
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



تعليقات على تساؤلات القراء (05)
وضعية الفكر الديني الإسلامي الراهنة
المسألة الثانية
أما المسألة القديمة الثانية فهي مسألة كلام الله والخلق بكن. وأما المسألة الجديدة فهي نتيجتها القيمية: كيف نحرر الإنسانية كلها وليس المسلمين وحدهم من التحريف القيمي او بلغة الكلام الإسلامي من التحريف الأمري؟ بكلمة واحدة كيف يكون الحق متعاليا فلا يكون مجرد تحكم إرادة الإنسان؟ لكن مسألة خلق القرآن أو قدمه مسألة مضاعفة. فهل القرآن كلام الله ؟ ثم هل كلام الله مخلوق أم هو قديم؟ والغريب أن القائلين بخلق القرآن (كل الباطنية وجل المعتزلة) لم يستنكفوا من القول بقدم مُثل العالم أو بشيئية المعدوم والقائلين بقدم القرآن (كل الظاهرية وجل الأشاعرة) يعتبرون القول بقدم العالم كفرا. ومن ثم فكلا الفريقين لم ينتبه للتناقض البين بين قوليه في العالم والقرآن.
فكلا الفريقين يغالط بالتلاعب على معنيي المصدر لحصره في الاسم. فالتناقض ناتح عن الخلط بين معنيي المصدر في الصرف العربي: فمثلما أن "الخلق" يفيد فعل الخلق ومفعول الخلق فكذلك يفيد الكلام فعل الكلام ومفعول الكلام[1]. ومثلما أنه لا يمكن لعاقل أن يزعم أن العالم من حيث هو مفعول الخلق قديم من دون أن يسلم بتعدد القدماء لا يمكن لعاقل أن يقول إن القرآن من حيث هو مفعول الكلام قديم من دون أن يقول بتعدد القدماء. ومثلما أن اعتبار العالم من حيث هو مفعول فعل الخلق مخلوقا لا يعني أنه من خلق كائن آخر غير الله (كأن ينسب إلى كائن وسيط بين الله والعالم مثل الطبيعة بل الخالق هو الله) فكذلك اعتبار كلام الله من حيث هو مفعول فعل الكلام مخلوقا لا يعني أنه من خلق كائن آخر غير الله (كأن ينسب إلى الرسول محمد صلعم أو إلى جبريل بل المتكلم هو الله).
ويعني نفي تعدد القدماء أن كل ما عدا الله من الموجودات مجعولات ومن ثم فهي مخلوقات دون أن يتضمن ذلك ضرورة تقدم زمان على خلق العالم لأن الزمان ملازم للعالم ولا يمكن تصور العالم مسبوقا به: لا يمكن استثناء كلام الله من حيث هو مفعول لا من حيث هو فعل من هذه الحكم. ولما كان القرآن من حيث هو مفعول فعل الكلام (لا من حيث هو فعل الكلام) لا يمكن أن يكون صفة لله فضلا عن أن يكون عين الله فإنه مخلوق بمعنى مجعول ضرورة لكن كلام الله من حيث هو فعل صفة لله نفسه لا يمكن أن يكون مخلوقا.
وفي الحالتين لا وجود لمفهوم الزمان الفاصل بين وجود لله وحده ووجود مع مخلوقاته لأننا لو قلنا بذلك لجعلنا الله نفسه متزمنا إذ نكون قد نسبنا إليه وجودا منفردا ووجودا مصحوبا وبينهما زمان. لذلك فإنه قد كان على كلا الفريقين أن يقول بأن فعل الخلق وفعل الكلام من الصفات الملازمة للذات الإلهية وأن مفعوليهما مخلوقان مثل كل المخلوقات التي هي غير الله وجملتها هي العالم وهي ليست بالضرورة متأخرة بالزمان على فترة لم تكن فيه موجودة لأن ذلك لو افترضناه لوجب عنه أن الله كان عاطلا عن الخلق لفترة زمانية محددة ثم خلق فيصبح فعل الخلق متزمنا.
