


دلالة علتي الحربين الأهليتين العربيتين
الطائفية القديمة والطائفية الحديثة
(أضرار الأخذ بالمنطق الجدلي على مستقبل الأمة)
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 11 سبتمبر 2010
وقوع الأمة في حبائل المنطق الجدلي
وقعت الأمة في براثن الصراع والحرب الأهلية مدعومين بالاعتقاد الراسخ في وجاهة المنطق الجدلي. وليس هذا الإيمان إلا الثمرة المرة للإدبار عن القيم القرآنية الذي عرفته الأمة بتدريج مراحله هي عينها مراحل اللقاء مع الغرب الحديث في مناطق الوطن العربي الخمس:
1-منطقة الشام (بؤرة الصراع خلال كل حقب التاريخ مدا وجزرا بين الشرق والغرب)
2-ومنطقة النيل (ملتقى الجناحين الأعلى)
3-ومنطقة المغرب العربي (الجناح الغربي)
4-ومنطقة الخليج (الجناح الشرقي)
5-ومنطقة القرن (ملتقى الجناحين الأدنى).
ويقبل هذا اللقاء القسمة إلى ضربين من الغزو بمقتضى قسمة ذاتية تطابق قسمة عرضية هي قسمة الوطن العربي إلى جناحين غلب على أحدهما الاستعمار الفرنسي وعلى الثاني الاستعمار الانجليزي.
فأما القسمة الذاتية فوجودية لأنها تقبل الوصف بكونها ذات صلة بوجهي كل تخاصب حضاري وجهيه المطلقين بصورة مرسلة دون حيز معين: الوجه الذي يغلب عليه البعد المادي والوجه الذي يغلب عليه البعد الرمزي.
وأما القسمة العرضية فتاريخية لأنها تقبل الوصف بكونها ذات صلة بوجهي تعين هذين الوجهين المطلقين في حيز حضارة من الحضارات زمانها ومكانها: التعين في المغرب والتعين في المشرق (في حالتنا العربية).
وقد بلغ أول الغزوين ذروته المادية العنيفة في المغرب العربي (دخولا للاستعمار وإخراجا) وثاني الغزوين بدأ يتجه نحو ذروته الرمزية اللطيفة في الخليج العربي (دخولا ولا نستطيع الكلام على الإخراج بعد). لكن الذروتين اجتمعتا اجتماع قيح الدمل في رأسه فكان ما حدث في الجزائر بداية كلا الغزوين وما يحدث في العراق غاية الغزوين. فكانت الذروتان عنيفتين ماديا ورمزيا في آن إذ اجتمع جناحا الوطن في حرب الجزائر التي وحدتهما ضد الاستعمار القديم ثم في حرب العراق التي ستوحدهما ضد الاستعمار الجديد. وهذا التوحيد وصل إلى حد لم يعد بالإمكان تجاهل دلالات المقومات الأساسية لطبيعة المعركة ولشروط إستراتيجية النصر فيها في آن.
ولولا الحاجة إلى إيضاح هذه الدلالة لما كتبت حرفا ولكان كلامي في ما يجري في العراق خلال مقامي في ماليزيا وما يجري في الخليج عامة وفي السعودية خاصة منذ عودتي كلاما عديم المعنى لكونه قد يبدو تطفلا في ما ليس لي فيه ناقة ولا جمل وخاصة عند القائلين بإطلاق القطرية والحدود الاصطناعية التي رسمها الاستعماران الفرنسي والانجليزي. ذلك أن المعركة التي لم تحسم بعد لا في الجزائر ولا في العراق لن تحسم حسب رأيي المتواضع إلا في الخليج العربي عامة وفي السعودية خاصة. وتلك هي العلة في اهتمامي بالجدل الدائر بين شباب الجزيرة العربية الذي يبدو لي وكأنه متجه إلى الغرق في الحرب الأهلية من دون أن يستفيد من تجارب مناطق الوطن العربي التي جربت القول بمنطق الصراع الناتج عن التقاطب المؤدي إلى القول بالمنطق الجدلي: إذ فضلا عن خصائص هذه المنطقة الذاتية فإنها في هذه التجربة:
تمثل أولا مصب التأثر بتوسط الأحداث الداخلية في الانغزاء الحضاري مصب كل التجارب العربية السابقة في المناطق التي تقدمت عليها في الانغزائين دون أن تكون قد أفادت من هذه التجارب مصائبها ونكباتها الرمزية خاصة.
