
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
بين التعين والتحيز
مقاصد المعرفة ومستويات الوجود
الدرس الأول
تمهيد:
إذا ما استثنينا معنيين حدين قد لا يكونان من مقاصد البحث أعني المعنى العامي للانحياز[i] والمعنى الفلسفي في المناظرية[ii] المطلقة[iii]-والأول انحياز قصدي إلى موقف معين والثاني موقف مناظري ينفي كل إمكانية لتخلص الذات العارفة من ذاتيتها في المعرفة- فأخرجناهما من مطالب المحاولة انحصر البحث في مدخلين جديين يوجدان بينهما وكلاهما ينتسب إلى نظرية المعرفة في علاقتها بنظرية الوجود المتحررة من هذين المعنيين العامي والمناظري. لذلك فعليهما دون سواهما سأقصر قولي الموجب مبقيا على الدور السالب للمعنيين المستثنيين بوصفهما حدين خارجيين يحيطان بمحاولتي قبل بدايتها وبعد غايتها.
فالمعنيان اللذان ينحصر عملي فيهما يمكن أن يفهمانا المقصود بتحيز المعرفة الذاتي لها من حيث هي معرفة أعني بمقتضى محدديها الجوهريين- بمقتضى تعينها علاجا ومراحل تراكم معرفي أولا وبمقتضى تعين الذات فردا كانت أو جماعة والموضوع طبيعيا كان أو تاريخيا ثانيا- حتى لو سلمنا بتعالي المقاصد العلمية التي يعقل (=أي يسمك فيوحد تحت معنى مشترك تتحدد به الأعيان) الكلي المعلوم منها تلك الأعيان سعيا إلى غاية يكون فيها بتحققه شاملا لها فوق عينيتها وتاريخيتها وبذلك يتجاوز التحيز بالمعنى التاريخاني النافي بإطلاق لانفصال النظرية عن حيزيها الذاتي والموضوعي كما في المناظرية المطلقة:
المعنى الأول:
وأول هذين المعنيين هو التحيز كما يفهمه جمهور المثقفين وهو يشير إلى دواعي التحيز دواعيه التي يتمثل العلم الحقيقي في السعي إلى تخليص المعرفة من تأثيرها قدر المستطاع[iv]. ويتميز هذا الموقف بشيء من السذاجة لظنه الموضوعية العلمية مقتضية نفي الذاتية بإطلاق وهو بصورة ما نظير المناظرية الإيجابي أي إنه يتصور الموضوعية المطلقة أمرا ممكنا وبها يعرف العلم.
المعنى الثاني:
وثانيهما هو التحيز عند العلماء وهو يشير إلى وجه الإشكال في الفضالة الذاتية أو فضالة حضور الذات العالمة في علمها Residual subjectivity والتي لا يمكن التخلص منها خلال السعي نحو الكلية الموضوعية التي تعد مثال العلم الأعلى. ويتميز هذا الموقف بشيء من الاقتصاد والنقد تسليما بحدود الموضوعية التي هي نسبية إلى التجهيز العلمي الرمزي (الجهاز التصوري وهو رياضي في الأغلب) والتقني (الجهاز المخبري وهو أدوات تحقق من توقعات النظرية في الأغلب).
والهدف من هذه المحاولة هو مناقشة نظرية التحيز عنوانا لدور الظرفي في البنيوي (بلغة الفلسفة الحديثة والمعاصرة) أو العرضي في المقوم (بلغة الفلسفة القديمة والوسيطة) والعيني في الكلي (بلغة جامعة بين الاصطلاحين). وليس القصد علاج مسألة دور الإيديولوجي في العلمي لأن هذا من مباحث الحد الأول الذي يطلب الموضوعية المطلقة وقد استثنياه ولا هو علاج مسألة دور المناظري في العلمي لأن هذا من مباحث الحد الثاني الذي ينفي الموضوعية بإطلاق وقد استثنيناه كذلك. إنما الهدف هو فهم ما يعود إلى تأثير محددات فعل النظر من حيث هو فعل نظر محدداته الصادرة عن تاريخ تجهيزيه اللذين أشرنا إليهما وعن تاريخ تمظهر موضوعه بفضل ذينك التجهيزين. ولنجمع بين وجهي التأثير بعبارة تأثير واقع[v] النظرية تجهيزا وموضوعا حاصلين في فعل التنظير خلال مجراه الذي يشبه مغامرة السباحة الاستكشافية في مجاهل محيط الظلمات الذي يمثله ذلك الواقع الواصل والفاصل بين الذات والموضوع المفروضين حدين غايتين لا تدركان إدراكا فعليا رغم التسليم بهما بهذه الصفة الحدية لفهم المقابلة بين واقع الموضوع المدرَك وواقع التجهيز المدرك.
