



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
المسألة الثانية
المدخل التصوري الفلسفي
وبذلك نصل إلى حدين متقابلين لا يمكن صوغ الإشكال الفلسفي الذي بينا صيغه التاريخية إلا بنموذج تصوري هو موضوع هذا الفصل وهو نموذج سيحررنا من المناظرية من وجهين:
فهو أولا يبين أن الفصل بين ما يقبل العلم وما لا يقبله فصل غير مناظري أي إن هذا الفصل ذاتي لفعل العلم نفسه في صلته بالموضوع: كل اللامتناهيات التي سنكتشفها هي لا محددات وليست لا متناهيات قابلة للصوغ العلمي. إنها من جنس ما لا يقبل التحديد ولا البت بالمعنى المنطقي للكلمة: Indecidable.
وهو ثانيا يبين أن القول بالمناظرية المطلقة متناقض لأنه يفترض أن علمه بفعل الذات من حيث كونه مناظريا علم مطلق ثم ينفي أن يكون بوسع العلم أن يتحرر من المناظرية: فهو قد تحرر من المناظرية بمجرد أن أطلق قوله بها وإلا لكان قوله بها هو بدوره من جنسها فلا يصح إطلاقه.
ولنذكر الآن ما توصلنا إليه من نتائج مفيدة في تحديد صيغة الإشكالية لكي نقدم النموذج الذي بفضله ستقترب الفلسفة من الدين ويصبح إدراك حدود الإدراك جوهر الفكرين اللذين يتحولان إلى فكرين اجتهاديين في النظر (معيارهما هو التواصي بالحق بين الناظرين) وجهاديين في العمل (معيارهما التواصي بالصبر بين العاملين) كما سنرى. وذلكما هما سبيلا الإنسان للحد من التحيز لحصره في الفضالة التي لا بد منها من حيث هي علامة الإضافة إلى تناهي الإنسان لا إلى انحيازه. والعلم بهذا التناهي هو الذي يحرره من التحيز بمعناه الخلقي: فبمجرد أن يعلم الإنسان إن فوق كل ذي علم عليم يصبح أكثر تواضعا ويفقد ما به من فضاضة وغلظة فيلين للآخرين.
وقد توصلنا إلى الحدين المفيدين في صوغ مسألة التحديد المتبادل بين صورة الموجودات ومادتها صوغا يقبل العلاج الفلسفي والديني لانتسابه إلى الإنسان سواء تقدم عنده النظر والعالم الطبيعي على العمل والعالم التاريخي كما هو شأن الفكر الفلسفي أو تقدم عنده العمل والعالم التاريخي على النظر والعالم الطبيعي كما هو شأن الفكر الديني. ولعل الجمع الجدلي بين هذين الموقفين قد أصبح مشتركا بين الفكرين وخاصة في الفكر المعاصر:
1- الحد الأول:
فقد وصل القول بنظرية الصورة إلى غايته عندما أصبحت الصورة عددية في فكر لايبنتس بعد أن كانت مقصورة على رتبة النوع.
2- الحد الثاني:
وقد وصل القول بنفيها إلى غايته عندما أصبحت الصورة شاملة لنظام الفكر عامة في صلته بالعالم (كواين)[i]: نفي التناظر بين الوقائع الجزئية وعناصر النظرية في مستوى المفردات والجمل ورفع التناظر إلى مستوى العلم كله.