وتمثل ثانيا مصب التأثر الخارجي المباشر بالأحداث الخارجية في الانغزاء الحضاري مصب التجارب الكونية السابقة في المناطق التي يستحوذ عليها السلطان الغربي بأبعاد اخطبوطه الخمسة: الاعلام والاستعلام والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية والجامع بينها أعني الهيمنة الامبراطورية الكونية.
أما العلة في التركيز على السعودية فلأنها حاليا تعد مركز ثقل الأمة العربية ماديا ورمزيا فضلا عن كون كل رموز المعركة الكونية منذ الصراع مع نهايات انحراف الفكر العقلي الغربي (المسيحية الشيوعية) إلى بدايات احتضار انحراف الفكر النقلي الغربي (المسيحية الصهيونية) دارت حولها وكان لها فيها دورا البعض ينسبه إلى التبعية الأمريكية والبعض يرى فيه أمرا قدريا لا يستثني النسبة الأولى لكونها هي بدورها يمكن أن تكون جزءا من مكر العقل في الشاهد ومكر الله في الغائب معا وفي آن. ولذلك فإن عدم الانتباه إلى ضرورة الاستعداد لذلك قد يجعل اجتماع الذروتين يتكثف فيها ليصبح ذروة الذرى فيعود التاريخ إلى مبتداه بأحد طريقيتين:
فإما أن يعود العرب إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام قبائل تتناحر على هامش التاريخ مع سلطان أجنبي على الأطراف يكاد يكون أشبه بما كان: فارس (إيران الحالية) وبيزنطة (تركيا الحالية) والحبشة (القاعدة الصهيونية في القرن الافريقي).
أو أن يستأنف الإسلام رسالته الكونية كما بدأ أول مرة لإخراج العرب مرة أخرى من هذه الوضعية التي تطل بوجهها الكريه ولكن بإمكانات مناسبة للرسالة لم تكن متوفرة في المرة الأولى ما يجعل الطموح الكوني يصبح ليس مقصورا على الرمز بل يتعداه إلى الفعل .
وحتى التركيز في النبضة الثانية على الوجه الرمزي فإن الحذر واجب لأن ما يحدث في الخليج يمكن أن يكون أكثر تفجرا من كل ما سبق بسبب الصدام بين غايتي القطبين وتطرفيهما: غاية البداوة وغاية الحضارة مع تآكل الملطف بين القطبين أعني التوزيع المتقارب للثروات وبلوغ الصراع العقدي بوجهيه القديم (سنة شيعة) والحديث (ديني ليبرالي) حدا من التوتر لا يكاد يخفى عن عين حتى وإن ظل مسيطرا عليه بالمال والسلطان الأجنبي (القواعد العلنية والأجهزة السرية). وليس بخافي عني أن الكثير من المتعاقلين -رغم جهلهم المدقع بتاريخ الفكرين الديني والفلسفي وعشي بصرهم فضلا عن بصيرتهم الاستراتيجية- سيعتبرون هذا الكلام من جنس الأحلام وليس من التحليل المستند إلى علاقة فلسفة التاريخ (استراتيجيات الشهادة المتناهية) بفلسفة الدين (استراتيجيات الغيب اللامتناهي).
والمعلوم أن الذروة الأولى (ما حصل في الجزائر) قد مثلت غرق الأمة في الصراع بين منظومتي الأعراض التي تعاني منها البشرية في عصرها الحالي فضاعفت أهدافها الذاتية (الرأسمالية والاشتراكية) وأصبحت البداية الفعلية للدمار المادي الذي لحق الثورة العربية من خلال ما شاب علاقتها بالإسلام من فساد دون أن يتضح ذلك للعيان بسبب طابعه الخام وعدم تجلي الوجه الثاني من المعركة. أما الذروة الثانية (ما يحصل في العراق) فإنه يمكن أن يمثل العودة إلى هذه الأهداف الذاتية ليس لكوننا نحن نريد الشروع في استعادة مجد الأمة وتقديم الرسالة التي نمثلها للبشرية فحسب بل لأن العدو هو نفسه قد اعتبر المعركة مع القرآن والرسول تصريحا حينا وتلميحا أخرى وذلك عند أكبر قادته الروحيين (البابا) والماديين (بوش).