وسبيلنا لتحقيق هذا الهدف هي تحقيق التوازن بين نوعي العلوم الغايتين (المنطق والتاريخ وهما الأصل في واقع التجهيز المدرك) ونوعي الوجود الغايتين معلومين لهما (الكلي والشخصي وهما الأصل في واقع الموضوع المدرك) وتفاعل الغايتين العلميتين في ما بينهما وفي الاتجاهين وتفاعل الغايتين الوجوديتين في ما بينهما وفي الاتجاهين ثم في ما بين البينين وفي الاتجاهين نفاذا إلى النوع الخامس الذي هو أصل الأنواع جميعا. وإذن فالمحاولة تتألف من خمس مسائل:
اثنتان فلسفيتان إحداهما تاريخية والثانية منطقية (=تصورية خالصة تهتم بالتصورات وليس بالأعيان التي يمكن أن تصدق عليها تلك التصورات).
وإثنتان دينيتان إحداهما تاريخية والثانية منطقية (=تصورية خالصة تهتم بالتصورات وليس بالأعيان التي يمكن أن تصدق عليها تلك التصورات).
والأخيرة تجمع بين القسمين للتشاجن بين الديني والفلسفي في الفكر الإنساني بحيث يعد كل فكر بالطبع وبدون قصد من صاحبه مراوحا بين القطبين المنطقي والتاريخي ومن ثم جيئة وذهابا في نفس الساحة وإن بمنظورين أحدهما ديني يغلب عليه التاريخ والثاني فلسفي يغلب عليه المنطق.
لذلك فهذه المسألة الأخيرة تجمع المسائل كلها بمستوييها الفلسفي والديني لإرجاعها جميعا إلى مسألة واحدة هي مسألة الإنسان المشدود إلى قطببي وجوده قطب الزمان وقطب الدهر أو اللازمان[vi]. وبين القطبين تتحدد مساحة أفعال العباد في صلتها بأفعال رب العباد رمزا إليها بمفهوم القضاء والقدر[vii]. ويتقدم على ذلك كله مدخل لغوي ومنطقي يحدد مفهوم التحيز من خلال دلالة الكلمة وأصناف الأحياز الممكنة عقلا بالاستناد إلى فقه اللغة العربية وبعض دلالات قصه يوسف عليه السلام تأويلا للمقصود بأحسن القصص في القرآن الكريم[viii]. فتكون الخطة مؤلفة من قسمين فلسفي وديني كلاهما مضاعف وقسم مفرد يتلوهما فيجمع بين العلاجين الفلسفي والديني:
المدخل العام: التحيز في إشارات من فقه اللغة ومن القرآن الكريم
القسم الفلسفي:
المسألة الأولى: المدخل التاريخي الفلسفي
المسألة الثانية: المدخل التصوري الفلسفي
القسم الديني:
المسألة الثالثة: المدخل التصوري الديني
المسألة الرابعة: المدخل التاريخي الديني
القسم الجامع:
المسألة الأخيرة: إشكالية العلاقة بين النظريتين الفلسفية والدينية.
