
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
شارِيتَيْ كريتيان أم كْرَيْتِينْ ؟
Charité chrétienne ou crétine ?
د. الجارح
اعتذار للأستاذ المحمودي:
قد يقطب أستاذي المنصوري إذ يراني استدرك على أستاذه المحمودي. لكن "موته" ضحكا على منظر الجماعة الذين "يتبزنطون بسوريت طويل" حول ما حصل لأعدائهم بالقياس إلى ما حصل لهم من المدفع الذي صنعه شيخهم فشتت شملهم بصكه من دبر وبصقه من قبل شجعني على رؤيته مقطبا لحين إلى أن تتبين له دلالة تساؤلي عن المنزلة التي يدعيها الراد على أستاذه المحمودي: هل هي هدية غبية من موظفيه فتكون ثمرة صدقة مسيحية لوجه الله ؟ ذلك أني لما قرأت ما جاء في تعقيب هذا العلامة الذي سينقذ الفلسفة من البهامة الغربية والقتامة الشرقية في آن والذي لفرط ثقته في نفسه يصف مقالاته بالتبحر وأخلاقه بالرفعة فيرفض الكلام في الدين والفقه والجنس أعجبت بالرجل إلى حد الهيام فـصرت أميل إلى إنصافه لأني أرفض مقولة لا يتنبأ نبي بين أهله. وقد عزمت على عمل سيحسب لي يوم الدين لأني لا اعتبر البعث خرافة وعبث: وليسمح لي الأستاذ المزوغي ففي هذه لا زلت متأثرا بوهابية أبي يعرب التي أثبتها سي المزوغي بنفي كل الأديان.
وليسمح لي السيد المحمودي الذي هو أستاذ أستاذي المنصوري إذا قلت مستدركا عليه إنه قد غمط الأستاذ المزوغي حقه عندما لم يعدد فضائله ليس علينا فحسب بل على الإنسانية كلها. وذلك ما أنوي تداركه. ولن اكتفى بقص أمور لا يمكن أن يعيرها الأستاذ المزوغي أهمية في رده على المجهول بل أريد أن أغنيه نهائيا عن الكلام وحتى عن الظهور في محافل بهائم الغرب ونكرات الشرق: لن يسمع أحد بعد اليوم له حسا. سيخنس المتفلسف كما خنس المتشايخ. وليس ذلك لأني أكون قد أفحمته. فجماعة الأصلين لم تخنس لأن قصة المدفع أتت على بكرة أبيهم وأغضبت مموليهم بل كان ذلك تعاليا من أفذاذ العصر عن مواصلة الكلام مع أمي مثل المنصوري أو معي خاصة عندما تكلمت في مسألة الجهات وعارض الأحداث المستقبلية. ومعاذ الله في حالة المزوغي أن أتوهم القدرة على "إبكامه" بالحجة: فهي لا تأكل معه. إنما هو "سينبكم" لأنه لم يعد هناك ما يقال خاصة وهو مقتنع بأمرين:
الأول هو أن قلة من الناس معارف مثله لكنهم بهائم بخلافه (لتفضيله الأصل الدارويني) سواء كانوا من فلاسفة الغرب مثل هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة في الغرب أو كانوا من أنبياء الشرق-ولا حاجة لتعيين أمثلة لأنه لم يستثن منهم أحدا- أو جامعين للبهامتين مثل هشام جعيط وأبي يعرب المرزوقي الوهابيين حديثا وابن خلدون وابن تيمية السلفيين والرجعيين وسيطا إلخ.
والثاني أن بقية الناس نكرات لا يرد مثله على مثلهم علما وأن مثله لم يوجد قبله ومثله لن يوجد بعده فهو ليس كمثله شيء ويستطيع أن يكتب ويراسل حتى وهو نائم مثله في الفلسفة مثل المتنبي في اللغة: ينام عن شواردها. ومن ثم فإني أطمئن الجميع وأدعوهم لتركه ينام في المراح حيث اجتمعت شوارد القردة لأنه لن يرد على أحد بعد هذه الوريقة التي يكتبها نكرة لم يصل إلى رتبة بهامة الشرق ممثلة بهشام جعيط أو أبي يعرب ولا إلى بهامة الغرب ممثلة بهيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة.
لذلك ترونه قد تجاهل ورقة المحمودي المجهول ببرودة أعصاب ليس لها مثيل: فهو لم يغضب حتى الثمالة. وليس من الضروري أن يكون صاحيا في المراسلات. ولا في استعطاف الوسطاء. لن يتراجع "سيزيد على قدام=فويت أون أفان". ولا خوف على منوبة منه فهو بعيد عنها. وكان من الطبيعي ألا يرد على الأستاذ المحمودي: فهو اكتفى بالإشارة إلى أمور ومظاهر تافهة بالنسبة إلى العلامة. حصولها الفعلي لا علاقة له بالحقيقة التي هي دائما محجوبة عمن اقتصر على فلسفة بهائم مثل هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة وابن تيمية وابن خلدون وأبي يعرب وحرم من الاطلاع على عقلانية المزوغي التي فضحت هذه البهامة.