ومن ثم فالفعلان لا يفارقان الذات التي هي ذات صفاتها: الكلام والخلق من حيث هما فعلان. في حين أن المفعولين ينتسبان إلى العالم وهما مثل كل ما فيه مخلوقان بمعنى كونهما مجعولين دون أن يستلزم ذلك التزمن لولا تعنت المتكلمين الذين فاتهم أن الزمان لا يمكن أن يسبق العالم لكونه مقياس الحركة فيه فضلا عن كونه لو افترضناه سابقا على خلق العالم لكان مفاده أن فعل الخلق نفسه متزمن: الكلام والخلق من حيث هما مفعولان. والذات الإلهية هي ذات الوجود المطلق. وهي ذات فعل الحياة المطلقة. وهي ذات فعل العلم المطلق. وهي ذات فعل القدرة المطلقة. وهي ذات فعل الإرادة المطلقة. ولا يعني ذلك أنها متعددة لأن وحدة الذات في القرآن ليست وحدة مجردة كما يدعي المعطلون وكما فهم هيجل من الكلام الاعتزالي والأشعري العائد إليه بقانون التأويل (لفقدانهم شجاعة الاعتزال وصراحته في التعطيل) بل هي تنوع الفعل المطلق الذي وصفناه بكونه حياة وعلما وقدرة وإرادة وكلاما وخلقا إلخ... من الصفات التي وصف الله نفسه بها في قرآنه الكريم[2].
وحدة الذات الإلهية ليست مثل وحدة العدد[3]. إنها لا تقتضي نفي صفاتها لئلا تكون متعددة. ذلك أن علاقة الذات بالصفات ليست علاقة ظرف بمظروف حتى تفيد التعدد بل الذات وصفاتها نحوان من أنحاء وجود الوحدة العضوية ذاتها. وذلك هو مفهوم ذات (مؤنث "ذو" من الأسماء الخمسة) أي "صاحبة" الصفات التي هي وجوهها ووظائفها التي تتعين في أفعالها قياما وجوديا وحياة وعلما وقدرة وإرادة: وتلك هي الكمالات التي بالقياس إليها يلاحظ العدم المأمور بكن. أما مفعولات هذه الذات فإنها غير الذات وغير الأفعال ومن ثم فهي مخلوقة لأنها ما حصل عن أمر كن للعدم في ضوء الكمالات التي تجعله ملحوظا فيؤمر.
وكلمة كن ذات قيامين:
1- قيام فعل التلفط بها في المتلفظ بها صفة له.
2- ثم قيام اللفظة كن بذاها بعد التلفظ بها.
وذلك قياسا على أي متكلم منا لأننا لا نستطيع تصور الكلام بغير هذه الطريقة وكل كلام على كلام الله علته في الحقيقة هذا الوهم الذي يجعلنا نقيس أحكام الكلام الإلهي على أحكام الكلام الإنساني. فعندما أقول أي كلمة يحصل أمران: فعل تكلمي والكلمة الحاصلة من فعل تكلمي. وكلاهما عندي حادث لأني أنا نفسي حادث فتكون صفاتي مثلي بالأولى. أما بالنسبة إلى الله فإن فعل التلفظ بكن قديم وهو كلام الله الخالق. لكن اللفظة "كن" محدثة في كل تلفظ. وهي مصاحبة للمخلوق المأمور بها عدمه. لذلك سمى القرآن كل المخلوقات كلمات الله التي لا يكفي لكتابتها مدادا كل بحار العالم. ولا معنى لوجود لفظة كن بمفردها وإلا لكان أمر الله معصيا.