الخاتمة
المدخل العام
إشارات من فقه اللغة العربية ومن القرآن الكريم
كلمة التحيز مشتقة من مادة "ح.ي.ز" التي لها صلة متينة بمادة "ح.و.ز" فيكون المدلول مؤلفا من معنيين مضاعفين قد لا يخطران على بال من يذهب من تصور التحيز سواء في معناه الكلامي (من لوازم الوجود في النظرة المعتزلية) أو في معناه النفسي السطحي (الواعي) أو العميق (اللاواعي) أو في معناه الثقافي السطحي (عدم القدرة على التحرر من المصالح الفئوية) أو العميق (عدم القدرة على التحرر من تصورات ثقافة بعينها). فالمعاني التي نكتشفها تتعلق بجوهر الفرقان (الحقائق والوقائع في العلم) والوجدان (الحقوق والقيم في العمل):
فأما المعنى المضاعف الأول فيعود إلى مادة حيز ويفيد من منظور الحقيقة والوجود لا من منظور الحق والقيمة الحلول في المكان أو الحيز والحركة فيه لأن الدلالة الأولى لكلمة تحيز هي مشية الحية. فهي تحل في المكان وتتلوى لتنتقل فيه بحركات تلويها. فيكون المدلول بهذا المعنى مؤلفا من معنيين يعبران عن طبيعة الظهور الوجودي بفعل الحركة في المكان الذي لم يعد مجرد ظرف بل عين حصول الكون لأن المكان هو في هذه الحالة مصدر ميمي من كان(مَكْوَن=مكان): حركة ذاتية للحية بالتلوي تجعلها تنتقل في الحيز المكاني لتبقي على حياتها إذ من دون النقلة فيه لا يمكن لها أن تحصل على ما يقيم أودها فتموت.
وأما المعنى المضاعف الثاني فيعود إلى مادة حوز ويفيد من منظور نظرية الحق والقيمة لا من منظور نظرية الحقيقة والوجود التصرف في الممتلكات بدون حق الملكية درجة أولى تكتمل إذا صاحبها حق الملكية المعترف به فيكون تصرفا شرعيا. ومن ثم فللحوز معنيان: شرعي وغير شرعي. فغير الشرعي هو فعل التصرف منظورا إليه من حيث هو حوز مادي خالص يعرف سلبا بعدم اعتبار الغير بل وبنفيه ومن ثم فالحوز هو في هذه الحالة منع للغير لا غير. لكنه عندما يصحبه الحق الذي هو اعتراف الغير بحق التصرف في المملوك ممثلا بمن ينوب عن الغير عامة في جماعة معينة أعني المؤسسة الحقوقية سواء كان مبدؤها شرعا سماويا أو شرعا وضعيا يصبح حوزا لا يقتصر على المنع بل هو يفيد الامتناع: أي إن الأمر يتعلق بتبادل الاعتراف بين المالكين وذلك هو الشرط الضروري والكافي للتبادل ومن ثم للتعاون.
فإذا جمعنا المعنيين وجدنا المعنى المضاعف الأول حاكما العالم من حيث هو طبيعي خالص والثاني حاكما إياه لو كان خلقيا خالصا. ولما كان العالم الإنساني جامعا بين الطبيعي (=الخلقي) والتاريخي (=الخُلقي) أو بين قانون التاريخ الطبيعي وقانون التاريخ الحضاري بات من الواجب أن يجتمع فيه الأمران فيكون مبنيا على معنيي الحيز الطبيعيين (الحلول في المكان والفعل فيه وبه) ويقتضي ذلك علم الحقائق والعمل بها ومعنيي الحوز الثقافيين (ملكية قطعة منه والفعل فيها وبها) ويقتضي ذلك علم الحقوق والعمل به لينتظم العمران البشري كما فهم ذلك ابن خلدون عندما اعتبر التاريخ البشري السوي حصيلة للتأليف بين قانون التاريخ الطبيعي وقانون التاريخ الثقافي.
والتوازن بين التاريخين يشترط ألا تطغى مقومات الإنسان الطبيعية فينكص إلى الحيوانية وألا تطغي مقوماته الثقافية فيقتل قواه الطبيعية أو فطرته مفسدا بذلك العمران السوي. وقد رمز ابن خلدون للوجه الأول بغلبة البداوة على الحضارة أو البداوة المفرطة ورمز للوجه الثاني بغلبة الحضارة على البداوة أو الحضارة المفرطة. واعتبر العمران السوي هو الذي يتحرر من البداوة المطلقة دون أن يقع في الحضارة المطلقة أو الترف القاتل للقوى الطبيعية بفضل التدجين التربوي والثقافي والطغيان الاقتصادي والسياسي.