القصد من هذا الاستدراك:
ولعلي أفي الرجل حقه: فأبحث في هذه الحقائق التي أدركها مكتشف البهائم. ألم يعلم الأستاذ المحمودي وصحبه ممن حضر الدرس فلسفة أرسطو؟ ألم يشنف آذان المدعوين للاحتفال بابن خلدون؟ ألم يفضح أبهم فلاسفة الغرب فبين غباءهم؟ ثم هو فوق ذلك كله وبعده ألم يبرهن بصورة قاطعة على وهابية أبي يعرب لأنه يتكلم في الدين والفقه والجنس؟ لم أفهم ما الذي يمكن أن يعيبه المرء على صاحب كل هذا الأفضال: هل يعيب عليه الأستاذ المحمودي نقده أبا يعرب وينسى أن أستاذه قد خرج عن مفهوم الفلسفة القويم فاهتم بفلسفة الدين وفلسفة الحق وفلسفة الذوق من خلال دور الجنس والأكل في الأدب؟ كيف يدخل ذلك في دراساته حول فلسفة العمل والجمال ثم يبقى منتسبا إلى الفلسفة يا ناس؟ ثم إن أبا يعرب لم ينف أي شيء من هذا الكبوات التي لا تغتفر بمنظور العقلانية الصرفة. فلم الجدل إذن في ما هو "معلوم من الفلسفة بالضرورة" قياسا على ما يقوله القفهاء (من القفة) ؟
هل من الإنصاف أن نظلم الرجل لمجرد أنه بين أن أبا يعرب لم يفهم الفلسفة على وجهها الحقيقي مثله مثل كل حمير أوروبا الذين اختار منهم ثلاثة أمثلة بل وأربعة أعني هيدجر وفوكو ودريدا ومعهم نيتشة ؟ أليس العيب في أبي يعرب الذي تكلم في ما كان لا ينبغي الكلام فيه لو كان عقلانيا بحق ويفهم الفلسفة كيف ينبغي لها أن تكون حتى تنحاز للعقلانية ضد الخرافة الدينية كما يفعل زعيم اليسار أو السينسترا أعني العسار بالعربي الفصيح ؟ يا حرام ؟ كما قال الفشفاش اللي ما يسواش والذي خنس لست أدري من وقتاش في كهفه كالخفاش أو لعله عاد للكراش بعد أن تبين له فراغ الراش (السين العبرية في الحالتين). أستغفر الله: مالك ياجارج عدت إلى "مهابشة" غار البلهاء من الملعاء بعد أن أسكتهم مدفعهم الذي يرش أدبارهم بدبره ويبصق على وجوههم بقبله؟
إن بيت القصيد في استدراكي هو: لماذا لم يدرك الأستاذ المحمودي أن الفلسفة هي عقلانية المزوغي وإلا بلاش أم إن الذرائعية الأمريكية استبدت بعقله فصار يجادل في العلم اللدني لحكيم البلاد الذي تعلم في أحياء روما حيث لاتطغى الكامورا والبزنس الأسود فحسب بل تسول الفلاسفة المهاجرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت كالذباب في مآوي الصدقات حيث تجتمع الحثالات في "الحُصِّيلات" بدليل فهامة الموازيغ الذي فضح بهامة هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة ؟
لعل الأستاذ المحمودي معذور فغفلته عن بهامتهم علتها أنه لم يحضر إلا درسا واحدا من دروس المزوغي فحرم من المعرفة العقلانية وبقى متأثرا بلاعقلانية ما بعد الحداثة خاصة وهو معجب بـرورتي الذي سيأتي دوره في كتاب "بهامة البهامة تأليف الفهامة صاحب الشهامة سليل الموازيغ من أمازيغ كتامة". لذلك قررت أن أنصف الرجل حتى لو بدا ذلك تجرؤا بالاستدراك على أستاذ أستاذي. أنوي الكلام على أيادي المزوغي (فوق كل وصف) مستندا إلى تعديده إياها تنويها بما لا ينكره إلا من كان من الحاسدين والحاقدين كما جاءت في تعليقه على المجهول الذي يرد عليه بكلام كله من خيرة الكلام المعقول (خال من الوقاحة ولا تظنن كلمة برديل سوقية فهو لم يقل عبد الله قش).
هل يمكن للمحمودي أن ينفي أنه مجهول؟ لم يثبت أن مدرسة عريقة تابعة لكنيسة أعرق احتاجت إليه كما احتاجت لزعيم يسار العالم الثالث مثلا في معقل اليمين المتحالف مع المافيا والاستعلامات الأمريكية ضد يسار العالم الأول فيصبح من رموز العولمة ويدافع عن نمل الشرق وكاوبوي الغرب أعني المصطلحين الدالين على لا إنسانية أبي يعرب لأنه ابتدعهما أولا ولأنه جاهل بكلا العالمين إذ هو لم يعرفهما عن قرب كالمزوغي بل اكتفى برؤيتهما في نشرات الأخبار ؟ أستاذنا المحمودي نكرة دون شك: لم يكتشف بهامة فلاسفة الغرب ولا شعوذة أنبياء الشرق ولم يحضر إلا درسا واحدا من دروس مكتشف هذه الحقائق التي لا تتناطح فيها وزغتان من وزغات الموازيغ من الأمازيغ. هل احتاجت إليه الكنيسة اللِّوَاطُهُوتِية لتعليم الفكر المتحرر من الشعوذة الدينية التي نجدها في الوهابية والخلدونية كما جاءت في الأعمال المرزوقية ؟
كان ينبغي أن يحتذي مثال كبار المفكرين من يسار العالم الثالث فلا يهاجر إلى الأقاصي لئلا يتأثر بـرورتي أو يتأمرك فيعاده زعيم اليسار الثائر على الرأسمالية والعائش على بقايا بقاياها. كان يكفي أن "يحرق" إلى الشاطئ المقابل بأزهد مقابل حتى لو اضطر إلى تعلم السباحة والملاحة مثلهم في السبخة لئلا يموت غرقا قبل الوصول. ولا يمكن لأحد أن يعتبره في خدمة المافيا والكومورا والسي آي إي ضد اليسار الإيطالي خاصة والأوروبي عامة: فهذه التهمة توجه إلى الكنيسة التي توظفهم ولا دخل لهم في ذلك حتى لو كانت وظيفتهم مدها بشيء من المعلومات كتمرين على الاستبيان والاستعلام العلمي. ولا أنوي الإشارة إلى أي علاقة لهذه الظاهرة بما يجانسها في مجال الاختصاص الذي غادره علامة تونس طوعا: أقصد ظاهرة نشر بعض الأمراض في العالم الثالث كالإيدس مثلا. فنسبة ذلك إلى الصحة العضوية نظير لنسبة اليساروية إلى الصحة الروحية والتحوط منها في العالم الأول أو الاستعداد لها بتجريب الأدوية على المتخلفين أمثالنا. والعلة هي الفرق الشاسع: فهذه من الطب الذي تركه اختيارا في حين أن تلك من الفلسفة التي هام بها فذهب إلى بلدها الأول لدرسها فيعالج الدائين بالتي هي الداء.
