون الخلاف حول الإيمان بها وعدمه أم إن الخلاف هو حول المقصود بالحرية من حيث صلتها بأساسيها الضمنيين اللذين عند فهمهما يصبح الموقف الديني أكثر سلامة عقلية؟ فالحرية بالمعنى الذي يغفل العلمانيون التحرز من أساسيها الضمنيين هي حرية الأقوياء في استغلال الضعفاء ماديا وروحيا ما عن لهم ذلك في الوطن الواحد بين الطبقات وفي المعمورة بين الدول الغنية والدول الفقيرة.
ولنأخذ أصل الحرية التي تؤول إليها كل معاني نوعي الليبرالية الفرعيين أعني الليبرالية السياسية والليبرالية القيمية. إنها الليبرالية الاقتصادية أعني حرية التنافس الذي يجعل القانون الحاكم للتاريخ هو قانون الضرورة الطبيعية كما في النظريات الاقتصادية التي أسست نظريا للنظام الرأسمالي: فشرطها أن تتمتع القلة بكل الحقوق بمقتضى قانون الندرة والصراع على الثروات أعني ما نلاحظه داخل الأوطان وبينها. فربع سكان المعمورة الغني (كل سكان العالم المتقدم مع أغنياء العالم المتخلف) له حرية تجويع الأرباع الثلاثة الباقية من البشر مع استخدام كل الكفاءات التي تكونها الشعوب الفقيرة بأبخس الأسعار ومع التفضل عليهم بتلويث مناخهم (كما يحدث في ما يسمى بنقل المعامل وتمويل الاستثمار المزعوم). وليس لأنه هو الوحيد المنتج وغيره من الكسالى -كما كان المستعمرون يزعمون عند الكلام على سكان المغرب العربي فيتهمون العرب بالكسل وكراهية العمل- بل لأنه هو الوحيد الذي يحكم العالم بالحديد والنار اقتصاديا وسياسيا وبتبريرات النخب التحررية رمزيا وإيديولوجيا. وكل الحريات الأخرى توابع لهذه الحرية.
فيكون هذا الأصل التاريخي الخيط الهادي للأساسين الميتافيزيقيين:
الأساس الأول هو إطلاق يد الإنسان القوي في الكون للظن بأن علمه مدرك لكل آثار أفعاله الظاهرة والباطنة قريبها وبعيدها لكأن الوجود صار كامل الشفافية بحيث يرى هذا الإنسان كل الآثار الناتجة عن نزواته فلا يكون سلوكه انتحارا خفيا كما نلاحظ ذلك مثلا في ما يسمى الانحباس الحراري أو في ما يسمى بالتجريب في الهندسة الإحيائية التي يعامل فيها العالم الفقير كما تعامل فئران المخابر: يكفيك دليلا أن سكان إفريقيا السوداء نصفهم مصاب بالإيدس ويحملون القردة هذا الوباء لكأن القردة حلت حديثا في إفريقيا.
والأساس الثاني هو تحويل كل الحياة الاجتماعية الروحية والمادية والسياسية إلى لعبة ميسر المضاربات المالية والرمزية والانتخابية بتوسطهما بحيث يصبح الماسكون بالقوة المالية والرمزية (إعلاما واستعلاما وثقافة جماهيرية مزعومة) والسياسية من جنس محركي الدمى فيكون كل من عداهم دمى تتحرك في لعبة الكرنفالات المزعومة ديموقراطية رداء لبشاعة الأليغارشية فيلحق المحيط الاجتماعي والروحي بالمحيط الطبيعي والمناخ فسادا وتهديما.
فلا تكون الحرية التي يتكلم عليها لليبراليون الجدد من علمانيينا سعيا إلى تحرير البشر من الاستبداد بل سعي محموم للمشاركة فيه وأخذ نصيبهم من ثمرة الإجرام الكوني وتصبح القضية كلها من جنس طلب النخب للنجاة الشخصية بعد اليأس من المشاركة في جهد حماية الجماعة وليس كما يحاولون إيهامنا سعيا للتنوير والتحديث لأن الناس كلها باتت تعلم مآل التنوير والتحديث ما هو في الشموليات الثلاث المضاعفة: الفاشية والماركسية والنازية هناك والليبرالية العربية القديمة والليبرالية العربية الجديدة وبينهما القومية العربية هنا.
ولنأت إلى الحجة الثانية. هل صحيح أن التشريع الوضعي يسير التغيير ومن ثم أكثر تحررا من التشريع الشرعي كما يزعمون ؟ هذه مسألة يكذبها كلا صنمي الليبرالية الجديدة: الواقع والتاريخ أو جمعا بينهما الواقع التاريخي. فكيف نفهم تعدد الرسالات وتواليها لو كان التشريع السماوي ثابتا كما يزعمون ؟ وكيف نفهم أن تكون نفس الرسالة متعددة المذاهب والمدارس الفقهية والكلامية؟ ثم كيف نفهم ثبات الفقر والغنى والنخب التابعة في نفس المنازل التي يحددها القانون الوضعي ؟ ومن يغير النصوص وضعية كانت أو شرعية ؟ أليس الأقوياء في كل حين؟ متى كانت النصوص قادرة على تكبيل أحد سماوية كانت أو أرضية ؟
لو كان كلام العلمانيين صحيحا أي لو كان التشريع السماوي ثابتا ومطبقا ولا يتغير كما يشتهي الأقوياء لفقد الكثير من العلمانيين ألسنتهم وأيديهم وهو ما لم نره يحصل في أي مكان ولله الحمد بل لفقدوا أعز الأعضاء التي لا يكادون يتكلمون على سواها لفرط هوسهم الذي يجعلهم في نفس الدرجة من الكبت الجنسي مثل إخوانهم من الأصلانيين. ولحصل للحكام مثل ذلك أو أكثر سواء كانوا منهم أو من الدينيين. فلم التهويل من شيء لا أثر له في الواقع والتاريخ ؟
ما يحكم التاريخ ليس الشكل المعلن من التشريعات وضعية كانت أو شرعية بل هو علاقات القوة في المجتمع بحكم معايير ليس فيها للقانون الوضعي ولا الشرعي إلا وظيفة تبرير الظلم الذي تمارسه النخب على الشعوب وخاصة النخب التي تدعي المثالية وهي في الحقيقة أكثر فسادا حتى من الحكام. يكفي أن ترى ما يفعلون بالطلبة والطالبات وبالمواد والامتحانات إذا كانوا جامعيين وماذا يفعلون بزبائهم إذا كانوا يمارسون أي مهنة تعتمد على الثقة مثل المحاماة والطب والقضاء وهلم جرا.
فيكفي تدجيلا وتهويلا دافعهما الوحيد هو البحث عما يغفل الرأي العام الشعبي عن التواطؤ بين هذا الرهط من الليبراليين الجدد وبين الاستبداد الداخلي والغزو الخارجي الذين يمثلون أهم جنوده في معركة الحرب النفسية على الشعوب المستضعفة. الداء ينخر كل الكيان الخلقي للنخب العربية التي تريد أن تحسن نصيبها من الجرائم الكونية دون جهد إبداعي من جنس ما تقوم به النخب الغربية راكبين الموجة الثانية للتحضير الغربي بقيادة أمريكا هذه المرة بعد أن شاخت أوروبا ولم تسترد بعد شبابها الذي تعده به الوحدة الأوروبية عل الاستعمار الجديد يرشحهم لوكالته إذا أقنعوه بتمثيلهم لقيمه أعني بخدمته الخدمة النصوح يتفوقون بها على خدمه الحاليين: كل المعركة تنافس لإرضاء السيد راعي الموجة الثانية من رسالة التحضير !
لكن بعض المفكرين يمضغون خرافات العجائر الليبرالية إذ إن بعضهم يظن رافضي العلمانية التي يقولون بها ميلا إلى الدولة الدينية في حين أن الموقف الذي نحاول بيانه هو إثبات الطابع الوهمي للقول بكلتا الدولتين الدينية والعلمانية تسليما جدليا بأن شيئا كهذا وجد أصلا. لذلك فسأتركهم يخرفون خاصة وهم يتباكون على ما قد تفرط فيه الدكتاتوريات من علمانية بسبب الانتهازية السياسية: وذاك حاصل لامحالة لأن السياسيين العرب يريدون حاليا توريث الحكم لأبنائهم وهذا يتطلب أسلوبا جديدا أول عناصره التقرب من الشعوب باستعمال الدين للتخدير وليس للتحرير ولعل أولى علامات ذلك العودة إلى الدروشة والزوايا والمنجمين والتكايا واعتبار الإسلام الصوفي بلسما من الإسلام الفقهي فيحق لبوش أن والجيل الذي يستعد للإرث من الحكام العرب أن يتفاقهوا في الإسلام ليدعوا المسلمين بالتسويف إلى التصويف عل التخريف يساعد في التوظيف فينقذ العدو من النزيف.
ورغم أن هذه المحاولات قد كتبت بمناسبات مختلفة ومتباعدة في الزمان فإننا قد جمعناها من منطلق صلتها بإشكالية واحدة هي إشكالية المسألة السياسة في الحضارة العربية الإسلامية دون أن نتقيد بتواليها الزماني عند التأليف[65]. ولما كانت هذه الإشكالية يحدد توجهاتها الكبرى حاليا محددات يمليها ظرف العولمة أعني الإشكالية التي يدور حولها الصراع بين القوى السياسية الأساسية في الساحة العربية الإسلامية داخل الحركات الإسلامية بين السنة والشيعة ثم بينها وبين الحركات العلمانية رأينا أن نصل الإشكالية بالظرف المحيط الذي يمثل الأفق المحدد لمعاني القضايا في هذه الصراع المزدوج داخل الفكر السياسي الديني ثم بينه وبين الفكر العلماني: قصدت ظرف الصدام-الحوار بين الحضارات وظرف العولمة. فكان العمل لذلك مؤلفا من مستويين جعلنا لكل منهما كتابا فيه مقالتان: الأول للحوار-الصراع بين الحضارات والعولمة والثاني للديموقراطية وولاية الأمر.
الخاتمة
.
نختم هذه المحاولة بتحليل سريع للأسلوب القرآني في الاستدلال على حرية المعتقد في نظامه السياسي الروحي نموذجا من الخطاب الديني الذي يتطابق فيه العقل والنقل في مفهوم الفطرة وأصلا في ولاية الأمر عامة الراعية للحياة البشرية بمقتضى الرسالة الخاتمة التي تسعى إلى تحرير الإنسانية من الاستبداد الزماني والروحاني وتؤسس للحياة المدنية من أجل تحقيق السعادتين الدنيوية والأخروية. فالآية 256 من البقرة تنص: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. والله سميع عليم.".
إن عبارة لا إكراه في الدين ليست أمرا غفلا بل هي لمن يعرف أساليب القرآن الكريم نتيجة استدلال صارم نتيجة تقرر ثمرة الإيمان الحقيقي إذ هي تقوم على دليلين يثبتان استحالة الإكراه في الدين ولا تقتصر على النهي عن الإكراه فيه:
فأما الدليل الأول فصورته البلاغية مبنية على الإيجاز القرآني المعجز. لم يبق نص الآية من الدليل إلا تحقق الشرط والنتيجة بترتيب عبارته تقدم النتيجة على تحقق الشرط مع إضمار العلاقة الشرطية بمقدمها (الشرط) وتاليها (المشروط). وكل ذلك من بلاغة القرآن التي لا يدركها من يجهل منه اللسان. ف"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" هي في الحقيقة نتيجة لشرطية متصلة موجبة المضمر منها هو نص العلاقة الشرطية الكامل (إذا تبين الرشد من الغي امتنع الإكراه في الدين) والمعلن هو النتيجة (لا إكراه في الدين) وتحقق الشرط (قد تبين الرشد من الغي). وكل ذلك في القسم الأول من الآية القسم الذي يمكن تحليل صورته على النحو التالي:
العلاقة الشرطية (مضمرة): إذا تبين الرشد من الغي (مقدم) امتنع الإكراه في الدين (تال).
تحقق الشرط (مضمرة): تبين الرشد من الغي بنزول القرآن الكريم وتعريف الذات الإلهية في آية الكرسي المتقدمة على هذه الآية.
نتيجة القياس الشرطي: لا إكراه في الدين ومعناه امتنع الإكراه في الدين.
فإذا حللنا العلاقة بين قسمي العبارة "لا إكراه في الدين" و"قد تبين الرشد من الغي" تجلى لنا أنها تضمر فاء التعليل قبل "لا" لأن مفاد القول بعد ارجاع الترتيب إلى النظم المنطقي هو: " قد تبين الرشد من الغي===<(ف) لا إكراه في الدين ". فيكون التلو للتعليل "لا إكراه لأنه تبين" وليس لمجرد التوالي الزماني "لا إكراه بعد أن تبين": نزول القرآن والرسالة الخاتمة يجعلان الإنسان يتبين الرشد من الغي فيدرك إدراكا ضروريا امتناع الإكراه في الدين. وإذن فالأمر بعدم الإكراه مبني على تقرير حقيقة حصلت فعلا حدوث الفعل التاريخي بنزول القرآن الذي يبين الرشد من الغي فكانت سببا في حقيقة معرفية تحصل دائما في وعي الإنسان كلما توفرت شروطها.
وبذلك نفهم لمَ يتكلم القرآن الكريم دائما عن التعدد الديني بوصفه سنة من سنن الله التي لن تجد لها تبديلا أو تحويلا واعتبر كل محاولة لمنعه خروجا عن هذه السنة. فالله لو أراد وحدة الأديان في التاريخ لجعل الناس أمة واحدة رغم الإخبار بأنهم أمة واحدة في المثال المصحوب بالنهي عن السعي لجعلهم أمة واحدة في الواقع: لأن الدين عند الله الإسلام في الواجب وهو متعدد في الواقع حتى يسلم من يسلم وهو مختار ويكفر من يكفر وهو مختار. ذلك أن المسافة بين الحاصل في التاريخ والواجب في المثال هي فسحة العمل الحر في الاعتقاد الذي يكتمل عندما يقترب التاريخ من المثال فيحصل الإدراك الجازم بامتناع الإكراه في الدين: من دون ذلك لن يكون تبين الرشد من الغي ثمرة للاجتهاد وحماية حرية المعتقد ثمرة للجهاد.
لذلك فقد فرض القرآن على المسلمين حماية حرية المعتقد في كل الأديان بالجهاد وكلف الدولة الإسلامية بحماية أصحاب ديانات ثلاث يعترف بها حمايتهم في ممارسة طقوسهم اثنان منها لهما رسالة منزلة حتى وإن كنا نعتقد أن القيمين عليها حرفوها (أهل الكتاب من اليهود والنصارى) والثالث دين طبيعي (الصابئة). كما وعد القرآن أصحاب هذه الأديان بعدم الخوف والحزن مثلهم مثل المسلمين إذا آمنوا وعملوا صالحا.
وباقي الأديان غير المعترف بها أعني المجوسية وكل أصناف الشرك وقف القرآن من أصحابها موقف الإرجاء في ما يختلفون فيه مع المسلمين (الحج 17). ومن ثم فهو لم يأمر بمنعها حتى وإن لم يأمر بحمايتها كما فعل مع الأديان الثلاثة المعترف بها. وكل هذه الحقائق لا تحتاج إلى دليل أو إحالة لأن الآيات التي تنص عليها يعلمها كل من قرأ القرآن الكريم حتى مترجما.
أما الدليل الثاني الوارد في الآية فدوره أن يحدد طبيعة من يتبين الرشد من الغي فلا يكون قابلا للإكراه في الدين بفعلين أساسيين يبرزان الوجه السالب والوجه الموجب من الحقيقة الواحدة للدين المطلق الذي دعت إليه الرسالة الخاتمة وهما: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وهو كذلك على صورة الشرطية المتصلة مثل الدليل الأول دون قلب بين المقدم والتالي في عبارة النتيجة. فقد جاءت صورته البلاغية على الترتيب المنطقي العادي بين النتيجة وشرطها رغم ازدواج مقدمته بسبب ازدواج نتيجته. ولن نهتم بتحليل الصورة المنطقية إذ ليس فيها قلب كما في الحالة الأولى فتستغني عن تحليل الصورة. لذلك فسنكتفي بإبراز العلاقات الثورية بين مقومي الدين السلبي والإيجابي الدالين على الإيمان التام والعلاقة بينهما وبين عنصري الدليل الأول عنصريه السلبي والإيجابي: علاقة الإكراه في الدين بالكفر بالطاغوت (العلاقة بين العنصرين السلبيين) وعلاقة تبين الرشد من الغي بالإيمان بالله (العلاقة بين العنصرين الإيجابيين).
فالإكراه في الدين في الدليل الأول يناظره الكفر بالطاغوت في الدليل الثاني. والكفر بالطاغوت يحرر المؤمن الصادق من الإكراه في الدين: من يكفر بالطاغوت يتحرر من الإكراه في الدين ومن يتحرر من الإكراه في الدين يكفر بالطاغوت. وكلاهما يكون في وضع الانفعال (لا يقبل أن يكرهه أحد في دينه) وفي وضع الفعل (لا يريد أن يكره أحدا في دينه). فيكون عدم قابلية الإكراه ثمرة الكفر بالطاغوت فعلا وانفعالا: وذلك لا يكون إلا بالجهاد ضد من يمنع حرية العبادة والتصدي لمنع حرية العبادة هو أحد العلتين اللتين تشرعان الجهاد في الإسلام حصرا فيهما لكونهما فرعي الفساد في الأرض الروحي (منع حرية العبادة) والمادي (العدوان على المستضعفين)[66]. وهذا هو الجهاد الأصغر الذي يكون فيه رد الفعل (سلب) محررا من العدوان (سلب سلب): فيكون الجهاد الأصغر تصديا للعدوان أو محو سلب.
وتبين الرشد من الغي في الدليل الأول يناظره الإيمان بالله في الدليل الثاني. وكلاهما يحقق الآخر ويتحقق به: من يؤمن بالله يتبين الرشد من الغي ومن يتبين الرشد من الغي يؤمن بالله. فيكون تبين الرشد من الغي ثمرة الإيمان بالله والسبيل إليه: وذلك لا يكون إلا بالاجتهاد في التفكر والتدبر لتبين الرشد من الغي والوصول إلى الإيمان بالله أعني نظام الدعوة القرآنية التي لا تعتمد سبيلا أخرى لإنارة العقل والوحدان. وهذا هو الاجتهاد وهو ليس هو شيئا آخر غير الجهاد الأكبر. فتين الرشد فعل (إيجاب) والإيمان بالله فعل (إيجاب إيجاب): فيكون الجهاد الأكبر تعميقا للسلام أو تثبيت إيجاب.
والجمع بين الأمرين أعني الجهاد ضد الطاغوت و الاجتهاد من اجل الإيمان هو الذي استعار له القرآن الكريم اسم الاستمساك بالعروة الوثقى (التي) لا انفصام لها. والعروة الوثقى التي لا انفصام لها هي الإسلام لله أي الدين السوي الذي لا إكراه فيه أي الذي لا يمكن الإكراه فيه سواء كان له أو عليه: فمن يكفر بالطاغوت أي من يجاهد الطاغوت ومن يؤمن بالله أي من يجتهد للإيمان به على علم لا يمكن أن يجبره أحد على الكفر بالدين الحق أو على الإيمان بالدين الزيف وهو لا يسعى إلى إجبار أحد عليهما وإن كان من واجبه أن يسعى بالتي هي أحسن لتبليغ الدعوة إليهما.
الكفر بالطاغوت أو الجهد العملي: هو الأصل السلبي من ولاية الأمر لأن سبيله التواصي بالصبر. والطاغوت الذي يحرر منه التواصي بالصبر طاغوت مضاعف:
1-زماني وهو الذي يستبدل رعاية الرزق بتحويله إلى أداة تسلط بأدوات السلطة السياسية: الجهاد الأصغر الحائل دون التسلط الزماني.
2-روحاني وهو الذي يستبدل رعاية الذوق بتحويله إلى أداة تسلط بأدوات السلطة الروحية: الاجتهاد الأصغر الحائل دون التسلط الروحاني.
الإيمان بالله أو الجهد المعرفي: هو الأصل الإيجابي من ولاية الأمر لأن سبيله التواصي بالحق. والإيمان بالله الذي يحرر من التحريفين الوجودي والقيمي مضاعف:
1-نظري أو العلم به وهو الاجتهاد الأكبر أو البعد المعرفي من عبادة الله.
2-وعملي أو العمل به وهو الجهاد الأكبر أو البعد العملي من عبادة الله.
[1] وهذا ما دشنه تفاهم بوش والمالكي في العراق وما يسعى إليه أولمرت وعباس في فلسطين فضلا عما حصل بعد بين المشائخ والأمراء والملوك ورؤساء الجمهوريات في كل أقطار وطننا من اتفاقيات بعضها سري والبعض الآخر علني.
[2] إذا كان يمكن أن توجد ملكية ديموقراطية وجمهورية غير ديموقراطية فإن الوصف ديموقراطية لا يحدد طبيعة النظام بل آليات عمله. فيكون كل نظام سياسي متحددا بشكل الدولة (ملكية جمهورية إلخ..) وبآلية تعيين المشرفين على وظائفها التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولعل ما يناسب الحضارة الإسلامية هو الجمهورية ذات الديموقراطية المحدودة بدستور يعين ما يتعالى على سلطة التشريع المطلق للشعب فتكون جمهورية دستورية قياسا على الملكية الدستورية: فمثلما أن الملكية الدستورية تتميز بالحد من سلطان الملك ليكون رمز السيادة لا مصدرها لأن السيادة تعود إلى الشعب بفضل الدستور الذي يحد من سلطان الملك فإن الجمهورية الدستورية تتميز بالحد من سلطان السيادة الشعبية في الديموقراطية الحديثة بما ينسبه الدستور إلى الشريعة من تعال على السيادة الشعبية في التشريع الخلقي والروحي. وفي الحقيقة فإنه لا يخلو أي دستور من هذا التحديد الذاتي من حيث هو دستور. والمبدأ هو استثناء الأساس القيمي الذي يستند إليه الدستور من سلطان صاحب الشرعية بمقتضى الدستور: فليس يحق للشعب في النظام الديموقراطي أن يضع أساس الديموقراطية موضع سؤال أي إنه لا يحق للشعب أن يقرر الخروج من النظام الديموقراطي إلى النظام اللاديمقوراطي بقرار ديموقراطي. وهذا المبدأ هو بنوع ما مبدأ مناظر لمبدأ عدم التناقض المنطقي ولكن في العمل وليس في النظر. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الجمهورية الدستورية المناسبة للمسلمين أعني مبدأ الحد من سلطان الشعب صاحب السيادة بالقيم المتعالية التي تعود فيها السيادة المطلقة لرب العالمين: فليس من حق الشعب أن يضع مبدأ التعالي الذي تتصف به قيم القرآن التي يؤمن بها ويعتبرها أساسا لنظامه موضع سؤال بمقتضى نفس المبدأ المستثني لنقيض الأساس الذي يستند إليه. وهذا لا يتضمن إلا أمرين: العقديات والتعبديات التي هي من مجال السيادة الربوبية ويستثني المعاملات والأشكال العملية لكل ما عداها من الأمور الإنسانية التي هي من مجال السيادة الشعبية بما في ذلك القانون الجنائي من حيث تحديد العقوبات البديلة من الحدود التي تتغير أشكالها بالتناسب مع ظروف العلاج الاجتماعي للجنايات. ويكفي مثالا على ذلك عقوبة قطع اليد: فإنه يمكن أن يفهم بمعناه المجازي إذا صار المجتمع قادرا على تحقيقه أعني مؤسسات تحول دون السارق وممارسة السرقة مع إلزامه بتعويض المسروق فيكون القطع بمعنى المنع البات في المستقبل. وعندئذ لا يكون القطع الفعلي ضروريا. وهذا يقع بالسجن والأشغال التربوية في المجتمعات الحديثة.