فكيف يمكن أن نصنف الأحياز بهذه المعاني بصورة تمكن من فهم التحيز ودوره في نظريتي الحقائق والحقوق شرطي الوجود الإنساني السوي ؟ ذلك ما يمكن أن يعتبر جوهر النظرية القرآنية في تحديد مقومات العلاقة بين التاريخي وما بعد التاريخي كما ترمز إليه سورة يوسف التي يتعين فيها جوهر ما يسميه القرآن الكريم أحسن القصص التي بعلمها يخرج الإنسان من الغفلة. فالأحياز بخلاف المعاني البسيطة التي استخرجنا من منطلق فقه اللغة عسيرة التصنيف. لكننا سنفترض للتيسير المنهجي أنها تقبل القسمة إلى جنسين كل منهما مضاعف: جنس الأحياز الممثلة للتاريخ الطبيعي مهما سيطرت الثقافة وتضاءلت الطبيعة وجنس الأحياز الممثلة للتاريخ الحضاري مهما تردت الثقافة وسيطرت الطبيعة.
فأما الجنس الأول فبعداه المكان والزمان. وأما الجنس الثاني فبعداه السُلم والدورة الفعلية. وكل هذه الأبعاد مخمسة الدرجات بالصورة التالية:
الحيز المكاني: هو شغل امتداد محدد بمعانيه الرياضي (القوانين الرياضية التي تحكم المكان إذا نسبت أبعاده لإحداثيات تحكمية) والطبيعي (القوانين الطبيعية التي تحكم الأجرام والقوى في المكان) والحيوي (القوانين العضوية التي تحكم حياة الكائنات الحية في المجال) والتاريخي (الحيز في التراث المادي والرمزي لأمة من الأمم أو لجملة الأمم) ثم المعنى الجامع وهو عين الوجود الإنساني. وذلك هو معنى المصدر الميمي من كان أي مكون: كينونة الإنسان التي ترمز إليها الجغرافيا البشرية من حيث هي جملة ما صنعه الإنسان بظرفه المكاني ليتلاءم معه ويتحرر من حتمياته الامتدادية.
الحيز الزماني: هو شغل مدة محددة بمعانيها الرياضي والفلكي والحيوي والتاريخي والمعنى الجامع وله دلالة المصدر الميمي (=مددة بعد نقض الإدغام) بمعنى المدد المحقق للبقاء خلال البرهة الزمانية التي نطلق عليها اسم المدة. ذلك أن تحيزات الإنسان المكانية بمعانيها الخمسة ليست ثابتة بل هي ذات مدة ومن ثم فهي لا تقوم إلا بمدد ما ينبغي فهم طبيعته ما هي لنعلم سر البقاء حتى لو كان محدودا من حيث هو زماني بالقياس إلى البقاء المطلق أو الدهر إذا اعتبرناه إحدى صفات الذات الإلهية. وذلك هو معنى المدد: كينونة الإنسان التي يرمز إليها التاريخ الإنساني من حيث هو جملة ما صنعه الإنسان بظرفه الزماني ليتلاءم معه ويتحرر من حتيماته المددية.
الحيز السلمي: هو شغل منزلة في سلم الوظائف والأدوار الاجتماعية بمعاني المنزلة في القيم المتبادلة أعني الرزق (ويحيل على الطبيعة والمكان خاصة) والذوق (ويحيل على الحياة والزمان خاصة) والنظر (ويحيل على سلطة الذوق خاصة ومن ثم الحياة والزمان) والعمل (ويحيل على سلطة الرزق خاصة ومن ثم على الطبيعة والمكان) والوجود (ويحيل على المتعاليات في المجالات القيمية الأربعة السابقة بوصفها أصلها ومبدأ وحدتها). وبذلك يكون سلم المنازل في العمران هو حصيلة الحيزين السابقين بكل معانيهما بسبب ما يحصل فيهما بمقتضى تبادل هذه القيم التي هي موضوع سورة يوسف عليه السلام كما نبين في الحيز الموالي أعني حيز الدورة الفعلية. وفي هذا الحيز يجتمع معنى الحيزين السابقين.