مضمون الاستدراك
إني أصدق الأستاذ الفذ في كل ما يقول ولا أطالبه بالبينة. فالبينة هي على من ادعى وليست على المدعى عليه. وحاصل الأمر وزبدته أني قررت أن أذكر القراء قاطبة بأسلوب ليس فيه مما يعيبه علامتنا أذكرهم بأفضال هذا العلامة مكتفيا بسبعة منها علما وأنها لا تكاد تحصى ولا تعد. لكني مضطر للتوقف. وقد اخترت سبعة لأنها لو كانت خمسة لظن بي الظنون فقال إني متأثر بالأستاذ أبي يعرب تسجيعا وتعديدا. لذلك فكلامي عليه لن يكون خمسة وخميس على فن التلحيس بل سبعة وسبوع على الأجر المدفوع لما تميز به من إدراك الفرق اللطيف بين الترفيس والتعفيس في التدريس والتفلفيس (وعد صادق: لن أزعجك يأستاذ الموازيغ مرة أخرى بالسجع وإن هي إلا ملاطفة حتى لا يشك في القصد من السجع):
الفضل الأول:
ولأبدأ بأول أفضاله: هل يمكن أن يلام من حاز على فصاحة واصل أن يتجاهل المجهول إذا لم يرد على من فاق في الفهاهة باقل (هذا مثل يضرب عادة وليس سجعا يحسب علي) ؟ هل يمكن أن يرد على نكرة مثل المحمودي ؟ لذلك ففضله الأول هو القدرة على التنكر: فالأقنعة من فضائل الشخوص الثرية والغنية التي ينتجها الخيال التعويضي. إن الرد المضطر لم يكن على المجهول بل على أبي يعرب. لذلك تكلم صاحب القناع في كل شيء إلا في ما جاء في النص الذي يرد عليه: هل حصل الدرس حول أرسطو بدعوة من المرزوقي بتلك الصورة أم لا ؟ وهل جاء في المحاضرة حول ابن خلدون ما ادعاه المحمودي من الكلام على رجعيته أم لا؟ اكتفى بالتسليم بما يفاخر به: اكتشاف بهامة فلاسفة الغرب المتأخرين أمثال هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة. نعم: بهائم الغرب يستأهلون أن يصكهم حمار من الشرق يعيش على روثهم في إحدى مزابل الغرب. أصر على نفي عقلانيتهم إلخ....
قدرة عجيبة على التنكر أغفلها الأستاذ المحمودي وما كان ينبغي له أن يفعل. فلم لم يعترف له بهذا الفضل الأول؟ وقد بدأت بهذه الخاصية لأنها ليست فضلا فحسب بل هي عين جوهر هذا الرجل: فكل ما يصف به نفسه ينبغي أن يرد إلى هذه الصفة لأنه لا دليل على أنه دكتور في شيء معين ولا على أنه أستاذ في جامعة بحق ولا على أن ما يتبجح به في عوداته إلى تونس كالسيارات الفارهة مثلا هي له حقا أعني من عرق جبينه وكد يمينه.
فبدلا من الرد على المجهول رد على أبي يعرب. ليس حسدا. ولا غيرة. وهو لا ينفرد بالدفاع عن الحقيقة لوجه الله ضد عدوها اللدود أبي يعرب: فكل المتياسرين والمتعلمنين والمتغربين الذين لم يعرفوا الغرب إلا عن طريق التلفزة والسينما والمتعبقرين ببيضة ديك والناقمين على كل شيء والمتشاعرين بعشر كلمات والحضاريين الذين تسكرهم زبيبة فيصبحون قادرين على التفلسف في الدين والإطاحة بأسطورة ابن خلدون كلهم بلا استثناء يقفون من أبي يعرب نفس هذا الموقف ويجمعون على وجوب تحريض كل من يستطيع إيذائه عليه بتلفيق كل التهم بما في ذلك تهمة الإسلام منبع الإرهاب الذي صارت "القوادة" بأهله مفتاح كل الأبواب ومزود كل حساب.
لكن صاحبنا أضاف إلى ذلك العرفان: لأنه لم ينس قاعدة إكرام الكريم. أما ضديدتها فلا معنى لها. ألم يتنازل فرد على أبي يعرب رغم أن أبا يعرب لم يبادره بما يدعو للرد عليه. وما فعل ذلك إلا أخذا بالخاطر أي يريد أن يقدم شهادة يوشح بها المرزوقي "الكوريكولوم فيتي متاعو" لأن مجرد كلام المزوغي عليه سيخرجه من النكرات إلى المعارف حتى لو تم ذلك بتحميله مسؤولية ما يقوله النكرات أمثال المحمودي: يأخذ كلاما من نصوص المرزوقي دون تعيين لموضعها ولا لمعناها ليرد على المحمودي في ما لم يتكلم فيه ودون أن يجد في كلامه كلمة واحدة "نابية" لأنها وصف لأحداث حصلت فعلا ليس فيها أدنى سباب. وهو لم يفعل ذلك طبعا لأنه لم يجد ما يقول في الرد على المحمودي بل لأن الرد على النكرات-حتى لو لم يكن ما قالته نكرا ولا منكرا لأنه عين الحقيقة-لا فائدة منه: إنه يحقق ذلك ثمرة خالف تعرف.
كيف يمكنه أن يكذب المحمودي في مسألة الدرس ولم يكن المحمودي وحده من حضره بل عشرات الطلبة التوانسة ؟ أو في مسألة المحاضرة التي غصت بيت الحكمة بالحاضرين لسماعها؟ أو في كتابه حول بهائم الغرب وجنونه أو في إثباته وهابية أبي يعرب أو في اكتشافه تخلف ابن خلدون وظلاميته وهو قد قدم الدرس والمحاضرة وطبع الكتاب في تونس فقرأه كل الساعين إلى التحرر من بهامة البهائم ؟ لكنه لم يجد مفرا من تحدي المحمودي النكرة بأن يحاول فهمهم مثله أعني هيدجر النازي وفوكو المثلي ودريدا الجامع بين الشرين لدفاعه عنهما ونيتشة المجنون ومصدر كل البلاوي في الكون: هل يستطيع أن يكتشف هذه الحقائق المذهلة عنهم مثل المزوغي؟ والله عيب عليك يا أستاذ محمودي: كيف تتكلم في هذه المسائل وأنت لم تفهم أن هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشه لايفهمون شيئا من الفلسفة التي أدرك أعماقها من ترك من أجلها دراسة الطب ليفرغ لها استجابة لحاجة الإنسانية. "ما تفهموش" أنها كانت تنتظره لينجيها من غباء هؤلاء الجحوش ؟ أليس هذا مما يستحق الاستدراك ؟ أم ستغضب يا أستاذ منصوري من الإصداع بالحق ؟
الفضل الثاني:
ولنأت إلى ثاني أفضاله: ألم يفضح وقاحة أحد تلاميذ أبي يعرب-المحمودي-رغم كونه نكرة لأنه تجاوز حدود اللياقة فتكلم مثل أستاذه على تزبب الحصرم؟ تالله للرجل فعلا بحر في العلم وخاصة في اللغات من الإيطالية إلى اليونانية مرورا بالألمانية التي لم أجد في ترجماته لبعض النصوص من كتابه حول بهامة فلاسفة الغرب إلا القليل من الأخطاء الناتجة عن السهو وحاشا أن تكون ناتجة عن تمرير النقل عن الإيطالية كترجمة مباشرة عن الألمانية: فالعلماء أمثاله في غنى عن الكذب. ثم إن "تزبب" لا يمكن أن تكون مشتقة من العنب المجفف أو من الزبيب بل هي من (....) ولا علاقة لهذا الفهم بأفكار ثابتة لخيال مريض: إيدي فيكس. حذار من أن يظن أحد أن الرجل يعاني من الهوس الجنسي بدليل أنه اعتبر مجرد الكلام فيه من أهم سقطات المرزوقي: إنما ذلك من فضل تبحره في علم الإيتمولوجيا العربية التي يجهلها النكرات مثل المحمودي والمرزوقي. تصور أنهما يتصوران "الريق البارد" عربية رغم أن العامة تخلت عنها منذ أن نالت حضا من التربية المزوغية وتصور أنهما يميزان بين الكفران والتكفير. ماذا؟ هل يمكن لهما أن يدركا ما يدركه ذوو التربية العالية وحتى العامة مثل العلامة المزوغي الذين يرفضون مثل هذا الكلام السوقي فيفضلون "برديل" المستورد على "عبد الله قش" التي هي من الصنع المحلي ؟
الفضل الثالث:
أما الفضل الثالث فهو أمر أظن أنه كان فيه على حق ألف في المائة. لقد ترك الدراسات الطبية طوعا ليس في ذلك أدنى شك. وعلى الأستاذ المحمودي أن يقدم الدليل إذا ادعى أنه طرد منها. وكما يقول أخوتنا المصريون "تفريء كتير": بين أن يطرد المرء من شيء عجز عنه وأن يتخلي عنه طوعا لوجوده إياه دون مستواه. لماذا لا يسلم له الأستاذ المحمودي بأنه أدرك أن الفلسفة محتاجة إلى فارس ينجيها مما تردت إليه بسبب أمثال بهائم الغرب الذين ألف فيهم تحفته والتي لم يجد بها زمان ومعهم بهائم الشرق من ابن خلدون إلى أبي يعرب فضلا عن دجالية من كل الأنبياء و الحكماء كما تبين من مقالاته ومحاضراته ؟ كل ما في الأمر أنه لبى نداء الواجب فتطوع للقيام بالمهمة التي تنوء بها الجبال فضلا عن الرجال. كيف ندعي أنه طرد من الطب ونحن نرى ثقافته العلمية تكاد تتجاوز عنان السماء: أليس هو يعلم علم اليقين بأنه لا فرق بين الإنسان والقرد ما جعل الأستاذ حليم يضطر للكلام على القرديات دون تحقير لأنه أخذ العنوان من المزوغي نفسه ؟
هل تتصوره غافلا إلى حد الظن أن الفلسفة أسهل مراسا من الطب؟ كلا وألف كلا: بل العكس هو الأصح فقد اكتشف أن الطب ليس تحديا كافيا لملكاته الفكرية. فحذار إذن من الخطل: فالأمر أكثر جدية مما نتصور فالرجل لم يجد في الطب ما يمكن أن يرضي قدرته على التحدي: إنما هو غامر فذهب إلى الأسد في عرينه ذهب لدراسة أم العلوم في بلدها الأصيل إذ لا يمكن لرمز العسار (اليسار بالعربية) أن يتعلمها بحسب قواعد الفن إلا عند السنيسترا (اليسار بالإيطالية) بمساعدة الداسترا (اليمين بها) في بلد "الطيارات في كل شيء" بما في ذلك الكامورا والمافيا وتجارة الروبافيكا. فمن كان من سينستر (لكم الخيار بين فهمها بالفرنسية أو بالإيطالية) في العالم الثالث التي تعيش على صدقات داسترا العالم الأول ينبغي أن يكون ذا وظيفة إنقاذية للعالمين: وخاصة تنوير المتخلفين أمثالنا من سينيستر (بالفرنسية هذه المرة) التي يسببها ابن خلدون وابن تيمية والرسول محمد وكل الأديان فضلا عن أبي يعرب وتلامذته عندما يريدون أن يتفلسفوا في ما لاناقة للفلسفة فيه ولاجمل أعني في الدين والفقه والذق الجنسي والغذائي والأدب.
الفضل الرابع:
وأما الرابع فهو فضله الأكبر: وقد يبدو هذا الأمر عديم الصلة بالاستدراك على الأستاذ المحمودي. أريد أن أعرج على الصدف العجيبة التي جعلت هذا المنقذ من الخرافة يلتقي مع صاحب المدفع الصكاك والبصاق: فكلاهما تعلم لغة الإيطاليين ولم يقتصر على لغتهم. وافهم يافاهم. ولا اعتبار لما بينهما من فرق: فعلامة تونس ما يزال يذكر كل ما تعلم وعلامة الأردن نسى بعض ما تعلم. ولعل الأول سينسى إذا غادر إيطاليا والثاني سيذكر إذا رجع إليها. وقد يفتحا معا محلا إيطاليا له فرعان تونسي أردني يبيع الروبافيكا والبوليتيكا فيحاربان الوهابية التي عمت البلاد العربية بدءا بالمرزوقي وختما بابن خلدون وابن تيمية. لا بد-إذا بقي في جماعة الفصلين حشاشة حياة بعد أن أتى مدفعهم الصكاك البصاق على بكرة أبيهم-أن يجتمع الضدان لنجدة البشرية ممن يحارب العقلانية التي يمثلانها: عقلانية علم الكلام وعقلانية الميتافيزيقا المتقدمتين على الثورة النقدية.
ولا يهم إذا كان الأول يتهم الغرب كله بالكفر ومعه من يمكن أن يكون متأثرا به مثل أبي يعرب وتلامذته وكان الثاني يتهم كبار فلاسفة الغرب بالبهامة والسخف لأنهم لا يفهمون العقلانية التي يدافع عنها ويدعون إلى العودة إلى حالة من تنسيب اللوجوس قد تسقطنا من جديد في الميتوس أعني الدين الذي ينفيه عنهم الأول: فالأمر سيان لأن الكفر هو ثمرة البهامة والبهامة علامتها الكفر أو العكس بالعكس كما يتبين من موقف المزوغي من الأديان جميعا حتى وإن كان يعيش على صدقة مؤسسات أحدها في بلاد الغربة.