ومن مفارقات هذه المقابلة التناقض بين نسبة الذاتي (essential) إلى الصورة والعرضي (accidental) إلى المادة ثم نسبة التعيين في الوجود الطبيعي إلى المادة ونسبة الفعلية فيه إلى الصورة بلغة الفلسفة القديمة والوسيطة. ولما كان تعين الشيء هو عينه فعليته حصلت المفارقة: وتلك هي العلة في ذهاب لايبنتس إلى القول بالصورة العينية أي إن الصورة لا تقف عند وحدة النوع بل تذهب إلى وحدة العدد. ولكن عندئذ كيف يمكن أن أعلم صورة سقراط التي هي وحدته العددية وراء وحدة النوع التي للإنسان فيه ؟ ماذا يمكن أن تكون سقراطية سقراط وراء إنسانيته ؟
اعتقد أن هذه المفارقة هي التي أدت إلى نظرية التطور في العضويات ونظرية التاريخ في الفلسفيات فكان التخلص من ثبات الأنواع في العضويات بشيرا بالتخلص من الميتاقيزيقات في الفلسفيات. فإذا كان التعيين راجعا إلى المادة وكان التعيين هو الفعلية الحقيقية للصور باتت الصور متغيرة بتغير المواد. وذلك هو مفهوم التطور الذي يعني في الحقيقة أن الفرق بين المادة والصورة فرق إجرائي يزول بمجرد أن نتكلم في الصور التي لا تفارق كما هو شأن الصور بمعناها الطبيعي منذ أرسطو. فالفطوسة هي تحديب الأنف وليست مجرد التحديب ومن ثم فهي صورة متعينة وتعينها من مادتها أعني أن الأمر لا يتعلق بتحديب في الأنف بل بأنف محدب. والفرق بين. فالدائرة من حيث هي دائرة لا تحل في أي مادة.
والحال في المواد مما يمكن أن يوصف بكونه دوائر ليس دوائر بل مواده مدورة بتدوير يقرب من الدائرية دون أن يتصف بصفاتها ممتنعة التعين في المواد غير الرياضية (=المادة الرياضية هي مجال تمايز الأشكال بعضها عن بعض ومجال علاقاتها بعضها ببعض وربما مجال تحولها بعضها إلى بعض من دون أن تكون حالة في أي مادة): إذ ليس من شروط الدائرة مثلا أن يكون شعاعها محدد الكم بل يكفي أن يبقى واحدا بالقياس إلى جميع نقاط المحيط على سطح منبسط في نسبتها إلى المركز. وما أن يتحدد مقدار الشعاع حتى يصبح ممتنع التعين بهذه الصفة إلا تحديدا تقريبيا وهو ما يتنافى مع الرياضي من حيث هو رياضي. وكل فنيات التقريب الرياضي أتت من ملاحظة هذه الظاهرة.
وبذلك فقد أصبحت الرياضيات النظرية تبحث عن سبل الاستفادة من تجويد فنيات الرياضيات التطبيقية إلى أن تم اكتشاف حساب الأشكال المتعينة بالإضافة إلى وصف الأشكال من حيث هي أشكال دون تعيين: وعندئذ باتت الحركة وهي جوهر الموضوع الطبيعي قابلة للعلم فتأسست الطبيعيات العلمية. فإذا عينت طول شعاع الدائرة مثلا فإن كلامي لن يبقى كلاما في الدائرة من حيث هي دائرة فحسب بل فيها وفي تعينها لذلك فستنطبق عليها قوانين الدائرة العين والمتعينة في مادة رياضية هي الكم الخالص وعندئذ أكون قد انتقلت من رياضيات المواضع ونسب الإشكال بعضها إلى بعض إلى رياضيات القيس والترتيب دون أن أنزل إلى الحلول المتعين في مادة فعلية من جنس المادة الطبيعية. والبقاء في المقدار المجرد لا يؤثر في الشكل المجرد حتى بعد أن صار ذا مقدار معين.
ولكن بمجرد أن تصبح المادة معينة وذات وجود فعلي وراء المادة العقلية التي يعمل فيها الرياضي حتى بالتعيين المكمم فأرسم دائرة في الخشب أو على الورق مثلا فإن الرسم يصبح مؤثرا بمادته سواء كان القصد بالمادة المادة التي يحل فيها الشكل أو فعل إحلال الشكل في المادة. ففعل الإحلال هو أيضا جزء من مادة التعيين أو لنقل إنه تشكيل مادي. فيتدخل البركار بدقته وبحركة فعل الرسم به وتتدخل المادة التي يرسم عليها الشكل إلخ.. وذلك هو دور المادة في الظاهرات الحية وفي كل العلوم التي لها موضوعات حقيقية وراء مجرد الفرضيات الذهنية التي يعالج بها العلم موضوعاته.