فالإنسان تكون منزلته في السلم بمقدار منزلته في مكان الجماعة (الامتداد الذي بحوزته ملكية وسلطة) وفي زمانها (المدة التي له أو مقدار مدده الوجودي في الدورة الحيوية للعمران بمعانيه الطبيعية رمزا إليها بالدور في الثروة والحيوية رمزا إليها بالدور في النسل والرمزية رمزا إليها بالدور في التراث). ومثلما يكون التحرر من حتمية المكان والزمان بما أسلفنا فلا بد من آليتين للتحرر من حتمية السلم: وذلك هو دور الحركية الاجتماعية التي تنقل العمران من نظام الطبقات الثابت في النظام الهندي مثلا إلى نظام السيولة المطلقة كما في النظام القرآني حيث يمكن للمرء بجهده أن يشغل كل المنازل الممكنة.
الحيز الدوري الفعلي: لما يشغل المرء منزلة في السلم يشغل بالضرورة امتدادا في المكان ومدة في الزمان فيصبح فاعلا في الدورة الاجتماعية بأبعادها التالية التي حددها ابن خلدون في المقدمة حتى وإن لم يكن على وعي تام بثورته. ففيها بعدان خالصان هما الطبيعي والثقافي ثم أثر الطبيعي في الثقافي وأثر الثقافي في الطبيعي ووحدة الكل التي هي عين دينامية العمران البشري. فأما البعدان الخالصان فهما فرضيتان علميتان لا نراهما إلا في البعدين المواليين أعني في عملهما الذي هو بعدا التأثير والتأثر المتبادلان بينهما. وتأثير الطبيعي في الثقافي هو نظام المقدمة الطردي أي من البداية إلى الغاية (من بابها الأول إلى بابها الأخير) وتأثير الثقافي في الطبيعي هو نظام المقدمة العكسي أي من الغاية إلى البداية (من بابها الأخير إلى بابها الأول).
ومثال النظام الطردي هو تحول المادة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية بالعمل. وتلك هي النظرية التي حدد بها ابن خلدون تصور القيمة الاقتصادية من حيث هي كمية العمل المحولة للمادة الطبيعية إلى بضاعة تتبادل وتقدر بثمن في التعاوض. أما مثال النظام العكسي فهو تحول المادة الثقافية إلى مادة طبيعية. ولا بد فيه كذلك من توسط التبادل الاقتصادي إذ تصبح الخبرة والمعرفة صناعة فبضاعة تتحول إلى كيان طبيعيي سواء بتوسط الغذاء أو بتوسط التقنيات التي تجعل نظرية من النظريات شيئا ماديا ككل الآلات التي تعمل وكأنها كائنات طبيعية أو عضوية تصبح من مقومات محيط الإنسان المادي.
وبذلك يكون المدار جاريا على النحو التالي. فالشيء الطبيعي يصبح شيئا رمزيا بتوسط تحوله إلى قيمة اقتصادية قابلة للتبادل. وهو يصبح كائنا حيا بتوسط الاغتذاء مثلا أو التداوي أو أي عملية تحويلية تجعل الطبيعي ينتقل فيصبح جزءا من كيان الإنسان العضوي أو الخلقي. وجهد الإنسان المادي أو الرمزي يتحول إلى أشياء ذات قيمة اقتصادية فيدخل دورة التحول التي نحدد حيننا هذا. وإذن فبين الطبيعة والحياة يوجد الوسيط الرمزي في الاتجاهين (من الأولى إلى الثانية جيئة وذهابا) بفضل العلم والاقتصاد ضربين من ضروب تعين فعل الثقافة في الطبيعة: إذن طبيعة وحياة وبينهما الرمز العلمي التقني والاقتصادي جئية وذهابا ثم الدورة ككل وذلك هو الكيان العمراني في أحيازه التي وصفنا.