الفضل الخامس:
والفضل الخامس هو جوهرة الاستدراك لأن فيه الخمسة والخميس على السيد العريس: إنه يتعلق بأمر ذكرني به ما نسبه هذا الرجل إلى نفسه من نزعة نسوية أعني نزعة الدفاع عن المرأة واحترام النساء والتضحية من أجل كرامتهن وحريتهن. فهذا الكلام ذكرني بحادثة حصلت لصديق قصها علي ذات مرة. حصلت له ذات مرة في صدفة شبيهة بتجربة الأستاذ المحمودي الذي حضر درس الأستاذ المزوغي حول فلسفة أرسطو صادفت سنة تخرجه. فقد صادف أن كان هذا الصديق جالسا في حافلة وفي الكرسي الموجود خلفه إمرأتان تشكو إحداهما لأخراهما ما تعانيه من ظلم زوجها. المشكل أن بطل القصة التي حكاها الصديق نكرة وليس معرفة كالحال في تجربة الأستاذ المحمودي: ففي الدرس كان البطل هو المزوغي بشحمه ولحمه. أما صديقي فلم يكن يدري من هو بطل قصته. ولولا كلام المزوغي عن النزعة النسوية لما تذكرت القصة التي أستبعد جملة وتفصيلا مطابقتها للحالة. لكن من يدري فالله أعلم. ولن أروي القصة كاملة كما رواها الصديق. يكفي أن أشير إلى أنها تتعلق بسلوك المهاجرين مع أسرهم التي يتخلون عنها.
ما حكاه الصديق هالني. سمع شكوى مؤلمة. شكوى يتفطر لها قلب أي إنسان. لذلك فلا يمكن أن أصدق أنها ذات صلة بذي نرعة نسوية مثل الأستاذ المزوغي. وللأمانة فالصديق لم يكن واثقا من أن المرأة شكت من الأمازيغ أو من الموازيغ بل اكتفى بالإشارة إلى التشابه بين الأسماء. المهم أن الكلام كان يدور حول إهمال الزوجة والأطفال من أجل عجوز تنفق على المهاجر الذي يعود في العطل ليتجول في سيارة فارهة فيبهر أقرانه من قريته وعادة ما تكون السيارة ملك العجوز. ولم أهتم بتفاصيل ما قصه علي أو قل أني لم أعر اهتماما للأمر لأني لم أرد الاستماع إلى كل القصة لفرط تقززي من سلوك كل امرء يتنكر لصاحباته وبنيه لشأن "يغنيه" (ليس بالمعنى القرآني طبعا).
لكن ما ذكرني بها هو كلام الأستاذ عن النسوية. ولما كنت واثقا من أن النسوي لا يمكن أن يفعل ذلك خاصة وهو من جماعة اليسار التونسي المحافظين على العلاقات الأسرية فإني أعقد أن القصة لا علاقة لها به. فاليسار التونسي لا يزال بخير في زيجاته. فلا يمكن لأحد أن يدعي أن نسبة الطلاق بين أهل السينسترا تجاوزت التسعين في المائة. وهي نسبة مبشرة بكل خير لأنها دون نسبة النتائج الانتخابية في العالم الثالث. لذلك فإني لم بخامرني أي شك و لم أسأل نفسي السؤال المعهود: ياذنوبي هو؟ ياذنوبي لا؟ ولو فعلت لقلت في نفسي-لأني بخلاف المزوغي مؤمن ولا أرى أن الدين من أساطير الأولين-لقلت: الله أعلم فبعض الظن إثم خاصة بعد أن أكد الرجل أنه ذو نزعة نسوية. فلا يمكن الجمع بين النزعة النسوية والنزعة الزيرية حتى وإن اشتركتا في العلاقة بالنساء وفي حبهن بمعنى "كي آم بيان شتي بيان".
الفضل السادس:
والفضل السادس لا بد منه قبل السابع الذي سأختم به هذه الورقة التي طالت بخلاف ما تمنتيت. إنه استطراد حول الكفاءات العربية المهاجرة الذين قد يتنازلوا فيقبلون بما عرفوا به من كرم فيتنازلوا للتدريس في جامعاتنا. ولعلي بذلك أعلل عنوان تعليقي على رد الأستاذ المزوغي وأقدم بداية دليل على دعوى الأستاذ المحمودي النكرة: فصاحبنا يزعم أنه يدرس في جامعة عريقة منذ تسع سنوات. وإذن فهو دكتور وأستاذ كرسي في هذه الجامعة منذ السنة التي تخرج فيها الأستاذ المحمودي ولم يكن عندئذ طالبا أراد المرزوقي تقديمه في الدرس الذي دعاه إليه: ومن ثم فهو كفاءة نادرة يتكلم على الإسلام هناك بما يشبه كلامه على الفلسفة الغربية هنا. فإذا كان قد علَّمنا نحن هنا في الشرق أن أكبر فلاسفة الغرب في القرن العشرين حمير إذا قيسوا بنباهته وعقلانيته فلا بد أن يكون قد علمهم في الغرب هناك أن اكبر أنبياء الشرق دجالون بنفس المقياس.
لكن هذه الكفاءات التي جادت بها الهجرة على الغرب المحتاج إلى علمهم ليسوا كلهم سواء. فهم ثلاثة أصناف أكبرها عددا يمثله العمال في الخارج الذين صاروا علماء في المهجر بشهادات أغلبها مزيفة: ولعل الجميع شاهد أمثلة من انتداب جامعاتنا لأساتذة بارعين في فن الضيافة أو القوادة اللتين تغني فيهما لغة الإشارة عن لغة العبارة وهم مع ذلك من الأسماء اللامعة. والصنفان الممثلان للقلة منهم أمرهما معلوم:
فهم إما طلبة متفوقون ابتعثتهم الدولة للدراسة والتخصص بمنح وطنية أو دولية يستقرون في المهجر لأنهم وجدوا فرصة مواتية للعمل في المؤسسات العلمية أو الصناعية الغربية.
أو بعض العلماء الذي خرجوا من البلاد باسم التعاون الفني أو باسم الهجرة لعدم توفر ما يرضيهم في البلد أو يبحثون عما هو أفضل لهم ولأبنائهم.
وهذان النوعان لا كلام في أمرهما. ومثلما أني واثق من أن أبا يعرب ينتسب إلى كلا النوعين لأنه بدأ حياته بأولهما وختمها بثانيهما فإني أعلم كذلك أن المزوغي لا ينتمي إلى أي من هذين النوعين: فلا هو من المبتعثين لتفوقهم في الثانوية ولا هو من الكفاءات التي هاجرت للتعاون الفني أو للبحث عن آفاق أوسع. فهل تراه من الأغلبية التي تمثلها فضلات المدرسة الوطنية وطريدوها؟ أم هل يوجد نوع رابع نسيته ياجارح ولعله أهم الأنواع على الإطلاق ؟ لم أجزم بأنه من النوع الثالث كل ما في الأمر أني لا أعرف غير هذه الأنواع الثلاثة. وترددي في الجزم بأنه من النوع الثالث هو تصديقي إياه إذ زعم أنه تخلى عن الطب اختيارا وحبا في الفلسفة التي ذهب يطلبها من معينها الصافي.
لكن ما يحيرني مسألة صغيرة كدت أهملها لو لم أذكر أن أهم العلامات هي ما يبدو صغيرا. فهل من الصدف يا ترى أن يكون المزوغي مقاسما جل المنتسبين إلى النوع الثالث أهم خاصية عرفوا بها أعني: ادعاء الريادة الفكرية والقيمية والتفوق على أهم أعلام الشرق والغرب؟ ما الذي يجعل من قد يكون مجرد "شاوش" في مؤسسة غربية يزعم في بلده أن غزو الفضاء ما كان ليتم لو لم يكن هو رئيس فريق البحث والتخطيط؟ يكفيك أن تحضر ملتقى الكفاءات المهاجرة: فستجد أكثر الأوداج المنتفخة تنحدر من هذا الصنف الثالث.
ذلك أنه بخلاف الصنفين الأولين الذين هم "مستكفون بأنفسهم" لاستغنائهم عن إثبات مؤهلاتهم نرى من طرد من المدرسة الوطنية يعود بعد هجرة شحاذة بشهادة لا يعلم إلا الله مصدرها ثم يدعي في العلم رئاسة. لكن الله أعلم. فليس في ذلك دليل كاف على أنه من هذا الصنف الثالث حتى وإن كان نشر كل شيء عن أغبياء الغرب والشرق إلا رسالته التي لا يمكن أن يكون قد صار أستاذا من دونها. لكن لعل صنفا رابعا يوجد ونحن عنه من الغافلين: والمدعي هذه المرة يكون هو المزوغي وعليه أن يثبت وجود هذا الصنف الرابع. نحن لم ندع أكثر من كونه ليس من الصنفين الأولين: ولما كانت كراهته لأبي يعرب "لوجه الله" لأنه "يفسد ويسفك الدماء كما قالت الملائكة في آدم" وليست لأنه نكره يريد أن يخالف ليعرف فإن النكرات أمثالي لن يتطاولوا فيطالبونه بدليل: كلمته كافية وهي ما ننتظره من انفجاره الكتابي الموالي ليرد على بوصفي نكرة أخرى.
لم ادع أنه من الصنف الثالث بل ادعيت أني لا أعرف غير هذه الأصناف الثلاثة. والواجب يقتضي أن أصف المنتسبين إلى هذا الصنف الثالث حتى يتبين للجميع أني لم أدع أن المزوغي منهم بعد أن تبين لي أنه قد تجاوز ابن خلدون وابن تيمية والمرزوقي ولم يكتف بذلك بل بين بهامة أكبر فلاسفة الغرب في العصر الحديث: فلا يمكن أن يكون من الحثالة التي تدعي الريادة الفكرية وهي لم تهاجر للعلم بل لطلب الرزق (وهذا يحسب لهم ولا عيب فيه) وفشلوا فيه فعادوا أو شرعوا في التحضير للعودة بمسرحيات انتفاخ الأوداج إذ يزعمون منتفشين أنهم كفاءة وطنية هاجرت طلبا للعلم وهربت من الاضطهاد السياسي لأنهم من اليسار الصارم في حب الديموقراطية الشعبية لما كانت تمثل الريادة وصاروا متيمين بالديمرقراطية البرجوازية على الأقل لما كانت كونداليزا رايس تدفع للعلمانيين أصحاب البروتاز التي تسمى مجتمعا مدنيا علمانيا.
ويمكن أن نضيف إلى هذا الجنس جل أعلام الفكر العلماني العربي المهاجر من شيوخ اليسار العائشين في الغرب على ثلب الإسلام والمسلمين علهم بذلك يجدون من يوشح صدورهم بصفات العقلانية والتقدمة والنضال من أجل الحرية والنسوية وحتى المثلية كجماعة العقلانيين العرب أصحاب المانيفاستو الشهير بتمويل لاعقلاني عربي أعني النخب التي يصح عليهم وصف أبي يعرب وصفه الذي أورده العلامة المزوغي في تقريره للداخلية المنشور في هذا الموقع بعد أن أرسله صاحبه وهو غير صاح بدليل ندمه ومطالبة أبي لؤي بإيقافه.
وبين أنه ليس مما يعور المرء أن يكون عاملا في المهجر. فحتى أبو يعرب حدثنا ذات مرة أن منحته رغم أهميتها في ذلك الوقت لما كان الدينار يساوي دولارين لم تكن كافية فاضطر للعمل إذ لم يكن ممن يؤمنون بالمذهب النسوي. المشكل ليس ذلك فهذا شرف عندما لا ينكره صاحبه. العار هو استسهال العيش الرغيد بدل الجد الأكيد: خدمة بعض المصالح وتوشيح الصدر بكذبة المعارضة والاضطهاد ليس للأنظمة فحسب بل للثقافة القمعية التي يمثلها تراثهم. فتراهم أغلب وقتهم يتسلقون بالاستعطاف والتلحيس وطلب المساعدة إما من أحد أحزاب اليسار أو من الكنيسة أو من الجماعة الماسكة بكلا الخيطين ولا حاجة لتسميتها أعني مافية المافيات أو اللوبيات التي لا نحتاج إلى وصفها. أما من لم يجد منهم مثل هذه الحلول "الانتلاكتوالية" كغالب زعماء الصالونات فيلجأ إلى الحل السحري: القيام بوظيفة جديدة اكتشفها هذا الصنف من العمال المتعالمون وظيفة يؤدي فيها الذكر لثريات النساء ما تؤديه الجواري لأثرياء الرجال وبذلك يمكنهم العيش في رأس عجوز غربية تبحث عن مراهقة ثانية مع شاب من العالم الثالث فينتفش الواحد منهم في حيه مدة العطلة الصيفية بسيارة مأجورة.
