



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس السادس
حاضر فكر المسلمين الديني ومستقبله.
إن الاتصال المبدئي بين الدين والدنيا في الإسلام صار بسبب الاغتصابين (اغتصاب العلماء للسلطة الروحية واغتصاب الأمراء للسلطة الزمانية) مجرد كلام لا يعبر عن حقيقة فعلية في تاريخ المسلمين. وما يزعم من انفصال مبدئي بينهما عند المسيحيين صار بفضل سعي المسيحيين إلى التحرر من الاغتصابين كلاما لا يعبر عن حقيقة فعليه في تاريخهم كذلك. فالدولة الغربية الحديثة لم تفصل الدين عن الدولة كما يزعم السطحي من المفكرين بل هي افتكت كل وظائف الدين من الكنيسة ولم تبق لها إلا مجرد الكلام على الدين: فاسئلة الحياة الجوهرية صارت جزءا من الحياة الثقافية ثم هي أخدت منها مسؤولية التربية والتعابير الروحية عن التجربة الوجودية والرعاية الاجتماعية خاصة. وحتى العلاج الروحي في خلوة الاعتراف عوضته الدولة الحديثة بالاعتراف على كرسي المحلل النفسي.
ولا نعني بهذه الإشارة ما قصده بعض المصلحين الذين وجدوا مسلمين من دون إسلام في أوروبا وإسلاما من دون مسلمين في أرض الإسلام. فليس لمثل هذا الكلام من معنى. لا يمكن للمرء أن يكون مسلما من دون إسلام. ولا يمكن للإسلام أن يكون إسلاما من دون مسلمين. وإذن فالظاهرة أعمق من هذا الهراء. وإنما قيل مثل هذا الكلام لتبرير إيديولوجية الإصلاحيين المعتمدة على التحديث بتقليد الغرب في مظاهر حضارته دون أصولها العميقة التي بقيت مجهولة عند أوائل مفكري الإصلاح. فكان أن اجتمع الداءان في عملية الإصلاح الموالية بسبب هذا التبرير السخيف لأخذ مظاهر حضارة دون فهم عللها فضلا عن عدم فهم علل حال الحضارة التي يراد إصلاحها بهذا الخيار: داء الحضارة الإسلامية ببعث الروح في التحالف بين السلطتين المغتصبتين وداء الحضارة الغربية الحديثة بأخذ شمولية التنوير الغربي ومحاولة تمريز الاعتقاد أن ذلك مطابق لقيم الإسلام[1]. فكل الحركات الإصلاحية حافظت على خاصية الاغتصابين من التراث الإسلامي الذي انحط بانحرافه عن قيم القرآن الكريم وأضافت إليهما خاصية التنوير الشمولي من التراث الغربي الحديث الذي اعتبروه إسلاما من دون مسلمين!
لكن ما حصل في الحقيقة التاريخية هو أن الإسلام من حيث هو ممارسة روحية حية في كل أوجه الحياة العمرانية والتي حاولنا حصرها في ضروب القيم الخسمة كاد الاغتصابان يقتلان كل أثر له في حياة المسلمين:
1- اغتصاب السلطة التشريعية بإعادة تكوين سلطة روحية منفصلة عن إرادة الأمة الدينية مؤلفة مما يسمى العلماء
2- واغتصاب السلطة التنفيذية بإعادة تكوين سلطة زمانية منفصلة عن إرادة الأمة السياسية مؤلفة مما يسمى الأمراء.
فالدين بوجهيه ما بعد التاريخي (المثل العليا العقدية الشرعية) والتاريخي (محاولات تحقيقها الفعلي أو السياسة) انقلب إلى ممارسة خارجية ليس للمؤمن فيها مجاهدة حية لأن الغالبية تحولت إلى عامة جاهلة تقودها خاصة مزعومة ليست أقل منها جهلا بحقائق الأشياء حتى وإن امتازت بأفسد حيل السلطان الوهمي على المخيال الشعبي. فالمسلم قد صار خاضعا لأوامر العلماء وتعليماتهم. وتحولت السياسة ببعدها المشرئب إلى ما بعد التاريخ وببعدها الساعي إلى التحرر من ضرورات التاريخ إلى ممارسة خارجية ليس للمواطن فيها مشاركة حية بل هي مجرد صراع بلاطات ونخب فاسدة. فالمواطن صار خاضعا لأوامر الأمراء وتعليماتهم. وبذلك لم يعد بين المسلمين مؤمن أو مواطن لفقدان الوازع الذاتي الذي تحول إلى وازع خارجي بمصطلح ابن خلدون.