فالكلام عند الإنسان يمكن أن يقوم منفصلا عن معناه المفاد به لمحدودية قدرته فيحتاج الكلام إلى فعل ينقله من القول إلى العمل. لكن الله ليس لقدرته حد. لذلك فإن مجرد كلامه عمل فلا يتراخي المأمور بكن عن الأمر بكن. وكان يكون غنيا عن الكلام فيكون مجرد علمه عملا لو كانت الكائنات تنفذ إلى المعاني بغير المدارك. والله غني عن خلق وسيط يخلق ما عدا صفاته قياسا على كلام الإنسان في علاقته بفعله[4]. وهذا هو الفهم السيء للكلمة في الأفلاطونية المحدثة الفهم الذي عم بعد ذلك على الكلام المسيحي الشرقي ثم انتقل إلى الكلام المسيحي الغربي وتدفق بتوسط التصوف إلى الفكر الإسلامي فأصبح حقيقة محمدية عند ابن عربي ثم انتقل إلى المثالية الألمانية فأصبحت الفلسفة منذئذ كلاما مسيحيا متنكرا في أسلوب فلسفي بعد كساد سوق الثيولوجيا.
ومن ثم فالقرآن وكلام الله عامة من حيث هو صفة فعل التكلم قديم قدم الذات. ومن حيث هو مفعول صفة فعل التكلم فهو مخلوق بمعنى مجعول مثل كل المفعولات في صلتها بفعلها الذي هو غيرها. وما يصح على فعل الخلق يصح على فعل التكلم. فالعالم أي كل ما عدا الله مخلوق. لكن فعل خلقه ليس مخلوقا لأنه صفة فعل إلهي. وقياسا على ذلك فإن فعل النفخ الموجد للكائنات العاقلة قديم. لكن الكائنات التي حصلت على فعل النفخ كلها محدثة. ولا بقاء لها إلا بالحد والقدر الذي وضعه فيها فعل النفخ لكأن ما وضع فيها شحنة خزان طاقة في جهاز صناعي بشرط أن نتصور كل الجهاز لا قيام له إلا بقيام هذه الشحنة وليس هو وعاء لها يقوم من دونها كما في الأجهزة الصناعية. ولهذه الشحنة بقاءان:
بقاء دنيوي زائل يتقدم فيه فرعه الكلي الذي هو الشحنة النوعية التي نفخت في آدم بالنسبة إلى النوع البشري يليه فرعه الجزئي الذي هو الشحنة العددية (خلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء)
ثم بقاء أخروي ينحصر في الشحن العددية الخالدة وهي تكون صالحة فيتحقق الخلق الخلود في النعيم وتكون فاسدة فيتحقق الخلود في الجحيم.
المسألة الجامعة
لن نطيل البحث في هذه المسألة الجامعة. فهي أشبه بالخاتمة للدرسين الرابع والخامس. إن سورة آل عمران تفسر نشوئية التحريفين بفساد رجال الدين الذين يحرفون الكتاب من أجل المصالح الدنيوية فيؤلهون أنفسهم أو أحدهم. وسورة البقرة تحدد طبيعة التحريفين في آيتي الكرسي وتبين الرشد: التحريف الوجودي (التوحيد بين ذات الله وذات الإنسان) والتحريف المعرفي والقيمي (التوحيد بين علم الله وإرادته أو شرعه من جهة وبين علم الإنسان وإرادته أو شرعه). والخلاصة أن وحدة المسألتين السابقتين في الفكر المسيحي هي وحدة التحريف الوجودي ووحدة التحريف المعرفي والقيمي اللذين ترجع سورة آل عمران نشأتهما في الواقع إلى فساد رجال الدين الذين يؤسسون للطاغوت الروحي والزماني وترجع سورة البقرة نشأتهما في الفكر الديني إلى تحريف مفهوم الله ومفهوم الإنسان وجوديا (طبيعتهما) وقيميا ( تشريعهما).
وبذلك يبتين أن التحريف الوجودي Ontological deviation يوحد مسألتي الكلام القديم ومسألتي الكلام الحديث في مستوى الحقيقة التي تصبح نسبية إلى عقل الإنسان: قضية شروط تعالي الحقيقة على علم الإنسان. وعلاجها يهدف إلى تحرير البشرية كلها وليس المسلمين وحدهم بالتصدي للتحريف الوجودي أو بلغة الكلام كيف تكون الحقيقة متعالية على على علم الإنسان فلا تكون تحكم عقله.