وإذا كان الصراع الرمزي غاية الذروة الأولى بحيث إن الغزو الرمزي للمغرب العربي لم يبدأ بدايته الحقيقية إلا بعد نهاية الاستعمار المباشر لكونه أصبح حربا أهلية بين أهل البلد فإن الصراع الرمزي يمثل بداية الذروة الثانية لأنه من الآن صراع بين أهل البلد جمع بين إحياء علة الحرب الأهلية القديمة (بين السنة والشيعة) وعلة الحرب الأهلية الحديثة (بين الديني والعلماني). وما أكتبه في هذه المحاولة هو سعي مني لتحليل الدلالة الميتافيزيقية لهذا الصراع ولكونه قد تعينت ذراه عندنا بالذات باعتبارنا قد صرنا في أعين من بيدهم الحل والعقد في العلم دمل العالم في عصر العولمة. وجماع ما أريد قوله هو أننا لسنا دمل العالم بل بطاطو كل دمل بفضل الفهم العميق لمضمون الرسالة التي جعلتنا شهودا على العالمين: فيكون الأمر كله متعلقا بطبيعة الثورة التي بإدراكها علل المعركة الكونية ودلالة دورنا فيها (وباقي البحث من أحد أجزاء التفسير الفلسفي الذي لم ينشر بعد).
ومعنى ذلك أن كل الأحداث الحالية (مما له دلالة روحية وتاريخية طبعا لأن العارض من الأحداث ليس موضوع البحث) ليس فيها عندنا شيء من الصدفة. فعودة الحرب الأهلية الملية التي بدأت مع الفتنة وصلتها المباشرة مع الحرب الأهلية الكونية التي بدأت مع عودة الاستعمار للوطن العربي خاصة ودار الإسلام عامة كل ذلك متصل بالترابط الحميم بين مصير الأمة ومصير الإنسانية الترابط الذي تقتضيه الطبيعة الكونية للرسالة على الأقل في دعواها وفي معتقد المؤمنين بها. ولولا ذلك لما رمز القرآن الكريم لهذه الصلة بتكليف الأمة بالشهادة على العالمين: كيف نشهد إذا لم نشاهد وكيف نشاهد إذا لم نكن طرفا في المعارك الحاسمة التي تحدد آفاق التاريخ ؟ وكيف يكون الشاهد على هذا النحو من الشهود إذا لم يكن مرسوما في الغيب ؟
الدلالة الميتافيزيقية للمعركة الكونية
ودورنا في نزع فتائلها
من المعلوم أن سواد الفهم الدارويني للتاريخ والمالتوسي للاقتصاد جعل الإنسانية لا يتميز تاريخها عن التاريخ الطبيعي للكائنات الحية الأخرى مبررا بذلك انغماسها في حرب أهلية صارت بالتدريج كونية حتى بلغت ذروتها في لحظة تاريخية تحققت فيها وحدة البشرية المادية وفرقتها الروحية: العولمة المتوحشة. ولا يمكن أن تكون علاقة الاستئنافة الإسلامية أو النهضة والصحوة (مجتمعتين أولاهما للحضارة المادية والثانية للحضارة الروحية) فضلا عما تقدم عليها من تاريخ الإسلام من بدايته إلى تلك الغاية علاقتها الوثيقة بمجريات الحدث الدولي منذ قرنين أو أكثر مجرد صدفة تاريخية بل هي عين مصير المسلمين القدري. كما أنه لا يمكن للمسلمين أن يقدموا للإنسانية رسالة تجذبها إلى قيم القرآن إذا لم يستوعب فكرهم أسمى مما تحقق فعلا في التاريخ الإنساني بكل المعايير المادية والروحية التي تحدد معنى الحياة الإنسانية في العاجل والآجل فيؤصلها في هذه القيم القرآنية بمعيار التصديق والهيمنة القرآنيتين.
ومن ثم فينبغي أن يتضمن الاستئناف أفضل ما تحقق قبله وبعد مراحل تاريخ الإسلام المزدهرة الأولى: وذلك هو معنى التصديق والهيمنة مبدأ كليا في كل مراحل التاريخ. والمعلوم أن ما تحتج به الرسالة على مناسبة العلاج الذي تقدمه لأدواء الحضارة الإنسانية هو فلسفتها التاريخية حول طبيعة العلاقة بين المنطق الذي يحكم تاريخ الإنسانية الروحي والخلقي والمنطق الذي يحكم تاريخها المادي والطبيعي طبيعتها كما يؤيدها التاريخ الإنساني الفعلي إيجابا عند الخضوع للعلاقة السوية بين قانون الضرورة الطبيعية التي يتميز بها التاريخ الطبيعي وقانون الحرية الخلقية التي يتميز بها التاريخ الحضاري وسلبا عند الخضوع للعلاقة غير السوية بين القانونين والتاريخين. فالإنسانية يمكن أن تنكص فتغلِّب على تاريخها قانون التاريخ الطبيعي وتستثني قانون التاريخ الخلقي فتصبح فلسفتها التاريخية الوحيدة هي الداروينية أي إن التاريخ الإنساني يصبح محكوما بمنطق حرب الكل على الكل الدائمة.