أما التحرر من حتمية الدورة الفعلية فهو لا يكون حقا إلا في الرمز عقلا وفي اليوم الآخر والحساب إيمانا: فالإنسان حبيس الدورة لا يمكن أن يكون ذا قيام حقيقي وقيمة حقوقية إلا بما يحصله من امتداد ومدة ومنزلة ودور في الأحياز السابقة ولا يتحرر من ذلك ليكون حقيقة وقيمة في ذاته إلا في التعبير الرمزي عقلا (التقنيات بتعويض أدواره بالآلات والفنون بتخيل عالم مثالي تتساوى فيه المنازل) وفي العدل المطلق يوم الحساب إيمانا (حيث يصبح مجرد التصور فعلا ويجري كل شيء بحسب ما ينبغي إذ لا فرق في الآخرة بين المثال والواقع).
الحيز الدوري الرمزي: وهو حيز التعبير عن الأحياز السابقة والسعي لإدراك متعالياتها كما تبرز في سورة يوسف عليه السلام لعلمها والتحرر منها بتوسط العمل على علم. وقد جاء ذلك كله بصورة التعبير القصصي لا العلمي في القرآن الكريم بسبب الحاجة إلى خطاب يكون في متناول كل العقول. فالقصة تدور كلها حول الرزق (ما يعلل سفر الأخوة إلى مصر) والذوق (ما يعلل كل القصة في أسرة يوسف ثم مع زوجة العزيز) والعلم (تأويل الأحلام) والعمل به (استيزار يوسف لعلمه) والوجود أو إدراك التعالي الذي حال دون يوسف والوقوع في سلطان الرزق والذوق والعلم والعمل فمكنه من السلوك الذي لا يغفل عن المتعالي أي رعاية شرع الله. وكل ما يحصل في القصة يحصل مرتين:
احداهما تعبر عن الشاهد ملتفتا من الحاضر إلى الماضي.
والثانية تعبر عن الغيب ملتفتا من الحاضر إلى المستقبل.
والثانية لتعلقها بالغيب تحصل في الحلم. والأولى لتعلقها بالشاهد تحصل في الواقع الفعلي. وبين الأمرين تأويل الحلم نقلا إياه إلى علم يمكن من العمل (تأويل الحلمين: حلم صاحبي يوسف وحلم الفرعون) وتحقيق الحلم نقلا إياه إلى واقع يمكن من العلم (تحقق الأحلام الثلاثة أي الحلمين المؤولين ثم حلم يوسف). وذلكما هما معنيا التأويل في القرآن الكريم. والأول مشروع في الشاهد دون الغائب. والثاني ممتنع فضلا عن كونه غير مشروع لأنه هو عين الوقوع الفعلي للوجود.
وبذلك يكون الحيز الدوري الرمزي على ضربين:
فرقاني وهو ما يحققه عقل الإنسان من علم يحرره من الحتميات بفضل العلوم الطبيعية والتقنيات التي يمكن أن تحقق شيئا من التحرر الفعلي في مستوى الوجود دون الوجدان وبفضل الفنون والأخلاق التي يمكن أن تحقق شيئا من التحرر الفعلي في مستوى الوجدان أو الشعور بالوجود دون الوجود.
وجداني وهو ما يحققه إيمان الإنسان بعقيدة اليوم الآخر والعدل الإلهي وبفضل العلوم النفسية والتربويات التي يمكن أن تحقق شيئا من التحرر الفعلي في مستوى الوجود والوجدان في الدنيا وبفضل الفنون والعبادات التي يمكن أن تحقق التحرر الفعلي المطلق في مستوى الوجدان والوجود.
لذلك فهذان الضربان من السلوك التحرري لا يخلو منهما عمران بشري حتى وإن غلب على بعض المجتمعات تغليب الأول على الثاني أو الثاني على الأول إلى حد الرد المتبادل. والسوي من المجتمعات يحقق التوازن بين الضربين لأن الإنسان مشدود إلى النسبي والمطلق بمقتضى فطرته.