كما يبتين أن التحريف القيمي Axological deviation يوحد نفس المسائل في مستوى الحق الذي يصبح نسبيا إلى إرادة الإنسان: قضية شروط تعالي الحق على عمل الإنسان وعلاجها يهدف إلى تحرير الإنسانية كلها وليس المسلمين وحدهم بالتصدي للتحريف القيمي او بلغة الكلام كيف يكون الحق متعاليا على عمل الإنسان فلا يكون تحكم إرادته.
وتأليه الإنسان هو جوهر الطاغوت الناتج عن جوهر التحريف. فالحقيقة والحق صارا ما يحدده عقل الإنسان وإدراكاته مقصورين عليه (=وذلك هو مصدر علم الكلام الذي يزعم العلم بمقاصد الله وتحديد العقيدة بتأويل نص الرسالة) في حين أن الحقيقة والحق حتى في أذهان العامة هما ما يتعالى على ما يدركه الإنسان ويعمله لأن الإدراك والعلم نفسيهما ومن حيث هما إدراك وعمل هما إدراك وعمل لموضوعهما وإدراك وعمل لقصور الإدراك والعلم على استغراق الموضوع مهما كان حقيرا.
فإذا قلنا بالاستغراق في العلم والعمل كان ذلك جحودا لتعالي الحقيقة والحق وإذا نفيناه كان ذلك شهودا للتعالي وإيمانا بالغيب دون نفي قيمة العلم والعمل بالشاهد في حدود الاجتهاد والجهاد الإنسانيين المأمور بهما قرآنيا بوصفهما أدايت تحقيق شروط الاستخلاف السوي لاستعمار الأرض وإرثها بمقتضى شرع الله. وهذا غير النسبية: فهو من آداب العلم والعمل وليس من نفي الحقيقة. والنسبي فيه هو قدر علم الإنسان وعمله وليس موضوع علم الإنسان وعمله موضوعها المتعالي عليهما دائما تعاليا هو عين الغيب النظري والعملي.
وحتى نوضح الأمر بأكثر ما يكون الوضوح ممكنا. فلنبين سوء التقدير في مجال الحقائق الوجودية من المنظور الجحودي. فلو قال قائل إن الطبيعة هي جملة النظريات حولها لاستسخفه الجميع ولاعتبروه مهلوسا. فقالوا له أنت لا تميز بين اجتهادات البشر لعلم الطبيعة والطبيعة التي هي موضوع محاولاتهم العلمية. وقل ألا يحصل إجماع في هذه المسألة إذا ما استثنينا القائلين بالانطوائية المطلقة الذين يقصرون وجود الطبيعة على ظاهرات الوعي بها. لكن هذا الإجماع يبدو بسرعة قابلا للانقلاب إلى عكسه عندما نتكلم عن الظاهرات الوجودية من منظور ديني. يتصور غالب المتفلسفين أن الحقائق التي يتكلم فيها الدين لا قيام لها وراء كلام الفكر الديني فيها: الحقائق الدينية لا تتعدى ظاهرات الوعي بها.