ولكي نصوغ المسألة صوغا واضحا يبين أبعادها التي يمكن أن تحدد مقاصد المعرفة ومستوياتها سننطلق من تحليل مثال سهل المتابعة ممن يريد التدقيق النظري هو مثال لعبة الشطرنج وضروب العمليات الفكرية الجارية فيها خلال مجرى مقابلة بين لاعبين تمييزا بين المقوم من العناصر التي سنفردها والعرضي منها:
1- المحدد التعريفي:
وتمثله عناصر لعبة الشطرنج (القطع) وقواعد عملها فعلا وانفعالا (قواعد حركات القطع وعملها فعلا وانفعالا) وعدم أهمية مادة العناصر التي يمكن أن تتعين في أي مادة اتفق وبأي شكل شئنا. تعريف القطع وقواعد اللعب موضوعه في لعبة الشطرنج. أما ما يناظر حدود القطع وقواعد اللعب في الوجود فهي أمور لا تقبل الوضع المتقدم إلا فرضيا ومن ثم فهي مجهولة الحقيقة بإطلاق وكل ما نفترضه لتعريفها يبقى فرضيا مهما نجحت التطبيقات التي تستمد من النظريات التي بنيت على تلك الحدود الفرضية. ولهذه العلة فكل معرفة ميتافيزقية مستحيلة لأنها تفترض الممتنع بالذات: أن يكون تحديد الموضوعات مطابقا للموضوعات فتكون الماهية هي عين الجوهر.
لكن الإنسان لا يمكن أن يتعامل مع الأشياء إلا بحسب فرضياته حولها ومن ثم فهو يغامر دائما في التعامل معها بشيء من المخاطرة تماما كما يفعل من يجوع في البادية فيأكل النبات المتوفر بالاعتماد على فرضيات وقياسات ما لا يعلم على ما يعلم لئلا يموت جوعا وقد يموت بأكل ما ظنه سادا لحاجته. لذلك فالعلم الإنساني يمكن أن يعرف بكونه سعيا إلى غاية نظرية تكون فيها عناصر الوجود وقوانينها من جنس حدود قطع الشطرنج وقواعد اللعب فيه. هذه الفرضية هي عقيدة العلم والعمل الضمنية: فمن دونها لا يمكن للعمل ولا للعلم أن يكونا ممكننين. وهي إذن عقيدة العلم العقلي والعمل الديني. والفرق الوحيد هو أن العلم يتظاهر بالاقتصار على افتراضها بمبدأ "لكأن" في حين أن الدين لا يكتفي بالافتراض بل هو يؤمن لأن العمل لا يمهل للتأكد أولا ولأن العمل لا يمكن أن يكون من دون عزم والعزم يتضاءل بمقدار الشك شرعية العمل.
وليست العلة مقصورة على كون العلم علما والدين عملا رغم أن لهذا الفرق دورا. فالعلم هو أيضا لا يكتفي بمجرد الافتراض إذ لا بد فيه من الالتزام الفعلي بما يفترض ليكون ذلك دافعا للفعل وهو لا يكون دافعا إلا إذا أصبح إيمانا لا يتزحزح ليس بنظرية بعينها بل بغاية السعي النظري: أي أن العلم لا يكون ممكنا إلا بفضل عقيدة شبه دينية تقول إن العالم قابل للعلم خاصة وكلفة التجريب العلمي المادية والروحية لا تقل عن كلفة أي عمل بل لعل التجريب العلمي هو جوهر العمل. ومن ثم فالعقيدة العلمية بقابلة الوجود للعلم تفترض العقيدة الدينية القائلة بأن العالم ليس وليد الصدف المتضافرة بل هو ثمرة عقل حكيم فتكون غاية العلم الحقيقية هي محاولة الإطلاع على سر هذا العلم الحكيم ومن ثم فهو عبادة: كلاهما موقف تفائلي تحرر من التشاؤم الشكاكي ومن التردد أمام مغامرة الوجود عملا بما للإنسان من وجدان روحي يجعله يقبل على الحياة وفرقان عقلي يجعله ينظم هذا الإقبال ليكون عملا على علم. لذلك اعتبرهما القرآن الكريم في سورة العصر شرط الاستثناء من الخسر وسماهما تواصيا بالحق وتواصيا بالصبر شارطين و مشروطين بالإيمان والعمل الصالح.