[i] وليس لها من يمثلها إيجابا بل يمثلها سلبا عسكها أعني موقف الداعين إلى اللامناظرية المطلقة دعوة إلى الموضوعية وعدم الانحياز.
[ii] نستعير مصطلح "مناظر" من ابن الهيثم في معنى علمه في المناظر والقصد في استعمالنا إفادة خضوع الرؤية للشروط التي تحددها المناظر بصورة لا محيد عنها ما يجعلها تتغير كلما تغيرت زاوية النظر ولا تكون الرؤية حتى عندما تكون على استقامة إلا من جنس الرؤية المنعكسة أو المنعطفة لتعذر الاستقامة بمعناها الهندسي الخالص ولأن محل الرائي والشفيف الناقل والنور المضيء للمرئي متعدد المحددات فلا ينحصر ولا يحاط به علما فيتخلص من حوائل الرؤية المزعومة موضوعية أي متطابق فيها الرؤية الإضافية إلى الرائي والمرئي في ذاته. وقس عليه جميع الحواس ومن ثم العلم سواء كان تثمليا أو تصوريا أو تأويليا.
[iii] وأفضل ممثليها نيتشة الذي يقول بما يمكن وصفه بالمناظرية المطلقة Absolute perspectivism . والمناظرية ضربان مضاعفان: أولهما يقول بالذاتية الفردية سواء كانت نفسيه ثقافية (حسب تاريخ تكونه الفردي في مقابل جماعته) أو نفسية عضوية (حسب بنيته النفسية في مقابل البشر الآخرين) والثاني يقول بالذاتية الجماعية سواء كانت جماعية ثقافية (انغلاق الثقافات ونسبية المعاني إليها في مقابل الثقافات الأخرى) أو جماعية عضوية (المعرفة أضافية إلى انتساب الإنسان على نوعه الحيواني في مقابل الموجودات الأخرى وخاصة موضوعات علمه).
[iv] و من علاماته في العلم الحديث المقابلة الكلاسيكية بين الأوائل من الخواص وهي رياضية وكمية والثواني منها وهي كل الخصائص الكيفية التي لا تقبل الصوغ الكمي في العلم الرياضي الطبيعي الحديث.
[v] استعمل واقع بمعناها اللغوي الخالص أي ما له وقع ومن ثم ما هو فاعل بالفعل وأقصد بها ما يقابل معنى كلمة Wirklichkeit الألمانية أي ما له قيام فعلي يثبت بما له من وقع وتلك هي فعاليته. ولا استعمل كملة الحقيقة لأنها لا تؤدي هذا المعنى بنفس الدقة. فإن أخذت بمعنى الحق الوجودي وينبغي أن يجمع على حقائق كانت متضمنة للغيب والشهادة معا ولا تنطبق إلا على الله وعلى علمه لذلك فهي غير معلومة للإنسان وإن أخذت بمعنى الحق الشرعي أو القانوني وينبغي أن تجمع على حقوق كانت دالة على إثبات ملكية أمر حاصل أو منزوع ويراد استرداده. والحقيقة يمكن أن تعتبر مستوى معرفيا من الأول فتكون العلم المطابق لموضوعه أو مستوى قيمي من الثاني فتكون العمل المطابق لقيمته.
[vi] هل الوجود اللازماني مجرد مفهوم سلبي علته نفي الزمانية أم إن له وجودا حقيقيا ؟ ألا يكون ما يعد لازمانا زمانا ذا إيقاع أبطأ كأن نقيس زمانية التاريخي الحضاري بزمانية التاريحي الطبيعي أو زمانية التاريحي الطبيعي بزمانية الطبيعة المادية إلخ...فتكون غاية لامتناهي الكبر في الإيقاع الزماني نفي الزمان بإطلاق وتكون غاية لامتناهي الصغر فيه نفي الثبات بإطلاق فلا يبقى إلا السيلان الأبدي.
[vii] عند من يؤمن بالقضاء والقدر. أما من لا يؤمن به فهو بمقابلة بين عالم الحرية والفعل القصدي وعالم الضرورة والحركة غير القصدية في الوجود.
[viii] يوسف 2-3: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون* نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"