[3] ما أساس شرعية الاستفراد بالقوة وما معنى القوة الشرعية ؟ للجواب عن هذين السؤالين ينبغي أن ندرك طبيعة الحاجة إلى الدولة أو السياسة التي هي من حيث الجوهر الحقيقي أداة رعاية القيم في التاريخ الفعلي بفضل ضمانة شرط الشروط في حياة جماعية: ضمانة السلم وحسم الخلافات بين الأفراد والهئيات أو الجماعات الجزئية في الجماعة الكلية. فمن دون الاتفاق الضمني بين الخصمين على حاكمية أي حكم لا يكون للحكم قدرة على الحكم. والدولة نواتها الأصلية هي الحاكمية بين الخصوم من أدنى درجات اللقاء بين البشر إلى أسماها. فسواء تعلق الأمر بالعلاقة بين شخصين أو جماعتين جزئيتين أو جماعتين كليتين يبقى المشكل واحدا: كيف يرضى الخصمان بالحكم ؟ وإذا كان رضا الخصمين بالحكم هو بداية الدولة (كما في العمران البدوي حيث يكون الحكم أساسا حكما معنويا من جنس حكم كبار السن في القبيلة لحسم الخلافات) فإن الغاية هي جعل الحكم قادرا على تنفيذ الحكم بين الخصمين. فينتج عن ذلك تنازل الخصوم عن أخذ الحقوق بأنفسهم وتكليف الحكم بفعل ذلك: وتلك هي الدولة التامة التي تصبح محتكرة للقوة الشرعية أعني القوة التي يتفق الناس على أنها الملجأ في حسم الخلافات بالقانون النافذ. وحتى تكون الدولة خاضعة هي بدورها إلى ما يتعالى عليها ليكون تعاليها على الخصوم غير راجع لأحدهما فتكون الدولة قاضيا ومتقاضيا يأتي دور الدين المشرع: فهو يشرع ضربين من التشريع الذي يحدد علاقات الناس بعضهم بالبعض ثم التشريع الذي يحدد علاقة التشريع الأول بمصدر التشريع وبراعيه. مثال ذلك تشريع المعاملات بين المتعاملين كيف يكون ثم تشريع الحكم بين المتعاملين بتشريع المعاملات وهو ضربان قانوني وخلقي. والقانوني يبين شروط القضاء والحكم شروطهما الخاضعة لأحكام تطبق على القضاة والحكام عندما لا يعدلون والخلقي يبين نفس الشيء ولكن مع الضمير والله.
[4] راجع أرسطو كتاب السياسة المقالة الثالثة فصلها السابع خاصة. والتصنيف يعتمد على معيارين كلاهما يتبين معيارا وهميا عند التمحيص الدقيق. فلا يمكن للكثرة ولا للفرد أن يحكما فلم يبق إلا القلة. ولا يمكن للقلة التي تحكم أن تكون الفضيلة غالبة عليها أو أن تبقى فاضلة حتى لو تصورناها تبدأ كذلك. فلم يبق إذن إلا الحادث فعلا وهو حكم الأقلية التي يكون فضلها بمقدار وعي المراقبة الجماعية أي حرص الجماعة على شأنها العام أم كون أمرها شورى بينها.
[5] راجع أفلاطون الجمهورية الفصل المقالتان الثامنة والتاسعة حيث يصف النظام الديموقراطي أخلاق أهله وكيف يؤول حتما إلى الاستبداد بعد الفوضى الحاصلة عن تحكم النزوات بدل العقل والروية.
[6] الفكر الحديث يقبل هذا النظام فيؤسسه المتفائلون على الحرية الطبيعية للإنسان ويؤسسه المتشائمون على اعتباره أقل الأنظمة سوءا وليس لكونه نظاما يحقق الفضيلة. ولا يبدو أي من التأسيسين كافيا لتعليل التسليم بأن صدف الانتخاب يمكن أن تأتي بما يستجيب لحاجة المجتمع فضلا عما يحدث من تلاعب بالعلمية الانتخابية ذاتها سواء بالتزييف المباشر والصريح في المجتمعات المتخلفة أو بالتزييف غير المباشر والضمني من خلال الدور الساحق الذي يؤديه المال واللوبيات. لذلك فتأسيسه الأكثر قابلية للمعقولية هو ما يراه صاحب العقلانية النقدية كارل بوبر. ذلك أن النظام الديموقراطي يمثل النظام الملائم للشكاكية المطلقة النافية لما عدا الذرائعية المطلقة في المعرفة: فلما كانت فرضيات مقبولة ما ظلت تعمل ولاشيء غير ذلك فإنها أكثر الأشياء ملاءمة لمنطق الصراع والبقاء للأصلح في النظر كما في الحياة فيكون هذا النظام هو تطبيق الداروينية على الحياة السياسية. إنها منطق السوق في السياسة.
[7] على عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم تحقيق محمد عمارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط.2 بيروت1988.
[8] والغريب أن النفاة والمثبتين متفقان على أمر ضمني حال دونهما ووضع السؤال الصحيح فامتنع عليهما العلاج السوي. ذلك أن ضمير النفي هو عينه ضمير الإثبات عند كلا الفريقين: كلاهما يفترض السؤال مداره حول نظام ولاية الأمر الذي عرفناه من تاريخ الحكم عند المسلمين. فالنافي يدلل على أن النص القرآني أو السنة النبوية لا يأمران به. والمثبت يدلل على أنهما لا ينهيان عنه. وكلاهما على حق في هذه القضية. لكن الأمر الجوهري الذي كان ينبغي أن يطلب مضاعف وهو: هل حدد القرآن والسنة غايات ولاية الأمر وشروط أدواتها أم لا ؟ وما طبيعة تحديد النص للنظم التي هي أدوات تحقيق الغايات؟ فمن الطبيعي ألا يكون هذا التحديد بصياغة قانونية كما هو شأن الدساتير. إنما التحديد المرجعي يمكن أن يشبه مقدمات الدساتير التي تعين المبادئ العامة والقيم والمعايير التي ينبغي أن تخضع لها رعاية الأمر. وكذلك يفعل القرآن والسنة. و يبقي على العقل الإنساني أن يحدد الآليات المؤسسية التي تتحقق فيها وبها تلك المعايير والقيم ومثالها التحديد القانوني في متون الدساتير. تلك هي المسألة التي نطرحها ونحاول علاجها بمنهج تصوري وتاريخي مع الالتزام بمبدأ التطابق بين صريح المعقول وصحيح المنقول في الرسالة الخاتمة.
[9] وردت مادة "أ.م.ر." في القرآن الكريم 174 مرة. وتقبل دلالات هذه الورودات إلى القسمة بين الصيغ الاسمية والصيغ الفعلية. فالصيغ الفعلية كلها تفيد ما يقابله النهي وهي إذن الدلالة الأبسط من المادة ثم تتألف دلالات الفعل لتصبح أمرا شرعيا أو أمرا خَلقيا ورمزهما كن. لكن دلالة الصيغ الاسمية أكثر تعقيدا. فهي تعني الشريعة نفسها أو العقيدة أو الخليقة حصيلة لمعنيي الأمر الشرعي والأمر الخلقي ثم هي تعني الشيء أو الشأن عند نسبتها. وهي تعني بصيغة الجمع (=الأمور) مجرى الشؤون الإنسانية فيضاف إليها إما العاقبة أو المرجع أو المصير أو العزم. وكلها تتعلق بحصيلة الفكر والعمل الإنسانيين. لذلك وردت "ولاية الأمر" مرتين وكلتاهما في سورة النساء وأولاهما يغلب عليها الدعوة إلى السلوك المتروي ومن ثم إلى النظر الشارط للعمل على علم (النساء 83) والثانية يغلب عليها الدعوة إلى طاعة المراجع القيمية في العمل المنظم ومن ثم إلى العمل الخاضع للنظام والمؤسسات (النساء 59).
[10] وقد اجتمع الكلام على السلطانين وأصليهما في سورة النساء لأن أصل "الأمر" المضاعف هو الجمال وأصل بدايته جمال الأنثى وغايته جمال الكون والمال وأصل بدايته ملكية الغذاء وغايته ملكية الكون. وكلاهما عماد الحياة العضوية والنفسية للإنسان من حيث هو الخليفة الذي يرعى الكون ويحيا منه وفيه بالمفهوم الخلدوني للعمران. والسلطان عليهما يمثل أمرين: فهو نظام التأمين على بقائهما وهو مؤسسة تنظيم إنتاجهما ورعايتهما وتوزيعهما في المجتمعات التي تجاوزت الحد الأدنى من الحاجة الملجئة إلى تحويل السلطان إلى أداة صراع عليهما بدل من أن يكون أداة رعاية للتعاون فيهما. وأكبر علامات التوحش البشري تبرز في علاقة الناس بهذين الأصلين: فالصراع على الغذاء والأنثى هو علامة التوحش والتحرر من هذا الصراع هو علامة التحضر. لذلك فسورة النساء جمعت بينهما وحاولت أن تنظم شأن العمران من منطلقهما. وكل أحكام المعاملات تدور حول تنظيم الرزق وكل أحكام العبادات تدور حول تنظيم الذوق. لذلك فالقرآن الكريم يعالج أصل الداء وجوهر الدواء. لكن فهم ذلك ليس في متناول البلداء من يزعمون أنفسهم من العقلاء وهم أغبي السفهاء. والآيتان اللتان تتكلمان على ولاية الأمر في سورة النساء تجمعان بين نوعي الأمن اللذين ترعاهما ولاية الأمر: الآية 59 تعالج الأمن من حيث هو مادة العدالة التي تسهر على الحقوق والواجبات في المسألتين المالية والعائلية والآية 83 تعالج الأمن من حيث هو استراتيجية حماية الأمة من العدوان الخارجي والمعلوم أن العدوان ليس له إلا هدفان: غصب المال واغتصاب الحرمات وخاصة في ذلك العصر عصر النهب والسبي. والأمر لم يتغير في التاريخ الحديث: انظر ما يحدث في العالم وكيف تتصرف جيوش المحتلين في بلاد الإسلام.
[11] أي إنه الوحي الذي ينهي كل ادعاء لتواصل الوحي أو لانتظار رسالات أخرى بحجة عدم كفاية العقل الإنساني.
[12] أي الذي لا يدعي العلم المطلق لنفيه العلم بالغيب ومن ثم فهو العقل النافي للميتافيزيقا كما حدده ابن خلدون في نقده لها.
[13] لكل حاسة من حواسنا نظير باطني هو الحادس الذي يعطي معنى للإحساس بموضوع الحس: فيمكن أن ترى ولا تدرك جمال ما ترى ويمكن أن تأكل فتذوق ولا تلذذ.
[14] آيتان البقرة 62:" إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" والمائدة 69:" إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
[15] آية الحج 17:" إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد".
[16] وهذا هو مضمون الخطاب الذي ينبغي أن يوجه إلى البشرية في مواجهة خطاب الكونية العلمانية: فبدل السلب المتمثل في تحييد الدين من الحياة العامة نقدم الإيجاب المعتمد على اعتبار الأخلاق الكونية دين البشرية وذلك هو الإسلام الذي يشمل كل الأديان من حيث هي أعيان ممارسية لنفس القيم الخلقية أو طرق تربية مختلفة على نفس القيم.
[17] النقل لا يقتصر على المنزل بل المقصود ما يحدث فعلا في التاريخ أو في الطبيعة فلا يعلم إلا من حيث هو معطى تاريخي أو حسي من خارج فعل العقل لأنه ليس مجرد تصورات عقلية مطلقة خارج الزمان والمكان كالماهيات الميتافيزيقية المفروضة كذلك عند المؤمنين بوجودها خارج قيام العالم المحسوس.
[18] آل عمران 79:" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كنوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون".
[19] آل عمران 83:" أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون".
[20] وهذا الانقلاب الذي لم يكتمل في الفكر الغربي إلا بعد اكتمال ثورة كنط في المثالية الألمانية إذ انتقلت من حصر العلم في الظاهرات إلى جعله من جنس العمل عنده وهو يتجاوز الظاهرات إلى الباطنات. فبمجرد أن نفوا الشيء في ذاته في العلم أصبح النظر الكنطي من جنس العمل الكنطي وأصبح الإنسان في المنظور الفلسفي حقا هو الله كما تضمر ذلك العقيدة المسيحية تضمنا يرمز إليه بنوة عيسى عليه السلام. لكن هذا الذي لم يحصل في الغرب إلا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين تحقق في الفكر الصوفي والشيعي المغاليين منذ القرن الحادي عشر الميلادي كما يبين ذلك بجلاء الجدل بينهم وبين رؤساء المدرسة السلفية من خلال كتابين بارزين أحدهما يرد فيه ابن تيميه على ابن المطهر والثاني يرد فيه ابن القيم على التلمساني في شرحه لمدارج السالكين. وقد اكتمل هذا الفهم والدحض عند ابن خلدون في المقدمة عامة وفي شفاء السائل خاصة.
[21] وهذا هو النقد الجوهري الذي يوجهه ابن خلدون للميتافيزيقا: فهي عنده حصر للوجود في الإدراك ومن ثم قول بمبدأ السفسطة: الإنسان معيار كل شيء. ونفي هذا المبدأ يحصل للعقل حتى ولو لم يؤيده الوحي: فالعقل الإنساني له مزية إدراك حدود الإدراك فيعلم حدود علمه ويعلم أن ما يعلمه متناه بالقياس إلى ما يجهله الذي هو لا متناه.
[22] وهما صنفان: الأصلانيون وهم يزعمون وراثة الأنبياء في علمهم مع التسليم بوجود علم النبوة وادعاء مواصلتهم له ثم العلمانيون الذين يزعمون لأنفسهم علما يغنيهم عن الوحي فيصبحون من حيث يعلمون أو لا يعلمون قائلين بوراثة الوحي ما داموا قد رفعوا العلم الإنساني المتناهي دائما إلى درجة الاستغناء عما يتجاوزه. وكان من المفروض لو كانوا حقا عقلانيين أن يقولوا إن علمهم لا يمكنهم من نفي الوحي أو إثباته بل العقل لا يستطيع تجاوز الممكن في ما يتجاوز المعلوم بالتجربة. ولما كان الحكم لا يكفي فيه العلم المقصور على التجربة إذ جله من المغامرة الوجودية باتت مبادئه بالأساس إيمانية أو خلقية تقتضي التزاما وجوديا يتعالى على كل تجريب وهو ما يوجب أن يكون مستندا إلى قيم تؤمن بها الأمة وتحاول أن تقربها ما أمكن للمعقول الإجماعي الناتج عن التواصي بالحق والتواصي بالصبر. لكن اتحاد الأصلانيين والعلمانيين في هذه الخاصية هو الذي يجعلهم في حرب دائمة لأن كلا الحزبين يزعم الممتنع عقلا ونقلا: الأنبياء لا يورثون ومن ثم فالحل الوحيد هو حل القرآن أعني التواصي بالحق في النظر والتواصي بالصبر في العمل فيكون المشرع هو إجماع الأمة في النظر والعمل وليس استبداد العلماء سواء كانوا علماء دين أو علماء عقل والأمراء سواء كانوا رؤساء قبائل أو جنرالات.
[23] والرد على هذا التفسير السهل للظاهرة الدينية لا يحتاج إلى كببر جهد. فيكفي أن نحلل بعدي وظيفة الإسلام الإصلاحية: فهو يجمع بين العرض الفينومنولوجي لعلاقة الإنسان بالوجود ثم يعيد الإنسان إلى العلاقة الأنطولوجية به فيصبح الشهود أصلا وفطرة والجحود نسيانا للأصل ونسيانا للفطرة . لذلك كانت الرسالة الخاتمة بالضرورة إصلاحا وتصحيحا للتحريفات السابقة تجمع بين قص التجارب السابقة وتحقيق التجربة الناجحة بخلاف التجارب المقصوصة والتي هي جميعا تجارب فاشلة. وإذ قد نجحت التجربة فجمعت بين الروحاني والزماني جمعا تحريريا من الاستبدادين بات من الواجب أن يختم الوحي ويكتفي الإنسان بالاجتهاد للنظر والجهاد للعمل وكلاهما مشروط بقاعدة المشاركة بين الناس: فالاجتهاد صار تواصيا بالحق والجهاد تواصيا بالصبر.
[24] البقرة 256.
[25] آل عمران 7.
[26] العلامة المميزة للتحريف وهي النفاق العام رمزا إليه بالأيمان الكاذبة أو بما نسميه اليوم ازدواج المعايير حيث تتوقف القيم في الحدود التي أشرنا إليها في التحليل السابق.
[27] تحريف كتاب الله تحريفا ماديا بالزيادة والنقصان.
[28] تعريف الذات الإلهية وصفاتها الذاتية والإضافية وتحديد الذات البشرية علما (ولا يحيطون ) وعملا (يشفع) من المنظور الإلهي ومن المنظور الإنساني للحاجة إلى رموز قابلة للفهم تسمح برؤية المعنى جيئة وذهابا بين المنظور الأول والمنظور الثاني.
[29] البداية هي تبين الرشد من الغي يجعل الإيمان حرا بلا إكراه خبرا (هو لا يكون إلا كذلك بذاته) وإنشاء (نهي المسلمين عن محاولة الإكراه ) وتلك هي وظيفة الرسالة الخاتمة. والنهاية هي الاستمساك بالعروة الوثقى التي هي الرسالة الخاتمة أو القرآن الكريم. والنقلة في مستواها الفنيومينولوجي هي التحرر من الطاغوت أو الكفر به للوصول إلى اللاهوت أو الإيمان بالله. أما في مستواها الأنطولوجي فأصل التحرر هو تبين الرشد من الغي أي تقدم فطرة الشهود على نسيانها أو الجحود. والآيتان من سورة البقرة 255-256.
[30] يقسم شيخ الإسلام ابن تيمية على حق ولاة الأمر إلى العلماء والأمراء بشرط أن يكونوا بالصفات التي يقتضيها الفكر الاجتهادي كما نحاول تحليلها في هذا البحث استنادا إلى القرآن الكريم.
[31] وهم يزعمون العكس عندما يتحدثون عن الحكام الصالحين الذين يكرمون العلماء. لم يسأل أحد عن المال الذي يكرم الأمراء به العلماء من أين لهم به ؟ أليس هو ما أخذوه غصبا من الرعية بسبب خضوعها لهم خضوعا تعليله الوحيد هو هذا النوع من التحالف الخفي بين الكهنوت والجبروت لتكوين الطاغوت؟
[32] وقد سعى علماؤنا إلى تحرير الأمة من هذا الداء بما يمكن منه النقد العلمي (كما في مصنفات صحيح الحديث) لكنهم لم يرتفعوا إلى التحرير الفلسفي الذي يسأل عن الأصل نفسه بدل محاولة الحد من تأثيره بالنقد العلمي لوضع الحديث المؤسس للطاغوت في كل القيم وليس في الفقه وحده. ورغم أن هذا لم يعد طاغيا إلا في بعض إمارات الخليج فإنه لم يزل مع ذلك لأن ما كان بيد علماء الدين والأمراء التقليديين أصبح بيد علماء الدنيا المناظرين لهم (فقهاء الوضع والتكنوقراطيين والصحفيين والإعلاميين) والأمراء الجدد (ضباط الجيش والاستعلامات والأجهزة والمافيات التي بيدها الثروة والقوة). لذلك بات التحرير المبدئي من هذين التوسطين بين الإنسان ورزق ربه سواء كان من المدخل الديني (علماء الدين والأمراء التقليديين) أو من المدخل الدنيوي (علماء الدنيا والأمراء الجدد) أمرا ضروريا وبصورة مبدئية. وهو ما نحاوله في هذا البحث من المدخلين.
[33] أثبتنا في العديد من المحاولات أن أصناف القيم خمسة وليست ثلاثة كما يتصور الفلاسفة. فبالإضافة إلى القيم الثلاث المعلومة لا بد من شرط إمكانها القيمي أعني القدرة على التوجيه أو الحرية ليتم الخيار بين متقابلي كل قيمة فنميز الصدق من الكذب مثلا. لو لم أكن قادرا على التوجيه ومؤمنا بحرية الاختيار لامتنع علي أن أصدق أو أكذب. المرآة لا تصدق ولا تكذب بل هي يتراءى عليها ما يوجد أمامها ولا ندري هل ترائيه محكوم بما لها أو بما للمترائي من خصائص. وقس عليها النوعين الآخرين. لكن هذا الشرط يقتضي توجيها أرفع. فليس الأمر مقصورا على القدرة التوجيهية عند الإنسان وإلا فإن حريته تكون مجرد وهم يخصه بل هو ذو أصل وجودي حقيقي أي إن الوجود فيه جهات الإمكان والوجوب والامتناع وذلك هو النوع الخامس من القيم أو القيم الوجودية التي هي أصل كل القيم. وهي قيم لأن من ينفيها في عقده كأن يعتبر كل ما يجري في الوجود ضروريا لا يمكن له أن يكون حرا (النوع الرابع المتعلق بقدرة التوجيه) ولا أن يميز بين الجمال والقبح أو الصدق والكذب أو الخير والشر. وكل ردود ابن تيمية على وحدة الوجود مبناها على هذه القاعدة: فإذا كان كل شيء ضروريا وانتفت الجهتان الأخريان بات ممتنعا على الإنسان أن يميز بين الصدق والكذب والحسن والقبح والخير والشر والحر والمضطر.
[34] استعمل الأيسية مصدرا صناعيا من الأيس بمعنى الوجود بدلا من الوجودية لتجنب معنى الوجودية معناها الذي ينافي القصد هنا. فالقصد هو مقومات الشيء من حيث هو كائن وليس ضربا من الشعور التراجيدي أو العبثي بالقيام الكياني.
[35] لكن موثني الرسول ذهبوا إلى حد نفي كل حجج القرآن الكريم وادعوا له معجزات غير المعجزة القرآنية حتى يعودوا إلى عكس الروح القرآنية فيصبح الإعجاز قولا بخرق العادات بدلا مما هو عليه في القرآن الكريم احتجاجا بانتظامها. لذلك فيمكن أن يعد هذا العمل تخليصا للإسلام والمسلمين من هذا التوثين. إنه محاولة في تنزيه للرسول الكريم من أن يستعمل أصلا للكهنوتية المساندة للتجبرية تأسيسا يعود بالمسلمين إلى الطاغوتية التي اشترطت الآية 256 من البقرة الكفر بها متقدما على الإيمان بالله.