2- المحدد الصوري:
خطة اللاعبين بحسب العلمين النظري الخالص (أي الذي يمكن أن يستنتج من تعريف القطع وقواعد حركتها) والتجريبي المنظر (أي ما حصل من خبرة خلال المقابلات التي حصلت بالفعل بين اللاعبين): دور علم اللاعبين بقواعد اللعبة وبالتجربة الخاصلة خلال المقابلات السابقة. وقد اعتبرنا هذا المحدد صوريا ولكن ليس بإطلاق بل بالقياس إلى مجرى المقابلات: فما يحدد مجرى المقابلة بصورة ضرورية هو طبعا المحدد التعريفي لكنه يبدو محددا لا يصور اللعبة الحاصلة فعلا إلى من حيث هو محدد للمكن من اللعبات وهو ينتسب إلى التحديد الضروري لا إلى التحديد الذي ينسب إلى الحرية والاختيار في اجتهادات اللاعبين واستراتيجياتهم.
3- المحدد المادي:
الحال البدنية والنفسية لكلا اللاعبين خلال مجرى الشوط: خطة اللاعبين وانجازها لا يتحددان بالعاملين السابقين فحسب بل إن حال اللاعبين تتدخل خلال اللعب بصفاتها البدنية والنفيسة. وقد سمينا هذا المحدد بالمحدد المادي لأنه يحدد قدرة المحدد الصورى على التحديد ومن ثم فهو من جنس مقاومة المادة للصورة أو إن شئنا عدم استجابتها إليها من دون تمنع: لكن المادة المقاومة هنا ليست مادة اللعبة بل مادة اللاعب. ومن جنس هذا المحدد المادي المحدد التعريفي فهو مادي بمعنى ما لا يستطيع اللاعب الخروج عنه إلا إذا غير قواعد اللعبة فلم يعد لاعب شطرنج بل لاعب شيء آخر. وهذا التحديد هو في الحقيقة جامع لصفات التحديد الصوري والتحديد المادي. فمن حيث هو اختيار للعبة قطعا وقواعد ينتسب التحديد التعريفي إلى الحرية المبدعة للعبة نفسها ومن حيث تحوله إلى ضرورة لا يمكن الخروج عنها يصبح التحديد التعريفي شيئا مقاوما للحرية وإن كان خضوعها إليه بإرادتها: وكل المؤسسات الإنسانية هي من هذا الجنس فهي اختيارية من حيث فعل تأسيسها ولكنها اضطرارية بعد ذلك أي إن الإنسان لا يمكن أن يخرج عنها من دون أن ينقضها ويعوضها بغيرها.
4- المحدد الفعلي:
مجرى اللعبة نفسها من حيث هو حصيلة التنافس بين الخطتين والتفاوت بين التجربتين وحال اللاعبين خلال اللعب. وهذا أيضا أمر مستقل عن الأمور الثلاثة السابقة لأنه هو الحقيقة الفعلية للعب ذاته من حيث هو حدث تاريخي يجري في الوجود الفعلي محكوما بالعناصر الثلاثة السابقة وبدور النقل السابقة والنقل المتوفعة في الحاضر من فعل تحريك القطع وهو الحدث الفعلي وفيه تكون النقل السابقة والنقل اللاحقة مثل علاقة الماضي والمستقبل بالحاضر في كل فعل انساني فرديا كان أو جماعيا: ذلك أن الفعل الفردي الذي تحضر فيه الجماعة بحضورها في الفرد ممثلا بالعناصر الثلاثة المتقدمة والفعل الجماعي يحضر فيه الفرد بكونه السهم الحاملة لأفعالها وإن بمنطق علم النفس الجماعي أعني مع زوال فعل الروية التي يتميز بها فعل الفرد منفردا.