وهبنا ذهبنا إلى أكثر من ذلك تجريدا حتى يكون القياس أوضح. فلو قال قائل إن قوانين الطبيعة لا ظاهراتها ترد إلى علمنا بها لضحك منه كل البشر فضلا عن العلماء منهم. فهذه حقائق لا يمكن التذرع فيها بحجة اشتراك الجميع في ادراكها. فلا يدرك قوانين الطبيعة إلا كبار العلماء خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعقد منها والذي لا يدرك إلا بعلم رياضي معقد. لا شك أنه يوجد من يقول إن قوانين الطبيعة ليست إلا ما اخترعه العقل الإنساني من عبارات رياضية عنها. لكن أغلب العلماء يعتبرون ما اخترعه العقل الإنساني للتعبير عن قوانين الطبيعة محاولات للتعبير عن أمر ذي وجود حقيقي مستقل عن تلك المحاولات التعبيرية. والحجة على ذلك مضاعفة. فالمحاولات أولا تتطور لصوغ قوانين نفس الظاهرات وهذا التطور ثانيا ليس مجرد تجويد للإدراك فحسب بل هو اكتشاف لأمرين أساسيين في المعرفة البشرية: الخطأ العلمي (ولا معنى لذلك من دون مقايسة العبارة مع المعبر عنه) والتعالي الموضوعي (ولا معنى لذلك من دون التسليم بلاتناهي الموضوع قبالة تناهي محاولات التعبير عنه).
ثم هبنا قبلنا بالقياس على علاقة الإبداع الأدبي بما يعالجه من ظاهرات وقبلنا بأن الظاهرات التي يعالجها الإبداع الأدبي ليس لها قيام خارجه. ألا تكون الظاهرات الأدبية من إبداع شيء في الإنسان هو غير وجوده التاريخي المادي المشترك بين كل البشر الذين لا يد لهم في الإبداع الأدبي؟ ألا يكون ذلك دالا على أن ظاهرات الإبداع الأدبي بحاجة إما إلى النسبة إلى حياة البشر العادية موضوعا ينظر إليه بعين المبدعين الذين يرون فيه ما لايراه غيرهم أو إلى عالم متعال لا يراه غيرهم؟
ولنعد الآن إلى علاقة العلم بالطبيعة. أليس العلماء هم الدين يرون القوانين عالما يتوسط بين مداركهم الذاتية والظاهرات الطبيعية بحيث لا تكون القوانين في مداركهم ولا في الظاهرات الطبيعية بل هي في محل ثالث أو في منزلة وجودية ثالثة تختلف عن المنزلتين المتقابلتين: منزلة المدركات في المدارك ومنزلة المدركات في موضوعاتها؟ فإذا لم يكن الناس يعيشون داخل أوعائهم بحيث تكون أوعاؤهم في أوعائهم فيكون العالم مقصورا على الوعي فحسب فإنه من الضروري أن توجد هذه المستويات الثلاثة مع جسرين رابطين بين الحدين والوسط: بين مدركاتي في مداركي والقوانين العلمية وبين مدركاتي في موضوعاتها والقوانين العلمية.
فإذا افترضت نفسي صاحب المستويات الأربعة التي هي غيري والتي يمكنني أن أزعم أنها مضمونات وعيي بقيت "أنا". فهل "أنا" مضمون من مضمونات وعيي فأكون من صنع ذاتي بخيالي كما أتصور المستويات الأربعة الأخرى من المنظور الانطوائي: ألست عندئذ أطبق على نفسي بالضبط وبكامل الدقة كل ما كان علم الكلام بطبقه على مفهوم الله فلا أكون بهذه الأوهام إلا مؤلها نفسي ؟ أأكون أصلا لا يدرك تعليلا لوجوده فضلا عن كونه أصلا؟ الجواب عن هذه الأسئلة هي التي فرضت المسألة الدينية على العقل البشري: فلا يمكن لي أن أخرج من ذاتي فضلا عن فهم واقعة خروجي من ذاتي من دون أن أعلل خروجي من ذاتي بغير واقعة خروجي من ذاتي التي هي من جوهر الإدراك والعيش مع الجماعة. ولما كان الجواب الديني أو الفلسفي (الذي هو دين طبيعي) شرط التسليم بوجود العالم الطبيعي نفسه من حيث هو حقيقة موضوعيه فإن العالم الخلقي أو الروحي بات متقدم الوجود على العالم الطبيعي أو المادي على الأقل في المعرفة البشرية ومن ثم فلا يمكن أن يكون ما هو شرط كل موضوعية علمية كانت أو فنية غير موضوعي بمعنى أسمى من الموضوعيتين العلمية والأدبية.
لذلك فإدراك حدود الجحود أو الكفران بالطاغوت ينبغي أن يكون متقدما فينومينولوجيا (في الإدراك والوعي به) على إدراك الشهود أو الايمان باللاهوت. لكن التقدم الأنطولوجي هو العكس تماما. فيقتضي ذلك أن يكون متقدما انطولوجيا كذلك (في القيام الذاتي بصرف النظر عن الإدراك والوعي). لو لم يكن الإنسان شاهدا في الأصل لامتنع عليه أن يدرك حدود حصر الوجود في الإدراك أو الجحود الذي هو أصل كل طاغوت. فيكون التحريف مرضا يصيب النفس البشرية فتجحد الشهود المتقدم لتطغي طغيانا يحول الشهود إلى مجرد ظاهرات وعي فتصبح الأديان من أوهام البشرية الميثولوجية. لذلك فسنختم هذا الفصل بشهادتين من نص القرآن الكريم دون مزيد تعليق:
الأول هو تفسير القرآن الكريم نشأة الحجود وعلله منزها عيسى عليه السلام من هذا المرض حيث قال جل وعلا:"ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك.ومنهم من إن تؤمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[5]* إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم[6]* وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[7]* ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون[8]* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون"[9]
الثاني هو تحديد القرآن لأصل التحريفين الموجب قبل السالب بدءا بتعريف الذات الإلهية وعلاقة علم الإنسان به من منظور محدودية علمه وعمله وختما بتعريف الإيمان الحر الناتج عن تبين الرشد من الغي والمشروط من ثم بهذا التبين الذي هو الكفر بالطاعوت. قال جل وعلا: "الله لا إلاه إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم له ما في السماوات وما في الارض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم[10]* لا اكراه في الدين قد تبن الرشد من الغي فمن يكفر الطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم"[11].
وذلك ما كان علينا بيانه C.Q.F.D. فهذه الآيات غنية عن التفسير والشرح. ومن عميت بصيرته لا فائدة من محاولة تفهيمه. والله اعلم وهو الموفق إلى ما فيه الخير والصواب.
[1] وهذا التمييز الصرفي بمجرده يغني عن الحل الزائف الذي لجأ إليه الفكر الأشعري مع الدحض المفحم لنفاة الخلق والقدم ومثبتيهما في نفس الوقت لتحيل أدلتهما التي تتكلم عن شيئين مختلقين تمام الاختلاف وكأنهما شيء واحد. فلا حاجة للتمييز بين الكلام النفسي والكلام اللفظي لان القرآن مثلا كله من أفعال الله بمعناه ولفظه. فلا يمكن نسبة بعده المعنوي إلى الله وبعده اللفظي إلى البشر من حيث هو فعل فيكون الله متكلما بالمعاني من دون الألفاظ. فذلك يضاهي قولنا بأنه خالق لمثل العالم دون أعيانها المادية التي هي العالم الطبيعي الذي ندركه بمداركنا. لكن كلام الله مثل خلق الله وكل صفات الأفعال لها مفعولات تعد أثرا لفعلها. فهل آثار أفعال الله مثل أفعاله ؟ أفعاله غير مخلوقة بل هي صفات فعلية ومفعولاته مخلوفة لأنها كائنات محدثه تنتج عن أفعاله تماما كما هو شأن كل الموجودات في العالم. وهذا الحل يحررنا من تشقيقات علم الكلام القديم ويغنينا عن كل محاولات الرد عليها دون التطرق إلى ما يفرض حلولها للتسليم مثلا بدوران الأشكال حول نفس الأمر في حالتي فعل الكلام ومفعول الكلام أو فعل الخلق ومفعول الخلق وكلاهما يقصد بالمصدر كلام أو الخلق. وإذن فالإشكال كله إشكال صرفي علته أن العربية تستعمل المصدر للدلالة على الأمرين. فيكون فكر المجادل في المسالة منزلقا من أحد المعنيين إلى الآخر من حيث لا يدري: وتلك هي أغاليط مثبتي المخلوقية والقدم ونفاتها في الحالتين.
[2] حللنا بعض مزاعم هيجل لكننا نعجب من أنه يتجاهل أن أصل الخلاف بين المعتزلة والفرق السنية يدور حول التعطيل. ولو صح ما يقوله هيجل عن الإسلام لكان الإسلام مقصورا على التصور الاعتزالي والباطني (راجع فصل الفلسفة العربية في كلامه على الفلسفة الوسيطة الجزء الثاني من محاضراته في تاريخ الفلسفة).
[3] وحتى وحدة العدد فإنها لا تتنافي مع تعدد التنوع الكياني إلا إذا تصورانها مجرد الوحدة دون تعيين كياني فعلي. فوحدة العدد ليست خاصة بالعدد واحد. فكل عدد واحد من حيث هو ذلك العدد. وحتى الواحد فهو متعدد الخصائص فهو فرد وهو قابل للقسمة على أي عدد آخر وهو قابل للضرب في أي عدد آخر وهو قابل للقوة إلخ.... والعدد خمسة مثلا واحد من حيث هو العدد خمسة وله خصائص متنوعة من حيث هو خمسة فهو قابل للقسمة على نفسه وعلى أي عدد آخر إلخ.. وكل هذه الصفات ليست إضافات بل هي ذاتية حقا: فكون خمسة عدد فردي ليست إضافية بل هي مميزه له عن العدد الزوجي والزوجية أيضا صفة ذاتية للأعداد الزوجية. إلخ...
[4] وتراخي الفعل عن الكلام من أشد الأشياء مذمومية في القرآن الكريم. فهو العلامة الفارقة بين الإيمان الصادق والنفاق وبين الفن المبدع والغواية (الشعراء).
[5] التعليل العام بنظرية الجوهيم مع استثناء البعض برمز رد الأمانة.
[6] العلامة المميزة للتحريف وهي النفاق العام رمزا إليه بالايمان الكاذبة أو بما نسميه اليوم ازدواج المعايير حيث تتوقف القيم في الحدود التي أشرنا إليها في التحليل السابق.
[7] تحريف كتاب الله تحريفا ماديا بالزيادة والنقصان.
[8] تبرئة عيسى عليه السلام من التحريف وبيان طبيعة التحريف الوجودي والقيمي برمزي تعليم الكتاب ودراسة الوجود.
[9] وظيفة الاسلام الإصلاحية أو إن شئنا جمعه بين العرض الفينومنولوجي لعلاقة الانسان بالوجود ثم اعادته للعلاقة الانطولوجية التي تجعل الشهود أصلا والجحود نسيانا للاصل ما يجعل الرسالة الخاتمة بالضرورة اصلاحا وتصحيحا للتحريفات السابقة. والايات من آل عمران 75-80
[10] تعريف الذات الالهية وصفاتها الداتية والاضافية وتحديد الذات البشرية علما (ولا يحيطون ) وعملا (يشفع) من من المنظور الالهي ومن المنظور الانساني للحاجة إلى رموز قابلة للفهم تسمح برؤية المعنى جيئة وذهابا بين المنظور الأول والمنظور الثاني.
[11] البداية هي تبين الرشد من الغي يجعل الايمان حرا بلا اكراه خبرا (هو لا يكون إلا كذلك بذاته) وانشاء (نهي المسلمين عن محاولة الاكراه ) وتلك هي وظيفة الرسالة الخاتمة. والنهاية هي الاستمساك بالعروة الوثقى التي هي الرسالة الخاتمة أو القرآن الكريم. والنقلة في مستواها الفنيومينولوجي هي التحرر من الطاغوت أو الكفر به للوصول إلى اللاهوت أو الايمان بالله. أما في مستواها الانطولوجي فأصل التحرر هو تبين الرشد من الغي أي تقدم فطرة الشهود على نسيانها أو الجحود. والآيتان من سورة البقرة 255-256.