وقد حاول ابن خلدون أن يفسر هذه الظاهرة ببعديها السياسي والتربوي عند المقابلة بين الأحكام السلطانية والأحكام التعليمية من جهة والأحكام الشرعية في المجالين من جهة ثانية فعرفها قائلا:" فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي.وأما (الأحكام ) الشرعية فغير مفسدة للبأس لان الوازع فيها ذاتي. ولهذا كانت الأحكام السلطانية والتعليمية مما يؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم. والدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآٍداب"[2].
والمعلوم أن ابن خلدون لا يعني أن كل الأحكام السياسية والتربوية من حيث هي سياسية وتربوية مفسدة للبأس بل هو يقصر ذلك عليها عندما يكون الوازع فيها خارجيا بالقهر والعسف. لذلك فهو قد قابل طابع أحكامهما الخارجي بالأحكام الشرعية التي هي ذاتية. غير أن التعليم في المجتمع الإسلامي بحكم استحواذ النخبة الدينية عليه جعل التربية الدينية هي بدورها تربية لا تحصل إلا بالقهر والعسف. فجمعها نوع التعليم مع الأحكام السلطانية وتعاضد الاغتصابان اللذان أشرنا إليهما: في جملة واحدة زيفت قيم الإسلام من حيث هي عين الوازع الذاتي بنوع الحكم السياسي وبنوع التربية الدينية.
فلم يقتصر مآل الأمر بالمسلم إلى فقدان صفات المسلم الحقيقية فحسب بل هو فقد معاني الإنسانية كما قال ابن خلدون: " ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:
1- سطا به القهر وضيق على النفس انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل
2- وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه
3- وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا
4- وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك
5- بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضب عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء."[3]
فمن هم المسلمون الذين وجدهم رجال الإصلاح بدون إسلام في دار الإسلام ووجدوهم في الغرب بدون إسلام؟ إن ما يقصدونه هو بالذات عين الداء: فالإسلام الذي يتحدثون عن غيابه هناك وحضوره هنا بغيابه عند المسيحيين وبحضوره عند المسلمين لا يمكن أن يكونوا قد قصدوا به السلوك النابع من القناعة الذاتية أو الوازع الذاتي بلغة ابن خلدون بل هو سلطان الفقهاء على العامة. وإلا لما فهمنا كيف يكون الأوروبيون مسلمين بدون إسلام ويكون الإسلام بدون مسلمين في أرض الإسلام؟ ما الذي غاب عند الأوروبيين لينفى عنهم الإسلام وما الذي حضر عندهم ليعدوا مسلمين ؟ وما الذي حضر عند المسلمين ليثبت لهم الإسلام وما الذي غاب لينفى عنهم كونهم مسلمين ؟
كيف يمكن الفصل بين الدين وممارسته في الحالتين: فتوجد ممارسة إسلامية من دون إسلام عند الأوروبيين ويوجد إسلام من دون ممارسة عند المسلمين ؟ فإما أن يصح أحد الحكمين أو الآخر. إذا كان ما لأجله نفي وجود الإسلام في بلاد الغرب هو عينه ما لأجله نفي وجود المسلمين في بلاد الإسلام كان معنى ذلك الوحيد حصر الإسلام في الإسلام الرسمي كما يحدده الفقهاء: فيكون المقصود بهذه القولة هو السعي إلى استرداد هذا السلطان الخارجي للفقهاء ومن ثم مطالبة الأمراء بمقاسمته الاستبداد على الأذهان والأبدان. وإذا كانت أوروبا فيها مسلمون وأرض الإسلام ليس فيها مسلمون كان معنى ذلك الوحيد هو أن صفة الإسلام الحقيقي هي ممارسة قيم الإسلام. فيكون الإسلام موزعا بين فهمين متناقضين ويكون فكر الإصلاحيين مترددا بينهما وعاجزا عن فهم حقيقة الداء التي وصفه ابن خلدون في الفقرتين اللتين أوردنا: فساد التربية التي لم تعد تسعى إلى تحقيق قيم القرآن أعني حرية الضمير والإرادة بل الخضوع للشيخ كالميت إذ يغسل !