5- المحدد الوجودي:
وهو المحدد الأهم في مسألتنا لأنه يتمثل في اللامتناهيات الخمسة النابعة من هذه المعادلة التصورية لما أطلقنا عليه اسم مقاصد المعرفة ومستويات الوجود. وكل هذه اللامتناهيات نابعة من أصلها جميعا أعني هذه القدرة التي يمكن أن تعمل داخل هذه المحددات وأن تعمل من حيث هو أصل التحديد في ما هو من وضعها (كلعبة الشطرنج) وخاضعة لتحديد مجهول الطبيعة (كلعبة الوجود نفسه). وإذا كان التحدد المطلق في العناصر السابقة ممتنعا في مثل هذا الحالة التي هي من إبداع الإنسان فكيف باللعبة الوجودية التي لا علم لنا بمن أبدعها ولا كيف أبدعها والتي لا نستطيع التعامل معها تعاملا فيه للإرادة دور من دون الإيمان وليس مجرد الفرض بأن لها نظاما ناتجا عن قصد. وتتبين الاستحالة في هذا المثال من خلال عدوم التحديد التالية:
-- عدم التحدد الأول:
هو امتناع تحديد كل النقل الممكنة للقطع لأن الممكن بعد نقل كل أي قطعة ينبغي أن يضرب في الممكن بعد النقلة الموالية التي اختيرت من الممكن الأول. فمن تواليف عناصر اللعبة بعد كل نقلة يمكن أن نحدد النقل الممكنة كلها لكن اختيار أي نقلة بمقتضى ما يمكن أن يحصل بفضلها من إمكانات تسليما باستثناء النقل التي لا تنتج عنها إمكانات خصبة بداهة يبقى رهين تجربة اللاعبين وليس قابلا للتحديد بمقتضى قواعد اللعبة وحدها فضلا عن كون حصول الاختيار الواحد يلغي في المقابلة الاختيارات الأخرى لأن الحدوث الفعلي بخلاف الحدوث التصوري لا يترك مجالا للإمكانات الأخرى بل هو يلغيها بمجرد حصوله.
-- عدم التحدد الثاني:
هو لا تحدد توقعات كلا اللاعبين لنوايا ملاعبه. ويمكن من خطة اللاعبين بحسب علمهما النظري وتجربتهما المنظرة أن نتوقع في كل نقل لقطعة من قطع الرقعة ما في خطة اللاعب بصورة شبه منطقية بحسب التجارب السابقة تسليما بأن المقابل يحلل الوضعية نفس التحليل الذي نقوم به وأنه لم يفعل بخلاف ما نتوقع ليغالطنا لكن التعاند بين خطتي اللاعبين يجعل ذلك يتضاعف فلا يكون الأمر محكوما بالتجارب والقواعد وحدهما بل بما يتخيله كلا اللاعبين في نوايا الملاعب وبما يدبره من حيل لمغالطته وإفساد توقعاته. وهذا شبيه بما يجري في ساحات القتال: فبعض العمليات تكون للخداع فإذا لم تحسب فإنها قد توجه الملاعب إلى مسارات تؤدي به إلى الخسران بل إن لعبة الشطرنج أكثر كرها في هذه الحالة لأنك في الحرب يمكن أن ترد على خديعة بخديعة لا تلزمك أفعالك الموالية ما دمت تسطيع أن تقوم بأكثر من فعل في آن. أما في الشطرنج فإن الفعل الواحد يلغي كل الأفعال التي كانت ممكنة قبلة واللاعب لا يستطيع أن يقوم بأكثر من فعل واحد في كل حركة ترد على حركة.