[36] المعلوم أن نظرية المجاهدة التقليدية –كما ذكر بها ابن خلدون في شفاء السائل- تنقسم إلى ثلاث درجات مشروعة ورابعة مشكوك في مشروعتيها. وهذه الرابعة مشكوك في مشروعية القصدي منها لا الحاصل بدون قصد. ومشروعية التصوف تقاس بهذا القصد. فما كان ناتجا عن مجاهدة التقوى والاستقامة والكشف غير القصدي أو الحاصل في غاية مجاهدة الاستقامة يعتبر تصوفا مشروعا وما كان ناتجا عن طلب الكشف لذاته يعد غير مشروع. وما أطلقنا عليه تجوزا اسم المجاهدة الرسولية هو الكشف الذي يحصل حالا دائما للأنبياء ويتعذر عمن سواهم فيكون المتصوفة طالبي الكشف لذاته محاولين الارتفاع إلى مقام الرسل وهو سبب عدم المشروعية لأن الكشف الرسولي اصطفاء وليس اكتساب. فتكون المجاهدات بهذا المعنى خمسا: اثنان مشتركان بين التصوف والنبوة وهما الأوليان أي التقوى والاستقامة واثنتان يتمايز بهما الرسول عن المتصوف: فالنبي يرتفع إلى حال الكشف الدائمة ويخشى أن يكون قد تعرض إلى الكشف غير الدائم فيعتريه شيء من اتهام الذات إلى أن تأتيه المؤيدات التي تجعله يدرك الفرق بين أوهام المتصوفة ووحي الأنبياء وأهم علامات هذا الفرق تكذيب الرسول كل دعاوى الكرامات والمعجزات والقول إنما هو بشر رسول يبلغ رسالة ولا ينتظر شيئا. فيكون نص القرآن هو العلامة الفارقة بين مجاهدة الرسالة ومجاهدة الكشف الكاذب عند المتصوفة أعني زعمهم ارتفاع الحجب وادراك الغيب ادراكا ينفيه الرسول ومن ثم فهو صادق وهم كاذبون: فكل عمله من الشاهد وكل ما يتجاوز به الشاهد هو القول بأن تجاوزه مستحيل حتى على الأنبياء لأنه مقصور على الله وحده. وطبعا فالقرآن يقص علينا المعجزات والكرامات في الرسالات السابقة وهو لا يكذبها ولا يتأولها بل يتركها من باب تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وبمجرد أن يعاجزه أهل عصره يجيبهم بأن المعجزة الوحيدة هي نظام العالم الطبيعي ونظام العالم الخلقي والقرآن الكريم وأنه لا فائدة من خرق العادات إذ هو لم ينجح سابقا في اقناع الناس ولن يقنعهم مجددا فضلا عن كون الدليل بالخوارق جعل للتخويف والقرآن يريد الإقناع لا التخويف (وهذه المعاني كلها موجودة في سورة الإسراء).
[37] الآيات الدالة على ذلك لا تكاد تحصى.
[38] ولا يظنن أحد أن ذلك مقصور على التصورات التقليدية في الفكر الديني. فالعلمانيون والليبراليون يزعمون نفس الشيء باسم ما يمسونه عقلا لعلمائهم وأمرائهم من الطغاة باسم ما يدعونه عقلا وقيما حديثة. وفي الحقيقة فإن المسلمين باتوا مستعبدين من نوعين من "العلماء" ونوعين من "الأمراء" فاجتمع عليهم أفسد ما أنتجه الماضي الذاتي (ماضينا) وما أنتجه الماضي الأجنبي (ماضي الغرب) لأن ما يقلدونه من الغرب هو ماضيه إذ كل مفكرينا من المحدثين ما يزالون يعيشون على ما يمكن أن نصفه بالطغيان العقلاني الذي هو عقائد متنكرة كما أدرك ذلك الفكر الغربي النقدي منذ ازمة الحربين العالميتين الأخيرتين ومحاولات التحرر من الوضعية والعلموية المؤسستين للفاشية والستالينية والنازية وهي جميعا نماذج الفكر العربي والإسلامي الحديث.
[39] الشورى 38
[40] بخلاف ما قد يتصور البعض فعبارة "أمرهم شورى بينهم" لم تأت في سورة الشورى معزولة وكأنها أمر عرضي بل هي أتت واسطة بين المقومين اللذين يعدان جوهر ولاية الأمر فضلا عن تضمن السورة كل عناصر التآنس والحياة الجماعية أعني مقومات العمران البشري والاجتماع الإنساني بلغة عبد الرحمن بن خلدون. فمن الآية 36 إلى الآية 43 نجد كل مقومات التآنس البشري وشروط قيام الحياة الجماعية ببعديها الروحي والزماني: فالآية 36 تحدد النسبة القيمية بين البعدين الروحي والزماني من حياة البشر والآية 37 تحدد الخلق الذي يمكن من الحياة المشتركة بين البشر والآية 38 التي وردت فيها عبارة وأمرهم شورى بينهم جمعت بين البعدين ووسطت بينهما هذه العبارة كما نشرح في متن المحاولة والآية 39 تحدد حق الدفاع عن النفس في الحياة الجماعية والآية 40 تحدد أساس هذا الدفاع لكنها تقدم الحلم ردا على الظلم والآية41 تبرر الدفاع عن النفس لمن لا يريد أن يعفو والآية 42 تحدد مفهوم الظلم والآية الأخيرة 43 تجعل التسامح والعفو شرط بقاء حياة الجماعة: عزم الأمور. لذلك فإنه يمكن القول إن هذه الآيات تكاد تكون مجلة قانونية تصوغ شروط الحياة الجماعية بقيم خلقية يمكن أن يستنبط منها نظام ولاية الأمر الإسلامية.
[41] آل عمران 104.
[42] آل عمران 110.
[43] النساء 135: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " والمائدة 8: "يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء بالقسط قوامين لله"
[44] آل عمران 64.
[45] آل عمران 83.
[46] الأمر الشورى: الشورى .38
[47] الإنتصار: الشورى 39.
[48] ".... إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات....."
[49] ".... وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
[50] نستعيض عن كلمة سلطة بولاية الأمر لسببين: أولهما لأن كلمة سلطة تتضمن الإكراه بخلاف الأمر الذي هو في معنى أول خطاب موجه للمأمور الذي يمكن أن يطيع وألا يطيع بحسب طبيعية المأمور به والآمر. والثاني لأن السلطة غير محددة ويمكن أن تذهب إلى حد ملكية الخاضع لها في حين أن ولاية الأمر تعني مسؤولية محدودة بوظيفة محددة هي رعاية شؤون الإنسان شؤونة التي تقبل التوكيل.
[51] التي تجاوزت مرحلة الخلاف السني الشيعي حول الوصية والخيار في إطار الدين إلى خلاف معامد له في إطار أصبح الدين أحد قسميه إذ هو قد قسم الفرقتين إلى الباقين في إطاره والخارجين عنه.
[52] البقرة 256.
[53] ويقابل التواصي بالخق الخداع والنفاق وهما من المعاني كثيرة التردد في القرآن الكريم.
[54] المائدة 48.
[55] الشورى 37:" والذين يتجنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون". وكذلك الشورى 43:" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور".
[56] لعل أسخف حجج المتكلمين في نظريات الحكم في الإسلام قولهم إن القرآن لا يتضمن دستورا سياسيا يحدد وظائف الحكومة وسلطاتها وهيئاتها. فهذا الكلام لا يقوله إلا قاصر العقل قصير النظر. فمثل هذا الرأي يفترض أمرين ينافيان القرآن الكريم: الأول هو الظن بأن السياسي له موضوع يخصه يختلف عن "الأمر" الذي اعتبره القرآن شورى بين المؤمنين. ولست أدري ما هو هذا الشيء الذي يختلف عن "الأمر" بالمعنى الذي حددناه. والثاني وهو الأخطر هو الظن بأن نص القرآن بديل من الاجتهاد الإنساني في إبداع آليات تحقيق الشورى في الأمر. وهو لو فعل لأصبح نصا من جنس الدساتير التي تتغير مع الزمان. لكنه هو مرجعية كل دستور لأنه يحدد مقومات "الأمر" وأخلاق سياسته الإنسانية لكي لا يكون خاضعا للتاريخ الطبيعي أو لكي يتحرر الإنسان من الاستعباد الروحاني والزماني الاستعباد الذي يبقي الإنسان خاضعا لمنطق التاريخ الطبيعي أعني القوة والتحكم في رزقه الروحاني والزماني للاستبداد بروحه وجسده.