والغريب أن نفس هذا الفكر ينتهي إلى حلٍ ضميره أن تحقيق التطابق بين عقيدة المسلمين وسلوكهم ينبغي أن يكون بتخلقهم بأخلاق الأوروبيين التي صارت إسلاما بدون مسلمين (وكان ينبغي أن يسألوا لِمَ لم يعتقد الأوروبي معتقدات المسلمين. لكنهم لم يبحثوا القضية لأنها ليست مطلوبهم). وحتى يتبين سخف هذا الفهم عند الإصلاحييين فينبغي أن نستنتج منه أن مسلمي الصدر قد كانوا على الأخلاق الأوروبية لأنهم كانوا يمارسون الإسلام حقا وذوي عقيدة إسلامية رسمية. وإلا لكان إسلام الصدر إسلاما من دون مسلمين ! وبين أن هذا الموقف السطحي جاهل بأمرين أحدهما فلسفي قد نفهم غفلتهم عنه لبعد غوره والثاني تاريخي لا يمكن أن يغفل عنه إنسان مهما كان ضغيف الفرقان والوجدان.
فأما الأمر الفلسفي فهو كون المثل عامة والإسلامية خاصة (لأنها تتضمن دعوى الكونية الخاتمة أي إنها ليست مثلا لزمن معين) لا يمكن أن تتحقق في سلوك قوم مهما قاربوا التمام بمن في ذلك أهل عصر الرسول: لذلك فالقرآن لم يخل من نقد الكثير من سلوكهم. والقصد أن المرء لا يمكن أن يكون مسلما بالتقليد سواء قلد الصدر أو قلد الأوروبيين بل هو لا يكون مسلما حقا إلا بالإشرئباب الدائم إلى مثل الإسلام في طوقه إلى استكمال ذاته من ذاته. أما إذا تصورنا قيم الإسلام قد تحققت في زمن ما في ماضينا أو في حاضر الغرب فإن جعل المرء مسلما يصبح مقصورا على تقليد أخلاق ذلك العصر: وذلك هو جوهر الاغتراب الروحي بل هو الوثنية بعينها لأنه يمكن أن يعد السمة الجوهرية لما يمكن أن يسمى موت التجربة الروحية. لذلك كانت الحركة الإصلاحية مترددة بين تقليدين:
تقليد الصدر من دون الروح التي تتميز بها الثورة القرآنية أعني روح الصدر الإسلامي وهو ما ولد أصولية القشور الأهلية.
وتقليد الغرب من دون الروح التي تتميز بها الثورة الغربية أعني روح بناة النهضة وهو ما ولد أصولية القشور الأجنبية.
وفي الحالتين فإن الصفة المشتركة هي عدم فهم طبيعة المشكل أعني فقدان الاشرئباب النابع من الذات أو الوازع الذاتي بلغة ابن خلدون.
وأما الأمر التاريخي فيمكن صوغه في شكل سؤال: كيف يزعمون أن الأوروبيين يمارسون قيم الإسلام من دون إسلام ؟ فهبنا سلمنا بأنهم أفاضل في تعاملهم في ما بينهم وهو أمر لا نسلمه إلا جدلا أفيكون ما يمارسه الأوروبيون في بلدانهم لا يدحضه ما يمارسونه في كل بلدان العالم الأخرى؟ أم إن ما يفعله الأوروبيون في العالم ينبغي أن يغض عنه الطرف لكونه ليس موجها لمن هم في منزلة البشر المقصورة عليهم ؟ كيف يتغاضى المصلحون الأوائل على ما تفعله أوروبا ببلدانهم لمجرد أن بعضها حماهم من بعضها ليستعمله في مناوراته السياسية[4] ؟
ولما كان ذلك ينفي الطابع الكوني للقيم التي يمارسها الأوروبيون بات حالهم ليس أفضل من حالنا: كلانا منحط قيميا بالمعيار القرآني والفرق الوحيد أن انحطاطهم لا يطبق على شعوبهم بل على شعوب المستعمرات وانحطاطنا يطبق في الداخل لأن المستبدين منها لا يستعمرون إلا شعوبهم. وليس الغرض أن نخفف من مسؤوليتنا الخلقية بل الهدف بيان الطابع الكوني للأزمة الخلقية الإنسانية التي هي الداء الذي يعالجه القرآن. فسلوك الأوروبيين الاستعماري يبين أنهم أكثر منها كذبا وغشا وخداعا خاصة عندما يتكلمون عن الرسالة التحضيرية وحقوق الإنسان. بل إن كل ذلك عندهم أكبر. فكذبنا وخداعنا وغشنا كلها ذات أشكال بدائية ليست بعيدة الغور وأثرها لا يتجاوز الفعل الحيني.
لكن مصائب العالم الحالي كلها ناتجة عن ثنائية سلوكهم الخلقي في جميع مجالات القيم: الذوقية (ينهبون فنون العالم) والرزقية (ينهبون ثروات العالم) والنظرية (ينفون فضل غيرهم من الأمم في تاريخ المعرفة) والعملية (سياستهم العنصرية والاستعبادية) والوجودية (وهذا بيت القصيد لأنه علة الأدواء السابقة كلها: يؤلهون الإنسان الغربي تطبيقا لنظرية الشعب المختار بستار بنوة عيسى للرب). فإذا أراد المصلحون أن يجعلونا هكذا فعلى الأقل كان ينبغي أن يقولوا إنهم يريدون أن يجعلوا المسلمين شركاء في سلطان ابليس على الكون أي سلطان الفساد في الارض والطغيان على المستضعفين: ليس ذلك من الإسلام في شيء.
فالأوروبيون عامة ومستعمرتاهم (روسيا بالماركسية سابقا وأمريكا بالبروتستنتينية) خاصة يبدون في الداخل ذوي قيم وبحدود شديدة النسبية (وهو أمر لا يعلمه من لم يعش في الغرب مدة طويلة ولم يفهم ثقافتهم بعمق وكلا الأمرين لسوء الحظ غائب عند مفكري الإصلاح) لم يعجب بها المصلحون إلا لسوء الفهم. لكن الأوروبيين مع غيرهم كواسر ليس عندهم إلا الغدر والكذب والنفاق. وحتى في ما بينهم: فما يحدث في القتال الدائم (ويسمى اقتصاد سوق) وفي الحروب الداخلية (في القرنين الأخيرين كل الحروب كانت أوروبية حتى عندما تعم العالم أو تندلع خارج أوروبا ويكفي دليلا ما بين الهند وباكستان أو مابين إسرائيل والعرب أو كل ما يجري في الشرق الأقصى من الصين إلى اليابان وما بينهما وما دونهما من الدويلات).
وهم يسمون ذلك كله سياسة ومصلحة دولةRaison d’Etat : كل العالم عندهم جوهيم. والعلة أن القيم ليست عندهم من جنس الوازع الذاتي الذي يتكلم عليه ابن خلدون أو القيم التي يتكلم عنها كنط أو الاحكام الروحية التي يتكلم عليها الاسلام وإلا لكانت مثلا كونية لا يتوقف العمل بها عند الحدود القومية. إنما هي في الحقيقة حيل للعيش معا في مجتمع عاني من الحروب الاهلية فوصلت مافياته المتصارعة إلى قناعة بعدم جدوى التخادع الداخلي لتكوين مافية متجهة إلى خداع العالم الخارجي: وهذا يسمى موديس فيفنديModus vivendi (حال تعايش) وليس حياة سلمية تحكمها القيم. ويمكن فهم ذلك بمقارنة السياسة الداخلية لأي بلد غربي مع سياسته الخارجية. فكل حروب العالم الثالث الحالية بذرات زرعوها هم بل أكثر من ذلك هم الذين يغذونها بالفنيين وبالأسلحة
والمعلوم أن ذلك كله يحصل بالتأييد الشعبي حتى لا يتصور الناس أننا نتكلم عن النخبة السياسية التي قد تكون هي الوحيدة المقصودة. فكل الإبادات الجماعية في العالم الثالث هي ثمرة سياساتهم إما خلال الاستعمار أو بعد ما يسمى بالاستقلال الذي هو استعمار أذكى. وكل ذلك يقع لارضاء حاجات شعوبهم التي تفرض عليهم بآلية الديموقراطية المزعومة ترضيتهم على حساب الشعوب الأخرى ولو بإبادتها ليستأثروا بثروات أرضها: وسنرى شيئا فشيئا كلما ازداد شح الثروات كما هي الحال الآن بالنسبة إلى الطاقة سنرى شعوب الغرب تطالب حكوماتها بغزو العالم الثالث للتغلب على الندرة المتزايدة.
فكيف يغفل المصلحون هذا ويتصورون الغرب يحيا بقيم شبيهة بقيم الإسلام؟ أيكون الإسلام قائلا بحصر مفعول القيم في الأهل أم هو يعتبرها كونية تعم كل الكائنات فضلا عن البشر ؟ أيكون المصلحون هم أنفسهم جاهلين بقيم الإسلام ؟ أم إنهم في الحقيقة يعالجون القضية بمنطق السياسي الواقعي والتخلي عن منطق القيم الإسلامية والعلمية لان همهم الوحيد هو استعادة حظٍ من السلطان يقاسمون به الأمراء الجدد سلطانهم الأمراء الذين بدأ الغرب يزرعهم بدءا بمصر في ذلك الوقت: أليس محمد علي نفسه أوروبيا؟ ألا ينطبق عليه عندئذ الجمع بين سلوك المسلم الذي وجودوه في أوروبا والإسلام الذي وجدوه في دار الإسلام فيكون قد جمع الصفتين اللتين يبحث عن جمعهما المصلحون؟
لم يهتم المصلحون بكون الإرغام أو الوازع الخارجي هو عين الداء الذي تعاني منه البشرية في العالم كله سواء تعين ذلك خارج بلدان أصحابه أو فيها. إنه داء كوني لذلك فعلاجه لا يمكن أن يكون إلا كونيا: لذلك كانت الرسالة الخاتمة خاتمة وكونية. فهي خاتمة لتختم كل سلطان روحي أو زماني فوق الجماعة. وهي كونية لتحرر الانسانية بالتعارف من هذا الازدواج الذي يجعل القيم خاضعة لحدود التقاليد الخاصة بشعب دون شعب. إنه داء كوني لا يتميز شكله عندنا عن شكله عندهم إلا بكونه متوجها إلى الداخل لعجزه عن التوجه إلى الخارج. فهل نريد للإسلام أن يصبح تقاليد شعب أو جماعة شعوب أم هو رسالة كونية؟ لكن مفكري الإصلاح الذين يتصورون الدين هذا التصور لا بد أن يكونوا منطلقين من موقف فقهي يجد الحل في الوازع الخارجي والتقليد المزدوج (للصدر وللغرب) من أجل تحقيق التحالف بين العلماء والأمراء منطلقا للإصلاح المزعوم في دار الإسلام[5]: وها نحن نرى كيف كانت الغاية. فقد تعملق الوازع الخارجي للإسلام الرسمي وتقزم الاعتناق الذاتي للإسلام الصادق[6] فبات المسلمون عديمي الحياة الروحية التي حصرت في مظاهرها. وأكبر العلامات فقدان القدرة على الإبداع في كل المجالات مادية كانت أو روحية: وذلك ما كان علينا بيانه لسبر أغوار فكر الاصلاحييينC.Q.F.D. .
[1] والغريب أن هذه المطابقة هي عين ما يقول به هيجل. فهو يعتبر الدين الاسلامي دين العقل الميتافيزيقي المجرد الذي يصحر الوجود حاصرا كل الإسلام في آراء إحدى فرقه أي الجهمية وغايتها الباطنية كما هو بين من عرضه لتاريخ الفلسفة الإسلامية التي لا يعتبر ممثلا لها إلا هذا النوع من الكلام لانه يعود بها إلى الواحد الشرقي المجرد. ولما كنت لا أتصور أحدا من أوائل المصلحين قرأ هيجل أو فهمه حتى لو تصورناه قرأه فإن الفرضية المعقولة الوحيدة هي نسبة التطابق إلى أن المصلحين كانوا ميالين إلى الحل الاعتزالي الجهمي وغايته الباطنية التي تعتبر الدين مجرد إيديولوجيا سياسية لسوق الجماهير سوق معبد البعير !
[2] انظر ابن خلدون المقدمة دار الكتاب اللبناني بيروت ط.3 في 1967. صز 222.
[3] انظر ابن خلدون المقدمة, ص. 1042-1043
[4] من عجائب الدهر أنك تسمع البعض يقيس تلاعب بعض المستعمرين بهم في مناوراته مع منافسيه من المستعمرين على بلادهم يقيسون ذلك بهجرة الرسول وأصحابه. شتان بين الثرى والثريا. فالهجرة كانت في توجهها إلى الخارج حملة اعلامية وفي توجهها إلى المدينة تأسيس دولة الإسلام. هذا فضلا عن كون القصة نفسها تبدو غير قابلة للتصديق على الأقل بالشكل الذي تقص به. فليت شعري كيف يكون النجاشي قادرا على فهم الآيات التي قرئت عليه في مريم ولا تجد اليوم من حكام العرب من هو قادر على فهم الخطيب الذي تكلم في حضرته إلى الحد الموصوف في القصة فضلا عن تذوق فصاحته والاستمتاع بها ؟ أما اللجوء السياسي المزعوم فهو قبول اختياري لدور الدمية في مخططات المستعمر من أجل طموح سياسي وهو في أفضل الحالات عند من يمكن تنزيههم عن العمالة بحث عن راحة شخصية لا غير. فلا أتصور فرنسا تقبل بالعروة الوثقى لو لم تكن تؤدي وظيفة في تنافسها مع انجلترا على مصر وباقي الوطن العربي. والأمر الآن لم يعد محتاجا للتدليل: يكفي السماع لتلفزات المعارضة المهاجرة في الغرب. وهي ليست شاذة إلا بكون أصحابها بلغت بهم الوقاحة إلى حد عدم إخفاء طبيعة دورهم في العمالة للداخل والخارج على حد سواء.
[5] لذلك فليس بالصدفة أن تكون كل الحركات الاسلامية ذات تنظيم عسكري وفاشي وأن يكون كل ما وصل منها إلى الحكم وصل إليه بالعنف وبالانقلاب العسكري. وذلك بين في حالتي الشيعة والسنة ولا حاجة لمزيد التوضيح.
[6] قد يفهم المتعجل أن ذلك دعوة للتصوف. ولن يقول ذلك إلا من لم يفهم أهمية نفي السلطان الروحي والاستغناء عن خرق العادات للدلالة على صدق الرسالة وختم الوحي حتى لا يزعم أحد أن له علما لدنيا غير العلم الممكن لكل البشر. لذلك فكل من يتصورنا نرى الحل في المهرب الصوفي يحهل حقيقة التصوف وتاريخه على الأقل عندنا. فتاريخيا ليس التصوف عندنا بأقل ارغاما خارجيا من الفقه. الفرق الوحيد أن الفقه يستعمل الوسائل المادية للارغام والتصوف يستعمل الوسائل الرمزية لارغام اعتى. كل التخريف الصوفي حول الكرامات والوساطة ليس إلا وسيلة رمزية لافقاد الامة عقلها وتحويلها إلى دمى تساق من الخارج من قبل أصحاب الكرامات والخوارق والوسطاء. لذلك فضرر سلطان الفقهاء هين بالقياس إلى ضرر سلطان المتصوفة. إنهم جوهر السلطان الروحي الذي أفسد الاسلام وأعاده إلى ما جاء ثورة عليه. بل إن الفقهاء لم يركنوا إلى هذا النوع من الفساد إلا بسبب التنافس مع المتصوفة على سوق الجماعة بعد أن صيروها عامة.
أما التصوف فطبيعته أنه بمجرد تجاوزها مرحلة مجاهدة التقوى والاستقامة (وهما درجات التدين الصادق) يتحول إلى ذروة النفاق الساعي إلى ادعاء علم مستحيل وتصرف في الاكوان اكثر استحالة (وهما درجتا التدين الكاذب أو التصوف المذموم) فيكون بين خليتين: إما غر مخادع لنفسه أو ابليس ماكر يخادع الناس. ولا يمكن أن يكون المتصوف جاهلا بامتناع هذا العلم الذي يدعيه. فهو إن لم يعلمه من نص القرآن فلا أقل من أن يكون قد علمه من محاولة تحقيق ثمراته: فأقصى ما وجدته في كتاباتهم هو –كما أثبت ذلك ابن خلدون بعد الغزالي الذي لسوء الحظ عاد فوقع في نفس الاخطاء- مبتذلات الفكر الفلسفي في الافلاطونية المحدثة وبعض ما نتج عنها وعن الفكر التنجيمي التي من جنس أسرار المصريين. من هنا نفهم أهمية نفي السلطان الروحي والاستغناء عن خرق العادات للدلالة على صدق الرسالة وختم الوحي حتى لا يزعم أحد أن له علما لدنيا غير العلم الممكن لكل البشر .