-- عدم التحدد الثالث:
هو أن الحال النفسية لكلا اللاعبين تتدخل في حساب خطة اللاعب فتكون من جنس ما يسمى بمعنويات اللاعب في الرياضة وبمعنويات المحارب في القتال. وهذا اللامتناهي هو أكثر اللامتناهيات خروجا عن قابلية التحديد العملي. والأمر المؤثر فيه هو في الغالب من جنس ما يؤثر في الحرب النفسية بين المتحاربين: وقد ربطه ابن خلدون بالوهم والشائعات وبالصورة التي لكل من المتقابلين عن نفسه وعن الآخر. فعندما كانت الجيوش العربية قبل نصر 73 النفسي منهزمة نفسيا كانت الندية بين المتحاربين ممتنعة. لذلك كانت كل هزائمها ناتجة عن تعطل القدرة على الأداء الذاتي وهو تعطل ينتسب إلى هذا اللامتناهي الثالث. فلا يكفي أن تتوفر الشروط الموضوعية للنصر بل إن مجرد انتظار الفعل للرد عليه يعد نصف الهزيمة لراد الفعل ونصف النصر للفاعل: انعدام القدرة على المبادرة هو العلامة الحاسمة على الخوف المفسد لكل قدرة والمبادرة من دون اعتبار هذا اللامحدد في العمل يؤدي إلى المبادرة الفاسدة أو غير المحسوبة كما حصل سنة 67.
-- عدم التحدد الرابع:
هو مجرى اللعبة نفسها أو حصيلة الصراع بين الخطتين. ففي كل لحظة من لحظات اللعب أو بعد كل نقلة للقطع على الرقعة يحصل صراع قوى تحكمه اللامتناهيات الثلاث السابقة فيضع اللاعبين في وضعية موضوعية هي ما تحتمه عليهما من خيارات محدودة العدد لكنها لا محدودة النتائج بحسب دورها في الخطتين. وهذا أصعب عناصر المعادلة التي نحلل. ذلك أن من لم يعالج العناصر السابقة والتي يمكن أن يكون فيها للفعل إمهال سيجد نفسه في الفعل الحاضر الذي لا يمهل المتقابلين. فمن لم يكن قد استعد عملا بآية الاستعدادا القرآنية (الأنفال 60) ويناظرها في الشطرنج إعداد الخطط وتحصيل التجربة فإنه سيكون كالمحارب منزوع السلاح.
-- عدم التحدد الأخير:
اجتماع عدوم التحدد السابقة في اللاتحدد الوجودي أو في عدم قابلية الوجود للرد إلى الماهية (بلغة ابن سينا) أو إلى الإدراك (بلغة ابن خلدون) أو الحدث إلى التصور أو الفعل إلى العقل أو التاريخ إلى المنطق وكل ذلك ترجمات تقريبية لجوهر المقابلة الدينية بين الشهادة والغيب. فالشهادة هي ما يقبل التحديد من كل ذلك والغيب هو ما لا يقبله: وكل من يتصور الشهادة كافية فلا يعتبر الغيب يقع في المبادرة المتهورة أو غير المسحوبة فلا تكون له خطط للنجدة أو البدائل التي تخرجه من ورطة العمل على غير علم أو العمل بعمل مشوه يتصور ما يجري في الوجود مقصورا على ما يجري في ذهنه.
[i] ومن المفارقات أن هذين الموقفين (ذهاب الصورة إلى غاية التعين لتصبح عددية عند لايبنتس وذهابها إلى غاية اللاتعين لتصبح شاملة لكل مجال المعلوم) يتطابقان في الغاية لأن لايبنتس يجعل كل عين منظور إلى الكل أو هي متضمنة للكل وكواين يجعل النظام التصوري قابلا للمراجعة بشذوذ أي عين اتفق إذا قرر العلماء تغيير النظام التصوري من أجل نجاعة تفسيرية أفضل. فتصبح تلك العين التي فاض بفضلها كأس النظرية فلم تعد مقبولة لفرط ما تعرضت إليه من شذوذ الظاهرات التي بلغ الشذوذ ذروته فيها مثل العين اللايبنتسية وكأنها منظور الكل الوجودي أو التجربة (المادة) في الكل المعرفي أو نظام التصور (الصورة).
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام