شروط الحركة الفكرية أو
كيف يعاصر الفكر ذاته الاجتماعية والثقافية
محمد
عمر سعيد
1 - الفكرة والمعتقد:
من الإشكاليات الرئيسية في نسق ثقافي – اجتماعي غياب حركة فكرية ذاتية تعاصر
نسقها وتعكس واقعها الاجتماعي، كما تعبر هي ذاتها ومن خلال مضامينها عن طبيعة
النسق الثقافي السائد.
وغياب الحركة الفكرية عن مسايرة نسقها الذاتي الاجتماعي – الثقافي يعبر عن أزمة
الكيان الاجتماعي المتعينة في علة واحدة هي افتقاد آليات تخريج أفكار عاكسة
للنسق الفعلي للأفكار والواقع، وذلك راجع إلى فقدان البعد الحيوي الأصلي لكل
حياة اجتماعية حقيقية ذات أهداف ومقاصد محددة ومشتركة وهو ما يتجلى في عنصر
الفكرة.
وإذا كانت الفكرة توجد في الإنسان بـ"القوة"، كما في العبارة الفلسفية،
والإنسان يتميز عن غيره بالفكر فإن المقصود بغياب عنصر الفكرة هو غياب حضورها
بـ"الفعل" في المجتمع، والحضور الفعلي للفكرة في المجتمع هو الحضور الواعي
للإنسان داخل المجتمع ذاته، وذلك هو المقياس الفارق بين مجتمع طبيعي لم يخرج
بعد من ذاته الغُفلة إلى الوجود التاريخي الواعي.
والسؤال بعد هذا يكمن في الكيفية التي بها تعمل الفكرة عند حضورها الفعلي كل
هذا العمل الانقلابي في التاريخ الاجتماعي لأية ثقافة؟ إذ لابد بداية من القول
بأن التأسيس المفهومي لعنصر الفكرة يتقوّم على ركيزتي البحث والاكتشاف
باعتبارهما نقطتا وصل في مسار واحد؛ ذلك أن التفكير بما هو ناتج عن محض اعتقاد
غير متحرك لا يمكن أن يؤسس لأي مسار واضح المعالم.
فالفكرة الحقيقية ـ المتواجدة بالفعل ـ تعكس حضور ناظم منهجي يبتدئ من نقطة
وينتهي إلى نقطة جديدة لم تكن تخطر من قبل على بال الإنسان وذهنه، وإن انطلاق
مسار كهذا يعد التأسيس الحقيقي لما تقدم الكلام عنه في حركة فكرية تعاصر ذاتها
الثقافية الاجتماعية، فكيف ذلك؟ أو كيف تتأسس الحركة الفكرية المتعاصرة مع
ذاتها من خلال مسارات بحثية غير معلومة المنتهى؟!
ليست الفكرة وليدة تواصل حي ومباشر بين ذاتين ـ فردية كانت أو اجتماعية ـ لكنها
وليدة تواصل ذاتي داخلي، أو بعبارة أخرى وليدة تواصل بين ذاتي سعيا إلى وعي
الحقيقة روحية كانت أو اجتماعية أو طبيعية؛ فهل للفكرة إذن إتجاه أم هي ذاتية
الظهور؟ أعني هل أن انبثاق الفكرة وميلادها يشير إلى مسار مشروط أم هو محض
اتفاق عفوي خاضع للطفرة؟
لقد تقدم أن الفكرة تتأسس على بحث موصل للاكتشاف، وهذا يعني مسارا معينا تتخذه
الفكرة لنفسها، لكن هل أن المسار يحصل عند ظهور الفكرة أم بعدها؟ ذلك أن علاقة
الإنسان بالفكرة علاقة قصدية تقتضي أهدافا مسبقة، فلا يمكن أن تظهر الفكرة من
دون قصود فعلية وهذه القصود تكون خفية وغير ظاهرة، ولا يكشف عنها إلا انبثاق
الفكرة في شكل مسار منطلق من ومنته عند أخرى.
إذن فعلى جانب الفكرة القبلي نجد قصودا خفية وعلى جانبها البعدي نجد منهجا
معلوم الخطوات، ومن ثم فإن ما بعد ظهور الفكرة نجد قانونا يحفظ الفكرة ويواصل
عليها، أما ما قبلها فهو مبهم مجهول، لكن أين يمكن أن ينتفي هذا الجهل ويصبح
معلوما عند حدّ معين؟
فلا شك أن المنهج هو التجلي الصريح للقصود السابقة على ظهور الفكرة، ذلك أنه
يصبح متداولا على أساس من المنطق المشترك، كما يصبح في حد ذاته ضوءا ينير
الجانب القبلي المبهم من الفكرة؛ ومن ثم فإن ظهور الفكرة المبهم ضرورة لا مفر
منها، على اعتبار العودة النقدية إليه، فتتم العودة إلى الماقبل بمنظار المابعد
ذاته ومن ثم تصبح إمكانية المراجعة والتصحيح وفقا لمنطق الفكرة ذاتها كونها
جوهر الماقبل والمابعد.
فينتفي الإبهام والغموض بعد أن تعقلن وصار قابلا للتداول، وذلك ما يخرج الفكرة
من أن تكون معتقدا، فبالصراحة العقلية والمنطقية يخرج التفكير من ارتهانه
للمعتقد إلى سعة الفكرة الحقة التي لا غموض فيها.
2- العقل والمجتمع:
بمقابل العقلنة والوضوح، يختص الواقع الاجتماعي بعدم احتكامه للعقل، حتى أن
محاولة عقلنته يعتبر في حد ذاته خروجا عن العقل ذاته! فنكون أما ضربين من
التفكير العقلي هما:
1- العقل المنطقي: الذي يكتفي بالعمل الاستنتاجي الحدسي، الخاضع للأدوات
المنطقية الكلاسيكية.
2- العقل الواقعي: وهو ليس عقلا عاملا بل تصوريا، يرى في مسارات الطبيعة بكل
مكوناتها (الفيزياء والأحياء والإنسان) أنها غير خاضعة لأي صورة عقلية جاهزة،
وذلك لشرط تكونه وتخلقه المستمر الذي يجعله متغيرا في أشكال غير متوقعة.
لذلك كان العقل العامل والصوري عقلا واحدا لا يفصل بينهما إلى النظر ذاته،
فآليات اشتغال العقل تستمد من الإنسان المفكر ذاته كونه هو نفسه خاضعا للتغير
الطبيعي المستمر، فمادام الإنسان مندرجا في طبيعته ضمن طبيعة ما يفكر فيه،
فالواجب عليه أن يجعل مِن أو يرى إلى الطبيعة التي هو جزء منها بعين الموضوعية
التي تجعل منه من مدرجات الطبيعة المتغيرة بما فيها عقله هو.
فأي علاقة تلك هي بين الوضوح العقلاني وعدم خضوع الواقع الاجتماعي للعقل؟
تلك هي الإشكالية التي نجد حلها في ثنايا ما تقدم من كون الوضوح العقلاني يكمن
بالتحديد في تحرير الأفكار من الغموض من خلال المراجعة النقدية للماقبل بواسطة
المنهج المتأسس عن المابعد؛ وكذلك الواقع الاجتماعي فهو غير عقلي لكنه قابل
للتفسير العقلاني الواضح والصريح. لذلك فالعقلانية مستويات، إذ كلما كانت درجة
الوضوح أكثر كانت مستوى العقلانية أكبر.
لكن هذا الحل المفترض لا يعدو أن يكون مجرد شعار يندرج ضمن المحفوظات الذهنية
لا غير، ذلك أن أزمة الغموض تكمن في الإنسان الذي يتعمد الغموض في سبيل الهيمنة
والسيطرة غير العقلية على الآخرين، وذلك ما يسمى بـ"فن الخطابة"، حيث لا يكلف
الخطيب نفسه إلا باختيار التنميقات الظاهرية التي تستهوي الحشود دونما اكتراث
إلى درجة الوضوح. فكيف يتحرر الخطاب ذاته من الغموض الذي يستعبد به القادة
المزيفون الجماهير؟
لا شك أن رقابة الآخرين قد تكون الفيصل في إلزام "المتصدرين" بدرجة مقبولة من
الوضوح المنطقي والعقلي، لكن ذلك غير مضمون فضلا عن أنه يفارق طبيعة الخطاب
التي مصدرها الذات، حيث المطلوب إنتاج آليات داخلية في الخطاب ذاته حتى تكون
الضمانة العقلية في الخطاب ذاتية أيضا، فلا يكون الخطيب خاضعا آن خطابه لوازع
خارجي بل إلى وازع ذاتي، حيث الفرق شاسع بين الوازعين من حيث تعذر إمكان ترتيب
خطاب سليم عقليا من قهر فكري خارجي، فأول ما يقتضيه التفكير الحرية
والاستقلالية. فكيف يمكن إنتاج خطاب ذا وضوح عقلي ذاتي الوازع؟
يحيلنا السؤال إلى التعارض المحتمل بين الوضوحين الخطابي والعقلي، فالأول يكتفي
باختيار ترتيب الكلمات حتى تتساوق مع المنطق الاجتماعي والثاني يهتم باختيار
ترتيب المعاني حتى تتساوق مع المنطق العقلي، أما كيف يتساوق الخطاب مع المنطق
الاجتماعي فهذا من الضرورات الطبيعية التي يلتزم بها الخطيب في لاوعيه، وهذا ما
يتناسب مع ما قدمناه من أن الواقع الاجتماعي غير عقلاني، فكذلك منطق المجتمع هو
غير عقلي بالتبع، حيث التغاير والاختلاف الطبيعي بين الفاعلين الاجتماعيين
باختلاف استراتيجياتهم الفعلية الناتجة عن تعدد تكوناتهم التربوية والنفسية
والاجتماعية، حيث يقتضي من الخطيب المعتمد على الخطابة آنئذ الالتزام بالحس
الاجتماعي الذي يكفل له إرضاء صوريا لكل الأذواق بالقدر الممكن، بينما صاحب
الخطاب العقلي الملتزم بمنطقية الخطاب لا شك سينفصل عن الذوق السائد إلى ملاحقة
مثل عقلية يسعى لأن تسود. ومن ذلك نجد أن كل واحد منهما قد شطرا من المنطق
العقلي المتكامل.