[57] ولا يتعلق الأمر بالتقريب بين المذاهب في اللب المذهبي فهذا مستحيل بل بتحريرها مما عرض لها من الشوائب التي ترتبت على الظروف التاريخية لترجمته السياسية الرديئة كما بينا في عرضنا لكتاب الرئيس خاتمي. واللب المذهبي لو كان أمرا قابلا للحسم بالعقل لأمكن الكلام فيه. فمن حيث الأمر في نفسه وعقليا يمكن القول إن حدة الخلاف بين الفريقين السني والشيعي لا علاقة لها بجوهر التباين المذهبي بل هي من المواقف الناتجة عن الغلو في التهجم على ممثلي السنة من قبل الشيعة وردود الفعل الوحشية التي لاقاها زعماء الشيعة في بدايات الدولة الأموية علما وأنه لا أحد من السنة يتهجم على آل البيت. والغلو في التهجم المتعلق بملوك بني أمية يمكن أن يفهم لأن المقهور يحق له أن يعبر ولو بإفراط. لكن ذلك لا يعد كافيا لتفسير حدة الصراع الحالي بين الفريقين. فالغلو في قذف الصحابة وفي تقديس آل البيت هو المشكل بعد أن زال الطغيان الأموي وما جانسه في التاريخ الإسلامي. والعمل على التقريب لا بد أن يدور حول هذين العنصرين تاركا مسألة اعتبار السياسي جزءا من العقيدة أو خارجا عنها (وهو جوهر الخلاف المذهبي) جانبا لأنه ليس التناقض المؤدي إلى الصراع القتالي: يكفي فيه الصراع الجدالي. ويمكن أن نعالج مسألة الصراع الجدالي بين التأويلين لنظرية ولاية الأمر القرآنية التأويلين الممكنين كما أسلفنا بل إن التأويلين الآخرين كما سنبين ممكنان كذلك: التأويل الخارجي غاية للحل الشيعي والتأويل المعتزلي غاية للحل السني. والواقع أنها جميعا مفترضة في الفهم المتعالي عليها جميعا بوصفها مراحل من تطور فهم النص القرآني في نظرية الحكم كما سنبين لاحقا.
[58] والدعوى الأولى من دون الثانية تكون مجرد مشروع مثالي لا تؤيده حجة تستمد من الشروط الموضوعية التي تجعله قابلا للتحقيق التاريخي: فلا يمكن أن نزعم كونية الرسالة (رسولا ومرسلا إليه) من دون أن يكون أصل التوجه عين صفة الإنسان الجوهرية أعني العقل ومعجزة الخطاب عين علامة تلك الصفة أعني القول المبلغ.
[59] وهذا هو الخلاف الجوهري بين السنة والشيعة ولا يمكن فيه السعي إلى التقريب النظري بين المذاهب بل لا بد من التسليم بالتقابل التام نظريا والتلاؤم الممكن عمليا كما سنصف. لذلك فالتقابل النظري بين الموقفين لا يقتضي وجوب الحفاظ على العداء التاريخي الذي ليس مصدره الخلاف النظري حول طبيعة ولاية الأمر بل مصدره ترسبات التعامل بين الفريقين وموقفهما من الرموز التي ظهر الخلاف في عصرهم. و الصراع قابل للحسم في الممارسة العملية رغم كونه لا يمكن أن يزول في المعتقد النظري. فحيثما كانت الشيعة غالبية يمكن أن يكون الخيار الدستوري هو الحل الشيعي دون أن يناقض ذلك المبدأ السني لأن الغالبية اختارت هذا المبدأ الدستوري ويحق لها ذلك حتى من المنظور السني. فيكفي أن نعتبر مبدأ الخيار قد تراجع درجة: لم يعد متعلقا باختيار ولي الأمر بل باختيار نظام ولاية الأمر. وكما يمكن للسني أن يختار تحويل الخلافة إلى ملكية أو أن يحصرها في قبيلة (قريش) يحق للشيعة أن تختار القول بنظام الوصية فتحصره في آل البيت. ويمكن أن نعكس في حالة الغالبية المقابلة: فالشيعة يمكن أن يقبلوا بنظام الأغلبية خاصة والإمام غائب بالطبع فضلا عن أن الخلاف العقدي بين الفريقين لحسن حظ الأمة لم يمس بنود العقيدة الأخرى وخاصة لم يؤثر على وحدة الشريعة في أساسياتها التعبدية والتعاملية. ثم إن المشكل المتعلق بحزازات الماضي يبدو ضئيلا أمام الخطر المقبل الذي يشمل السنة والشيعة على حد سواء: الخيار بات بين الفصل بين الدين والسياسة أو الوصل بينهما. والمفروض أن يتفق السنة والشيعة على ضرورة القول بالوصل كما يحدده القرآن الكريم وأن يتصديا معا للقول بالفصل المتنافي مع الوصل القرآني بينهما.
[60] فلا يمكن أن يكون المسلمون شاهدين على العالمين مثلما يكون الرسول عليهم شهيدا إذا كانت الرسالة مقصورة عليهم في هذه الوظيفة: أعني في ولاية الأمر ببعديها الروحي والسياسي.
[61] والقرآن صريح في القول بكونية الرسالة وخصوصية الشريعة وبجمع الرسول بين الوظيفتين من خلال تطبيق كل الشرائع التي يعترف بها القرآن في ممارسته الحكم بين الناس كلا حسب الشريعة التي اختارها.
[62] وفي هذه الحالة يبهت الخلاف بين الموقفين السني والشيعي إذ إن الخلاف الأصل الثاني يقسم الفرقتين ويوجب أن يتحد أصحاب الموقف القائل بالإيجاب قبالة الموقف الثاني القائل بالسلب ومنه ينبع الموقف العلماني بكل تقازيحه.
[63] أبو يعرب المرزوقي عطالة الإبداع عند النخب العربية في منظور القرآن الكريم المتوسطية للنشر تونس 2007.
[64] ابن خلدون المقدمة دار ابن حزم بيروت 2003 الباب السادس فصل علم الكلام ص.355-356:" وألحق (=الأشعري) بذلك (=بمسائل العقائد) الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية في قولهم: إنها من عقائد الإيمان وإنها يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة فيها لمن هي له وكذلك على الأمة. وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد ". أنظر الغزالي أيضا فضائح الباطنية نشرة عبد الرحمن بدوي القاهرة 1964 ص.175:" فإن قيل بن تنكرون على من يقول: لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار. فإذا بطل الاختيار ثبت النص؟ قلنا نعم لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار. ونحن نقول مهما بطل النص ثبت الاختيار".
[65] فبحث حوار الحضارات قدم في شكل أولي سنة 2001 في دمشق بمناسبة ندوة حوار الحضارات التي نظمها المركز الثقافي الإيراني برئاسة الصديق آذر شب. وبحث العولمة قدم الجزء الأكبر منه في ندوة الحوار القومي الإسلامي المنعقدة مؤخرا بالاسكندرية (بين 9 و11 تشرين الثاني 2007) والجزء الأخير أعني المسألتين الأخيرتين منه أضيف لاستكمال البحث وللوصل بموضوع المحاولة. وبحث الديموقراطية قدم شكله الأولي في ندوة قسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية حول القيم في ربيع 2007 والبحث الأخير حول ولاية الأمر قدم بشكله الحالي في اصفهان بمناسبة ندوة القرآن صيف 2006. أما المقدمة والخاتمة فرغم أنهما لم تكتبا خصيصا للمحاولة فإنا قد اخترناهما لما فيهما من مساعدة على فهم الوصل بداية والتوحيد غاية بين وجهي المسألة السياسية الأجنبيين ووجهيها الذاتيين كما تتعين حاليا في الساحة العربية الإسلامية. والتناغم بين البحوث الأربعة مفهوم لعلتين: فموضع الهم السياسي الكامن فيها جميعا لم أعاجله قط من منظور مدرسي خالص بل كان تحليل أزمة الأمة من دوافعه الأساسية. وعلاج الأزمة من منظور قرآني وخلدوني لم يغب لحظة عن بالي في كل البحوث. لذلك اتحدت الدراسات في الموضوع وفي العلاج فكانت الوحدة سابقة بالقوة على تأليفها مما يسر تحقيقها بالفعل بعده.
[66] التصدي لمن يمنع حرية العبادة هو العلة الأولى للجهاد. والعلة الثانية هي التصدي لمن يعتدي على المستضعفين وعلى حقوقهم.