غاية الأفضال وتمام الفضيلة:
الفضل السابع هو ما لا يمكن التغاضي عنه لكونه علامة التمام في الفضلين السابقين: إنه علم المزوغي بالإجراءات القانونية عامة والفقهية خاصة رغم بعدهما المطلق عن الهم الفلسفي لقربهما من "الهم". فهو قد طالب الأستاذ المحمودي النكرة بالدليل على طرده من كلية الطب لعلمه بالمبدأ العام القائل: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والمبدأ مبدأ حتى وإن كان لا ينطبق على المزوغي لأن اليمين لا معنى لها عند من يعتبر الأديان خرافات. لذلك فهو لن يطالبني بالدليل لا عن استدلالي بخصوص نوع المهاجرين الذي يمكن أن ينتسب إليه ولا على ما حكاه لي الصديق عن القصة التي سمعها في الحافلة. وسأكتفي ببيان ذلك بالنسبة إلى المسألة الثانية: فهو يفهم أني لم ادع شيئا عدا السماع من سامع فإذا ادعى أني تجاوزت ذلك فعليه بالدليل على دعواه أو هو يطالبني باليمين الذي له معنى عندي ولا معنى له عنده ومن ثم فهو لن يطلب. حسم الأمر: فطاح الكاف على ظله.
ثم إن ما سمعه الصديق لم يزعم أحد منا لا هو ولا أنا أنه منطبق على المزوغي بل بالعكس كان إيراد القصة لاستبعاد هذا الانطباق ولإثبات صحة ما ينسبه إلى نفسه من نزعة نسوية بطريقة الـ"كنتر اكزمبل" أو الدليل بالضد: فهل يمكن أن يهرب بالفاس لمن يساعده على حفر قبر أبيه كما يقول المثل التونسي؟ فضمير الكلام هو نفي الظن حتى مجرد الظن أن من كان ذا نزعة نسوية يمكن أن يبدر منه مثل هذا السلوك المعتاد عند بعض المهاجرين. ثم كيف له أن يطلب الدليل عن أمر حدث صدفة: صديق سمع قصة في الحافلة قبل أن ينزل في ساحة برشلونة ليزور مكتبة المعرفة المرحة أو ربما لينام في فندق ربها سمعها صدفة ورواها لي صدفة كذلك. وطبعا لم يكن معه مسجل ليسجلها لما سمعها فضلا عن أنه ليس صحفيا يلتقط الشائعات في الحافلات ولا يهتم بثرثرة المطلقات. ثم إني لم أكن أعلم أن المزوغي سيذكرني بهذه القصة بكلامه عن النزعة النسوية وإلا لدونتها لما حكاها الرواي ولسجلت اسمه حتى لا أنساه. كلا الأمرين حصل بالصدفة. وما ذكرت القصة إلا لأن كلام المزوغي عن النزعة النسوية ذكرني بها. ولعل الأمر كله تشابه أسماء كما أشار الصديق للأمانة: فالموازيغ أو الأمازيع المتطلينة لا تحصى ولا تعد.
ولما كان الفهامة لا يخشى في الحق اللوامة (لا أعني النفس فذلك ذو علاقة بالخرافات الدينية ولا يصح نسبته إلى المزوغي بل جمع لائم بالتونسي) فقد يتطوع فيعلمنا بالحقيقة ولن نطالبه بالقسم. ومثلما صدقنا كلامه لما أعلمنا بأن الأديان كلها خرافات في خرافات بل وتخلويض في تخلويض فلن نطالبه بأن يثبت أن ما رواه الصديق خرافات في خرافات فضلا عن كون القصة لا تعنيه ما دام بوسعه أن يثبت أنها لا تتعلق به. ولكن هب القصة تعلقت به فهل في ذلك أدنى إشكال ؟ المخرج يسير جدا: فالهر(على) من يوطيقـ(ـه) -كما يصف الأستاذ أبو يعرب استعمالاتها عند مفسري القرآن من علمانيي العرب الذين يخلطون بين التأويل والرد القرآن المؤرخن إلى صورتهم الماركسية المشوهة عما يسمونه الواقع كما نجد ذلك عند ناصر حامد أبي زيد-يمكن باستعمالها الغربي عند بهائم الفلاسفة الغربيين الذين فضحهم بعلمه يمكن أن تقدم له حلا يزيل الإشكال من أصله.
وإليكم الحل كيف يكون دون هرٍّ على من يطيقه أو من لا يطيقه: فيمكن أن نفهم الأمر بعمق يتجاوز فهمنا السطحي الناتج عن تخلفنا الديني. ذلك أن مثل هذا السلوك يمكن أن يكون من علامات احترام حقوق النساء كما ضبطتها مجلة حقوق الإنسان بل وكذلك من علامات الاعتراف بفضلهن اعترافا يتجاوز قيم حقوق الإنسان في الدنيا إلى حقوقهن في الآخرة التي يمكن للعلماني أن يجعلها الحل "ب" بمنطق رهان باسكال. فهذا السلوك ليس هو إلا عكس أحد وجهي نظرية القوامة المتخلفة: بدل أن ينفق الظلامي الغبي على الزوجة يسبتدلها العقلاني الذكي بخليلة تنفق عليه. فأي عيب في ذلك خاصة وفيه تحرير من القوامة التي هي أكبر علامات التخلف عند أعداء المرأة ؟
إلى متى سنبقى أسارى الأسرة البطركية والأحكام الفقهية في العلاقات الأسرية ؟ ثم هل يمكن أن تجد أكثر احتراما للمرأة من جعلها هي صاحبة القوامة على الأقل من حيث الإنفاق؟ فالحرية تقاس بالمسؤولية ومن ثم فتحميل المرأة الإنفاق على نفسها وحتى على خلفتها هو اعتراف بحريتها. ثم كيف للمسلم المتخلف مثلي أن يعجب والطلاق والتعدد من عيوب دينه بخلاف الإخلاص الكاثوليكي للزوجة الواحدة والوحيدة كل الحياة؟ أراك بدأت "تخلوض" ياجارح لأنك نسيت أن المعاشرة من أكبر المواقف التحررية عند اليسار خاصة إذا كان قرير العين بالعيش على صدقات اليمين في بلد الكامورا والمافيوزين ؟ ثم مالك تنسى يا جارح أن الأمر ليس من منطق أولاد البارح فالسنة في إهمال الأبناء ليست بدعا من الأمر: فهل أنت أعلم من جاك روسو الذي كتب الإيميل في التربية وأهمل أبناءه لعناية الكنيسة؟ ولا بأس من المشكل الوحيد الذي قد يعترض به على هذا الموقف: قريبا سنؤسس كنيسة تعنى بهم.