المنطق الجدلي وتحريف الفطرة
قد يتهمنا البعض بأننا نقلب الأمور فنتصور ما يجري في الفكر علة لما يجري في الواقع وليس العكس أعني خرافة الاعتراض الماركسي على هيجل. وفي الحقيقة فإن هذا الاعتراض الماركسي على هيجل لا معنى له لأن هيجل هو أيضا يتصور المنطق الجدلي قانون الواقع نفسه أي إن الجدل عنده ليس صراعا بين أفكار في الذهن بل هو صراع بين حقائق الأشياء التي هي عين بنية الوجود. وقد بينا في كتاب الشعر المطلق الخطأ الجسيم الذي يستند إليه هذا التصور والذي ليس هو خطأ معرفي وقع فيه هيجل بل هو جوهر التحريف الوجودي الذي يحاول القرآن تحرير الإنسانية منه بعد أن عم على الفكرين الديني والفلسفي.
فليس صحيحا مثلا أن الكائن الحي السوي يعيش بالحرب على المعين الذي يغتذي منه كما يزعم أصحاب المنطق الجدلي. فالكائن الحي حتى من بهائم الأنعام فضلا عن الإنسان يأكل الثمرة ولا يقلع الشجرة. فيكون المبدأ كاذبا حتى في التاريخ الطبيعي فضلا عنه في التاريخ الخلقي. والحيوان رغم كونه غير عاقل لا يأخذ إلا ما يحتاج إليه دون كنز أو احتكار. لكن المنطق الجدلي الذي صاغه هيجل ترجمة للتحريف الديني والفلسفي وهو الذي يجعل الموقف الإنساني غير سوي فيعمم أخلاق الحرب التي تجعل الفساد في الأرض قاعدة لسلوك الإنسان ثم يعمم على الأكوان. فالإنسان بمقتضاه لن يكتفي بأكل الثمرة بل سيقلع الشجرة إما للكنز أو للاحتكار أو حتى لحرمان غيره منها كما يحصل في الحروب عادة: أعني كل ما نهى عنه القرآن فيها.
وقد صار هذا السلوك غير السوي بسبب هذا المنطق الخاطئ قانون الوجود عند أصحاب التحريف الديني لأن الحياة كلها صارت حربا وصار الإنسان شريرا بالطبع ووارثا للخطيئة: وهذا لا يمكن أن يفسر بالوجه الطبيعي من تاريخ الإنسان بدليل خلو سلوك الحيوان منه بل هو لا يقبل التفسير إلا بخلل حدث على الوجه الخلقي من تاريخه وهو المقصود بالتحريف الذي يريد القرآن تحرير الإنسانية منه. النظام الطبيعي الذي يجعل الكائنات يعيش بعضها على حساب البعض لا يمكن أن يكون خاضعا للمنطق الجدلي لأن الكائن السوي يريد أن يحفظ حياته ومن شروط حفظها حفظ شروطها. لذلك فهو سيحافظ على مصدر رزقه فلا يفسده إلا إذا لم يكن سويا.
وإذن فالفهم الجدلي لهذه العلاقة بين الكائنات عامة وبين البشر خاصة علته الفساد الذي طرأ على الأساس الخلقي والمعرفي للوجود الإنساني بسبب التحريف وذلك هو المصدر الحقيقي للتنافي بين الكائنات أو جوهر التصور الجدلي للوجود والمعرفة. لكن التنافي ليس أمرا حقيقيا بينها فيكون أساس المنطق الجدلي بل العكس هو الصحيح: النظرة الجدلية من حيث هي تحريف للفكر السوي هي التي أنتجت التنافي في الأذهان ثم عممته على الأعيان في التاريخ الإنساني وأسقطته على الطبيعة. ويقابل الموقف الجدلي نظرية التسخير النسبي المصحوب بالتكليف المطلق بالرعاية: بعض الكائنات مسخرة للإنسان بشرط أن يكون الإنسان راعيا لها ومن ثم فهو تسخير في حدود الحاجة الكافية والمسؤولية الضرورية. ثم إن المكلف بالرعاية يرعى نفسه برعاية غيره إذ لو أفسد معين حياته لفسدت حياته هو أيضا: وهذا هو الوعي بالاستخلاف الذي يحقق الأمانة.
وجها التحريف من منظور القرآن
إن الفساد الذي يسعى الاستخلاف لعلاجه هو بالذات ما نرى تحققه الأقصى يحصل بسبب هيمنة المنطق الجدلي الذي تعتمده الرأسمالية المتوحشة التي أفسدت المحيط الطبيعي والمحيط الخلقي فصارت حياة الناس جحيما لا يطاق فضلا عن تجويع ثلاثة أرباع البشرية وتسليط الأمراض عليها حتى يخلوا أراضيهم من أجل إشباع رغباتهم التي ليس لها حد يشبعونها من ثرواتها بل وباستعباد أهلها. ذلك أن هذا النكوص كما هو معلوم هو غايةُ ردِّ فعلٍ مفهومٍ على محاولات نفي الوجه الطبيعي من محددات وجود الإنسان باسم روحانية زائفة هي روحانية الرهبانية المسيحية وعقلانية النفي الفلسفي لمدد الحياة العضوي بزعم التخلص من عالم الحس الخاضع للكون والفساد والصعود إلى عالم العقل المتحرر منهما. وقد أراد القرآن الكريم إصلاح تحريفي الفطرة هذين لتجنب مثل هذا المآل فركز خطابة على العلاقة السوية بين الدين والدنيا منعا للمراوحة بينهما بالتنافي المتبادل.
لكن الإصلاح المسيحي زايد على هذا الإصلاح الإسلامي مزايدة آلت بالإنسانية إلى ما يشبه قلب القيم المسيحية بالمعنى النيتشوي لقلب القيم وأعجب ما في الخلل الحالي في فكرنا وعملنا هو أننا صرنا لا نرى العالم إلا بعين هذا الإصلاح الزائف الذي هو أساس فلسفة التاريخ وفلسفة الدين القائلتين بالمنطق الجدلي أصلا لكل وجود وعلم. وقد حددت الإستراتيجية القرآنية المقصود بالعلاقة السوية بين تاريخ الإنسان الطبيعي وتاريخه الخلقي وقابلتها بالعلاقة غير السوية بينهما ووضعت الأسس التي تنبني عليها السياسة التي تستطيع تحقيق تلك الإستراتيجية ليصبح منطق السلم بين البشر ومع محيطهم الطبيعي والثقافي هو السيد في التاريخ الإنساني.
حركة الإصلاح المسيحي محاولة تحاكي الإصلاح المحمدي لكنها اقتصرت على السعي إلى تحرير التدين المسيحي من مرضين أصاباه هما فساد الكنيسة وكساد الرهبانية دون الذهاب إلى إلغاء مبدئي الكنيسة والرهبانية كما فعل القرآن الكريم. فهو إذن سعي لتحقيق صلح شكلي بين الدين والدنيا بإضافة العلاقة المباشرة بين المسيحيين والكتاب على مثال ما لاحظته أوروبا في الإسلام سواء في وصوله إليهم عن طريق الغرب (الأندلس) أو الشرق (البلقان) دون فهم الثورة الوجودية الإسلامية.
ولو حصل ذلك لكانوا في غنى عن الإصلاح إذ كان الدخول في الإسلام يكون كافيا. لذلك فما حصل آل بالتدريج إلى التطرف المقابل للمنظور الوجودي المسيحي أعني التحقيق الفعلي للنظرة النيتشوية وهو عين ما يمكن استنباطه من فلسفة هيجل التي تنفي أن يكون لهذه الجهة Diesseits أو عالم الدنيا المحايث وراء هو تلك الجهة Jenseits أو عالم الآخرة المفارق : كانت الدنيا منفية باسم الآخرة قبل الإصلاح فباتت الآخرة منفية باسم الدنيا بعده. ومعنى ذلك أن دعوة نيتشه إلى قلب القيم تحققت في الذهن قبله ولم يبق لها محل إلا بمعنى استكمالها في العين وهو ما نراه حاصلا في العولمة المتوحشة: القيم قلبت منذ أن أصبح التاريخ الإنساني يفهم ويفسر بالمنطق الدارويني ثم صارت السياسة تبنى عليه في الداخل وفي الخارج لسبب بسيط هو خضوع كل الظاهرات الإنسانية للعامل الاقتصادي وحكم السوق ومن ثم لتغليب منطق الصراع على الرزق تماما كما هي حال الكائنات الحية الأخرى ففقد الإنسان علة تميزه وتكريمه الإلهي وهو ما نبه إليه القرآن الكريم برمز صريح في الآية 12 من سورة محمد: "إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم".
لا يعني الإفراد هنا أن العلاقة علاقة واحدة بسيطة بل هي مصفوفة أو منظومة من العلاقات المعقدة بين مقومات التاريخين الطبيعي والخلقي. الأمر الوحيد الذي هو واحد في التاريخين هو خضوع التاريخ الطبيعي لقانون الضرورة وخضوع التاريخ الخلقي لقانون الحرية. ولما كان تاريخ الإنسان حصيلة التفاعل بين القانونين فبعض مقوماته يطغى عليه قانون التاريخ الطبيعي (مثل كيانه العضوي وسد حاجياته الطبيعية) وبعضها يطغى عليه قانون التاريخ الخلقي (مثل كيانه الروحي وسد حاجياته الروحية) وبعضها يميل إلى القانون الأول دون استثناء القانون الثاني (مثل أثر كيانه العضوي في كيانه الروحي) وبعضها يميل إلى القانون الثاني دون استثناء القانون الأول (مثل أثر كيانه الروحي في كيانه الخلقي).
والقانون الجامع لكل هذه الحالات في التاريخ الإنساني هو الإيمان بغيب المصير الإنساني الذي لا يعلمه إلا الله. وهذا الإيمان يحد من الإطلاق الكاذب الذي هو عين الأصل والمنبع لكل قول بالمنطق الجدلي قانونا للوجود والمعرفة. ويعمل القانونان وتفاعلهما في ظرفين متقابلين معلومين للجميع هما ظرف السلم وظرف الحرب حدين مطلقين قبل أن يوجدا خالصين رغم غلبة ظرف السلم في العلاقات داخل الجماعة الواحدة (في الدولة الواحدة) وغلبة ظرف الحرب في العلاقات بين الجماعات المختلفة (العلاقات الدولية). إنما الموجود هو التجاذب بين الحدين في ظرفين وسطين حددت أولهما الآية 60 من الأنفال إيجابا وضمنت التحديد عكسه سلبا: الردع المانع للحرب وهو السياسة الحكيمة (وهو معنى ترهبون به..) وعدمه المشجع عليها وهو السياسة السقيمة.
ومن دون علم الأبعاد الأربعة الأولى والتسليم بالبعد الجامع الموحد لكل هذه الظروف التي هي حياة الإنسان التاريخية لا يمكن للإنسان أن يفهم شيئا من شروط وجوده وطرق علاجها وتحقيق الممكن منها. وتلك هي الحقيقة التي انبنت عليها الإستراتيجية القرآنية التي لو علمها المسلمون وعملوا بها لظلت شروط كونهم خير أمة أخرجت للناس أمرا ثابتا لا كما هي الآن مجرد توق إلى استردادها. وعندما يسود قانون التاريخ الطبيعي يصبح الظرف الغالب هو ظرف الحرب سواء كانت باردة أو حارة: وهذا هو جوهر العولمة المتوحشة التي تدل بالخلف على صحة النظرية القرآنية في شروط وجود الإنسان السوية.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن الإستراتيجية القرآنية تعتبر هذا التصور للقانونين وتفاعلهما وأشكال الظرف الذي يتفاعلان فيه أمرا بنيويا ثابتا رغم كونه يمر تاريخيا بمرحلتين أولاهما هي عدم وعي الإنسانية بإطلاقه فيتصورونه ناتجا عن التقابل بين الأمم والشعوب مقابلين بين السلم الداخلية والحرب الخارجية (منطق الفقه الأول: المقابلة بين دار السلم ودار الحرب). لكن السلم والحرب متلازمتان في الداخل والخارج والمقابلة بين الداخل والخارج وظيفتها تغليب الحرب في الخارج لتغليب السلم في الداخل. وهذه المرحلة هي التي يريد القرآن أن يتجاوزها.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2010 |