خاتمة
وإليكم الآن معنى سؤالي الذي طرحته في العنوان: ترى هل الأحزاب والكنائس والسلطة الجامعة بينهما في الغرب والتي تحرك كل الدمى هل هي تفعل ذلك بالـ"شاريتي كريتيان"؟ فتكون "شاريتي كريتين" أم إن في الأمر سرا آخر هو مفتاح التأويل في مسرحيات الدمى اليسارية في المهاجر الغربية ؟ نعم في الأمر سر آخر: إنها تنتدبهم وتستعملهم لغاية في نفس يعقوب وليس لحماية حقوق الإنسان أو للاستفادة من كفاءات قل أن يجود بها الزمان. ولنضرب مثال هذا المنقذ للبشرية من شر البلية أعني ما يتفق فيه مع صاحب السخافة الكلامية في موقع الفصلين أو مغارة الدجالين: محاولة أبي يعرب في فهم مصادر الهوية وشروط النهوض العقلية صارت عندهما وهابية ورجعية أما العودة إلى كلام القرون الوسطى وعقلانية الدغمائية فتلك هي الثورة الفكرية التي ليس يوجد ما يعلو عليها.
يزعم صاحبنا أنه ترك الطب باختياره لتعلم الفلسفة ومن ثم لإنقاذ البشرية من بهامة هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة وابن خلدون وابن تيمية والمرزوقي ؟ ألا يحق لي عندئذ أن أسأله حتى لو سلمت له بأني نكرة ومجهول: لعل الأستاذ المزوغي لم يكن من البدء مفضلا الفلسفة على الطب وإلا لكانت أول ما يطلب في التوجيه أو لعله فعل لكن مصلحة التوجيه رأت فيه العبقرية التي يحتاجها الطب فرفضت طلبه ووجهته رغم أنفه إلى الطب الذي يأت ذكره حتى مجرد الذكر في قائمة خياراته التوجيهية؟
مالي ؟ أراني فعلا ضيق الأفق ؟ ألا يحق للمرء أن يفهم بعد أن يجرب فيدرك أنه خلق لخيار ثان غير الخيار الأول ؟ حسنا: يصبح السؤال: ما الأمر الذي أفهم المزوغي أنه فيلسوف بالقوة بدليل أنه أصبح فيلسوفا بالفعل يدرك بهامة هيدجر وفوكو ودريدا وحتى نيتشه فضلا عن ابن خلدون وابن تيمية ناهيك عن جعيط وأبي يعرب المرزوقي الذين يخدمان الوهابية الأول لأنه قدم محاضرة في المركز السعودي بالمغرب ثم كتب في السيرة النبوية والثاني لأنه ألف رسالة في ابن تيمية ؟ واحدة من اثنتين:
إما لأن بداية ممارسته للطب بينت له أنه دون طموحه الريادي لما اكتشف أهمية الفلسفة (طبعا الجمع بين الاكتشافين ممكن ولعله هو ما حصل فعلا لكن لا يهم).
أو أنه عجز عن الطب فظن الفلسفة أسهل كما يتبين من فهمه العميق لكبار الفلاسفة الذين اكتشف بهامتهم. وكل من يريد ألا يبقى بهيما فليقرأ كتابه في البهامة.
ولما كان قد زعم ذات مرة أنه حضر دروس أبي يعرب فأحب الفلسفة وعبر عن الغبن الذي حصل له من نكوص المرزوقي إلى الدين فلعل لأبي يعرب بعض تأثير في هذا التحول المفاجئ ؟ طبعا هذا أمر غير ممكن. فالمزوغي "يخطفها وهي طائرة" لذلك فهو قد أدرك مباشرة بحدسه العبقري أن أبا يعرب مثل بهائم الغرب لا يفهم شيئا في الفلسفة. لذلك فلا ينبغي أن نعجب من عدم التسجيل في الفلسفة بالجامعة التونسية فنظن أن التسجيل لم يكن ممكنا لأنه أنهى "خراطيشه" في الطب: فقد كان يحدس أن أحد بهائم أوروبا أعني فوكو كان مدرسا قارا فيها والبهائم الأخرى كانت تتردد عليها للتدريس الفصلي والجيل الأول من المدرسين التونسيين كانوا من تلامذة هؤلاء البهائم ففضل الذهاب إلى منبع العلم والذكاء.
لكن يبقى سؤال يحيرني: لماذا يزعم الآن أن الجامعة التونسية محترمة وأنه لا يمانع بتشريفها بالتدريس فيها ؟ من منا لن يشكره على هذا التفضل والكرم الحاتمي ؟ لعلها صارت محترمة بعد أن غادرها الأساتذة بالاسم من أمثال جعيط وأبي يعرب ولم يعد يزورها بهائم الغرب للتدريس فيها. كانت عندئذ غير محترمة ولا تلبي ما كان يشعر به بين جوانحه من قدرة على فهم البهامة ثم صارت محترمة لأن أمثاله بدأوا يغزونها من كل صوب وحدب. ذهب إلى إيطاليا طبعا لحب الفلسفة وليس لحب البزنس: لن أزعم أنه "حارق بالتونسي" لأني أصدقه في دعواه الذهاب للدراسة لا كمبعوث من الدولة ولا ككفاءة ضاق بها أفق تونس بل كفارس دونكيخوتي يحرر البشرية من البهامة التي اكتشفها منذئذ حتى وإن لم يكشفها إلا في كتابه عن هيدجر وفوكو ودريدا ونيتشة ولست أدري من غيرهم من الحمير الذين سيأتي دورهم في مصنفاته الملهمة.